مجالات حفظ الحق للقرآن وأسرار الصلات به

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في بيت السيد أحمد بن إبراهيم باعبود، في مدينة الغيضة، محافظة المهرة، ليلة الخميس 13 ربيع الثاني 1448هـ بعنوان:

مجالات حفظ الحق للقرآن وأسرار الصلات به

يوضح فيها نعمة حفظ الله للقرآن والأمة، وبقاء العلم والفهم الصحيح للدين عبر القرون، مؤكّداً أهمية معرفة قدر هذا الميراث وعدم إخضاعه للأهواء والمصالح، مع الخشية والتواضع والإخلاص، والثبات على طريق العلم والاتباع بعيدًا عن الفتن..

نص المحاضرة:

حفظ الله للقرآن والدين والأمة

الحمد لله، وسبحان الذي برحمته ورأفته حَفِظَ لهذه الأمة القرآن، بِحفظه القرآنَ حَفِظَ حقائقَ الدين، وحَفِظَ المسلمين، وحَفِظَ الأرضَ، ما دام القرآنُ فيها موجودًا؛ لا تقوم الساعة، ولا يتمحَّض الشر، ولا يَعُمُّهُمُ الله بعذابٍ من عنده.

كان حفظ القرآن من الله رحمةً بهذه الأمة إكرامًا لنبيه المصطفى محمد ﷺ، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، يقول الله جل جلاله وتعالى في علاه، فكانت مِنَّةُ الله علينا في حفظ هذا الكتاب عنوانًا لكريم إرادته بالأمة، ونزول رحمته بهم، والخصوصيات التي اختصَّهم بها دون بقية الأمم من أنبيائهم وأتباعهم عليهم سلام الله تبارك وتعالى.

ثبات الأمة المحمدية على القدم النبوي

وما بقي ثابتٌ على قدم الأنبياء إلا القليل بعد مرور المدة والزمن والقرون؛ حتى في خلال خمسمائة وشيء مِن أيام سيدنا عيسى، ما بقي على ظهر الأرض من الذين هم على قدم النبي عيسى بصحّةٍ إلا من يُعَدُّ بالأصابع.. النصارى كثير، ولكن ليسوا على قدم عيسى، وليسوا على مسلك عيسى بن مريم، بل هم في ضِدِّ ما جاء به، وفي ضِدِّ ما بلَّغهم عن الله تعالى؛ كما قال سبحانه وتعالى: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ). وهذا قرون لهم يقولون هذا الكلام، (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) جل جلاله.

فهم مخالفون لعيسى عليه السلام، وخارجون عن قدم سيدنا عيسى، حتى آخرهم سيدنا سلمان الفارسي كان يتواصوا به من بقي، ويقول له أحدهم: ما أعلم أحدًا ثابتًا على هذا الدين إلا فلان في المكان الفلاني، ويذهب ويذهب حتى انتهى به الأمر وجاء إلى المدينة المنورة عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

لكن الآن عندنا ألفٌ وأربعمائة سنة، وموجودون على القَدَم النبوي المحمدي أعداد، بل سياج هذا البقاء على القدم في عمومه يَعُمُّ الأكثر من الأمة؛ بل "السواد الأعظم" سماهُم ﷺ، أي: الكثرة الكاثرة لهم انتماء إلى هذا الأمر، وإن كانوا على درجات في رسوخ أقدامهم وفي صدقهم، رؤوسهم في كل زمن هُم نور هذا الدين ونور العالم.

بقاء الخير في السواد الأعظم وفهم أسرار القرآن

وهؤلاء الأتباع، وإذا نظرنا إلى هذا السواد الأعظم وجدناهم -كما سمعتم الكلام عنهم من إخوانكم، ومن الذين وردوا أيضًا من أستراليا- بقايا خيرية بَقِيَتْ في الأمة حتى عَمَّتِ العموم منهم، من شهامةٍ، ونخوَةٍ، ومجدٍ، وكرمٍ، وإحسانٍ، وفضلٍ من فضل الله تبارك وتعالى، مِن سر الحفظ الإلهي لهذه الأمة. 

وحِفظ القرآن ليس مجرد حفظ ألفاظه وكلماته المكتوبة، ما يتأتّى حفظ القرآن إلا بحفظ قلوبٍ تَعِي من حقائقه ومعانيه أسرارًا كبيرة، فأبقى الله في الأمة من يَعِي ذلك، ومن يفهم ذلك.

على مدى القرون، حتى كان يقول سيدنا علي في الإشارة إلى هذه الخصوصية، يقول: خَصَّكم، أنتم أهل بيت النبي محمد، خَصَّكم رسول الله بشيء دون الناس؟ قال: في أمور الشرع وما يُقَرِّبُ إلى الله أبدًا لم يَخُصَّنَا بشيء دون الناس إلا ما في هذه الصحيفة، وفهمًا.. فهمًا يُؤْتَاهُ أحدنا في كتاب الله، قال جَعَلَ لنا خزائن مفاتيح نفهم فيها من كلام الله فهمًا واسعًا، يعني أكثر من غيرنا من الأمة، أو نحن مفاتيح ذلك للأمة، فهذه الخصوصية والمزية أشار إليها بدعائه لابن عباس، قال: "اللهم فَقِّههُ في الدين وعَلِّمْهُ تأويل الكتاب"، وعَلِّمْهُ تأويل الكتاب.

فكان يقول عبد الله بن عباس: "لو ضاع عِقَالُ بعيري لاستخرجتُ له دليلًا من كتاب الله"، أنه من القرآن سأعرف أين مكان العقال للبعير هذا حقي عليه رضوان الله؛ من اتساعه في فهم معاني كلام الله التي قال عنها: (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) جل جلاله وتعالى في علاه.

تسلسل العلم والسند إلى رسول الله ﷺ

بَقِيَتْ خيراتٌ كثيرة في هذه الأمة، هذا الصنف الذي ذكرناه والسواد الأعظم من الأمة مُنْتَمِي إلى أصل القدم المحمدي فضلًا من الله تبارك وتعالى. 

خِيار هذه الأمة مضوا على هذا القدم وعلى هذا الأساس، ويقول الإمام الحداد في أئمة مدرستكم هذه ومسالككم هذه:

ثبتوا على قدم الرسول وصحبهِ ** والتابعين لهم فَسَلْ وتَتَبَّعِ

ومضوا على قصد السبيل إلى العُلَى ** قَدَمًا على قَدَمٍ بِجِدٍّ أوزعِ

ومن العجب أنهُ بَقِيَ إلى يومنا هذا؛ حتى حِفْظُ العِلم بالكتاب والسنة ودلالتهما وأحكامهما مُسَلْسَلٌ في عددٍ -ليس بالسند العام- بسند كل ابنٍ عن أبيه، كل أبٍ عن أبيه.

وهكذا تجده كان من العلماء في زمان النبي مثل "باب مدينة العلم" سيدنا علي وكبار الصحابة عليهم رضوان الله، كانوا أهل علمٍ مميزين عن بقية الصحابة؛ (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). يقول منهم أهل بدر، أهل بدر كانوا إذا دخل أحد منهم في مجلس يقول النبي ﷺ: وسّعوا له، وإذا لم يكن وسع يقول: يَقُمْ بعضكم له.. دَخِّلُوهُ، وقع في نفوس بعضهم فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا)، قوموا، ماذا؟ (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، يعني أهل بدر أُوتوا علمًا لم تُؤْتَوْهُ أنتم.

صدق الصحابة وتضحياتهم مع النبي ﷺ

بِمَ؟ بحضورهم مع سيد الوجود في تلك الوقعة والمعركة الشديدة، وبذلهم لأرواحهم، وكانوا يَرَوُنَ الموت أمامهم، ولكن قالوا لإمامهم: "لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ولو سرت حتى تبلغ بَرْكَ الغِمَاد من الحبشة لَسِرْنَا معك، ما تخلَّف منا رجل واحد". 

ولما قال له هذا الكلام سيدنا سعد، وجعل له مُقدمة هي حقيقة الدين، وحقيقة الإيمان، وحقيقة الفهم والوعي للوحي والكتاب والسنة، ولسِر: لا إله إلا الله محمد رسول الله. 

قال له: يا رسول الله، أنت تذكر: أشيروا علي أيها الناس، تريدنا معشر الأنصار؟ قال: أجل، قال: يا رسول الله، عهدٌ بيننا وبينك كان عند العقبة؛ أننا بُرَآءُ حتى تكون في بلدنا وننصُرك في بلدنا، والآن أنت خارج البلد، رسول الله، نحن ما نقف عند هذا الكلام بيننا وبينك، "آمنا بك، وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، فاقطع حبال من شئت، وواصِلْ حبال من شئت، وحارِبْ من شئت، وسالِمْ من شئت، ونحن حربٌ لمن حاربت وسِلمٌ لمن سالمت"! 

حقائق الإيمان، حقائق الدين، قال له عقولنا وأذهاننا وأعرافنا وقوانين.. روم وفرس والشرق والغرب ما لها اعتبار عندنا، الخبر ما تأتي به أنت، نحن آمنا، أنت عرفناك أنك حبيب الرحمن، وخِيرَتُهُ، وخاتم أنبيائه، لم يعد اعتبار لشيء آخر عندنا، نحن وراءك، "وإنما أمرنا تَبَعٌ لأمرك. ولعلك خرجت تريد أمرًا فأراد الله غيره، فامضِ لما أمرك الله، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعل الله يُريك منا ما تَقَرُّ به عينك، وقد تخلَّفَ عنك أقوامٌ ما نحن بأشد حبًّا لك منهم، ولو علموا أنك تلقى حربًا ما تخلَّفوا عنك"، "فامضِ يا رسول الله لما أردت".

فاستنار وجهه كأنه قطعة قمر، وقال: "سيروا وأبشِروا ما يسرّكم؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين؛ إما العِيرَ وإما النَّفِيرَ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم"، ومضى بهم ﷺ.

نقاء سلسلة العلم وحفظ الأسانيد المتصلة

هؤلاء عليهم الرضوان كانوا أصحاب ذوق في الفهم، سماهم الله العلماء وقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).

وقد أدركنا عددًا من هؤلاء: عالم بن عالم بن عالم بن عالم بن عالم بن عالم بن عالم.. اطلع، ثلاثين، ستة وثلاثين، نجيء عند السبعة والثلاثين، ثمانية وثلاثين، علي بن أبي طالب، مروراً بالحسين، وقبله علي زين العابدين، وقبله محمد الباقر.. علماء أم ليسوا علماء؟ كبار علماء الأمة عليهم رضوان الله تعالى. 

وإلى مَن أدركناهم من شيوخنا، ليس واحد ولا اثنين! ثلاثة، أربعة.. خمسة؟! أكثر من الذين أدركناهم نحن، عالم بن عالم بن عالم بن عالم إلى النبي ﷺ، فَهمهم للكتاب والسنة لا أَثَّرَ عليه شرقي ولا غربي، ولا سياسة ولا خساسة، ولا إرادة ولا غرض ولا دنيا.

مفاهيمهم مُسَلْسَلَةٌ من وسط المدينة مِن عند الباب، واحد بعد الثاني إلى عندهم، ليس عندهم في الدين ما يقبل البيع، لا شيء للبيع عندهم! عندهم إلا تقوى وإنابة وخوف من الله سبحانه وتعالى، لا يقصدون إلا هو، ولا يخافون إلا منه جل جلاله.

وَصْفُ الذي قال الله: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

ما هذا الحفظ؟ (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، إلى عدد تلقينا عنهم سلسلة السند، ليس عن فلان في المحل الفلاني ومع فلان وفلان.. 

أبٌ يتلقى عن أبيه وهكذا ** فيا لكَ من آبا كرامٍ وأجدادِ

مسلسلةٌ عنهم أسانيد أخذِهِم ** إلى خير محمودٍ وأشرف حمّادِ

عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. 

شرف السند المتصل وأهمية الحفاظ عليه من الفتن

بذلك، بَقِيَ أن تُدرِكوا أنّ شرفكم في هذا السند إلى نبيكم ﷺ يجب أن لا نُفَرِّطَ فيه، ولا نرضى لأنفسنا أن نُصبح ونُمسي عصاة، أو مُكَدَّرِي البواطن في أدبنا مع الله ورسوله، وآل بيته وصحابته ورجال هذا السند؛ استماعًا لأقاويل ذا وذا وذاك من هنا ومن هناك. 

ولو سألت أحدهم: من هو شيخك؟ ومن أين أخذ علمه؟ ومن شيخهم؟، لن تُحصِّل سند يقوم عليه الفهم هذا الذي جاء به، إلا أن ينتهي إلى هنا أو هناك.. وأمّا متصل إلى الحبيب ﷺ ما هو إلا أسانيد هؤلاء القوم، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

وجميع أسانيد القرآن بقراءاته العشر والأربع عشرة، ما نقدر نُحصِّل سند واحد إلا مَرَّ عبر الصوفية، الأشاعرة، شافعية، حنفية، مالكية، حنابلة، عبرهم مَرَّ.

مِن دون هؤلاء ما هناك سند، لا لقراءة ولا لموطأ مالك، ولا لصحيح البخاري، ولا لمسند أحمد بن حنبل، ولا لأبي داوود، ولا للترمذي، ولا للنسائي، ولا لابن ماجه، ولا لمعاجم الطبراني، وبقية كتب الحديث، ما نقدر نُحصِّل سند إليهم إلا عبر أتباع المذاهب الأربعة والأشاعرة والصوفية، من دون هولأء ما هناك سند للأمة، الأمة ضائعة من دون هؤلاء.

فهذا الأمر المسلسل يجب نَعْرِف حَقَّه ونَعْرِف مقامه، ولا نُضَيِّع أنفسنا، اليوم يُضَيِّعُنا الاتجاه ذا والاتجاه ذاك، قل لهم: تصارعوا على دنياكم، خَلُّوا الدين، الدين أعظم من السياسة والكراسي والملك والرئاسة، الدين أكبر، الدين فوق هذا، الدين حُكم رب السماء والأرض، الدين خطاب رب العرش الذي إليه المرجع والمآل، أكبر من سياسات الشرق والغرب، وكلها ما تساوي شيء أمامه.

تعظيم الدين وتوقير القرآن الكريم أسوة بالصحابة

فلماذا نلعب على الدين من أجل سياسة ذا، ونلعب على الدين من شأن سياسة ذا؟ ويوم نقول كذا، ويوم نقول كذا، ويوم نُفتي كذا، ويوم نُفتي كذا! دين الله لعب؟ دين الله غرض؟ الدين أكبر من هذا!

من عرف قدر الدين عرف معنى قوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، و: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).

أحدهم سأل سيدنا أبو بكر الصديق يقول له: ما هو الأبّ؟ (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) ما كان مستحضر المعنى تلك الساعة سيدنا أبو بكر، قال: "يا هذا ما أعلم أي سماء تُظلّني، وأي أرض تُقِلُّنِي؛ إن قلت في كتاب الله برأيي"!

أنا ما أقول في كلام الله برأيي، ما ستُظِلُّنِي سماء ولا ستُقِلُّنِي أرض، ويلي إن أنا قلت في كتاب الله برأيي! وهذا أبو بكر الصديق صحب النبي مِن قبل البعثة، وأيام البعثة، وأيام الهجرة، وما صاحبه في الغار إلا هو، وفي أيام المدينة، والغزوات كلها كان حاضرًا معه.. ومع ذلك ما قدر يتجرّأ على كلمة في كتاب الله! تأديب محمد ﷺ، تربية النبي محمد ﷺ!

ويجيء هذا، ما أدري من أين أخذ علمه، ولا أبقى وليًّا، ولا أبقى صالحًا، ولا حيًّا ولا ميتًا.. إلا وسَبَّ وتكلم وطلّع ونزّل! 

يا هذا اتَّقِ الله، دين الله أكرم مِن هذا المسلك، وأعظم من هذا المسار. دين الله أدب، دين الله تواضع، دين الله خشية منه سبحانه وتعالى، دين الله فوق الأغراض؛ إن كان قُلت هذا من أجل مُرتَّب؛ فأنت والمُرتّب حفرة من حفر جهنم، وإن قلت هذا من أجل وظيفة؛ فأنت والوظيفة غارق في النار، ما يفيدك شيء، قُلْ لله.

​الإخلاص في الدعوة والتبليغ

​كانوا يقولون: قُلْ قولك وعلمك ليُصَدِّقَهُ الله لا ليُصَدِّقَهُ الناس.. ما عليك من الناس صَدَّقوا أو كَذَّبوا؛ الله يُصَدِّقُك أنك قلتَ الحق وقلتَ الهدى، فهذا هو المراد، ورضي الله عن أهل هذا الرشاد والسداد. 

فهم القوم الذين هُدُوا ** وبفضل الله قد سعِدُوا

ولغير الله ما قصدوا ** ومع القرآن في قَرَنِ

ربِّ فانفعنا ببركتهم ** واهدِنا الحُسنى بِحُرمتهم

وأمِتْنَا في طريقتهم ** ومعافاة من الفتنِ

يا رب العالمين.

​دعاء لأهل المجلس والأمة

​بارك اللهم في آل باعبود، وأهل هذه المناسبة، وهذه المناسبات التي مرّت علينا، وفي أهل الغيضة، وفي أهل المهرة كلهم، وفي الوافدين الذين وفدوا مِن هنا ومن هناك. 

واجعلنا تحت دائرة الصدق معك، والإخلاص لوجهك، والمحبة فيك، والاتّباع لنبيك؛ حتى تجمعنا به يوم القيامة، وتجمعنا به في دار الكرامة، ولا تُخَلِّف مِنّا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى، يا مُجيب الدعوات، يا قاضي الحاجات.

حتى إذا تقابلَ أهل الجنة في الجنة مع بعضهم وقالوا: (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ)، نتقابل مع من يتقابل: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا) -يعني في الدنيا- (مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ)، ونحن ندعوك يا رب (إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ). 

​اللهم يا بَرُّ يا رحيم؛ مُنَّ علينا وقِنَا عذاب السموم، واجمعنا في جنة النعيم، في زمرة النبي الكريم، واحفظ اللهم المهرة وأهلها من جميع الشرور والآفات، وحَوِّل حالهم إلى أحسن الحالات، وانظُر إلى يَمَنِنَا، وانظر إلى شامنا، وانظر إلى شرقنا، وانظر إلى غربنا. 

نظرة تُزيل العَنَا ** عنّا وتُدْنِي المُنَى 

مِنّا وكلّ الهَنَا ** نُعْطَاه في كُلّ حين

اللهم اجعلها ساعة إجابة، واجعل الدعوات مستجابة، وأمْطِر من صَيِّبِ الإفضال على ساحة كُلّ قلب مِنّا سحابة، يمتلئ بها إسلامًا وإيمانًا وإحسانًا، ويدخل في دوائر مَنْ رفعتَ لهم شأنًا.

​اللهم أيِّدْنَا بتأييدك، وسَدِّدْنَا بتسديدك، واجعلنا في المُتحابين فيك، المجتمعين على ما يرضيك.

واجعل هذه المجامع مذكورة في الملأ الأعلى بخير ما تَذْكُر به مجامِع محبوبيك من أهل الأرض.

يا رب السماوات والأرض، يا حاكِم الخلق جميعًا في يوم العرض، يا حي يا قيوم؛ بَلِّغْنَا ما نروم وفوق ما نروم، وافتح علينا، وانظُر إلينا، وثَبِّتْنَا على ما تُحبّه منا وترضى به عنا برحمتك، والحمد لله رب العالمين. 

 

تاريخ النشر الهجري

15 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

25 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية