(482)
(636)
(31)
(368)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في ذكرى حولية شيخه العلامة الحبيب محمد بن عبد الله الهدار، في رباط الفتح، بمدينة سيئون، ليلة الإثنين 9 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:
أسرار الصلات العالية وخطر مستقبل الأبد
تضمنت المحاضرة: بيان شرف الصلة بالله ورسوله ﷺ، والاستعداد لمستقبل الآخرة، وتقوية الصلات القلبية بأهل الصدق والإخلاص، كما يذكر سيرة الحبيب محمد الهدار في صدق التعلق بالله وحسن الخلق وسلامة الصدر، داعياً إلى تصفية القلوب والعفو والإحسان وحسن الصلة بالخلق.
تقبَّلنا الله وإياكم بأحسن القبول، وربطنا بسيدنا الرسول، فإنَّ الروابط والصِّلات الطيّبة الحسنة المحمودة المقبولة عند الله كلُّها تعود إلى هذا الأساس: خيرِ الناس ﷺ.
وما من صلةٍ كريمةٍ بالإله العظيم مقبولةٍ عنده، من آدم إلى آخرِ مؤمنٍ تخرج روحه من على ظهر هذه الأرض، إلا ومرجعُ صِلته إلى الحق من باب محمدٍ حبيبِ الحق ﷺ.
وكلُّهم يجتمعون تحت لواء الحمد. هذه الصِّلات الشريفة الحميدة العالية التي يختصُّ بها المؤمنون من النبيِّين وأتباعِهم من ورثتهم، ومِن أهلِ اتِّباعهم من الإنس والجن، تؤول بأصحابَها إلى تحت اللواء، وإلى أحواض أنبيائهم، وإلى دار الكرامة والاستقرار في الجنة.
هذا المستقبل الأكبر الأخطر، الذي جاءنا الأنبياء لنَسلَم مِن الهلاك فيه: من حرمان الجنة، ومن دخول النار؛ لنَسلَم من الشقاء المؤبَّد ونحظى بسعادة الأبد.
فمَن يضحك على عقولنا أنه سيؤمِّن مستقبلَنا؟! وهل يعرفون من مستقبلٍ شيئًا غيرَ القصير المنقطِع الزائل؟ فليسكُتوا! نداءُ الرحمن على ألسُنِ رسلِه دعانا إلى الانتباه من مستقبل الأبد والدوام، وعند الانتباه من ذلك، فكلُّ ما يجري لنا في هذه الحياة لا يكون إلا خيرًا، ولا يكون إلا نورًا: مِن مرضها وصحَّتها، وغناها وفقرها، ويُسرها وعُسرها.
وهي أحوالٌ لا بدَّ أن تكون على ظهر الأرض وفي هذه الحياة لكلِّ أحد، إلا أنَّ حالَ المؤمن عَجَب؛ أمرُه كلُّه خير: إن أصابته سرَّاءُ شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبَر فكان خيرًا له.
والذين حُرِموا هذه الصِّلات على أنواعٍ من الحرمان -والعياذ بالله تبارك وتعالى-، أما الذين حُرِموها أصلًا فهم المخلَّدون في النار المُوقَدة؛ فما تُغني عنهم هذه الصِّلات التي شغلتهم في الدنيا، والعلاقات والارتباطات والاتفاقات والمعاهدات, والمزاورات بينهم والمشاورات والأنظمة والمواثيق، وهم منقطعون عن هذه الصِّلة الشريفة الكبرى العظمى التي يدوم مجدُها ويتأبَّد نعيمُها؟! ماذا عندهم مساكين؟
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ).
فاحمَدوا الله على نعمة الإسلام والإيمان، وأنتم عُرضةٌ لهذه الصفات، الذين انقطعوا عنها أصلًا فماذا حالُهم؟ (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، ويتساقطون في النار: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا).
هذا مستقبلُهم! خُذوا الخبر عن المستقبل من قِبَل الخالقُ، يُبلِّغه الأنبياء، وهذا النبأُ على سيد الأنبياء جاءكم، يُلهينا بعد ذلك؛ صُحفٌ ينشرونها، أو أقوالٌ يبثُّونها، أو مواقعُ يقيمونها هنا وهناك، يضحكون على عقولنا؟! أخبارُ المُوجِدِ الخالقِ، العليمِ بكل شيء بلَّغها النبيُّون، يجب أن نأخذها في محلِّها.
إذا اجتمعنا في مثل هذه الحَوْليَّة، نحرص على تقوية هذه الصِّلات الأبدية السرمدية الروحية القلبية السِّرِّية، المقصودُ بها اللهُ، والواصلة إليه من حضرة حبيبه ومصطفاه محمد بن عبد الله ﷺ.
والحبالُ إليه حَمَلةُ السند من كلِّ ذي منهجٍ أَرشَد، وصِحَّةِ معتقَد، وعملٍ مُخلصٍ لوجه الواحد الأحد، وفيهم انطبق الوصف؛
فهمُ القوم الذين هُدوا ** وبفضل الله قد سُعِدوا
ولغير الله ما قصَدوا ** ولغير الله ما قصَدوا
ولغير الله ما قصَدوا.. هذه الميزة الكبيرة!
ومع القرآن في قَرَنِ، ومع القرآن في قَرَنِ، ومع القرآن في قَرَنِ!
وما سمعتم من صِلات سيدنا الحبيب محمد الهدَّار بمشايخه، وتلامذة مشايخه، بأولاد مشايخه، بذُرِّية مشايخه، بآثار مشايخه، بأقرانه، بتلامذته، بِمَن في زمانه من خواصِّ الأخيار، ومن عموم مَن صاحبَه ولو ساعةً في ليلٍ أو نهار؛ ما يجد أكرمُ منه، ولا يجد أحسنُ خُلُقًا منه، ولا يجد أوفى منه، ولا يجد أرحمُ منه؛ من الرحمة المصبوبة في قلبه من رحمة سيد المرسلين الذي خاطبه ربُّ العالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
هذه العلائق، الشأن فيها والسرُّ فيها تعمُّقُها في قصد وجه الرب، متعمِّقةً في قصد وجه الرب، ما يُحِبُّ لغرَض، ما يُحِبُّ لمصلحة، ما يُحِبُّ لإرادةٍ من الإرادات بكل المعاني إلا لله.
ما كانت علاقتُه بمشايخه إلا من أجل الله، ولا بآثارهم إلا من أجل الله، ولا بأحبابه وأعوانه في الله إلا من أجل الله؛ السرُّ فيها أنها خالصُ ذهبٍ من الإخلاص، ما فيها شائبة.
ولغير الله ما قصَدوا ** ومع القرآن في قَرَنِ
عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
وكم بكى عند آيات القرآن، خصوصًا في خلوته! قد يغلبه البكاء عند ذكر آيةٍ في مذاكرةٍ أو في صلاةٍ أحيانًا، لكن يجتهد على إبعادها ما استطاع، لكن في الخلوة يطيب له البكاء، وحالُه:
ما فارق الذِّكرَ طولَ العمر والكُتْبا
بَكَّاءُ ليلتِه سَجَّادُ خلوتِه ** من خوفِ مالكِه يستعذبُ التَّعَبا
له اشتغالٌ بحفظِ السِّرِّ عن دَخَلٍ ** ليث النِّزالُ إذا ما عارَك الرُّقَبا
تلقاهُ في الجُودِ كالطائي وأحنَفَهم ** في الحِلم قد فاقَ قُسًّا حيثما خَطَبا
عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
وهي أوصافٌ من جمال محمدٍ تبدو في البدور والنجوم التي وَرِثَتْه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
وجمالُ محمدٍ إنما هو جمالُ الواحد الأحد؛ هو الذي جمَّله، وهو الذي كمَّله، وهو الذي فضَّله، وهو الذي جعله خاتمة رُسله، وهو الذي جعله أكرمَ الخلق عليه، فكلُّ جمال سيدنا محمدٍ جمالُ الواحد الأحد:
ربُّ الجَمالِ تعالى اللهُ خالقُهُ ** فمِثلهُ في جميعِ الخَلْقِ لم أجدِ
صلى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله.
وينتهي بكم شأن هذا النداء في باطن هذه الحَوْليَّة والاجتماع في هذا الرباط وفي هذه الساحة وفي هذه الذكرى؛ النداءُ الإلهيُّ الربانيُّ: صَدُقوا معي واتَّصَلوا بي فوَصَلتُهم، ووَصْلي لا ينقطع.. فأين قلوبكم؟ يا حاضرين ذكرياتهم، يا سامعين أخبارهم، يا تالين صفاتهم؟ أين علائق قلوبكم بي؟ وأين إرادتكم لوجهي؟ وأين استفادتكم من هذه الحبال المُوصِلة بحبيبي المُوصِل إليَّ؟ صلى الله وسلَّم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله.
ولْتكن للقلوب -إن شاء الله- تلبيةٌ لنداء الله في هذه المجامع، التي رُوحُها جَمعيَّةُ القلوب على الله تبارك وتعالى، في ذِكر هؤلاء الذين آثَروا الله على ما سواه؛ فقامت الاجتهادات، والمجاهدات، والصبر، والحِلم، والخُلُق، والتواضع، والزهادة في الدنيا، والكرم، والسخاء، والإعطاء، وما إلى ذلك؛ قامت فيهم كلُّها نتيجةً لقصدهم وجهَه سبحانه وتعالى ولمحبَّتهم له.
فالله يجعل لنا تلبيةً لهذا النداء الربانيِّ في هذه المحاضر، لنحضُر مع كلِّ حاضر، وتنطلق أسرارُ هذه الصفات إلى قلوبنا وأرواحنا وأسرارنا، وتعُمَّ في ديارنا، من أهلينا وأولادنا، ويضاعفَ اللهُ بركاتِ هذه الأربطة وهذه المجامع.
وبعد ذلك، هذا عمق من الأعماق في قوة الصِّلة بالله، المُترجَمة في الصِّلة بأنبيائه وأوليائه وخَلْقه كما أراد.
حتى مع الجمادات صِلتُهم حَسُنت، وشأنُهم كما تقرؤون في القرآن: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا)؛ ما يُحبُّون العبثَ بحصاةٍ دون حاجة، ولا بمَدَرة، ولا بتراب، وإذا مشَوا على الأرض مشَوا هَوْنًا من خضوعهم، حتى مع الجماد صِلتُهم جميلة، أما مع الحيوان أجمل وأفضل، ومع الإنسان، وأما مع الأولياء، وأما مع الصالحين، فشأنُهم شأن.
وكان نموذجًا عجيبًا سيدُنا الحبيب محمد الهدَّار، عليه رحمة الله تبارك وتعالى؛ وانغمس في بحر الصدق مع الله، والإخلاص لوجهه، وحُسنِ الظنِّ بالله وبعباد الله، ومملوءٌ به من رأسه إلى قدمه، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، فاجتمعت له الأسرار من كل جانب، وأتت إليه من كل جهة، عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وكان ما كان.
فالله يرفع له الدرجات، ويجمعنا به في أعلى الجنان يا رحمن، وصلتهُم صِلْنا بهم، وبحقِّهم يا ربِّ حُلَّ كلَّ قياد يمنعنا عن اللحوق بهم، والدخولِ في رَكْبِهم، والشُّربِ من شِرْبِهم، يا الله.
وبعد هذا العمق المؤمنون عندكم على صِلاتٍ مختلفةٍ بهذا السر، منهم ذو صِلة ضعيفةٌ وعلى وَشَك؛ وهذا الذي يتناوبه داعي المَلَك وداعي الشيطان، ويلعبون على قلبه: إما إلى اليمين، وإما يُزيغ -والعياذ بالله تبارك وتعالى-.
ومنهم أقوى في المحبة والصِّلة، تحمِلهم على المتابعة والاقتداء، وما يرتضون للمال أن يُعكِّر عليهم صفوَ صِلتهم بالله وبأحباب الله، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه؛ وهؤلاء أقربُ للُّحوق بهم، و "المرءُ مع من أحَبّ".
وقومٌ في الصِّلات في أعظم من ذلك، وقومٌ إلى العمق الذي ذكرناه؛ في مثلُ هذا الإمام عليه رضوان الله تبارك وتعالى، لا يُذكَر في مجلسه أحدًا بسوء، ولا يقبل ذِكرَ سوءٍ لأحدٍ من خلق الله تبارك وتعالى، إلا مَا عالَج أو نصَح أو رتَّب أو دعا، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
وهكذا يقول لي مرة لقِيَني عند باب المسجد بعدما قام من المذاكرة في الجامع في البيضاء، واحد من سليطي اللسان بذيء اللسان، سبه َتكلم عليه، قال: قلت له جزاك الله خيرًا ومشيت، ولما وصلت إلى البيت صفَّيت قلبي عنه ودعوت له، قال: وندِمتُ أنه تأخَّر هذا إلى أن أصِل البيت؛ لمَ ليس في نفس اللحظة؟! قال: لماذا أخَّرتُ الخطوات قبل أن أستحضر المسامحة التامة له؟ هذا قلبُه مع الله، هذا قلبُه مع الله؛ سلامة القلب، ما يحمِل على أحدٍ شيئًا، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.
اجتهد اجتهاد كبير، في بعض الذين في مدةٍ من المُدَد انحرفت قلوبهم وصاروا يُعادونه ويسبُّونه، لما بلَغه خبر وفاته قام وقعَد وملَأها قراءات وملَأها دعواتٍ له، قال: في يومٍ من الأيام كتب من منظومتي أبياتًا هذا، يوم كتب من المنظومة هذه التي ذكرها للنساء، أبياتٌ ما نسِيَها له، وسب كثير! سب كثير، أًَعرَض كثير، ما بالى بشيءٍ من هذا، ذكر الحَسَنَة فقط.
كما علَّم الله الصدِّيق، قال سيقطع النفقة على مِسطَحٍ، الله قال له: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ). قال: يعني يا صدِّيق، انظر هذا؟ اتركه يسبُّ بنتَك ويتكلَّم على عِرضها، اتركه؛ انظر المحاسن، ماذا تريد من هذا؟ قريب، مسكين، مهاجرٌ في سبيل لي! انتهى الأمر، أنت تعطيه من أجله أو من أجلي؟ من أجلي! لا تقطع النفقة عليه، لِمَ تجعل نفسك تغلبك وتقطع النفقة؟ وإن كان فعَل إجرام -أنا أُبغِضُ هذا الإجرام أيضًا، أنه يصل إلى العِرض المصون الشريف- قال ولكن انظر إلى المحاسن التي فيه: (أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)، لما تلا الآيةَ سيدُنا النبيُّ ﷺ على أبي بكر قال: بلى، أُحبُّ أن يغفر الله لي! وردَّ النفقة إلى مِسطَحٍ كما كانت وزيادة.
وهذه أخلاق الصدِّيقية توالت حتى رأيناها في مثل هذه النماذج، واللهُ لا يصرفنا من المجمع إلا بقلوبٍ اتَّصلت، وعليه أقبلت، وعن إرادة غيره تخلَّت.
يا ربِّ وثِّق حبال صِلاتَنا بك، المُترجَمةَ في حُسن الصِّلات بعبادك عامةً وخاصَّتِهم خاصة، وزِدنا من نوالك ما أنت أهله، والحمد لله رب العالمين.
09 ربيع الثاني 1448