كلمة في حفل اختتام الدورة الفرعية والإعدادية بدار المصطفى 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في حفل اختتام الدورة الفرعية والإعدادية، بدار المصطفى بتريم (عبر اتصال مرئي)

عصر يوم الإثنين 28 محرم 1448هـ

 

نص الكلمة:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الحمد لله، بارك الله في أهل هذه الدورة، القائمين عليها والمُدرسين فيها، والطلبة وأولياء أمورهم، وفي الحاضرين معكم في الختم، حبيبنا عطّاس بن الحبيب محمد بن سالم بن حفيظ، والحبيب سالم بن محمد بن سالم بن حفيظ، وما سمعتم من المتكلمين، عندكم السيد أبو بكر بن شيخ، وعندكم السيد عبد الرحمن بن علي المشهور، ومن حضر معكم.

نسأل الرحمن بركةً كبيرةً واسعةً متناميةً أبديةً سرمديّةً لكل هؤلاء الحاضرين، ولكل أهل الدورة، ومَن درَّس فيها ومن دَرَس فيها، ومن اتّصل بها، ومن خدم فيها، ومن قام فيها بِخير.

وهذه البركات الإلهيّة الربانيّة، الرحمانية القُدّوسية، شؤونها تَعْظُم في الدنيا، وعند الموت، وفي البرزخ ويوم القيامة، شؤون هذه البركة الإلهية التي يقول عنها الله في الحديث القدسي: (وَلَيْسَ لِبَرَكَتِي مِنْ نِهَايَةٍ).

الطُّلاب قد جلسنا معكم بعض الجلسات، ارعَوْا حق الجلسات، وحقّ الأيام التي مرّت بكم في هذه الدورة، حقوقها أمانة، أمانة الله، والقيام بها في عقولكم، وقلوبكم، في أعينكم، وفي أسماعكم، وفي ألسنتكم، وفي أعضائكم السبعة، بعد قلوبكم أمانة الله تبارك وتعالى أن تُحسِنوا العمل بما تعلَّمتُم.

حقيقة الصلة بالنبي ﷺ وارتباطها بحسن الخلق

والأخلاق الفاضلة التي سمعتم الحديث عنها؛ تبرُز فيكم صِلاتٍ بينكم وبين خير البريات، وهي حقيقة الصِّلة بينكم وبين الإله خالق الكائنات جل جلاله وتعالى في علاه.

ويقول نبينا ﷺ: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ". 

فهذه الأخلاق الكريمة مِن علامتها تعلُّق القلب بجامع الأخلاق الفاضلة ومنبعها، وهو نبينا محمد معدنها عليه الصلاة والسلام، الذي قال الله له: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).

وقال ﷺ:" إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً"، فالأحاسن أخلاقًا هُمُ الأكثر صلاةً على حبيب الخلّاق صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فأكثِروا من الصلاة والسلام عليه.

وما أخذتموه من الأذكار ومن الأوراد، وما اعتدتموه في أيام الدورة؛ تواظبون عليه في دياركم ومنازلكم، وتحافظون بقيّة أيام الإجازة عندكم، لا تمضي إلا في خيرات.

وشؤون ما بين المغرب والعشاء طول العام يجب أن تُحْفَظ، أن تُحْفَظ في قرآن وطلب علم، وارتباطكم بالحلقات القائمة المنتشرة عندكم بحمد الله تعالى في المساجد ودور الدعوة.

فيكون لكم اهتمام وانتباه من هذا الوقت الشريف، من قبل المغرب ولو لحظات تُقَضّونها في المسجد فيها بركة كبيرة، وما بين المغرب والعشاء، ثم صلاة الفجر أيضاً في المساجد في الجماعة، وعمارة الوقت إلى طلوع الشمس.

فهذه شؤون تُرَبِّيكم وتُرَقِّيكم، وتُربّي في قلوبكم الإيمان واليقين والرابطة بالله وبرسوله والمحبة، الله يشرح صدوركم، ويُنوّر قلوبكم.

انتباهكم من هذه الأذكار في الصباح والمساء، وعند الدخول والخروج من البيت وإلى المسجد كذلك، وما عندكم بدايةً من الذخيرة المشرفة إلى ما في الخلاصة كذلك من ذِكْرٍ حسب ما يتيسّر ولو القليل اليسير، لكن مع المواظبة عليه والحرص على حضور القلب عند تلاوته؛ يجعل الله لكم من هذه الدورة إن شاء الله نظرةً من عنده، يبارك لكم فيها في وِجْهَتِكم ونيتكم.

ماذا تنوون فيما يستقبلكم من الأعمار؟

والحق تعالى ينظُر إلى ما تنوونه الآن، ماذا ينوي كل واحد منكم فيما يستقبله من عُمرٍ قصيرٍ وطويل؟ والله يجعل أعماركم طويلةً في عافية، في طاعةٍ له سبحانه وتعالى، وفي نفعٍ لهذه الأمة، وخدمةٍ لهذا الدين، ووفاءٍ بعهده سبحانه وتعالى وعهد رسوله محمد ﷺ.

ماذا تنوون فيما يستقبلكم من الأعمار بعد خروجكم من هذه الدورة؟ كل واحد منكم سواء في نفسه، ومع أسرته، ومع والديه أولاً، ثم إخوانه الأكبر والأصغر منه، ما يتعلمه من التوقير، وما يتعلمه من الرحمة، وما يتعلمه من الآداب.

ماذا تنوون في وِجْهَتكم كلها؟ في دراساتكم المستقبلية، وفي أعمالكم إلى أن يلقى الواحد منكم ربه جل جلاله؛ لأن هذه هي الغاية التي يسير إليها الواحد مِنا، من حين خرج من بطن أمه وهو مستقبلٌ للغايَةِ هذه، وهي لقاء الله سبحانه وتعالى.

كل يوم يَقرُب من لقاء الله تعالى، إلى أن يأتي اليوم الذي يلقى فيه ربه سبحانه وتعالى في السن الذي كَتَبه له سبحانه وتعالى.

فانظروا ما استعدادكم لهذا اللقاء! حتى نلقى ربنا وهو راضٍ عنا جل جلاله، نُحِبّ لقاءه وهو بكرمه يُحِبّ لقاءنا، آمين اللهم آمين.

فالحمد لله الذي جمعكم، وبارك الله لكم في هذا الحضور. والحاضرون في الخَتْم معكم، ومنهم السيد محمد بن أحمد بن سُميط، ومنهم السيد أحمد بن محمد بن الشيخ أبي بكر بن سالم، ومن حضر معكم من أولياء الأمور، الله يجعل لكم ولهم روابط قوية بالسيرة المرضية والسنة النبوية، حُسْنُ الاستعداد للقاء رب البرية جل جلاله وتعالى في علاه. 

نظر الله إليكم في مَجْمَعِكم وخَتْمِكم هذا نظرةً ربانيّة، وبلّغكم أقاصي الأمنيّة، ودفع عنكم كل أذيةٍ وبليةٍ ظاهرة وباطنة، وجنَّبكم شرّ الشياطين.

التحذير من جليس السوء وأثر الصحبة على المرء

والعلامة الكبرى بأن الله يُجنِّبك شر الشياطين: أن لا ترتضي بصاحبٍ يكذب، ولا بصاحبٍ يغتاب، ولا بصاحبٍ يَنِمّ، ولا بصاحبٍ يُكسِّل عن الخير وحلقات الخير، ولا بصاحبٍ يجرّئ على عقوق الوالدين، ولا بصاحبٍ يُكسّلك عن الخيرات، لا ترضَ بصاحبٍ شرير، لا ترضَ بصاحبٍ غافل، لا ترضَ بصاحبٍ لا يُعينك على طاعة الله تبارك وتعالى. 

لا تُصاحب إلا الناشطين المجتهدين الطيّبين الذين يُعينونك على طاعة الله وبرّ الوالدين، وعلى طلب العلم وعلى السلوك الحسن، فالمرء من جليسه، قال نبينا ﷺ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ". ينظر؛ تأمّل تأمّل وانتبه مَن تُخَالِل، "فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ" يعني يكون على انتباه وعلى اهتمام واعتناء مَن يختار من الأصحاب.

واصحَب ذوي المعروف والعلم والهدى ** وجانِبْ ولا تصحبْ هُديتَ مَن افتتنْ

انظروا النار المِحرقة الشديدة التي تضر بإحراقها، أحسَن ما يُطفيها الماء، يُجلب الماء يُطفيها، لكن إذا الماء صاحبها مُدة، وغليناه فوقها؛ هو يرجع مثلها، يَحْرِقه! هو يَحْرِقه ويُؤذيه، ما يُطفي، ما يُطفي بل يَحْرِق، كما تحرق هي وتُؤذي، يُشبه الحريق منها وأذاها منه هو؛ بسبب أنه جالسها، قاربها حتى غلى بسببها، وصار مثلها، مثل النار، وهو الدواء الذي كان يُطفئ لنا النار، ويجعل له نار من النار والعياذ بالله تعالى!

وهذه علامة كبيرة واضحة، الذي تُسايره وتجلس معه ستكون مثله؛ يقع فوق تطلع فوق، يقع تحت تسقط معه إلى تحت، وإياك أن تصحب الفُسّاق والفُجّار والأشرار، ولا تصحب إلا الأخيار.

الدعاء

الله ينظر إليكم ويبارك لكم وفيكم، ويسعدكم بأكمل السعادة، ويبارك لكم في هذا الخَتْم، ويبارك فيه لأهلكم ولأهل دياركم، ويبارك فيه في أعماركم، ما بقي من أعماركم على ظهر الأرض، ويُبارك لكم فيه في وِجْهاتكم ونياتكم.

اللهم انظر إليهم في المَجْمَع، اربطهم بحبيبك المُشَفَّع، واجعلنا وإياهم من خواصّ مَن له اتّبع، وارفعنا فيمن لهم ترفع، وزدنا من نوالك ما أنت أهله يا خير مَن يُجيب ويسمع، يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

07 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

18 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية