انطواء الإكرام الإلهي في منته بحبيبه محمد

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مسجد بن علوي، في مدينة الغيضة، محافظة المهرة، ليلة الخميس 13 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:

انطواء الإكرام الإلهي في منته بحبيبه محمد

 

نص المحاضرة:

​نعمة الإسلام والإيجاد بواسطة النبي ﷺ

​الحمد لله مُكَرِمنا بنبيه محمد، وإذا قلنا مُكَرِمنا بنبيه محمد فقد جمعنا في ذلك أنواع الكرامة التي أكرمنا بها الواحد الأحد؛ فإن كرامة الإسلام مَنَّ الله بها على يد النبي محمد، وإنّ كرامة القرآن مَنَّ الله علينا بها على يد النبي محمد، وإن كرامة الخلق والإيجاد مَنَّ الله تعالى بها بواسطة النبي محمد، إذ جعله أول مخلوق من نوره فَرَّعَ عنه الوجود كله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 

وبقية المِنَن والنعم والكرامات من الله، وميزتنا أننا خير أمة ما جاءت إلا بواسطة النبي محمد. 

بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا ** من العناية ركناً غير منهدمِ

لما دعا الله -أي سمى الله- داعينا لطاعته- وهو النبي محمد، سماه- بأكرم الرسل.. 

لما دعا الله داعينا لطاعتهِ ** بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم

صلى الله على نبينا محمد ﷺ. 

​صلة العبودية والمنن الإلهية

​الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد، وجعلنا به خير أمة، وأكرمنا بأسرار الصِّلاتِ به تبارك وتعالى عبر نبيه محمد ﷺ في الإسلام والإيمان والإحسان، وما ينتُج عن ذالكم من المعرفة الخاصة، والمحبة الخالصة، وأسرار القرب والرضوان الإلهي. 

وهذه كلها صلات بيننا وبين الإله تقوم بها حقوق العبودية منا لله تعالى، لنؤدي ما استطعنا في عبوديتنا من حقوق الربوبية، وإنما لم يكلفنا الله إلا استطاعتنا، أما حقّه كما هو فلن يقوم به أحد؛ فالكل خلقه وإيجاده، وما يعبدونه به نِعَمٌ منه عليهم، ومَا يَقُومُ بِهِ أَحَدٌ، (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)، اللهم اجعلنا من الصادقين.

​أهمية السند في العلم واتباع السنة

​في خلال هذه المنن والكرامات والنعم من حضرة ربنا جل جلاله وتعالى في علاه، نعرف نعمة ما سمعتم الحديث عنه من صِلة السند بسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام فيما أوحى الله إليه، وفيما بَيَّنَهُ عن الله تعالى، وفيما بلَّغه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقال: "إني أوتيت القرآن ومثله معه"، يعني سنته الكريمة. 

قال الله لسيداتنا أمهات المؤمنين: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)، آيات الله: القرآن، والحكمة: كلامه وأقواله وأفعاله وبلاغه ﷺ، فجعلها تُتلى كما يُتلى القرآن.

(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) وفي كثير من الآيات أراد بالحكمة: سنة النبي صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، كمثل هذه الآية: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ)، وقال سبحانه وتعالى: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، كيف يُعلِّم الكتاب والحكمة؟ الكتاب: القرآن، والحكمة: سنته صلى الله وسلم عليه وعلى آله، وأنعِم بسنته. 

وسمعتم حديثه يقول: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، كما لما جاء الحج خاطب الأمة قال: "خذوا عني مناسككم"، اقتدوا بي واتبعوني، وانطووا فيّ.

​شرف التبليغ عن النبي ﷺ ومقام الفهم

​ولما أمرنا أن نحمل همَّ البلاغ عنه والتعليم، سواء لأهلنا أو لأولادنا أو لأصحابنا، للعموم وللخصوص، قال: "بلِّغوا عني".. "عني"، يعني: لا تستقلوا بأنفسكم، فمهما فهمتم مما أُوحِيَ إليّ فهو جزء وهو بعض المعنى، إذا أديتموه مستقلين انفصل عن نورانية حقيقة الوحي وما أُلقي في قلبي وصدري، فتكونون بذلك منقطعين. 

ولكن "بلغوا عني" أي: استشعروا التبعية لي والانطواء فِيَّ، فبلاغكم لا بأنفسكم ولا بمجرد علمكم، ولكن تصبغون ما أوصل الرحمن إليكم من العلم بصبغة التبعية لمصدر العلم ومنبع العلم، (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). 

وقال لنا في الآية الأخرى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ).

كتاب وحكمة؛ قالوا: أبواب تنفتح عليكم بالفهم عني إذا أحسنتم الاتباع له، ما لم تكونوا تعلمون، ما لم تخطر على بالكم من قبل. 

(وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، نسب هذا العلم الواسع إلينا وجعله على يد نبيه.

ويقول له سبحانه وتعالى: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ)، ولذا قال كثير من أهل الذوق والتفسير بأن المقصود الأول بقوله: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) وقوله: (الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، المقصود الأول: محمد ﷺ؛ لأنه قال: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ)، فهذا هو الإنسان، ومَن وراءه قال هو محمد، (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، فيأتي على يده لمن سواه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه. 

​مكانة النبي ﷺ ومخاطبته في الصلاة

​ولذلك هذه الصلاة التي هي عماد الدين، ورأس الصِّلة بيننا وبين الله بعد الشهادتين؛ الصلاة -والشهادتان في الصلاة تأتي في التشهد أيضاً-. 

هذه الصلاة أيضاً فيها ذِكر عام للعباد المقربين والصالحين، وذِكر خاص لمحمد وسط الصلاة، نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، لكن لو سلّمت في الصلاة بالخطاب لجبريل أو ميكائيل أو موسى أو آدم بطلت صلاتك، فضلاً عن غيرهم من الخلق، غيرهم من الناس لو سلمت على واحد بلفظ الخطاب بطلت صلاتك، إلا محمداً، إذا لم تُسلِّم عليه بلفظ الخطاب بطلت صلاتك، ما تصح صلاتك حتى تُسلِّم عليه بلفظ الخطاب: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". 

قال الصحابة: "كان ﷺ يُعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، علَّمهم ألفاظ التشهد هذه ﷺ، فيها كلها: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" وهكذا، إلا عند الخروج من الصلاة، قال لك: خاطب جميع الصالحين من عبادي وأنت خارج: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله"، قبل ذلك إن خاطبت أحداً بطلت صلاتك، غير هذا الحبيب.

​حتى صحّ في الحديث أن بعض سادتنا الصحابة كان يصلي ناداه النبي ﷺ: فلان، فأسرع في صلاته وجاء، قال: ناديتك من قبل؟ قال: كنت أصلي، قال: ألم تسمع قول الله: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)؟ يعني: حتى وإن كنت في الصلاة، إجابتك لي وإقبالك عليَّ ما يبطل صلاتك إذا كان بأمري، أنت تستمر صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، فكانت له هذه الخصوصية والمزية، ملأ الله قلوبنا بمحبته.

​محبة النبي ﷺ وتقديمها على كل شيء

​فإنه لا شيء في العالم العلوي والسفلي، في الظاهر ولا في الباطن، ولا في الدنيا ولا في الآخرة يُحَبُّ من أجل الله، أحبَّ إليه من محمد. أحبُّ مَن يُحَبُّ من أجل الله عند الله، حبيبه محمد.

إن كنت تحب الأنبياء الله يحبك، تحب المؤمن الله يحبك -ما تحابَّ اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أشدهما حباً لصاحبه-، تحب الطاعة الله يحبك، تحب المساجد الله يحبك، لكن محمداً محبته فوق الكل ﷺ، أحبُّ من يُحِبُّ ربك جل جلاله.

​ولذا قال: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، أما التهديد قال: إذا تطرّق لقلوبكم محبة شيء من هذه المظاهر قبل محبتي ومحبة رسولي فأنتم على خطر، فتربصوا، انتظروا ما الذي سيحصل لكم! (فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، وعَدَّ ذلك فسقاً بقوله: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). 

فلا يجوز أن نُقدِّم في محبة قلوبنا شيئاً على محبة الله ورسوله محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله؛ فهو أحبُّ من يحبهم الله، وأحبُّ من يحبون الله، وأحبُّ من يُحَبُّ في الله إلى الله.

"الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان"، لكن أعظم شيء من أجل ربك تحبه ذات محمد ﷺ وما تفرَع عنها، صلوات ربي وسلامه عليه، (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).

​رضا الله من رضا رسوله ﷺ

​وقال: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ)، قال أن الإيمان يقتضي أن تطلبوا رضواني ورضوان رسولي، ولا تُقدموا شيئاً على رضواني ورضوان رسولي. حتى قال أهل العلم إنه وحَّد الضمير لاتحاد الرضا؛ أنه من المستحيل أن يكون رضا الله عن شيء والنبي غير راضٍ، ولا رضا النبي عن شيء والله غير راضٍ، رضا الله في رضا رسوله، ورضا رسوله في رضا الله سبحانه وتعالى.

ما قال: والله ورسوله أحق أن ترضوهما، كما هو سياق الآية، قال: (أَن يُرْضُوهُ) فقط، لم؟ لأن الرضا هذا واحد، حق الله وحق رسوله؛ رضا واحد، ليس اثنين! هو الرضا واحد، بل رضا الرسول من رضا الله سبحانه وتعالى، (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ)، الله يكتب لنا رضاه ورضا رسوله ﷺ عنا، إنه أكرم الأكرمين.

​بذلك تعلمون أن تردُّدنا إلى المساجد، وإقامنا للصلوات، نطلب به المنزلة عند الرسول، لهذا لما ضرب النبي لنا مثلاً من أفضل الأعمال الصالحة وهو الهجرة، قال: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله"، صلى الله وسلم عليه وعلى آله، "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"، فيقول في عباداتكم: تعلمون أن قُربكم إلى الله تعالى مَنُوط بالقرب من رسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

​نظرة المؤمنين والمنافقين لمقام الاستغفار النبوي

​وبذلك أقام الفوارق بين المؤمنين والمنافقين، نظرتهم إلى هذا النبي وعلاقتهم بهذا النبي، فأما المنافقون فلا يرون فيه العظمة، ولا يَعُدُّون لاستغفاره مكاناً، ولا يرون فيه العزة، وهذه الفوارق بينهم وبين المؤمنين، يقول سبحانه وتعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ).

لهذا كان واحد من الأخيار من الصومال، جاء إلى الحج وزار النبي ﷺ ورجع، فكان يُكلمه واحد بعد ذلك في بلاده لما رجع، ممن تأثر ببعض الأفكار، ممن فرقوا بين الله ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله، قال له: حجيت؟ قال: نعم. قال: زرت المدينة؟ قال: نعم. قال: أنت من أهل هذه الآية، قوله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)، قال له: نعم، أنا من أهل هذه الآية، ليش؟ وأنت من أهل تلك الآية: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ)! أنت اذهب مع الآية تلك، أنا مع الآية هذه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا).

​ولذا الإمام ابن كثير في تفسيره ينقل -ومن قبله ومن بعده من الأئمة- عندما يذكرون زيارة النبي، أو يمرون على تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ)، ينقلون رؤيا لواحد اسمه العتبي من الصالحين، كان يجلس في المسجد النبوي في الحجرة الشريفة. 

يقولون، وهم يروون عنه هذه القصة: كنت جالساً عند قبره ﷺ فدخل أعرابي قال: اللهم إني سمعتك تقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ…) وإني قد جئت نبيك، وأنا استغفرك، واستغفر لي يا رسول الله، ومشى، قال: فأخذتني عيني، فرأيت النبي مُقبل، قال: "يا عتبي، قُم الْحَقِ الأعرابي فبشِّرهُ أن الله قد غفر له"، وهكذا ذكروا في آداب الزيارة أن يقرأ الآية إذا زار النبي: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ).

​استغفار النبي ﷺ لأمته في البرزخ ولواء الحمد

​واستغفاره لأمته على العموم والخصوص في قبره ثبت بالنص وثبت في السنة، يقول: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم"، قالوا: يا رسول الله، حياتك خير لنا، كيف مماتك خير لنا؟ قال: "حياتي خير لكم؛ أُسِنُّ لكم السنن وأُشرِّع لكم الشرائع، ومماتي خير لكم؛ تُعرض عليَّ أعمالكم، فما وجدت من خير حمدتُ الله، وما وجدت غير ذلك استغفرتُ لكم"، صلى الله وسلم عليه وعلى آله. 

فهو يستغفر لنا في قبره الشريف صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم بلِّغه السلام عن أهل مجمعنا، واجعله يستغفر لنا، فإنا نستغفرك ونسألك بجاهه أن تغفر لنا، يا خير الغافرين، يا أكرم الأكرمين، يا أرحم الراحمين.

​والعجب في رحمته وشفقته، استغفاره لأمته في البرزخ! لما أراد يذكر القصة ما قال "وإن رأيتُ شراً"، لطَّف الكلمة، قال: "إن وجدتُ خيراً حمدتُ الله، وإن رأيت غير ذلك"، ما قال "شر"، ولا قال "سوء"، ولا قال "معاصيكم وذنوبكم"! اللطف في الكلام منه ﷺ، "إن رأيت غير ذلك استغفرتُ لكم"، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

 اللهم اجعله مستغفراً لنا واغفر لنا، وإذا استغفر لنا هو، أنا لو قعدت طوال عمري أستغفر ما تبلغ استغفاره من حبيب الله لي! لأنه كُلٌّ يستغفر الله على قدر معرفته بالله، وأين معرفتي بالله من معرفة محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله!

​وأيضاً نعمة الحمد بالنسبة للطائعين، إذا قُبلت أعمالهم الصالحة يحمد الله عنهم، "إن وجدت خيراً حمدتُ الله"، فإذا حمد الله، هم مهما حمدوا الله ما يبلغون مثل حمده! ولذا لواء الحمد بيده يوم القيامة؛ لأنه أحمدُ خلق الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، قال: "ولواء الحمد بيدي". 

وسمى الله أمته "الحَمَّادِينَ"، لأنّ سراية سِر الحمد منه كثيرة في خواص أمته، فلهذا سُمّوا "الحمادون" في الكتب السابقة، وقال: "أول من يدخل الجنة من أمتي الحَمَّادون" -يعني كثيري "الحمد لله"، الذين يحمدون الله على كل شدة ورخاء، الحمد لله على كل حال.

​أهمية الفهم الصحيح وسلامة الصدور

​الحمد لله الذي جمعنا وإياكم وأسمعنا، ونسأله أن ينفعنا وأن يرفعنا، وأن يُبارك في هذا المسجد ولإمامه والقائمين عليه، ويزيدهم نور اتصال به وبرسوله ﷺ.

وسراية لهذا الاتصال فيما سمعتم في الفهم عن الله ورسوله، حتى لا نروح وراء الآراء والأهواء والتَّبِعات، ونخرج عن سَنَنٍ قويم مضى عليه الأكابر بعد الأكابر من خواص الأمة قرناً بعد قرن -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- في فهمهم لنصوص الكتاب والسنة، وبلاغ الحبيب ﷺ عن الله تبارك وتعالى، فهماً يزيد القائم به والواعي والآخذ به خضوعاً وخشوعاً وتواضعاً. 

ما يُعَلِّم سَبّاً ولا يُعَلِّم شتماً، ولا يُعَلِّم بغضاء ولا يُعَلِّم شحناء، ولا يُعَلِّم جراءة على الله ولا على رسوله ولا على حي ولا على ميت من المسلمين.

(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)، قالوا: ويستشعر الصالحون عند قولهم في الدعاء (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) الأوائل الذين سبقوا، إلى آخر مَن مات في هذه اللحظة من المؤمنين! (اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) كل هؤلاء، مِن أول مؤمن إلى الميت الآن الذي مات في هذه اللحظة قبل ما نقرأ الآية! (إِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)، وبعدها الباقين معك في الأرض: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا). فهذا حالك مع الأموات، وهذا حالك مع الأحياء، مع الأموات: معرفة السبق لهم وطلب المغفرة، ومع الأحياء: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

​الدعاء

​غفر الله لمؤسسي المسجد ورفع درجاتهم، والقائمين عليه، وضاعفَ الهبات لنا ولكم وأجزلَ العطيات، وجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. 

اللهم كما جمعتنا فانفعنا وارفعنا، وفي ظل عرشك اجمعنا، وتحت لواء الحمد اجمعنا، وعلى حوض نبيك اجمعنا، في دار الكرامة اجمعنا، في زمرة نبيك ﷺ اجمعنا، يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمعنا بحبيبك وصفوتك في مواقف القيامة وفي دار الكرامة، وأنت راضٍ عنا يا حي يا قيوم اللهم واجمعنا وأحباباً لنا في دارك الفردوس أطيب موضعِ.

فضلاً وإحساناً وجوداً منك يا ** ذا الفضل والجود الأتم الأوسعِ

​اللهم وفرِّج كروب المسلمين، وأدِم على أهل الغيضة وأهل المهرة وعلى أهل اليمن والشام والمشرق والمغرب من عندك يا مولانا أمناً وخيراً وطمأنينة وسكينة وتقوى واستقامة واتباعاً واقتداء واهتداء. 

وادفع البلايا والشدائد والآفات والرزايا عنا وعنهم وعن الأمة أجمعين، يا محوِّل الأحوال حوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، وعافنا من أحوال أهل الضلال وفعل الجهال، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنا.

 

تاريخ النشر الهجري

14 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

25 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية