محاضرة في مجلس الذكر والتذكير في حولية الشيخة سلطانة بنت علي الزبيدي 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

محاضرة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مجلس الذكر والتذكير في حولية الشيخة سلطانة بنت علي الزبيدي رحمها الله، في منطقة حوطة سلطانة، شرقي مدينة سيئون، ضحى يوم الاثنين 2 ربيع الثاني 1448هـ

 

اقتباس من المحاضرة:

الحمد لله، حَمدًا تستجيب به القلوب لندائه، وتُلبّي مناديه، وتستعدّ به الأرواح للقائه، وتُحسِن التذلُّل بين يديه، وتتبيًّن لنا به المعالم لاتباع حبيبه محمدٍ واقتفائه، والاستقامة على ما جاءنا به عنه تعالى في علاه. 

اللهم لك الحمد شُكرًا، ولك المنُّ فضلًا، يا من لك رعايةٌ لقلوب عبادك فتصطفي من تشاء، وتهدي من تشاء: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) جلّ جلاله وتعالى في علاه.

وعند استجابة القلوب، وتلبيتها لنداء علّام الغيوب، تأخذ في التنزُّه عن العيوب، والتنقّي عن أنواع الشُّوب، وتحظى بمراتب الاقتراب من رب الأرباب جل جلاله وتعالى في علاه، على منهج الاقتفاء والاتّباع لسيد الأحباب، ممتلئةً بمحبة الله وتعظيمه، من أسرار الإيمان به وتوحيده جل جلاله، وإكباره وإكبار صفاته وأسمائه سبحانه وتعالى.

مكانة النبي محمد ﷺ ومحبة الله له

ومن خالص الإيمان بالله واليقين تقوم محبة من أحب الله وما أحب الله، فلا تجد في محبوبات ربنا سبحانه وتعالى أحبّ من عبده المختار نور الأنوار وسر الأسرار، فتستحيي أن تُقدم غيره عليه من أنفسها، ومن أموالها، ومن عشائرها، ومن تجاراتها، ومن مساكنها، ومن كل ما يوجد في الوجود عُلْويِّه وسُفْليِّه، تستحي بحُكم الإيمان بهذا الإله أن تُقدِّم شيئًا على ما قدَّمه الله، وعلى ما ارتضاه الله. 

لا أحبّ إلى الله من حبيبه محمد بن عبد الله، لا أكرم عند الله من صفيه إمام الدعاة وخاتم أنبياء الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وبحقيقة الإيمان بالله؛ لا يبقى في القلب أعظم من هذا الحبيب في الخلائق أجمعين؛ لأنه لا أعظم منه عند الإله سبحانه وتعالى، فكيف يكون عند عبدٍ لله أعظم ممن عظمه الله جل جلاله؟ ولا أكرم على الله منه صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله. 

وكان في تفضيل الله تعالى واصطفائه تفضيل الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، الذين اختارهم: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ)، واختارهم لمُهِمّة الدلالة عليه، والإيصال إليه سبحانه وتعالى.

ثم مَنَّ على أتباعهم مِن أُمَمهم بالخلافة عنهم في بيان الحق والهدى، وتوضيح السبيل الموصل إلى الملك الجليل جل جلاله وتعالى في علاه، وكان ذلك في الأنبياء السابقين وأممهم. 

ثم عَظُم وجلَّ وكَبُر في هذه الأمة -خير الأمم وأعظم الأمم- لمكان اصطفاء الله تعالى للمبعوث إليهم، وهو خاتم النبيين محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله. 

وقد جَمَع الأسرار والأمر كلّهُ ** محمد المبعوث للخلق رحمةِ

به ختم الله النبوة وابتدأ ** فللهِ مِن خَتمٍ به وبدايةِ

فضل الصحابة والصالحين وأثرهم في دفع البلاء

فكان في الأمة أيضًا من أسرار الخلافة عنه والنيابة والقيام في مقام الدلالة على الله تبارك وتعالى رجالٌ ونساءٌ، وكانوا محل النظر والعناية، وكما سمعتم؛ سببٌ لدفع البلايا والرزايا. 

يقول الله عن الكفار في مكة المكرمة -وبينهم رجالٌ ونساءٌ من هؤلاء الأصفياء الذين امتلأت قلوبهم بمحبة الرحمن وحبيبه سيد الأكوان- فأخّر الله العذاب عن الكفار، حتى كان من هذه الحكمة أن كثيرًا منهم انتقلوا من الكفر إلى الإسلام، وانتقلوا من البعد إلى القرب، وصاروا في أحوال فاضلة بعد أن كانوا في شؤون نازلة وهابطة وسافلة.

قال تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، هذا في السنة السادسة من الهجرة، عام صُلح الحديبية بين النبي ﷺ وزعماء الكفار من قريش، قال: (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)، أخّر هذا العذاب بسبب وجود هؤلاء: (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ)، كثيرٌ من هؤلاء الذين أُخِّر عنهم العذاب انتقلوا به، ودخلوا في الأحباب، ودخلوا في مراتب الاقتراب: (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ).

 يقول عن الذين بينهم من الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات (لَوْ تَزَيَّلُوا)؛ لو أنهم ليسوا بينهم، لو أنهم انحازوا عنهم إلى محل آخر: (لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)، ما أخّرناهم، ولا كتبنا هداية أحد منهم: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).

وقال سبحانه وتعالى يَصِف سوء المسلك لهؤلاء الذين جاءتهم النبوة والرسالة فاختاروا أهواءهم، واختاروا شهواتهم، واختاروا عبادة غير الله سبحانه وتعالى، وكذّبوا الأصدق في الخلائق؛ محمدًا حبيب الخالق صلى الله وسلم عليه وعلى آله: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى)، "لا إله إلا الله" التي تقوم عليها أسرار القرب من الله، وأسرار المعرفة بالله، وأسرار معاني الكتاب العزيز والسنة الغراء؛ كلها مندرجةٌ في كلمة التقوى "لا إله إلا الله"، (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى) وجاء الثناء من عالم السر والنجوى على ذاك الرعيل الأول فعليهم رضوان الله وسلامه: (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) عليهم رضوان الله، (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا).

ولو لم يَرِد في فضل الصحابة الكرام عليهم رضوان الله تعالى الذين حضروا مع النبي ﷺ في صلح الحديبية إلا هذه الآية؛ لكفى أن تخضع جباه المؤمنين لِشرفهم إلى يوم الدين: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) عليهم رضوان الله، من يقول هذا؟ المحيط علمه بكل شيء: (وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)، يقول جل جلاله: (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا). 

ولذا كان من أفاضل الصحابة بعد أهل بيعة العقبة، وأهل بدر، وأهل أُحد، أهل هذه البيعة؛ بيعة الحديبية، بيعة الشجرة، أنزل الله فيهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا).

من أخلاق النبوة وسماحة الإسلام

وبعد هذه الأحوال، والمكابدات، والمجاهدات، ورَدِّ الكفار لنبي الله ومن معه عن الاعتمار بالبيت الحرام، وما كان في تلك الأيام والسنوات، بعد كل ذلك تأتي النتائج المحسومة، وهي السُّنَّة المتكررة في هذا الوجود من حين خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة، بما يتعلق بشأننا معاشر المكلفين من الإنس والجن على هذه الأرض. 

قال سبحانه وتعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)، فتح عليهم خيبر ومكَّنهم مِن ردّ تلك الثلة الماكرة الخائنة، البعيدة عن الله وعن رسوله، والحاملة للسوء على ظهر هذه الأرض لكل من في الأرض، مكرٌ وخيانةٌ وخداعٌ وضُرٌّ وأذًى ونقضٌ للعهود وتأليبٌ للناس على بعضهم البعض، بل وتأليب القبائل ومَن حولهم على رسول الله ﷺ لمقاتلته عليه الصلاة والسلام، هذا شأنهم.

ومع ذلك كله؛ هؤلاء الذين كانوا بهذه الصورة، أرسل في آخر حِصن لهم، أرسل سيدنا علي بن أبي طالب وقال له: "ادعهم إلى الله، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النعم"، فكان هذا مسلك النبوة مع هؤلاء الفَجَرة الكفرة الناقضين للعهود والناكثين لها وأهل الخداع، ويقول له: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النعم". 

فما تحمل قلوب المؤمنين إلا الخير للعالمين، في مشاهد قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، يعني لا يجد الناس أمة خيرًا منكم، قد مضت أممٌ بخيراتها فنفعوا الناس، وأرشدوا الناس، وجاهدوا الناس، وحاولوا مع الناس هداية، لكن أنتم خير أمة أخرجت للناس. 

الناس ما يجدون خيرًا منكم في الحرص عليهم، في توجيههم، في إرشادهم، في الرحمة بهم؛ هذا شأن الصالحين من هذه الأمة وهم المرادون بالخطاب: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، وهذا وصفهم: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

ولا نجاة إلا بذلك، (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)، وجميع مَن على ظهر الأرض من الكفار بأصنافهم لو آمنوا لكان خيرًا لهم، ولو هرعوا لمثل هذا المجلس لكان خيرًا لهم مما هم مشغولون به من تُرَّهاتهم أو شهواتهم أو بطالاتهم أو حضاراتهم أو قتالهم أو غير ذلك مما هم مشغولون به، ولكن الله يهدي لنوره من يشاء.

بركة حضرموت والشيخة سلطانة

واختاركم واختصَّكم، وجئتم في حضرموت المباركة، وبما أفاض الله عليها من نور النبوة والرسالة، وبما قام من هذه الخلافة عن خاتم الرسالة ﷺ في صحابته الذين وفدوا إلى البلد، أو من وفد من البلد إليه ﷺ، ثم في خيار التابعين وتابعي التابعين.

وهكذا حتى جَمَعَ الله أنواع الخيرات والمَبرّات في أنحاء هذا الوادي الميمون المبارك، فلا تكاد قرية بل ولا بادية إلا وفيها من إشراق هذا النور نصيبٌ وحظ. 

فلِكُلِّ أرض حظّها منهم فلا ** يُخشى على الدين اغتيال الغائلِ

وقام ما قام من جملة ذلك ما أبرز الله من مثل هذه السُّلطانة، التي جعل الله سبحانه وتعالى لها أوفى النصيب من اسمها، سُميت "سُلطانة"، ثم جعلها في المعارف سلطانة، وجعلها في القُرب سلطانة، وجعلها في المحبة سلطانة، وسَلْطنها سبحانه وتعالى في كثير من الشؤون. 

ومن عجيب ما يتوافق أحيانًا الاسم مع المُسمّى، ولا كل اسم يتَّفِق مع مُسماه، ولكن إذا الاسم الذي ارتضاه الله وأحبه ووافق بينه وبين المُسمّى فشأنه فيه شأنٌ غريب.

وجعل الله الموافقة في اسم هذه الشيخة عليها رضوان الله، فكانت سلطانة في المعرفة، سلطانة في المحبّة، سلطانة في الأدب مع الله، سلطانة في الأدب مع رسول الله، سلطانة في محبة أهل البيت، سلطانة في محبة الصحابة الأكرمين عليها رضوان الله تعالى، سلطانة في الحرص على الدين، سلطانة في رحمة المؤمنين، سلطانة في الخضوع والخشوع للرب جل جلاله في الليالي وفي الأيام. 

سُلطانة -كما سمعتم- في صلة القلب بالله المترجمة بالصلة بأهل الله جل جلاله، واتّصلت بالشيخ باقشير، واتصلت بالشيخ باعباد، واتصلت بالشيخ عبد الرحمن السقاف وغيرهم من الشيوخ في تلك الحقبة وذلك الزمن اتصالًا خاصًا.

 

تاريخ النشر الهجري

06 ربيع الثاني 1448

تاريخ النشر الميلادي

16 سبتمبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية