أسرار وعي خطاب رب الأرباب ومنزلة أولي الألباب في تبعية سيد الأحباب

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة الحبيب عمر بن حفيظ في حولية الإمام العلامة الحبيب عبد الله بن حسين بن طاهر، رحمه الله، في منطقة مسيلة آل شيخ، جنوب مدينة تريم، صباح الإثنين 17 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:

أسرار وعي خطاب رب الأرباب ومنزلة أولي الألباب في تبعية سيد الأحباب

 

نص المحاضرة:

 مقدمة: الوجهة إلى الله

الحمدُ لله، على ما بسَطَ ومَدَّ -سبحانه وتعالى- من سِمَاط الوِجْهَة إليه، التي قام في مِحْرابها إمام الأئمة، سيّد الوجود محمد بن عبد الله ﷺ، وكان سيّد أهل قوله: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، سيدنا محمد أول المسلمين، وسيدنا محمد أول العابدين، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله. 

وإن رسول الله من غير رِيبَةٍ ** إمامٌ على الإطلاق في كل حَضْرَةِ

وَجِيهٌ لدى الرحمن في كل مَوْطِن ** وصَدْرُ صُدُور العارفين الأئمةِ

ثم كان من خلفه النبيون، ومن خلفه الملائكة المُقربون، في سرِّ وُصْلَتهم بالله -جل جلاله وتعالى في علاه- وما خصَّ الله به أتباع الأنبياء من ذلك الفضل في الوِجْهَة إلى الرحمن سبحانه وتعالى.

تسبيح الكائنات ووجهتها

وهي المِيزَة لكلّ كائن من هذه الأكوان، ووِجْهَة جميع الأكوان إلى مُكَوِّنها، ولكن هذه الوِجْهَات على مراتبها؛ فوِجْهَات الجمادات والنباتات والحيوانات، إذ قال لها سبحانه -أي للسماوات وللأرض-: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ). (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).

خصائص العقلاء والملأ الأعلى

إلا أنه تعالى خصَّ العقلاء من الإنس والجن والملائكة بأسرار وِجْهَة أكبر وأجلّ وأنوَر وأعظم، كانت فيها حقائق الفضل كله من الحق تبارك وتعالى، ولا فضل دونها، ولا فضل سواها على الحقيقة.

وكانت هذه الخصائص في هذه الوِجْهَات إلى الرحمن -سبحانه وتعالى- يَذْكُر عن الملأ الأعلى: (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) جل جلاله وتعالى في علاه، فكانت ميزتهم وخصائصهم وهم المعصومون من ملائكة الرحمن جل جلاله وتعالى في علاه.

القرب من الله وحقائق المعرفة والمحبة

وكانت تلك هي الخصوصية للنبيين صلوات الله وسلامه عليهم، قال الله في سيدنا عيسى بن مريم: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ). 

وأسرار هذه العبودية للرب التي تتكوّن بها -بحُكم سنة الله تعالى في إفضاله ونَوَاله- حقائق العبودية للرب والمعرفة الخاصة بالإله جل جلاله وتعالى في علاه، وهذا الفضل الذي يختصّ به من يشاء، وبقدر المعرفة ما يقسِم -سبحانه وتعالى- لعبده من أسرار هذه المعرفة الخاصة من أتباع النبيين بعد النبيين صلوات الله وسلامه عليهم. 

تكون منزلته في القرب من الله جل جلاله، وفي القُرب من رسله ومرافقتهم في يوم الدين، على قدر هذه الوِجْهَة الصادقة، وعلى قدر ما يقسم له من هذه المعرفة، وعلى قدر المعرفة تكون المحبة وما يَنتُج بعد ذلك عن المحبة.

الاعتناء بكتاب الإحياء ومجموع الحبيب عبدالله بن حسين

وقد قال الإمام الغزالي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- الذي كان صاحب الحولية يعتني بكتابه "الإحياء" خاصة، وبقية كتب الإمام الغزالي من بعد أجداده وآبائه السابقين الذين أجمعوا أن فيها من أسرار الدلالة على الله، والوِجْهَة إلى الله، وتقويم القلب وتقويم الفكر ما ليس في غيرها.

وزاد "الإحياء" نورٌ فوق نور لما استلمتهُ أيدي هؤلاء الأكابر عليهم رضوان الله تعالى، وورد إلى حضرموت في زمن سيدنا الإمام العيدروس الأكبر، وعَظَّم شأن هذا الإحياء، وعَظَّم شأن هذا المسلك وما فيه، الذي لما ألَّفَه -عليه رضوان الله تعالى- رأى بعض العارفين عدوَّ الله إبليس يحثو التراب على وجهه: مالك يا عدو الله؟ قال: أُلِّف كتاب أخافني إن يتّبعه الناس، أخاف أن الأمة تستضيء به وتتنوَّر به، -عليه رضوان الله تبارك وتعالى- سيدنا الإمام الغزالي ومن انتهج في ذلك النهج القويم. 

وكانت الخلاصة ما ذكروا، قالوا: إن الإمام الغزالي غَزَل الشريعة، وإن الإمام الشعراني نَسَجها، وإن الإمام الحداد حَظَاها، وإن الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر خيَّطها وفصَّلها.

في مثل "المجموع" هذا العظيم الذي غفلت قلوبنا عن حقائق ما فيه، ما يحتاجه أهل الوادي؛ علماؤهم ومُتعلموهم وعوامهم، مودوع في "المجموع" لعبد الله بن حسين بن طاهر. 

ثلاث وعشرين رسالة، كل رسالة فيها دلالة، وفيها تقريب، وفيها تحبيب، وفيها كشف للحقائق لمن يُقبِل على الخالق جل جلاله، ومن له تطلُّب صحيح لهذا العطاء الواسع الفسيح من حضرة الله تبارك وتعالى.

حقيقة الابتلاء بالدنيا ومكانة أهل الإيمان

وأما الذي رضي لنفسه مع البهيمة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وهو الذي حُجِب في شأن عباداته وطاعاته وحقائق دينه مع الظواهر ومع المُسمّيات، ومع المنزلة عند الخلق، قال سيدنا الإمام الحداد: 

والقبر إمـا روضـة نعيمـة ** نعم وإلا حفرة جحيمة 

فاعمل لنفسك لا تكن بهيمة ** تجري ولا تدري بعظم الاخطارْ

وهكذا يقول سيدنا الإمام هذا في دعواته وتوجهاته: *ولا تكن كالسَّائِمَة" كمثل هذه الحيوانات، والحق شبَّه بها الكفار في مسالكهم. 

لا يُغْتَر بشيء مِما تعاملوا به مع هذه المادة ومع هذه الشؤون، وهي مائدة بسطها الله فيها البَر والفاجر يستوي، ولا الشرف لا بأجهزتها ولا بالاكتشافات فيها، وهي مجرد وسائل إن استعملت في طاعته وعبادته، وإلا فهي سوء، وإلا فهي شر، وإلا فهي ضُر -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وإلا فهي فتنة: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)، وبعد ذلك تزهق أنفسهم وهم كافرون، ويُخلَّدون في العذاب والعياذ بالله تعالى.

وأصحاب هذا الإيمان من أهل دين الحق هم الذين يَعْتَلون بهِمَمِهم وبوِجْهَاتِهم وبمقاصدهم إلى أن يعلموا الشرف الأفخر في القرب من الإله الأكبر، والاتصال بصَفْوَة مُضَر، والوسيلة هؤلاء القوم الغُرَر الذين ورثوا علومه وأسراره وأخلاقه، يقول سيدنا الحداد: 

مواريثهم فينا وفينا علومهم ** وأسرارهم فليسأل المترامي 

وآل رسول الله بيت مُطهّرٌ ** محبتهم مفروضة كالمودَّةِ

هم الحاملون السر بعد نبيهم ** وورَّاثُه أكرم بها من وراثةِ

وإذا قام الأمر خرج الإنسان عن هذا الانحطاط، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) والعياذ بالله تبارك وتعالى، (وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)!

وقال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ)، اللهم اجعلنا منهم.

واقسم لكُلِّ حاضر في هذه الحولية بنور مِن أنوار التقوى، وسر من أسرار التقوى يَقْوَى ويزداد معه إلى أن يلقاك، يا أرحم الراحمين، واقسم لأهالينا، واقسم لأهل ديارنا، واقسم لأقاربنا، واقسم لأهل بلداننا من هذا الخير.

رحمة الأكابر بخلق الله

فإنّ الرحمة الكبرى التي أوجدت هؤلاء الأكرمين؛ جعلتهم رحمة من الله للعالمين، في إرث مَن قال له: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). فكانوا رحمة في هَدْيهم، وفي أخلاقهم وفي شمائلهم، وفي تفقّدهم للمحتاجين والفقراء -كما سمعتم في جزء من ترجمة هذا الإمام عليه رضوان الله تبارك وتعالى- يَحْرص على صدقة السر، وينظر إلى الأحوَج، وينظر إلى من لا يُؤْبَه له ويقصدها، وبطرقه يتوصَّل إلى هذا وإلى هذا وإلى هذا. 

ورحمة للناس بتعليمهم، ورحمة للناس بتدريسهم، ورحمة للناس بتأليفهم، ورحمة للناس يَبِيتون مع ربّ الناس -جل جلاله- في خضوع وخشوع، يسألونه للناس ويدعونه للناس ويسترحمونه للناس عليهم رضوان الله.

أثر الصالحين في دفع البلاء عن الأمة

بهم يكشف الله البلايا ويدفع الـ ** رزايا ويُسْدِي كل خير ونعمةِ

ولولاهمُ بين الأنام لدُكدِكتْ ** جبال وأرض لارتكاب الخطيئةِ

وأنتُم في مثل هذا الوادي الميمون بحُكم إيمانكم بهذا الإله الحق جل جلاله، اعلموا أنّ ما يجريه لكم مِن لطف وما يجريه لكم من دفع لآفات كثيرة ظاهرة وباطنة تعلمونها ولا تعلمونها، ما أسبابه لا حركات ولا حكومات ولا أحزاب، ولكن والله بمحبوبيه وبالمقربين إليه.

(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

وتأخّر العذاب حتى عن الكفار رعاية من الخَلَّاق لهؤلاء الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات الذين وصفهم جل جلاله، وترتّب على ذلك أن كثيراً من هؤلاء الكفار عادوا إلى مسلمين، وعادوا إلى صحابة، وعادوا إلى مُحبين، وعادوا إلى مُترقّين في مراقي اليقين ببركة هؤلاء، وإلا كان قد أُهْلِكوا من قبل وقد ماتوا على الكفر والعياذ بالله تبارك وتعالى، (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

الحسرة على فوات الطاعات وحسن الخاتمة

فاتقوا الله في وِجْهَاتكم ونياتكم واعتقاداتكم ومعرفتكم بأسرار هذه الخطابات الإلهية، واجعلوا لكم وِجْهَات صادقة قويّة في إحياء ما مات ورَدّ ما فات، كما سمعتم في كلام هذا السيد وفَّقه الله وأخذ بيده وجعلنا من المتواصين بالحق والصبر، والذي فات شيء كبير، وكان الإمام الحبيب علوي بن شهاب إذا ذكر قول الإمام الحداد:

ولو أنني أبكي الدموع وبعدها ** الدماء على ما فاتني يا مُعاتبي

لكان قليلاً من كثير وما عسى ** يردّ البكا من ذاهب أي ذاهبي

يقول: إيش من فَوَات وقع على عبد الله الحداد؟! هذا الذي يُصلي مائتين ركعة في أيام صغره ووقت تعلمه إذا خرج من العِلْمَة وقت الضحى، غير أعماله الصالحة، أو هذا المفتوح عليه، أو هذا الموهوب المواهب، أو هذا المُحيي لدين الله! إيش من فَوَات وقع عليه؟ والفَوَات يقول: وقع عليّ وعليكم.. الفَوَات يقول: وقع عليّ وعليهم، ولا من فَوَات على مثل علوي بن عبد الله.

ولا على مثل ولده محمد الذي فاضت روحه في هذا المكان وفي هذا المنزل وهو يقول: "جنة الدنيا المسيلة"، وهو يذكر الأكابر ويذكُر تلك المنازل، والتحسُّر على ما فات، وأين وأين الرجال؟! ونحو عشر دقائق وفاضت روحه في هذا المكان الشريف، أعلى الله درجاته.

حتى قضى النَّحْبَ يدعو الناس محتسبًا ** في حضرة الصِّيد مَن للخالق امتثلوا 

أكرِم بذا من ختام فيه مفخرة ** وفيه رَجْوَى وفيه القصد والأملُ

يا الله بها، يا الله بها، يا الله بحُسن الخاتمة.

اغتنام مواهب المجالس وخشية الله

فالمواهب الكبيرة التي تتنزَّل في مثل هذه المجالس ينبغي أن تأخذوا النصيب منها، وأن لا نخرج إلا بوِجْهَة صادقة إلى الرحمن جل جلاله، (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) قال ربي: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)، واستبقوا الخيرات: تطمح نفوسنا وقلوبنا إلى سِيَر القوم، إلى أخلاق القوم، إلى شمائل القوم.

عينك كم لها ما بكت من خشية الله؟ يوم، يومين، ثلاث، أربع؟ أخاف لك شهر، أخاف لك سنة ما دمعت عينك من خشية الله؟! والدمع تُخلِّيه لعين محمد بن عبد الله ﷺ، ولعين ابنته الزهراء؟ ولأعيُن السابقين الأولين المهاجرين والأنصار؟ ولعين عبد الله بن حسين وطاهر بن حسين.. وأنت عينك ما تبكي؟ وما تعرف لماذا بكوا؟! (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ). 

الآن عندنا بيوت فقدت الدمعة، لا من خشية الله، ولا من محبته والشوق إليه سبحانه وتعالى، ولا من معرفته، ما تعرف تبكي على هذا، إلا إن شيءٌ من وجعٍ أو حُطامٍ أو شيءٌ من أمور الدنيا، بكى عليه! هذه عين ما عرفت قدرها ولا عرفت قدر ربها جل جلاله، "كُلّ عين باكية يوم القيامة إلا عينًا بكت من خشية الله، وعينًا سهرت في سبيل الله، وعينًا غضّت عن محارم الله" جل جلاله وتعالى في علاه.

تنبيه من فتن العصر وحفظ النواظر

وهذه المُحرّمات نشروها لنا وتولَّع بها شبابنا وتولع بها ناشئتنا أبناء وبنات، وتعرّضوا لمصائب كبيرة، ولا رادع يردع، لا أب بعقله، ولا أم بحنانها وعطفها تُحرِّك منهم ضمائر تقول لهم: إن المخاطر في هذا تضركم في الدارين، ولكم فسحة في التعلُّق بالرب سبحانه وتعالى والاستعداد للقائه.

وإن ما يدعوكم هؤلاء في سَعَف إبليس: (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس" الرجيم، وكم مِن فكر وكم مِن اعتقاد تخبَّث وفسد بسبب هذه الأشياء، وكم مِن أخلاق أيضا ضاعت.

فلا بد من الإصغاء لمثل هذا "المجموع" وما فيه. وعندنا هذه الكتب توفرت، كانوا يكتبونها وينسخونها ويبحثون عنها من هنا ومن هنا، ويحفظون حقها ويقومون بها، وهي مطبوعة بخير الطبع، ولكن ما معه نسخة، وإن معه نسخة مطروحة في البيت ما نظر إليها، وإن نظر إليها مرت كم دقائق وحطّها محلها، ولا أعمل قلبه فيها ولا فكره فيها!

مُهمتك ماذا في الحياة؟ ومرجعك إلى ماذا؟ أنت وراء شؤون الحياة القاصرة، وهذه خطابات ربانية جاءتك على لسان محمد ﷺ، وحملها الأكابر من بعد، ما لك نصيب في تعظيمها؟ ما لك نصيب في معرفة قدرها؟

فضل طلب العلم والعلماء العاملين

وفاتني مُن خِيَار الناس كم رجلٍ ** ما فارقَ الذكر طول العمر والكُتُبا

وفيهم الذي في المرض وعند سكرات الموت والكتاب أمامه، ما قَدَر أن يحمله، قال: احملوه لي فوق صدري.. مالك؟ قال: أُحب أن أموت وأنا أطلب العلم، "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليُحْيِي به الإسلام" يقول: المقصد الحسن والمنزل الصالحة: "ليُحْيِي به الإسلام" -لا ليحوز المنزلة ولا مكانة عند الناس ولا سمعة ولا رياء، "ليُحْيِي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة".

بعد النبيين مباشرة والنبي ﷺ يخبرنا عن صنفين من الناس أنهم أقرب الناس من الرسل يوم القيامة، "أقرب الناس من الرسل يوم القيامة: العلماء والشهداء"، ولكن أي علماء وأي شهداء؟ قال: "أما العلماء فدلوا الناس على ما بُعِث به الرسل"، العلماء الذين يدلون الناس على ما بُعِث به رسول الله ﷺ، هم الذين يقربون، قال: "وأما الشهداء فماتوا على ما بُعِث به الرسل"، ماتوا على ما بُعِث به الرسل؛ لتكون كلمة الله هي العليا، ليس لأجل سياسة فلان ولا فلتان، ولا لأجل هذا المال.. مساكين كثير من أبنائنا من أجل مُرتّب وغيره، راح هنا وهناك وسُفِك دمه وراح، أين الذين ينصرون كلمة الله تبارك وتعالى ويريدون أن تكون هي العليا؟

وصية لأهل الوادي

الله ينظر إلى يَمَنِنَا وإلى شَامِنَا وشرقنا وغربنا، ويكشف الشدائد عنا بوَجَاهَة هؤلاء الأطايب. 

وأنتم في اللطف في الوادي الميمون ارعوا حق الله سبحانه في واديكم الذي شَرَّفه بأكابر من العارفين والصالحين، انتشر خيرهم حتى لا تكاد قبيلة من قبائل حضرموت إلا وقد مضى فيها من أهل القلوب الصادقة المنوَّرة الخالصة كثير، حتى من عوامهم. 

وعرفنا عوام أحدهم ما فاته قيام الليل من صغره إلى آخر عمره، وهو عامي يعد من العامة هذا، ما رضي يدخل شبهة إلى بيته فضلاً عن الحرام في حاله كله، ما ترك حزب بين المغرب والعشاء، ويعدونهم عوام!

كان النداء الرباني لما حمله هؤلاء الأكابر، وجدوا قلوب تستجيب، فحوّلوا عوامهم إلى شِبْه خَوَاص، "هُمُ القوم لا يشقى بهم جليسهم". 

خدمة مجالس العلم ومحبة الصالحين

واجتمعتم بفضل الله، جزى الله أحبابنا وإخواننا القائمين في هذه المقامات والساعين فيها والخادمين لها، والذي يفرش والذي يُكنّس والذي حتى يقفل الباب ويفتحه، لو يدري ما وراء هذا! 

كان سيدنا علي يقول للذين قاموا بفضل الله تعالى وتوفيقه معه، وقَتَل من هؤلاء الخوارج الذين يحملون التكفير ويتجرّؤون على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، قال لهم في هذه المعركة عندي خبر من رسول الله ﷺ أن فلان بن فلان ذو الثّنِيَّة يُقتَل فيها، ابحثوا عنه.

بَحثوا عنه ما وجدوه، قام بنفسه ووجده تحت الأموات رفعه وقال: هذا هو، هذا علامة ثَدْيه الذي ذكرها النبي ﷺ، لولا خشية أن تَبْطروا لذكرتُ لكم ما قال لي رسول الله ﷺ عن فضل من قاتل هؤلاء.. أذكُر لكم الفضل ولكن ستبطرون وأخاف أن تغترّوا بذلك.

فالخدمة في هذه المجالات تتصل بوِجْهَات ونيات من الأكابر والصِّديقين وعامة ملوك الأرض، سواء اللي في زمنكم أو قبل أو بعد، إذا انكشفت الحقائق في القيامة يتمنى أنه حَمَل مكنسة في هذه الأماكن، يتمنى أن الله وفَّقَه في الدنيا وقام بخدمة في مثل هذه المواطن، ولكنها سوابق من فضل الله تبارك وتعالى يعطيها من يشاء.

بهذا المعنى الذي كان يتحدث عنه الشيخ بامخرمة، يقول عن أهل حضرة الله وقربه: 

كل من كان خادمكم مُحرَّم على النار

ما تمسّه ولو لمسته ما لمسها حار

يقول الحبيب علوي بن شهاب: هي ما بتقرب حوله! "ولو لمسته ما لمسها حار"، والشواهد في ذلك يقول ﷺ: "المرء مع من أحب"، ويُصرِّح له في السؤال كما جاء في صحيح البخاري: الرجل يحب القوم ولمّا يلحق بهم؟ قال: "المرء مع من أحب" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فالله يرزقنا محبتهم، يقول سيدنا الحبيب عبد الله بن حسين:

مُحبهم محبوبُ يحصل له المطلوبُ ** وهو بهم سعيدُ ورأيه سديدُ

ارزقنا اللهم محبتهم وارزقنا متابعتهم، والمَجمٌع عُمَّه بنظرة من نظراتك يخرج كل واحد صادق معك في الوفاء بعهدك وفي طلب محبتك وودك، والدخول في دائرة حبيبك وعبدك بهذه الأبواب الوسيعة، اللهم ارفع درجاتهم واجزهم عنا خير. 

مكانة نساء السلف في العلم والولاية

وكما سمعتم أكابرهم هؤلاء الظاهرون سيدنا طاهر بن حسين صاحب الهِمم والعزائم، وسيدنا عبد الله بن حسين وسيدنا عبد الله بن عمر بن يحيى وغيرهم، رجال ونساء أكابر أكابر أكابر، يقولون عن عمتهم هذه الحبابة أم كلثوم: أن اجتمعت فيها شروط الإمامة العظمى إلا كونها امرأة.. ما عدا الذكورة، والباقي صالحة لأن تكون الحاكمة على المؤمنين في الشرق والغرب؛ بما فيها من الصفات وبما فيها من العلوم والمعارف إلا كونها أنثى فقط، ليست بذكر، واجتمعت فيها هذه.

كان يذكُر لي الحبيب إبراهيم بن عمر بن عقيل بن يحيى -عليه رحمة الله- قال يذكُر في نساء المسيلة مَن تُقرِّر "الإحياء" تقرير كما يُقرَّر "المختصر"! على عبارة عبارة تُقرّره للناس في أماكنهم، عليهن رضوان الله. 

قال: وفيهن مَن كان تفك عبارة "التحفة" لولدها قبل ما يروح عند الشيخ يُدرّس، تقول له: انظر الضمير ذا يعود على الكلمة هذه قبل أربع أسطر، انظر هناك، هذا يعود على هذا ومعناه كذا، وهذه العبارة كذا، وهذه في اصطلاح الفقهاء كذا، وهذه في استعمال ابن حجر تدلّ على كذا وكذا، فقيهات يُفَقِّهن أولادهن، قبل أن يذهب عند شيخه وهو مُعلَّم من والدته! وهذه النساء بهذه الصورة، أين النساء التي ما تعرف إلا خرقتها، ولا تعرف إلا شكلها، ولا تعرف إلا زينتها، ولا لها ذوق، ولا لها شوق، ولا لها توق؟!

يا رب انظر لرجالنا ونسائنا، واصلح صغارنا وكبارنا.

خاتمة ودعاء

والوافدين إلى حضرموت لطلب العلم يجب أن يعلموا قدر العلم وقدر أهله، وكَونهم في مثل هذا الوادي يتصلون بأسانيد الأكابر مِن حقهم أن يُعظموه، ومن حقهم أن يحترموه، ومن حقهم أن يكونوا على السكينة والوقار، وعلى الجد والاجتهاد وعلى الصدق مع الله تعالى. 

الله لا يحرم أحد من جميع الوافدين والحاضرين ويبارك لنا ولكم فيما سمعنا، ويبارك لنا ولكم فيما رأينا، ويبارك لنا ولكم فيما حضرنا، ويزيدنا زيادة، ويصلح لنا الغيب والشهادة، ويفرج كروبنا والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.

 

تاريخ النشر الهجري

17 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

28 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية