كلمة بعد صلاة الفجر في مسجد يافوز سلطان سليم في تركيا 1448هـ

للاستماع إلى المحاضرة

كلمة العلامة الحبيب عمر بن حفيظ في مسجد يافوز سلطان سليم، في اسطنبول، تركيا، فجر الخميس 4 جمادى الأولى 1448هـ

يتحدث عن أسرار البكور وفضائل صلاة الفجر في جماعة، وما يتنزّل في المساجد ومجالس الذكر من الرحمات والنفحات، وعظيم أجر انتظار الصلاة وطلب العلم والجلوس للذكر حتى الإشراق، مع وقفات مؤثرة في حقيقة الحياء من الله وحفظ السمع والبصر وسائر الجوارح..

للاستماع مع الترجمة التركية المباشرة (Türkçe canlı çeviri ile dinlemek için):

 

نص الكلمة:

فضل البكور والاجتماع في صلاة الفجر

الحمد لله (الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا).

جمعنا بفضله في ساعةٍ مباركةٍ في بُكُور هذا اليوم، يوم الخميس، لنتلقى منه أجورًا، وليُفيض علينا من جوده وإحسانه فضلًا كبيرًا. 

وهذه الساعات تُعَدُّ للمؤمن من أشرف الساعات التي ينتفع بها في الحياة وفي البرزخ ويوم النشور؛ ساعات توجُّهٍ إلى الله، وساعات حضورٍ مع الله، وساعات قصدٍ لله في بيتٍ من بيوته، وساعات امتثالٍ لأمره جل جلاله، واقتداءً بنبيه محمدٍ ﷺ؛ كل هذه المعاني مجتمعة في ساعتنا هذه واجتماعنا في هذا المسجد المبارك. 

وجئنا بتوفيقٍ منه سبحانه وتعالى وبفضلٍ في هذه الخيرات مُتلقّين لعظيم النفحات، وأدّينا فريضةً من الفرائض التي هي عماد دين الله تعالى، وخصَّ منها فريضة الصبح بفضائل وبمزايا، وقال سبحانه وتعالى في كتابه: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا). 

ومن معاني (قُرْآنَ الْفَجْرِ): الآيات التي تتلى في صلاة الفجر.

ومن معاني (كَانَ مَشْهُودًا): أنه تشهده، أي تحضره ملائكة كثيرون.

وحيث تحضر الملائكة يعظم جود الله تعالى ونظره إلى الحاضرين، وكذلك في اجتماع المؤمنين من عباده على ظهر الأرض، وإذا صحَّ في الحديث أن "لله ملائكة سيارة"، وفي رواية "سَيَّاحين يلتمسون حِلَق الذكر"، فكيف لا يلتمسون حِلَق الصلوات؟

فضائل صلاة الفجر والذكر في المساجد

وقد جمعنا بين أداء فريضة وسنن، ففريضة الصبح من خصائصها ما قال ﷺ: "ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله"، وقال ﷺ: "من صلى الصبح في جماعة ظلَّ في ذمة الله إلى أن يُمسي".

وصلينا سنة الصبح وهي "خير من الدنيا وما فيها" كما صح في الحديث، فانظر كيف يتحصَّل المؤمن على عجائب من جود الله يفوق جميع ما في الدنيا بأعمال يسيرة؛ فمنها ركعتا الفجر، أي سنة الصبح.

ومنها ما قال ﷺ: "لَأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحبّ إلي مما طلعت عليه الشمس"، وينطوي جميع ما يُعمَل في كل ما طلعت عليه الشمس وفي الدنيا من أولها إلى آخرها، فلا يبقى في النهاية وفي العاقبة وفي المصير شيء منه يُذكَر مثل هذه الأعمال الصالحات.

وسمعنا ذكر الله تبارك وتعالى قبل الفريضة وبعد الفريضة، (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ * يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).

هذا جزاء الذاكرين لله في المساجد، ومن معاني: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) أنَّ ما ليس أحسن لا يسألهم عنه ولا يجازيهم فيه، ومن معاني (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) ما جاء في الحديث أن الله يقول: "انظروا لعبدي ما أعظمُ حسنة عنده تضاعفت أكثر"، فيقولون: يا ربنا الحسنة الفلانية ضاعفتها مضاعفات كبيرة، فيقول: اجعلوا جميع حسناته مثلها ليجزيهم أحسن ما عملوا، اجعل كل حسنة مثل أكبر حسنة.

وفوق هذا الفضل العظيم والأجر الكريم قال: (وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ)، فتصوَّر ما مقدار هذه الزيادة من المُتَفَضِّل العظيم، (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). 

وصح في الحديث إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: "سيعلم الجمع اليوم من أهل الكرم"، قالوا: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: "أهل حِلَق الذكر في المساجد"، فَهُم كُرماء على من بيده الحُكم يوم القيامة، جعلنا الله وإياكم منهم، وألحقنا بهم، آمين يا الله.

وسمعتم أيضاً الذِّكر بعد الصلاة، وقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "إنَّ رفع الناس أصواتهم بالذكر عقب الفريضة كان على عهد رسول الله ﷺ، فكنتُ أعلم أنهم انصرفوا بذلك إذا سمعتُه"؛ إذا سمع من خارج المسجد صوتهم بالذكر يعلم أنهم سلَّموا من الصلاة مع النبي ﷺ.

فضل الغدو إلى المساجد وطلب العلم

وفوق هذه الخيرات أيضاً قصدنا أن نحوز علماً ونزداد علماً في خطاب الله ورسوله وفيما جاء عنه، وصح في الحديث: "من جاء إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلَّم خيراً أو يُعلِّمه كان له كأجر حاج تام حجّته"، فانظر كيف يسهل لنا أن نكسب ثواب حجة تامة ونحن في إسطنبول في محل بعيد من مكة المكرمة، بلا كلفة تأشيرات ولا أجرة طائرات، (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ). 

وربما انضافت لنا حجّة أخرى بشاهد ما روى الترمذي في سننه بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: "من صلى الصبح في جماعة ثم قعد في مُصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين أو أربعاً؛ انقلب إلى بيته بحجة وعمرة تامة تامة تامة". 

انظروا كيف يعاملنا الله، كيف يُيسِّر لنا الخيرات، ماذا خصَّ به هذه الأمة! لعظمة وسيلتها، لبركة نبيها وهاديها. 

وبذلك تكون غَدْوَة في سبيل الله سبحانه وتعالى، أي ذهاب في الصباح من أجل الله تبارك وتعالى، وفي الحديث: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها"، ويقول ﷺ: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"، فمن جاء بقصد أخذ العلم في المسجد فخطواته تتحوَّل إلى مثل أعمال المجاهد، تتضاعف الحسنة إلى سبعمائة، وذِكره يكون بسبعمائة، وتلاوة القرآن بسبعمائة، وكل حسنة تتضاعف إلى سبعمائة لأنه في سبيل الله.

ويقول نبينا ﷺ: "من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نُزُلًا في الجنة كلما غدا أو راح". والنُّزُل هو الضيافة، وكُلٌّ يُضَيِّفُ على قدر عظمته، والضيافة ثلاثة أيام، (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)، فبكل غدوة إلى المسجد يقبلها الله ضيافة ثلاثة أيام؛ ثلاثة آلاف سنة في دار الكرامة من الله، والغدوة الثانية ثلاثة آلاف سنة أخرى، وهكذا (وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ). 

ما أعظم ما يربح المؤمنون، وقد خلق الخلق ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، ووفَّر الحظ لهذه الأمة على الخصوص.

اجتمعت لنا هذه الفضائل بفضل الله، ومع ذلك يُنظر إلى قلب كل واحد منا؛ فإن رأى فيه أثر إخلاص ووِجْهَة إليه بارك له في ذلك وفتح له أبواباً من توفيقه، ومن فتح على نفسه باب نية حسنة فتح الله له سبعين باباً من أبواب التوفيق، فنحمد الله على هذه المنّة وعلى هذا الفضل.

الحياء من الله تعالى وحفظ الجوارح

ونتذكر ما جاء في الحديث الصحيح أنه كان ﷺ في حلقة من أصحابه فأقبل ثلاثة، فأما أحدهم فرأى فرْجَةً فدخل وجلس بينهم، وأما الثاني فاستحيا فجلس وراءهم، وأما الثالث فأعرض وتولى، فلما انقضى المجلس قال: "ألا أخبركم بخبر الثلاثة؟" قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "أما الأول فأوى إلى الله فآواه الله إليه". انظر هذه العظمة، لم يقل أوى إلى المسجد ولم يقل أوى إلى العلم ولم يقل أوى إليه، قال: أوى إلى الله فآواه الله إليه. 

قال: "وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه". قال العلماء في شرح الحديث: ومن استحيا الله منه لم يعذبه أبداً. قال: "وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه". الله يجعلنا ممن غدا في سبيل الله، ويجعلنا ممن أوى إلى الله، ويجعلنا ممن يستحيي من الله ويستحيي الله منه.

ولما ذكر ﷺ مرة أن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم ثم بكى، الله أكبر، وسألوه: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: "أبكي ممن يستحيي الله منه وهو لا يستحيي من الله". وقال مرة لأصحابه: "استحيوا من الله"، قالوا: إنا نستحيي من الله يا رسول الله. قال: "من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلَى"، فهذه علامات الحياء من الله، والله يجعلنا من أهل ذلك الحياء.

والرأس يعي السمع والبصر والطعم واللسان، كله مما يعيه الرأس، "فليحفظ الرأس وما وعى"؛ يحفظ عينه ويحفظ أذنه ويحفظ لسانه، ويقول ﷺ: "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، قال الله: من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه". 

فنُهيئ أعيننا هذه لترى وجه نبينا ووجوه الأنبياء في البرزخ ويوم القيامة، فإذا أردت رؤية هذه الوجوه بعينك فلا تلطخها ولا توسِّخها؛ لا تنظر إلى الدنيا بعين تعظيم، ولا تنظر إلى عورة مسلم، ولا تنظر بعين شهوة، ولا تنظر إلى مسلم بعين احتقار، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

الدعاء بتمام النعمة وحسن الخاتمة

إنك جمعتنا يا ربنا بفضلك فأتمِم نعمتك علينا، واجعل من إتمام نعمتك علينا أن تُمَكَّن أعيننا من النظر إلى وجه نبيك في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، وارزقنا مصافحته، واسقنا من حوضه المورود، وأورِدنا عليه في أوائل أهل الوُرُود، ورافقنا به في جنة الخلود. 

واجعل حظنا من قربه وافراً في ساحة النظر إلى وجهك الكريم، ولا تصرف أحداً منا إلا مقبولاً عندك، موفَّقاً لمرضاتك، ومغفوراً له ما مضى، ومحفوظاً فيما بقي، حتى تجمعنا في زمرة الحبيب، وأنت راضٍ عنا يا قريب، واجعل كل واحد من هؤلاء مفتاحاً للخير، مِغْلاقاً للشر، أَجْرِ لهم وعلى أيديهم الخير الكثير، والنفع لأمة نبيك.

(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ *وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

واعلِ درجات المُتَقَدِّمِين في هذا المسجد. واعلِ اللهم درجات مَن رجع على أيديهم إقامة هذه الخيرات في هذا المسجد، الشيخ محمود أفندي وشيوخه ومن قبله ومن بعده، اللهم ارفع درجاتهم، واجعلنا بهم في أعلى الجنة، وأدخلنا في سِلك المحبوبين من أهل النفوس المطمئنة.

اللهم رَقِّنَا أعلى مَرَاقِي الفهم عنك فيما أوحيت، وامنحنا استفادتنا مما بسطتَ من موائد الجود والإحسان، وامنحنا الصدق في الإقبال عليك في السر والإعلان، يا ربنا ها نحن بين يديك والحال لا يخفى عليك، أصلح تركيا وأهلها، وأصلح المسلمين وبلادهم كلها.

احفظ الحرمين الشريفين، وخلِّص أُولَى القبلتين من يد المعتدين والظالمين والفاسدين، وأصلح أحوالنا في شامنا ويمننا وشرقنا وغربنا، واكشف الكرب عنا وعن أهل لا إله إلا الله، واجعلنا في خيار أهل لا إله إلا الله، وفي أفاضل أهل لا إله إلا الله، وانفعنا بأهل لا إله إلا الله عامة وبخاصتهم خاصة. 

ارزقنا الاستقامة على ما تحب وأدخلنا فيمن تحب، واعلِ درجات والدينا وذوي الحقوق علينا ومشايخنا في دينك، اختم لنا أجمعين بأكمل حسن الخاتمة، واجعل آخر كلام كل واحد منا مِن حياته الدنيا: لا إله إلا الله، مُتحققين بحقائقها وأنت راضٍ عنا، سر الفاتحة إلى حضرة النبي سيدنا محمد ﷺ، الفاتحة.

 

تاريخ النشر الهجري

05 جمادى الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

15 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

العربية