كلمة في مجلس الاستقبال في بيت المنصب الحبيب أبوبكر بن علي في الغيضة

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في بيت المنصب الحبيب أبوبكر بن علي بن أحمد ابن الشيخ أبي بكر بن سالم، في مدينة الغيضة، محافظة المهرة، ليلة الأربعاء 12 ربيع الثاني 1448هـ

 

نص الكلمة:

 

مقدمة في فضل اللقاء ودخول الإسلام إلى اليمن

الحمد لله على لقاءٍ في الله في هذه البلدة الطيِّبة المباركة، وعلى تواصلٍ يُقصَد منه رضوان الحقّ الذي خلق، والاستعداد للقائه في تبعيةٍ لإمامنا وهادينا ومرشدنا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وقد أشرق على اليمن نور الإيمان والإسلام من حياة سيّدنا المصطفى محمد ﷺ، وجاء الصحب الأكرمون إلى مناطق في اليمن ومنها حضرموت، وولّى النبي ﷺ بنفسه الوالي عليها زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه. 

وجاء من بعدهم التابعون وتابعوهم بإحسان، ووُجِد في اليمن مِصداق ما قال صاحب الرسالة: "الإيمان يَمانٍ، والفِقه يَمانٍ، والحكمة يمانيّة". 

وإلى ما قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عنه ابن عباس في الأحاديث الصحيحة عندما نزل قول الله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) أشار إلى أبي موسى الأشعري ومن معه من أهل اليمن، وقال: "هم هؤلاء".. مِن قومٍ يُحبّهم ويُحبّونه: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ).

ومرّت القرون، وجاء إلى اليمن في أول القرن الرابع الهجري بضعة النبي ﷺ ومِن عترته وآل بيته؛ الإمام المهاجر إلى الله أحمد بن عيسى. وتوطَّنوا الوادي الميمون، ومرَّت السنون وهم على قدم أهل السنّة، والناس في هذه البلاد وعامّة بلاد اليمن في فروع أحكام الشريعة أخذوا فِقه الإمام الشافعي محمد بن إدريس عليه رحمة الله ورضوانه؛ مَنهجٌ صحيحٌ قَويمٌ في فهم الكتاب والسنّة واستنباط الأحكام منهما، مِن أُولي الاجتهاد والاستنباط والأحقِّيّة من القرون الأولى عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

منهج الوسطية وتوطد العلاقات الإيمانية

في مناهج لا تحتوي على سوء ظَنّ، ولا حقدٍ، ولا حسدٍ، ولا بغضاء، ولا شحناء، ولا على ما يضرُّ المجتمعات في ظاهرها أو باطنها، في دينها أو دُنياها، في دُنياها أو آخرتها؛ بل دينٌ يجمع القلوب ويؤلِّف. 

ثم توطّدت علاقةٌ خاصّةٌ بيننا وبين هؤلاء الطيّبين من قبائل المهرة، بمجيء الإمام سالم بن أحمد بن الحسين بن الإمام الفخر الشيخ أبي بكر بن سالم -عليه رضوان الله- إلى هذه المنطقة، واختارها في أحوالٍ وظروفٍ مضت على الوادي في تلك الأيام.

ووَجَد أثر الإيمان، وأثر طِيبة القلوب، وطِيبة الفطرة عند أهل المنطقة، وأقام بينهم على توادٍّ في الله، وتحابُبٍ في الله جلّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

وكان ذلك مواثيق إيمانيّة، اقتضت أن تجتمع هذه القبائل مع آل البيت الطاهر ومع العلماء على مرضاة الله، فيما ينفع ويرفع، ولا يضرُّ ولا يُفرِّق، ولا يُشتِّت ولا يُوقع الأمّة في آفاتٍ ولا بلايا، ولا رزايا ولا خصومات، ولا مجادلاتٍ ولا سِبابٍ ولا قتال. 

فلقد قال هادينا صاحب الرسالة نبينا محمد ﷺ: "سِباب المسلم فُسوق، وقتاله كفر"، سِباب المسلم فُسوق، وقتاله كفر، فلا ينتحل السَّبَّ إلّا فاسق، ولا يستحلُّ قتال المسلمين إلّا كافر، والعياذ بالله تبارك وتعالى.

وكُنّا في ظلّ هذه الشريعة، حظيَت قبائل المهرة بحكم الإيمان بمحبّةٍ صادقةٍ لله، ولرسوله محمد، ولأهل بيته، ولصحابته، وللصالحين خاصّةً في الأمّة، وللمسلمين عامّة. 

وبقي بينهم من الشمائل والمكارم والفضائل حفظها الله عليهم وعلى ذراريهم، ولا غيَّرها عليهم بتأثيرات الغرب ولا تأثيرات الشرق، ولا ما طرأ على الأمّة من إرادة التشتيت والتفريق، ولا اللعب بالدين، ولا اللعب بالأعراف والقيم والمبادئ الصالحة، حفظ الله عليكم المبادئ الطيِّبة المُتّفقة مع شرع الله، والمُتّصلة بسنّة سيّدنا رسول الله ﷺ.

تجديد عهود الأخوة والجزاء في الآخرة

وكان من تجديد هذا العهد مع الله والمواثيق في التحابُب في الله، مجيء منصب الشيخ أبي بكر بن سالم، الحبيب علي بن حسن بن أحمد بن علي بن الشيخ أبي بكر بن سالم، زائرًا إليكم إلى هذه المنطقة؛ مُجدّدًا العهد والودّ والأخوّة والمحبّة في الله، لمن يقبل أن يُخلِص لوجه الحقّ تبارك وتعالى، وأن يستعدَّ للقائه، وأن يغنم من حياته ما عساه أن يربح به في البرزخ، ويربح به في يوم القيامة، ويدخل به إلى جنّة الله تبارك وتعالى؛ التي لا تُقتسَم إلّا بالأعمال، كما لا يُدخَل فيها إلّا برحمة الله، ولا تُقتسَم إلّا بالأعمال.

"ادخلوا الجنّة برحمتي واقتسموها بأعمالكم" يقول الله، فمن عمل أكثر وأطيَب وأخلص، كانت له المنزلة والكرامة والدرجة في الجنّة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) وفي قراءة: (يُدْخَلُونَ الجَنَّة يُرزَقون فيها)، (فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)، يقول سبحانه وتعالى.

ثمرات الزيارة والدعاء للأمة بالخير

وهكذا جاءت هذه الزيارة، ورأينا من الأثر الطيِّب عندكم؛ استقبالكم ووجود الأعيان منكم، وحضور المُحافظ بنفسه مُعبّرًا عن الإيمان والولاء في الله والمحبّة لله، التي هي أسمى من كلّ العلائق، فالعلائق بين الخلائق مِن طرف الأرض إلى طرفها تنحلّ وتتحوّل إلى عِداءٍ إلّا ما قام على التقوى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).

واستبشرنا بالمجيء، ومع طول الوقت في الطريق الذي لم نكن نعلم عنه، وإلّا لَمَا أتعبناكم للانتظار لمثل هذا الوقت؛ فجزاكم الله خيرًا وأحسن الله إليكم وسامحونا. وما كنّا نظنّ أنّ الطريق تستغرق فوق ١٣ ساعة من "تريم" حتى وصلنا إليكم، وكانت الأخبار واصلةً إلى المنصب أنّها بين ستّ وسبع ساعات، وبعضهم قال ثمانٍ، وتجاوز الأمر كلّ ذلك بطول هذا الطريق، وعدم استطاعة السرعة والمشي فيها بما فيها من حُفَر وتعاريج، والحمد لله، وحين وصلنا إليكم زال التعب، وزال النَّصَب من هذا السفر؛ فإنّ المقصد أكبر وأجلّ.

بارك الله في المحافظ ونائبه والحاضرين من الأعيان، وبارك الله في المنصب عندكم السيّد أبي بكر أطال الله عمره في عافية. 

وقد صَحِبنا في توثيق هذه العهود من الأعيان: منصب آل المحضار القائم بالقويرة في مقام الإمام أحمد بن محمد المحضار، الحبيب أحمد بن حسن بن حامد المحضار جزاه الله خيرًا ومن معه في سعفه. 

وفي الجمع كثيرٌ من هنا وهناك، نرجو أن ينطبق عليهم ما صحّ في الحديث: "لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ أَقْوَامًا عَلَى مَنَابِرَ مِنْ لُؤْلُؤٍ، عَلَى وُجُوهِهِمْ نُورٌ، لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ"، فجثا أعرابيٌّ على رُكبتيه وقال: يا رسول الله، جَلِّهِم لنا نعرفهم، قال: "هُمُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، مِنْ بِلَادٍ شَتَّى وَقَبَائِلَ شَتَّى، يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ فَيَذْكُرُونَهُ".

والحمد لله الذي جمعنا، ومعنا هذه الليلة والغد والليلة القابلة في هذه المدينة في المهرة، ونمضي في بقيّة أيام المهرة حسب البرنامج، ومعنا ما يتيسّر إن شاء الله مِن لقاءٍ في الجامعة وفي المساجد.

جعلنا الله وإياكم من المتحابّين فيه، والمتزاورين فيه، والمجتمعين على ما يُرضيه. 

وبارك في جمعكم، ونظر إلينا بعين عنايته، ونظر إلى المهرة وأهلها نظرًا يجمع به الشمل، ويدفع به البلاء، ويصلح به الظاهر والباطن، ويوالي به غيث الرحمة للقلوب وللجدوب، ويغفر به الذنوب، ويستر به العيوب، ويكشف الكروب، ويجعلهم جُندًا لله، مع الله، مخلصين لوجه الله، اللهم أكرِمنا وإياهم بسعادة الدارين، وقرّة عين سيّد الكونين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

13 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

23 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية