تمسك الشباب المسلم بالأخلاق والقيم وموقفهم من الحضارة الغربية

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة للعلامة الحبيب عمر بن حفيظ في ندوة تربوية في جامعة المهرة، في مدينة الغيضة - ضحى الأربعاء 12 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:

تمسك الشباب المسلم بالأخلاق والقيم وموقفهم من الحضارة الغربية

 

نص المحاضرة:

المقاصد والنيات في مجالس العلم

الحمد لله، مُكَوِّنِ الكونِ، والذي يُمِدُّ بالتوفيق والعون كُلَّ مُقْبِلٍ عليه، مِمَّن وَعَى عنه خِطابَه، وآمن به، ومَن أرسله إلينا مِن خِيرَتِهِ الْمُصْطَفَيْنَ، الذين خَتَمَهم بمحمدٍ خاتمِ النبيين، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وأصحابه، وأهل حضرة اقترابه من أحبابه، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أما بعد، في هذه الساعة في اللقاء في هذه الجامعة، نسأل الله أن يتولاها وأهلها، ويسير بهم مسار من ارتضى ومن أحب في أداء المُهمة الكبيرة والرسالة العظيمة للجامعات الإسلامية، التي مَهما اتّسعت في جوانب العلوم والفهوم فلها أساسٌ وأصلٌ مِن نورانية وحي الله وتنزيله جل جلاله، وما بَعَث به أنبياءه الذين خُتِمُوا بسيدنا المصطفى محمد ﷺ.

في هذه الساعة التي نُسْأَلُ عنها يوم تقوم الساعة، نُسْأَلُ فيها عن نياتنا، نُسْأَلُ فيها عن مقاصدنا، نُسْأَلُ فيها عن مراداتنا، نُسْأَلُ فيها عما نقول، نُسْأَلُ عما نستمع، نُسْأَلُ عن إرادتنا فيما نقول، وقصدنا وإرادتنا كذلك فيما نستمع؛ فكلّ ذلك مجال نظر من الحق يَسْأَلُ عنه أصحابه: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)، يقول جل جلاله وتعالى في علاه.

وإذا استشعرنا هذه العظمة في عبوديتنا للألوهية والربوبية للحق جل جلاله وتعالى في علاه، واستشعرنا مسؤوليتنا عن مقاصدنا ونياتنا، فإننا في مثل هذه اللحظات نُرِي رب السماوات والأرض رب العرش العظيم مِن قلوبنا ما عساهُ أن يرضى به؛ من نية حُسْنِ الاستماع والإصغاء لوحيه وتعاليم رسوله ﷺ، ونية الاقتداء والاهتداء والاستنارة بنور الله تبارك وتعالى، فيما عسى أن تَثْبُتَ به أقدامنا فلا تَزِلَّ، وتَثْبُتَ به قلوبنا فلا تَضِلَّ، وتَثْبُتَ به عقولنا فلا تخرج عن سواء السبيل في الفكر والوعي والفهم.

ومن ثَبَتَ هذا الثبات في هذه الحياة، فهم الذين يُثَبَّتُونَ يوم المرور على الصراط في العُقبى والمستقبل الكبير: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)، والقول الثابت ما يدوم قويًّا وصحيحًا وحاكمًا مرجوعًا إليه على الأبد، رأس هذا القول الثابت: لا إله إلا الله.

حقيقة التوحيد والانقياد لله ولرسوله

فالثبات الأكبر لما احتوته من معانٍ، ولما دلت عليه من دلالات؛ لعظمة ما فيها، قال الله لأعلم الخلق به وأعرفهم بالعبودية وأوسعهم في فهم عظمة الربوبية، يقول له الرب جل جلاله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)، فاعلم أنه لا إله إلا الله؛ لو كان الأمر مقصورًا على ما نال معبود بحق إلا الله، ما احتاج هذا الخطاب وهذا التوجيه من الإله لنبيه محمد ﷺ، وهو أعظم الخلائق توحيدًا وأعظمهم عبودية لله الواحد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وهو الذي دعانا للتشرف بتلك العبودية للرب، والتخلص من عبودية الأنفس والأهواء والشهوات وعبودية الدنيا، وأن يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، وذلك فيما تتحكم فيه العقول والأهواء وتُعارض منهج الحق جل جلاله خُلُقًا ومسلكًا واتجاهًا، فيَتبَع بعضنا بعضًا في مخالفة هذا الإله؛ إذن اتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، والعياذ بالله جل جلاله.

وحق العباد أجمعين أن يخضعوا للإله الحق جل جلاله وتعالى في علاه، وكل مؤمن به سبحانه لا يميل أدنى ميل إلى تقديم رأي إنسان، ولا فكر إنسان، ولا نظام إنسان على أمر الله ووحي الله وتنزيل الله جل جلاله، وما بَعث به أنبياءه وما بَعث به خاتمهم سيدنا المصطفى محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) أي: لا يتحققون بحقائق الايمان، (حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

سماحة الدين الإسلامي ونبذ التطرف والفرقة

أيها الحاضرون الأكارم، من الأساتذة والمدرسين والطلاب والطالبات والضيوف؛ المسألة عظيمة وأكبر مِما ينتاب بال أحدنا، وما يأخذه من الأَخَذات في شؤون النظرات إلى هذا العالم وإلى هذه الدنيا، الأمر أكبر وأجل من ذلك، إنه ديانة وصِلة بالإله الخلّاق جل جلاله، يقوم عليها تعاملنا ويقوم عليها بواطننا وصفاؤها ونقاؤها عن العلل، لأن الدين في عظمته لا يمكن أن يكون دين بغضاء ولا شحناء ولا تفريق، ولا ضُرٍّ ولا أذى ولا حمل سوء.

حتى أنّ من يحارب الدين من الكفار والفجار المُصادين عن سبيل الله، نكره كفرهم وفسوقهم، ونجاهدهم إذا قاتلونا في سبيل الله، ومع ذلك فتحمل قلوبنا بحكم هذا الوحي، بحكم هذا التشريع لهم أن يُنْقَذُوا من النار إلى الجنة. وإسلام أحدهم أحب إلى قلوبنا من قتله، وإسلام أحدهم أحب إلى قلوبنا من أن يُسْتَأْسَرَ، وهكذا كان يبعث السرايا نبينا ويقول: "ادعوهم إلى الله، فوالله لأن تأتوني بإسلامهم أحب إلي من أن تأتوني بسباياهم وأموالهم" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

ذلك هو المنهج الذي مضى عليه الأنبياء، وإذا كان هذا الحال في صنف الكفار الحَربيين المقاتلين، فما تظن بالحال في قلب المؤمن مع غيرهم من الناس؟ من بقية أصناف الكفار الذين لم يقاتلوا؟ فكيف بالمسلمين أنفسهم؟ يقول الحق جل جلاله: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا). ما جعل الله سبحانه وتعالى لكم سبيلاً أن تؤذوا أحدًا منهم، ولا تأخذوا مال أحد منهم، ولا تستحِلوا دم أحد منهم، ولا تنتهكوا عرض أحد منهم؛ (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا).

مع ذلك كله، مبدأ الحب في الله والبغض في الله يجب أن يقوم على وجهه وعلى حقيقته وعلى معناه المراد لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال الله في رعيلنا الأول: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)، لو يمشي في آرائكم في كثير مما تتصورونه وتطرحونه؛ لوقعتم في العَنَت والمشقة.

(لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ) فتُخضِعوا أهوائكم لنبيّه وتنقادوا له، (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً)، فكانت هذه قيم وأسس ومبادئ مضى عليها رعيلنا الأول، ونحن في حاجة إلى أن ندرك حقائقها.

الاجتهاد الفقهي وتقدير أئمة العلم

فإن المتحدثين باسم أي منهج من المناهج يكثر فيهم مَن لا يدرك حقيقة ذلك المنهج ولو في الأمور المادية، كذلك دين الله الأعظم الأجل الذي هو أولى أن يُحترم وأن لا يُخاض فيه إلا بعلم مُسْنَدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

لذلك حذّر الحق وقال: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، لتفتروا على الله؛ لأن الأصل في التشريع حقٌّ لله تعالى وحده، ورُسله يُبيِّنون، والمؤتمنون من أتباع الرسل من العلماء يستنبطون ويستخرجون، لا بِهَوَى أحدٍ منهم ولا بشهوةِ أحدٍ منهم، ولكن بخضوعهم لمعاني النصوص في الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس وأخذهم منها.

واستنباطهم من المشار إليه بقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، لعلمه الذين يستنبطونه، الذين وصلوا إلى درجة الاستنباط، يشهد لهم العلم والذوق والإدراك والمعرفة والسند بأنهم أهل للاستنباط، (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، ولحُمُوا وحُفِظُوا من الزيغ والضلال في فهم الدين ومعاني نصوصه.

وهؤلاء المستنبطون من الأئمة كأمثال الأئمة الأربعة الذين اشتهروا بين أهل السنة في أحكام الشريعة: الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، والإمام محمد بن إدريس الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل عليهم رضوان الله، ليسوا هم كل المجتهدين في الأمة والمستنبطين من غير شك.

 ولكن اجتهاد هؤلاء واستنباطهم وهم أهلٌ حُفِظَ ودُوِّنَ وبقي في الأمة مخدومًا، تقوم عليه الاستضاءة في فهم نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس على مدى القرون؛ مِن خلال ما استنبطوا على الأُسُس الصحيحة التي يقوم عليها الاستنباط، منه ما يتعلق بأصول الفقه الذي كان من أوائل من اعتنى به الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وفيه جاء كتابه "الرسالة" عليه رضوان الله تبارك وتعالى، وتكلم فيه بعض الحنفية من قبل، وتوسَّع وتأسّس على يد الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وهو عبارة عن توضيح الصورة التي يصل إليها من يكون أهلاً للاستنباط إلى درجة الاستنباط: كيف يكون؟

فإنه لا مجال لأن يقول الناس ما لا يعلمون، ولا أن يُحَكِّمُوا أهواءهم ولا مفاهيم زيد وعمرو أمام نصوص الوحي والكتاب والسنة، ولكن بالرجوع إلى أولي العلم والذين يستنبطونه. (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ)، وكثير من المفسرين يقولون: والمراد بأولي الأمر في هذه الآية: العلماء؛ (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ). 

وهكذا جاء في السنة: "اللهم ارحم خلفائي. ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قوم يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها عباد الله"، أي على وجهها الصحيح رضي الله تبارك وتعالى عنهم. 

وكان في منطقتكم منتشرٌ مذهب الإمام الشافعي عليه رضوان الله تبارك وتعالى، ذاكم الْمُطَّلِبِيُّ الذي شهدت له أئمة عصره ومن بعدهم، حتى قالت ابنة الإمام أحمد بن حنبل لأبيها: من هذا الشافعي الذي تدعو له كل هذا الدعاء؟ وكان يقول: لي أربعون سنة ما صليت صلاة إلا ودعوت للشيخ محمد بن إدريس الشافعي. قال لها: يا بُنيَّة، كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للأبدان، فهل تجدين لهذين من عوض؟ هل لهذين من عوض: الشمس للدنيا والعافية للأجسام؟ مَثَّل مكانته في الدين وحاجة الأمة إليه بحاجة الناس إلى الشمس وإلى العافية عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. وكانوا أهل أدبٍ جَمٍّ وورعٍ جَمٍّ، وإخلاصٍ لله تعالى وصدقٍ مع الله جل جلاله وتعالى في علاه.

احترام الخلاف وسعة الأفق في الشريعة

لذلك اؤتُمِنوا على شرع الله جل جلاله، لم يكونوا يخدمون أنفسهم ولا أهواءهم ولا آراءهم ولا استنباطهم الصحيح للكتاب والسنة، ولكنهم أُمناء يعلمون أن ما استنبطه غيرهم مِمن هو أهلٌ له مجال وله حق، وله سَعة وله مكانة وله منزلة.

كما قال ﷺ عن الفريقين من أهل حضور غزوة بني قريظة من الصحابة: مَن صلى في الطريق مجتهدًا مستنبطًا، ومن أخَّر صلاة العصر حتى غربت الشمس ثم صلى في بني قريظة مجتهدًا مستنبطًا، لم يُعَنِّفْ أحدًا منهم، وأقر الفريقين؛ فليس في الفريقين صاحب هوى، ولا تابع سياسة، ولا تابع مُرتّب من مكان يأتيه ليقول بهذا القول أو يقول بذاك القول، لا والله! ولكن اجتهاد في قول رسول الله: "ألا لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة".

قال طائفة: أراد أن نستعجل في الخروج من المدينة ولا نتأخر عن اللحوق به لهذا الجهاد، ولم يكن قصده أن نُؤَخِّرَ الصلاة عن وقتها؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، ومن فاتته صلاة العصر فقد حَبِطَ عمله، ومن ترك صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهله وماله.. فَصَلَّوا ثم لحقوا، وقال الفريق الآخر: رسول الله يقول لا تصلون إلا في بني قريظة، فلا نصلي إلا في بني قريظة ممتثلين لأمره، خرج الوقت أم لم يخرج، فلم يُعَنِّفْ أحدًا منهم وأقر الجانبين.

هذه المذاهب الصحيحة التي لا تقوم على هوى ولا سياسة ولا فساد في الباطن يتحول به الدين إلى شهوات وإلى أغراض وإلى تحاملات بعيدة عن حقائق الدين، بعيدة عن حقائق لا إله إلا الله، وعلم لا إله إلا الله.

التحذير من دعاة الفتنة والغلو في التكفير

الذي يحب السب، ويحب الشتم، ويحب القدح في الآخرين لم يتربَّ بنور لا إله إلا الله، لم يدرك حقيقة لا إله إلا الله، وإلا لعلم ما قال صاحب الرسالة الذي بلَّغنا لا إله إلا الله وعلَّمها، قال: "سِباب المسلم فسوق وقتاله كفر".. سِباب المسلم فسوق وقتاله كفر!

ولما قال له سيدنا أسامة -وهو من أحب الصحابة إلى نبينا- إن الرجل لما رأى السيف فوق رأسه قال: لا إله إلا الله متظاهرًا بها مستعيذًا، ليس مُصدِّق بها، قال: "هلا شَقَقْتَ عن قلبه؟ هلا شَقَقْتَ عن قلبه؟"، يعني ديني ما يُخوِّل لأحد أن يحكم على نيات الناس ولا على قلوب الناس، ومَن شهد أن لا إله إلا الله فهو المحترم المعصوم الدم. 

ولو كان مقاتلاً قبل لحظات، كان يقاتل أهل لا إله إلا الله قبل لحظات، ومع ذلك كله فبعد هذه اللحظات قال لا إله إلا الله مرة بلسانه، فاشتدّ رسول الله على أسامة: "أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ ويحك ما تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟" قالها متعوذًا، قال: "هلا شَقَقْتَ عن قلبه؟ هلا شَقَقْتَ عن قلبه؟"! 

فمن العجب أن تأتي، فترى من يتكلم باسم الدين كأنه شَقَّ عن قلوب الأولين والآخرين، وقال: هؤلاء مفسدون، وهؤلاء كذابون، وهؤلاء مبتدعون، والحق معي وحدي! وصارت مثل قصة بعض الناس في بعض المدن في البلاد العربية، يتكلم مع صاحبه قال: يا أخي الناس قد ضلوا وبدّلوا وغيروا وابتدعوا وما بقي على الدين إلا أهل مدينتنا هذه! قال: صحيح صدقت، قال أهل المدينة هذه هم الباقين على الدين الحق ولم يبق أحد، وبعد قليل قال: اسمع، حتى أهل المدينة حقنا بعضهم هكذا وهكذا، قال: صدقت، قال: اسمع، كلهم ليسوا على الدين وما أحد إلا المسجد حقنا، أهل المسجد نحن والإمام فيه فقط! قال: صدقت صحيح، قال: اسمع، حتى أهل المسجد بعضهم الدين ليس سواء عندهم، بقي أنا والإمام وأنت! قال: صح، قال: اسمع، حتى أقول لك، حتى الإمام قليل، فيه بعض شيء! قال: بقي أنا وأنت، قال: اسمع، حتى أنت، ما بقي إلا أنا!

يعني تصور عن الدين غريب! ويعتقدون أن هذا دين! هذا مخالفة لأصل الدين، خروج عن حقائق لا إله إلا الله، عن عشرات الآيات والأحاديث في معاملة المؤمنين ونظر المؤمنين، ويقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، ويقول سبحانه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)، خُذ عشرات الآيات.. مخالف لها ويقول: هذا هو الدين! دين ماذا؟ دين إبليس يعني؟ دين ماذا؟ دين الله؟ لا والله ليس دين الله، دين محمد؟ لا والله ما هذا دين محمد، ولا بُعث محمد بهذه الصورة أصلاً، صلوات ربي وسلامه عليه.

احترام الإنسانية في رسالة الإسلام

بُعث يقول لأصحابه الذين آمنوا به: إذا رأيتم المشركين فَرَّ أحد منهم اتركوه، وإذا رأيتم امرأة لا تقتلوها ولا تقربوا منها، وإذا رأيتم طفلاً لا تتعرضوا له ولا تقتلوه، وإذا انتصرتم على المشركين والكفار ففروا، فلا تتركوا جثثهم على الأرض وادفنوها.

احترام للإنسانية، هذا الدين الذي جاء به محمد، هل من دين آخر يعني؟ هل جاء دين آخر أو ماذا هوَ هذا دين محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله، الذي به جَمع شمل الأمة، والذي به إدراك حقائق الصلة بالإله الحق جل جلاله والاستعداد للقائه.

الاعتصام بالدين واليقين في مواجهة الشبهات

أحبابنا؛ هذه الحقائق في الدين يجب أن تكون منا على بال، حتى لا تخدعنا أنفسنا، ولا أهواؤنا، ولا شياطين الإنس والجن، وإذا صحَّ وصَلُحَ تصوُّرنا عن الدين، فإننا بذلك نقابل أفكار الناس وأخبار الناس في الشرق والغرب، وحضاراتهم ونظرياتهم، بميزان صحيح، قويم رجيح، من كلام الله وكلام رسوله المصطفى محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

الذي قال عنه الله: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ) صلى الله عليه وسلم. 

كان يكتب حديثه بعض الصحابة، ثم وقف، فلاحظه ﷺ، فسأله وقال: كنت أكتب حديثك، فتذكرت أنك بشر ترضى وتغضب وتفرح وتحزن، قال له ﷺ: "اكتب"، وأشار بإصبعه إلى لسانه: "فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق".

(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ) ﷺ، في حالة الرضا والغضب والفرح والحزن لا يقول إلا الحق ﷺ، حتى في حالة المزح؛ يمزح ولا يقول إلا حقًّا صلوات ربي وسلامه عليه. 

فَنِعْمَ المصطفى، ونِعْمَ ما جاء به، ونِعْمَ الميزان ميزانه الذي تركه فينا، به نستطيع التخلُّص من كَذَبَات إبليس وجنده، (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ). 

(وَمَن يَعْشُ) -يغفل- (عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ) نصيبه من الذكر قليل، قلبه غير ممتلئ بذكر الله، بل ربما تجده مسلم وإذا وجد قوم يذكرون الله يفر منهم! مع أن الحق يقول لسيد خلقه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) ونبينا لا يعرف يدعو هو؟ هو الذي علمنا الدعاء، لا يعرف يذكر؟ هو الذي علّمنا الذكر، ومع ذلك أمره الله أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه جل جلاله، ويقول نبيه ﷺ: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"، وما رياض الجنة؟ قال: "حلق الذِّكر".

(وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ) -يغفل عنه- ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ * حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ).

المسؤولية في الصحبة والمجالسة

أحبابنا؛ مصاحبة أحدكم في جامعة، أو في عمل، أو في مَرفق من المرافق، يعلم أنه سيُسأل عنها، ما تجالس اثنان في ساعة، وما تصاحب اثنان في ساعة من ليل أو نهار، إلا سألهما الله عن صحبتهما؛ هل أقام حق الله فيها؟ ومجمعنا في هذه الساعة وهذه القاعة سنُسأل عنه؛ ما قصدي؟ ما مرادي؟ ما غرضي بإلقاء الكلمات؟ إن أردت غيره فويل لي! وهو الذي يعلم ذلك من البواطن جل جلاله، ولا يعلم الغيب كله وما تخفي الصدور إلا هو، (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) جل جلاله وتعالى في علاه.

محبة آل البيت والصحابة الكرام

فنحتاج أن نُدرِك أن عندنا مهامًا في إدراك حقيقة الدين، وأدبنا مع الله وكتابه، وأدبنا مع رسول الله وسنته، وأدبنا مع الصحابة وآل البيت الطاهر، بما أدَّبنا الله، (والسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم)، جعلهم محل القدوة ونحن نتبعهم، وجزاءهم ومن اتبّعهم: (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ)، (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)، و(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا).

في محبة أهل السنة الذين رأسهم سيدنا أبو بكر الصديق، أهل السنة محبتهم لآل البيت الطاهر محبة صحيحة ثابتة، لا غلو فيها ولا إفراط ولا تفريط، يروي الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا الصدِّيق رضي الله عنه أنه يقول: "ارقبوا محمدًا في آل بيته"، وروى البخاري في صحيحه أيضًا عن سيدنا أبي بكر الصديق أنه كان يقول: "لقرابة رسول الله أحب إلي أن أَصِلَ من قرابتي".

هذا المُربَّى على يد محمد ﷺ، هذا الصدِّيق الأكبر عليه رضوان الله، هذا دينه وهذه معاملته لله، يرى أن صِلته لقرابة النبي أعظم وأفضل له من صِلته لقرابته، ولا يجهل ثواب صلته لقرابته وإعطاء الأرحام حقهم، ولكن يعتقد أن ذاك أجل وأفضل عند الله جل جلاله. 

حتى قال: "لَإسلام أبي طالب كان أحب إلي من إسلام أبي قحافة" (أبو قحافة والده)، لما أسلم في عام الفتح، جاء النبي ﷺ يُهنئ أبا بكر الصديق بإسلام أبيه، أبي قحافة، فلما أسلم قال أبو بكر: "لَإسلام أبي طالب أحب إلي من إسلام أبي". لماذا؟ لأنه كان أحب إلى رسول الله ﷺ. 

فالخلفاء الراشدون، منهجهم القويم وصراطهم المستقيم عليهم رضوان الله، يجب أن نسلك مسلكه، ونفهم عن ديننا الفهم الصحيح، ونصدق مع الله في الوفاء بعهده.

الحذر من الانقياد الأعمى لأفكار الغرب والشرق

ونستقبل ما يقوله الشرقي والغربي بميزان كلام الله، فهم بشر خطّاؤون، بل وفيهم مفسدون، وفيهم من يتبع الشهوات يريدون إفساد الغير، كما قال الله: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).

 وذلك مضادة لإرادة الله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا)، فيريدوننا أن نميل ميلاً عظيمًا؛ نساءنا ورجالنا. 

فيجب أن نكون على بصيرة بتحذير الله في كتابه، ولا نميل ميلاً عظيمًا ولا ميلاً يسيرًا وراء أفكارهم وأطروحاتهم؛ فإنهم يدعون إلى الفساد، وإلى التبرج، وإلى أنواع الظلم الذي يمارسونه ويتجاهرون به، في دعاوي باطلة لحقوق الإنسان، وللحرية، وللتقدم، إلى غير ذلك مما يتفوّهون به. 

وما قُتل الأطفال على يدي أحد كما قُتلوا على أيديهم، ولا اقتُحِمت حرمات النساء كما اقتُحمت على أيديهم، ولا اقتُحمت المساجد والمستشفيات والبنى التحتية كما اقتُحمت على أيديهم والعياذ بالله تعالى.. فما عندهم إلا كذب، وما عندهم إلا إضلال لمن استظل، فلنكن على بصيرة، ولنهتدي بنور الله.

بارك الله في الجامعة والقائمين عليها وأهليها، ورزقنا وإياهم الإخلاص والصدق والتوفيق، ورزقنا التعاون على ما يرضيه عنا، ودفع عنا إرادة الغير وقصد السوى، وتولانا بما تولى به الصالحين من عباده، اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

14 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

24 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية