(639)
(489)
محاضرة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ بعد صلاة الفجر، في المدرسة المجاهدية في تلّو، تركيا، السبت 6 جمادى الأولى 1448هـ
يتحدث عن حقيقة العلم والجهل، والعظمة الحقيقية في ميزان الله، وشرف العلم الذي جاء به الأنبياء، كما يوضح طريق الارتقاء من الإسلام إلى الإيمان والإحسان والعرفان، والصلة الوثيقة بين العلم والعمل والإخلاص وتزكية القلب، موضحاً مكانة النبي محمد ﷺ في تعليم الأمة وهدايتها، وآداب طالب العلم وشروط الانتفاع بعلمه، وأثر قيام الليل والانكسار لله والعمل بالعلم في انفتاح أبواب الفهم والمعرفة..
خَلَقَ السماوات والأرضين وما بينهما، لِنعْلَم أَنَّه عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّه قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، لا إله إلا هو وحدَه لا شريكَ له، أرسلَ إلينا عبدَه المختارَ بأعظمِ ما علَّمَ عبادَه، وأجَلِّ ما وهبَ خلقَه من العلمِ اللَّدُنِّي، وعلمِ الشريعةِ والطريقةِ والحقيقةِ، والعلمِ بالحقائقِ.
صلى اللهُ وسلَّمَ وبارك وكرَّمَ على أشرفِ الخلائقِ، سيدِنا محمدٍ المجتبى المختارِ الأمينِ الصادقِ، وعلى آلِه وصحبِه، ومن سارَ في دربِه، وعلى الأنبياءِ والمرسلينَ، وآلِهم وصحبِهم وتابعيهم، وعلى الملائكةِ المقربينَ، وعلى جميعِ عبادِ اللهِ الصالحينَ، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرمُ الأكرمينَ وأرحمُ الراحمينَ.
أما بعدُ، فإن الحقَّ تباركَ وتعالى وصفَ في خِلقتِنا وتكوينِنا أننا خُلِقنا من عدمٍ، ثم خُلِقنا لا نعلمُ شيئًا، ثم آتى كلَّ من آتى من العلمِ إما ما به ترتفعُ درجتُه وتعظُمُ منزلتُه، وإما ما به ينقطعُ عن سبيلِ الهدى ويتنكَّبُ في سبيلِ الردى.
وأن الجهلَ كلَّه، ما كان منه مُركّبًا وما كان منه أصلًا، فهو الوصفُ للخلقِ، وهو سببُ الانقطاعِ.
قال تباركَ وتعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، أي وهبكم الوسائلَ التي بها يُكتسَبُ العلمُ.
والعلمُ كما علمتم: إدراكُ الشيءِ على ما هو عليه. إدراكُ الشيءِ على ما هو عليه هو العلمُ، وعدمُ الإدراكِ للشيءِ هو الجهلُ البسيطُ، وتصوُّرُ الشيءِ على غيرِ ما هو عليه هو الجهلُ المُركبُ، وأكثرُ الناسِ واقعون في هذا ما بين الجهلِ البسيطِ والجهلِ المُركبِ، وكله داءٌ.
وأما إدراكُ أيِّ حقيقةٍ على ما هي عليه فهي من آثارِ علمِ اللهِ تعالى، أو مما يُعلِّمُه اللهُ تعالى مَن يشاءُ. قال تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ).
ثم إن هذه المعلوماتِ تتميزُ وتتخالفُ درجاتُها بحسبِ مكانتِها، وحسبِ القصدِ والنيةِ فيها. وخيرُ العلمِ الذي يتشرفُ به المكلَّفون من الإنسِ والجنِّ هو العلمُ الذي بعثَ اللهُ به أنبياءَه إليهم، وذلك ما هو من معرفتِه تعالى، وحقائقِ الإيمانِ به، ومن الإسلامِ له والانقيادِ لأحكامِه جلَّ جلالُه وتعالى في علاه، ومن القيامِ في مقامِ الإحسانِ، الذي إذا استقامَ عليه قدمُ العبدِ وتمكَّنَ فيه، زُجَّ به إلى مراتبِ المعرفةِ الخاصةِ والمحبةِ الخالصةِ.
وهناك ما لا نهايةَ له، حتى قال اللهُ لأكملِ خلقِه وأعظمِهم وأوسعِهم في ذلك علمًا وذوقًا وشهودًا، قال له: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا). فيحتاجُ إلى زيادةٍ في العلمِ كلُّ أحدٍ من الخلائقِ، يُعلِّمُهم ما يشاءُ سبحانَه وتعالى.
ثم إنه سبحانَه أخبرنا أيضًا عن هذا الإنسانِ، وقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، أي جعلَ تكوينَ أجسادِهم من بعدِ خلقِ آدمَ وحواءَ مركَّبةً على العلقِ، ثم الذي هو النطفةُ التي تتحولُ إلى علقةٍ، إلى مضغةٍ، إلى عظامٍ، ثم تُكسى العظامُ لحمًا، ثم يأتي نفخُ الروحِ، فهو إنشاءٌ آخرُ: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.
(خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، فكان الإنسانُ محطَّ إرادةٍ من اللهِ بالتعليمِ، وبذلك ابتدأت رحلتُه في الوجودِ إلى عالمِ الحسِّ، وإلى عالمِ الشهادةِ.
وحين خَلَقَ آدمَ عليه السلامُ، علَّمَه الأسماءَ كلَّها، ثم عرضَهم على الملائكةِ، فقال: (أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ)، قالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
وأقام آدمَ عليه السلامُ مقامَ التعليمِ ليوحيَ أنه محلُّ التكريمِ، وأن كرامةَ الإنسانِ في هذا الوجودِ أن يعلمَ عن اللهِ تباركَ وتعالى علمًا صحيحًا، ثم يقومَ بتعليمِه ويؤديَ حقَّ تفهيمِه.
قال سيدُنا عيسى بنُ مريمَ عليه السلامُ: "من عَلِمَ وعمِلَ وعلَّمَ فذلك يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السماواتِ". من عَلِمَ وعمِلَ وعلَّمَ فذلك يُدعى عظيمًا في ملكوتِ السماواتِ! وإذا دُعي عظيمًا في ملكوتِ السماواتِ كانت تلكم العظمةُ لازمةً ودائمةً لا يغيرُها شيءٌ.
وأما اعتباراتُ الخلقِ في هذه الدنيا فهي محلُّ العجائبِ ومحلُّ الغرائبِ، وكم من مُعظَّمٍ يُعظَّمُ بأيِّ اعتبارٍ من الاعتباراتِ الخلقيةِ، ثم يُذَمُّ، ثم يُسَبُّ، ثم يُهانُ، ثم قد بعدَ تعظيمِه والتصفيقِ له قد يُحاكَمُ وقد يُقتَلُ، وإلى غيرِ ذلك. فلا معنى لهذه العظمةِ عند البشرِ.
وفي اصطلاحِ البشرِ لا عظمةَ بثروةٍ في المالِ، ولا عظمةَ بمُلكٍ ولا سلطانٍ ولا جاهٍ ولا سمعةٍ بين الناسِ، كلُّ ذلك ما لم يصحبْه منزلةٌ عند اللهِ تباركَ وتعالى وعظمةٌ بحسبِ ميزانِ اللهِ فلا قيمةَ له، وهو (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، وما كان عظيمًا إلا ما كان في ميزانِ اللهِ عظيمًا.
ومن ذلك هذا العلمُ النافعُ المتلقَّى عن الأنبياءِ، وبذلك عرَّف الإمامُ الغزاليُّ عليه رحمةُ اللهِ تعالى في "الإحياءِ" العلمَ الشرعيَّ وعلمَ الشريعة بأنه ما استُفيدَ، قال: ما استُفيدَ من الأنبياءِ، لا يُرشدُ العقلُ إليه كالرياضياتِ والحسابِ، ولا التجربةُ كالطبِّ.
فهذه علومٌ يُرشدُ إليها العقلُ والتجربةُ، ليست هي المرادَ بعلمِ الشريعةِ، وإن كان علمُ الشريعةِ حاكمًا عليها كلِّها، وإن كانت إذا احتُكم فيها بعلمِ الشريعةِ فنُويت بها النياتُ الصالحةُ، نال أصحابُها المثوبةَ والمكرمةَ عند اللهِ تعالى، والأجرَ بحسبِ ذلك.
وكلُّ علمٍ غيرِ علمِ الشرعِ خالفَ علمَ الشرعِ بأن استُعمل على وجهٍ لا يرتضيه الشرعُ، فهو علمٌ ضارٌّ، وهو علمٌ مفسدٌ، وهو علمٌ يجلبُ لأصحابِه الآفاتِ والعاهاتِ.
وما استُعمِل من جميعِ العلومِ، من هندسةٍ أو من طبٍّ أو من زراعةٍ أو من صناعةٍ أو من تجارةٍ إلى غير ذلك، ما استُعمِل على مقتضى الشرعِ واحتَكمَ فيه إلى علمِ الشرعِ، فإنه يفيدُ أصحابَه؛ إن كانوا مؤمنينَ أفادهم في الدنيا والآخرةِ، وإن كانوا غيرَ مؤمنينَ أفادهم في الدنيا دون الآخرةِ، فهذا شأنُ ما يتعلقُ بالعلمِ.
وحينئذٍ يُعلَمُ أن هذا العلمَ الذي بُعث به الأنبياءُ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم، أو اختاره اللهُ أن يبلِّغوه لخلقِه المكلَّفين وعبادِه على ظهرِ الأرضِ هو أشرفُ العلمِ، وهو على درجاتٍ في الشرفِ والكرامةِ، فأعلاه ما تعلَّق باللهِ تعالى من معرفةِ صفاتِه وأسمائِه، فهذه المعرفةُ العامةُ.
ثم تنفتحُ بعد ذلك أبوابُ المعرفةِ الخاصةِ، ولا تكونُ إلا بعد أخذِ هذا العلمِ النافعِ مع علمِ الإيمانِ باللهِ تعالى، علومِ أحكامِه وعلومِ شريعتِه والعملِ بها، تحقُّقًا بالإسلامِ وترقيًا في مراقي الإيمانِ الذي يتحولُ من علمِ يقينٍ إلى عينِ يقينٍ، وقد يرتفعُ صاحبُه إلى درجةِ حقِّ اليقينِ.
وبعد الارتقاء بسُلَّم الإسلامِ والإيمانِ، يرسخُ القدمُ في الإحسانِ، وهو بدايةُ الشهودِ، يدومُ لصاحبِه شهودُ الرحمنِ، وعبّر عنه رسولُ اللهِ ﷺ بقوله: "أن تعبدَ اللهَ كأنك تراه"، جلَّ جلالُه وتعالى في علاه.
تُصلي كأنك تراه، تتلو القرآنَ كأنك تراه، تمشي إلى المسجدِ كأنك ترى اللهَ سبحانَه وتعالى، تصِلُ الرحمَ كأنك تراه، تبَرُّ الوالدينِ كأنك تراه، تطلبُ العلمَ كأنك تراه سبحانَه وتعالى، وتتصدقُ كأنك تراه، وتقولُ الصدقَ كأنك تراه، فيغلبُ عليك في كلِّ عبادةٍ كأنك ترى اللهَ جلَّ جلالُه.
وهذا مقامُ الإحسانِ الشريفِ الذي إذا رسخت فيه القدمُ انفتحت أبوابُ المعرفةِ الخاصةِ، وهذه لها بدايةٌ وليس لها من نهايةٍ، بل وهذه رتبةُ العرفانِ التي يثمرُها التحققُ بالإسلامِ والإيمانِ مع البيانِ فيهما، إلى الإحسانِ تأتي رتبةُ العرفانِ.
ومرتبةُ العرفانِ هذه خاتمةٌ لِما قبلها، ولكنها أُولى لما بعدها، فما بعدها أعظمُ وأجلُّ وأكبرُ، وما بعدها من العلمِ هو العلمُ الذي يُوهَبُ من حضرةِ اللهِ تباركَ وتعالى، ويكونُ نتيجةَ العملِ بالعلمِ الأولِ.
فالعلمُ الأولُ الذي يُراد به العملُ علمُ الأحكامِ، وحينئذٍ لا تكونُ له قيمةٌ لمن لم يعملْ به، فإنما المقصودُ منه العملُ، فإذا قام بحقِّ العلمِ والعملِ به حصَّل فضيلتَه، فإذا حصَّل ذلك انفتحت له أبوابٌ من العلمِ هي نتيجةُ العملِ، وحينئذٍ هذا العلمُ الثاني هو الذي يقال أنه أفضلُ من العملِ.
أما العلمُ الذي يُراد العملُ به فإنما شرفُه بالعملِ به، ومن لم يعملْ بعلمِه تعرَّض للبعدِ والطردِ:
وعالمٌ بعلمِه لم يعمَلَنْ ** مُعذَّبٌ من قبلِ عُبَّادِ الوثَنْ
وكلُّ من بغيرِ علمٍ يعمَلُ ** أعمالُه مردودةٌ لا تُقبَلُ
كما يقولُ ابنُ رسلانَ عليه رحمةُ اللهِ تعالى في "صفوةِ الزبد".
فإذًا العلمُ الأولُ إنما شرفُه بالعملِ، أما العلمُ الثاني فهو نتيجةُ العملِ، فهو أشرفُ من العملِ، وهو أعظمُ من العملِ، ومنها علومٌ العملُ بها عينُ علمِها، عينُ علمِها عَمَلٌ وحالٌ وذوقٌ يكون.
فهذه العلومُ المكتسبةُ مما يشارُ إليه بما ورد: "من عملَ بما علمَ؛ ورَّثه اللهُ علمَ ما لم يعلمْ"، وفيه تعليمُ الإنسانِ ما لم يعلمْ، كما قرأنا في الآيةِ: (عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). وفي الآيةِ الأخرى في سورةِ الرحمنِ يقولُ تباركَ وتعالى: (الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ).
فإذا كان الإنسانُ محطَّ نظرِ اللهِ للتعليمِ، وبدايةُ رحلتِه كانت بتعليمِ آدمَ عليه السلامُ، (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)، فالأنبياءُ هم الذين اختصُّوا من هذا العلمِ بأجَلِّه وأجملِه وأشرفِه وأفضلِه وأكملِه، وأكملُهم في ذلك سيدُنا المصطفى محمدٌ صلى اللهُ عليه وآله وصحبه وسلم.
وفيه قال البوصيريُّ:
لك ذاتُ العلومِ من عالمِ الغيـ ** ـبِ ومنها لآدمَ الأسماءُ
فإذا عُلِّم آدمُ الأسماءَ فأنت لك ذاتُ العلومِ، أنت الذي عُلِّمت الذاتَ لهذه العلومِ، وعُلِّم آدمُ منها الأسماءَ، وكان تعليمُ اللهِ لآدمَ هذه الأسماءَ ببركتِه ﷺ، وبواسطتِه صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلم.
وأشرقَ نورُ سيدِنا محمدٍ ﷺ في جبهةِ آدمَ عليه السلامُ حين أمر اللهُ الملائكةَ له بالسجودِ، حتى حملت سيدتُنا حواءُ بشيثَ ابنِ آدمَ، فلما حملت بشيث انتقل النورُ إلى جبهةِ حواءَ، فلما وضعت شيثًا برز النورُ في جبهةِ شيثَ.
ولم يزلْ كذلك حتى تزوّج شيثُ، فلما حملت زوجتُه بالولدِ الذي يريدُ اللهُ أن يُنزِلَ النبيَّ ﷺ من صلبِه، انتقل النورُ إلى تلك الزوجةِ، فلما وضعت انتقل إلى الابنِ.
وهكذا حتى وصل إلى إدريسَ عليه السلامُ، فلما تزوج وحملت زوجتُه بالولدِ الذي أراد اللهُ أن يخرجَ النبيُّ ﷺ من صلبِه انتقل إليها ثم إلى ولدِها، وهكذا إلى نوحٍ عليه السلامُ، ولم يزلْ كذلك إلى مَن كان آباؤُه من الأنبياءِ، ويذكر بعضُ أهلِ العلمِ والتاريخِ بأن فيهم هودًا عليه السلامُ.
وهكذا إلى أن مرَّت القرونُ، واللهُ يرعى هذا النورَ ويرعى هذا المَجلى الذي يريدُ أن يُبرزَ فيه صفوتَه من البريةِ، حتى جاء أبوه إبراهيمُ عليه السلامُ، فلما حملت هاجرُ بإسماعيلَ برز النورُ في جبهةِ هاجرَ، فلما ولدت إسماعيلَ انتقل إلى إسماعيلَ.
ولم يزلْ كذلك حتى وصل إلى عدنانَ ثم إلى معدٍّ، وهكذا حتى كان يلوحُ ظاهرًا بجبهةِ عبدِ المطلبِ، فلما حملت زوجتُه فاطمةُ بسيدِنا عبدِ اللهِ والدِ النبيِّ ﷺ انتقل النورُ إليها، فلما وضعت عبدَ اللهِ أشرق في جبهتِه النورُ واضحًا بيِّنًا.
حتى تزوج آمنةَ بنتَ وهبٍ الزهريةَ، فلما تزوجها وحملت انتقل النورُ إلى جبهةِ آمنةَ، حتى ولدت نورَ النورِ، بدرَ البدورِ، حبيبَ الرحمنِ، محمدًا صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلم.
وكانت تشاهدُ الأنوارَ في أيامِ حملِها، وتشاهدُ العجائبَ من ألطافِ الكريمِ الغفارِ عليها الرضوانُ، حتى عند وضعِه أشرق لها النورُ، فصارت ترى وهي في مكةَ المكرمةِ قصورَ بُصرى من أرضِ الشامِ، حتى رأت أعناقَ الإبلِ ببُصرى وهي في الشامِ، عليها الرضوانُ. وهكذا كان هذا النورُ الذي هو معدنُ العلمِ وأصلُ العلمِ.
قال العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ، كما صح في الحديثِ، قال عليه الرضوانُ لرسولِ اللهِ ﷺ:
وأنت لمَّا وُلدتَ أشرقتِ الأرضُ ** وضاءت بنورِك الأفُقُ
فنحن في ذلك الضياءِ وذلك النورِ ** وسُبْلَ الرشادِ نخترقُ
صلى اللهُ وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آلِه وصحبِه.
فكان ﷺ محطَّ العلمِ، (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، و(عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، إن كان مع أحدٍ من الناسِ علمٌ، فرأسُ العلمِ وأساسُه ومنبعُه عند محمدٍ ﷺ.
لهذا وجدنا الحقَّ تعالى يقولُ لنا: (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، فجعله مصدرَ العلمِ ﷺ، وسببًا لتعليمِ الإنسانِ ما لم يعلمْ.
وأما هو فنصَّ القرآنُ على أنَّ تعليمَه من اللهِ مباشرةً، فقال له: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
فهو قال له: وعلَّمك اللهُ تعالى، وقال لنا مشيرًا إلى نبيه: (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ). قال لنبيه: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ)، وقال لنا: هذا نبينا (يُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)، صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبِه وسلم.
فكان العلمُ الذي جاء به نبينا عليه الصلاةُ والسلامُ أشرفَ العلومِ وأعظمَها وأجلَّها، وبداياتُه من حُسنِ التحقيقِ للمسائلِ ومعرفتِها.
ومنه جزءٌ يسيرٌ هو فرضُ عينٍ على كلِّ مكلَّفٍ من أمةِ النبيِّ محمدٍ ﷺ، ذكرًا كان أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، عربيًّا أو أعجميًّا، حيثما كان؛ فإن هذا معرفةَ ما يجبُ اعتقادُه، ومعرفةَ ما يجبُ القيامُ به، وما يجبُ اجتنابُه، فرضُ عينٍ على كلِّ مسلمٍ، كما جاءنا في الخبرِ: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ".
ولكن بعد هذه الفريضةِ تأتي الفضيلةُ لمن أخلصَ للهِ تباركَ وتعالى، واتسعَ في العلمِ إلى أن يبلغَ رتبةَ الفتوى، حتى يكونَ في أهلِ كلِّ قطرٍ من أقطارِ المسلمين من بينهم من اتسع في العلمِ بحيث يستطيعُ الإفتاءَ في كلِّ ما يعرضُ للناسِ من المسائلِ المتعلقةِ بأحكامِ دينهم، ثم يكونُ بعد ذلك سنةً، ويكونُ بعد ذلك نافلةً، كلما ازداد منه صاحبُه بالإخلاصِ للهِ زاد درجةً عند اللهِ تباركَ وتعالى، ثم شرفُه من حيثُ العملُ به كما ذكرنا.
ثم إن القيامَ بحقِّه والعملَ به يورثُ انفتاحَ ذلك العلمِ الرفيعِ الشريفِ، وهو العلمُ بحقائقَ من أسماءِ اللهِ وصفاتِه جلَّ جلالُه، يعثُرُ، بل يتعذَّرُ التعبيرُ عنها إلا من حيثُ الإشارةُ لتلك المعارفِ والعلومِ، وهي من فيضِ فضلِ اللهِ على كلِّ صادقٍ من المؤمنين ومُقبِلٍ على اللهِ.
قال بعضُهم للجنيدِ بنِ محمدٍ عليه رحمةُ اللهِ: درستُ أنا وإياك، وقرأتُ على المشايخِ قراءةً، من أين تأتي بهذه العلومِ؟ تأتي بعلومٍ ما عرفتها ولا أدركتها! فأشار إلى دَرَجَةٍ عنده في البيتِ، قال: من الخلوةِ مع اللهِ في هذه الدَّرَجَةِ عشرين سنةً. قال: أنا مختلٍ مع الحقِّ سبحانَه وتعالى.
وإلى إدراكِ هذا العلمِ وسرِّه الذي قال عنه الإمامُ مالكٌ: "ليس العلمُ بكثرةِ الروايةِ، ولكنه نورٌ يقذفُه اللهُ في القلبِ".
قال سيدُنا الإمامُ الحدادُ: "ما أدركنا العلمَ بالقيلِ والقالِ، ولا بمزاحمةِ الرجالِ، ولكن بخلوِّ القلبِ عن الدنيا، والانكسارِ في جوفِ الليلِ، والاستغفارِ بالأسحارِ"، أي بهذا أدركنا حقائقَ العلمِ.
وهكذا قالوا فيه: "العلمُ يهتفُ بالعملِ، فإن أجابَه وإلا ارتحلَ"؛ أي ارتحل نورُه وحقيقتُه، وبقيت صورتُه عند الإنسانِ، وصورةُ العلمِ لا تكفي، إذ يمكن أن تكون عند إبليسَ فمن دونَه من البُعداءِ، ومن دونَه من الأشقياءِ.
وعند إبليسَ كثيرٌ من المعلوماتِ، حتى في علومِ المذاهبِ يعرفُ كثيرًا، والمسائلُ التي اختلف فيها الأئمةُ، ومسائلُ الأصولِ يعرفها إبليسُ، إبليسُ يعرفُ كثيرًا منها، فما رفعتْه لأنه غيرُ عاملٍ بها وغيرُ قائمٍ بحقِّها. فإنما شرفُها عند القيامِ بالعملِ بها وتطبيقِها ومقارنتِها للإيمانِ باللهِ سبحانَه وتعالى وتعظيمِه.
بذلك يُعرف كما قيل أن العلمَ صناعةٌ يتقنها البَرُّ والفاجرُ، ولكن إذا أُخِذت بحقِّها فهي علامةُ إرادةِ اللهِ الخيرَ بعبدِه، كما قال ﷺ: "من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدينِ ويُلهمْهُ رشدَه" في روايةِ الطبراني. والحديثُ في الصحيحين: "من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدينِ"، وجاء في روايةِ الطبراني بزيادة: "ويُلهمْهُ رشدَه"، أي يقومُ بحقِّ العلمِ ويؤديه على وجهِه.
وهكذا كان يقولُ بعضُ شيوخِ مشايخِنا للطلابِ: لا يُسمَّى طالبَ علمٍ من ليس له قيامٌ في الليلِ، لا يُسمَّى طالبَ علمٍ من ليس له قيامٌ في الليلِ. هذا ليس طالبٌ، هذا طالبُ نومٍ، هذا ليس طالبُ علمٍ.. طالبُ العلمِ له لحظاتٌ مع اللهِ في ليلِه، يتضرعُ وينكسرُ بين يديه لينفعَه بالعلمِ وليفتحَ عليه، وهكذا يكونُ شأنُ هذا العلمِ.
وقال بعضُهم للشيخِ الشعراويِّ عليه رحمةُ اللهِ: ما توصيني من الكتب؟ قال: إذا رأى اللهُ العبدَ مأمونًا على العلمِ يعطيه هذا وهذا وهذا. وقال: أوصيك إذا قرأت في بابِ العلمِ في كتابٍ لم تتَّضِحْ لك معاني عباراتِه، فاتركِ الكتابَ، وقمْ وتوضأ وإن كنت متوضئًا، وصلِّ ركعتين، ثم ارجعْ إلى الكتابِ تجدِ العبارةَ واضحةً وتجدها مفهومةً، أي بسرِّ هذه الصلاةِ.
وهكذا يُعلِّمُ اللهُ تعالى مَن شاء بواسطةِ العملِ بهذا العلمِ والاتصالِ بمنبعِ العلمِ، وهو عبدُه ورسولُه محمدٌ ﷺ الذي قال له: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).
وقد خصَّكم اللهُ بهذه المدرسةِ وبهذه الخيراتِ فيها، المؤسسةِ على اتصالٍ باللهِ وبرسولِه وبالسندِ إليه صلى اللهُ عليه وآله وصحبه وسلم، والتي قامت على محبتِه تعالى ومحبةِ رسولِه وأهلِ بيتِه وصحابتِه والصالحين، وعلى محبةِ المؤمنين عامةً وخاصتِهم خاصةً. فالحمدُ للهِ على ذلك.
وأجزلَ اللهُ المثوبةَ للشيخِ برهانِ الدينِ، وبلَّغَه ما يرومُه وفوقَ ما يرومُه من الخيراتِ في الحياتين، وضاعفَ الخيرَ في أهلِه وأولادِه وطلابِه ومدرستِه وآثارِه.
وباركَ لنا في حضورِ كبرائِنا وحضورِ أهلِ الوجهةِ فينا، وأدخل مسيئَنا في بركةِ محسنِنا، ونظر إلينا من عندِه نظرةً يُصلحُ بها القلوبَ والقوالبَ، ويزيدُنا بها علمًا وفهمًا وقيامًا بحقِّ التحقيقِ في العلمِ الذي يوجبُ الارتقاءَ إلى المراتبِ العلى واللحوقَ بخيرِ الملأ.
اللهم لا تحرِمنا خيرَ ما عندك لشرِّ ما عندنا، وبارك لنا ولأحبابِنا هؤلاء في أخذِ العلمِ، وفي العملِ بالعلمِ، وفي الإخلاصِ لوجهِك الكريمِ، وفي الصدقِ معك، وافتحْ لنا بابَ العلمِ اللَّدُنِّي.
ومن دعواتِ سيدِنا الشيخِ أبي بكرِ بنِ سالمٍ: "اللهم إني أسألك العلمَ اللَّدُنِّي، والمشربَ الصافي الهَنِي، يا وهابُ يا غني"، وهذه الدعوة لكم الإجازةُ في دعاءِ اللهِ تعالى بها: اللهم إني أسألك العلمَ اللَّدُنِّي، والمشربَ الصافي الهَنِي، يا وهابُ يا غني.
اللهم إنا نسألك العلمَ اللَّدُنِّي، والمشربَ الصافي الهَنِي، يا وهابُ يا غني، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين. علِّمْنا من لدنك علمًا، وارزقنا فهمًا، وارزقنا الاطلاعَ والاتساعَ في العلومِ النافعةِ، وارفعنا بها إلى المراتبِ العليةِ الرافعةِ، وأصلح شؤونَنا القريبةَ والشاسعةَ، وكن لنا بما كنتَ به لمحبوبيك من أهلِ الدرجاتِ ومن خواصِّ البريَّاتِ.
يا مجيبَ الدعواتِ، يا قاضيَ الحاجاتِ، بسرِّ الفاتحةِ إلى حضرةِ النبيِّ محمدٍ خيرِ البريَّاتِ صلى اللهُ عليه وآلِه وصحبه وسلم، الفاتحة.
13 جمادى الأول 1448