(639)
(489)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 476 - كتاب البيع: 24- باب بيع الأصول والثمار -2-
صباح الإثنين 11 ربيع الأول 1448هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصلٌ
"كان رسول الله ﷺ يقول: "من ابتاع نخلاً قد أبرت فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع ومن ابتاع عبداً فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع"، وكان ﷺ ينهى البائع والمشتري عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وفي رواية: "نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن بيع السنبل حتى يشتد ويطيب ويبيض ويأمن العاهة، وعن بيع العنب حتى يسْود"، كان ﷺ يقول: "إذا منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه".
كان ﷺ يقضي في الثمرة المشتراة تلحقها جائحة [بوضعها يعني الجائحة ويقول: "إذا بعت من أخيك ثمراً وأصابه جائحة] فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً تأخذ مال أخيك بغير حق".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مُكْرِمنا بشريعته العظيمة، وبيانها على لسان عبده المُختار سيدنا محمد صاحب المراتب الفخيمة. اللهم أدم صلواتك على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد؛
يذكر الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- في هذا الفصل ما ورد فيما يتعلق ببيع الأشجار، أو الثمار التي على الأشجار.
وقال: كان رسول الله ﷺ يقول: "من ابتاع نخلاً قد أُبِّرت -أي: لُقحت النخل وهُيئت للصلاح- فثمرتها للذي باعها". فإنها إذا قد بِيعت وقد أُبِّرت، فالثمرة تبقى في ملك البائع، وإنما باع الأصل الشجرة أو هذه النخلة. أما الثمر الذي عليها فبعد التأبير لا يتبعها، إن كان قبل التأبير؛ قبل أن تلقح فإنّه يتبعها. وأما بعد التأبير فإنه يكون تابعًا للمالك الأول، إلا أن يبتاع منه المشتري، يشتري النخل والثمر الذي عليها، وهذا معنى قوله: "إلا أن يشترط المبتاع"، بأن يكون اشترى النخلة واشترى الثمرة التي عليها.
"ومن ابتاع عبداً فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع"؛ وكيف يكون للعبد مال؟
إنما المراد بماله إذا كان المأذون له في التجارة وبين يديه مال، أو كان مُكاتَبًا واكتسب مالًا ثم رفض الكتابة فباعه سيده، فحينئذٍ يكون ما في يده هو لسيده الأول، والأمر في ذلك واضح. نعم، "إلا أن يشترط المبتاع"، إذا اشترى العبد واشترى ما معه وما تحت يده من مال، فهذا مثل شراء النخل والثمر الذي عليه.
قال: "كان ﷺ ينهى البائع والمشتري عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها".
قال: "كان ينهى ﷺ البائع والمشتري عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها".
فيجوز -كما سمعنا فيما قبل- بيع الثمار وحدها منفردة عن الشجر بعد بدو صلاحها، فيجوز بيع الثمار وحدها منفردة عن الشجر. وبدو الصلاح كما ذكرنا عند الشافعية بتلونها وتغيرها، وقيل بظهور النضج والحلاوة، ونحو ذلك.
والحنفية يقولون: هو أمن العاهة والفساد، إذا أُمِن عليها العاهة والفساد فهذا بدو صلاحها.
قال: "وكان ﷺ ينهى البائع والمشتري عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" فقلنا:
ثم إنه إذا كان يريد أخذ ما عليها من الثمرة لغرضٍ غير الأكل فيريد أن يقطعها مُباشرة، يبيع الثمار بعد ظهور الثمار قبل بدو الصلاح لكن بشرط القطع في الحال إذا كان يُنتفع به -يُنتفع به قبل ما يُراد منه غرض الأكل- ولكن يُنتفع به إما لأكل الحيوانات أو لشيء يعود عليهم في إعداده بطريقة لاستعماله للإنسان وما إلى ذلك. فإذا كان كذلك فيجوز البيع قبل بدو الصلاح لكن بشرط القطع، فيجوز بيع الثمار بعد ظهورها قبل بدو الصلاح بشرط القطع في الحال إذا كان يُنتفع به سواء.
واشترط المالكية في هذا:
وأما غيرهم لم يشترطوا، إلاّ أنّ ذلك الثمر إذا قُطِع يُنتفع به، ما دام يُنتفع به يجوز بيعه بشرط القطع لأنه قبل أن يبدو صلاحه.
أما إذا باعوا الثمر قبل بدو صلاحه بشرط التبقية أو بالإطلاق؟
فهو باطل كما ذكرنا عند المالكية والشافعية والحنابلة.
وكذلك قلنا الحكم عند الحنفية: إن شَرَط الترك. فإن لم يشترط قطعًا ولا تركًا يجوز عندهم، عند الحنفية. أما إذا باع الثمر مع الأصل فذلك جائز باتفاق لكون الثمرة تبعًا للشجرة.
علمنا تفسيرهم لبدو الصلاح:
فإذًا هناك عندهم علامات لبدو الصلاح:
يقول:وفي رواية: "نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن بيع السنبل حتى يشتد ويطيب ويبيض ويأمن العاهة، وعن بيع العنب حتى يسْود".
كان ﷺ يقول: "إذا منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه". يعني: إذا باعوا الثمرة فجاءت جائحة وأخذت الثمر ولم يبق شيء، فيؤثر وجود هذه الجائحة.
وفي صحيح مسلم: "أمَر ﷺ بوَضْعِ الجوائحِ".
أكثر الفقهاء حملوه على أنه يُسقط البائع عن المشتري الثمر أو الزرع ثمن ما تتلفه الجائحة من ذلك الثمر.
فالمبيع إذا كان ثمر أو زرع وأصيب بجائحة قبل القبض وبدو الصلاح أو بعدهما، أو جائحة بعد بدو الصلاح وقبل الجذاذ، يتفرع عليه مسائل:
فعند الشافعية والحنفية: أنه إذا قد تم التسليم والتخلية للمشتري فهو من ضمان المشتري؛ إذا وقعت عليه جائحة هو الذي يتحملها، لكن يُسن للبائع أنه يلاحظ ذلك ويرد له مما أخذه منه مقابل ذلك كما أشار الحديث: إذا منع الله الثمرة، فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟".
قال: "كان ﷺ يقضي في الثمرة المشتراة تلحقها جائحة [بوضعها يعني الجائحة ويقول: "إذا بعت من أخيك ثمراً وأصابه جائحة] فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً تأخذ مال أخيك بغير حق"، وهذا أصل الحديث في مسلم، وعليه مثل المالكية والحنابلة؛ إلا أن المالكية اشترطوا أن تكون الجائحة ثلث فأكثر، ما دون الثلث ما عليه شيء، هذا عند المالكية.
والحنابلة يقولون: ما شي فرق ثلث ولا غير ثلث، قليل وكثير إذا أصابته الجائحة فعليه أن يرد إليه مقدار ما أصابته الجائحة.
وأما الحنفية والشافعية قالوا: إذا قد سلمه واستلمُه منه وخلى بينه وبينه ما عاد عليه شيء البائع، إلا يُسن له أن يعطيه، "وكان ﷺ ينهى عن المحاقلة" عليه.
يثبتنا في ديوان أهل الصلاح والفلاح والتقوى، ويعيذنا من الشرور في السر والنجوى، ويرعانا بعين العناية حيثما كنا وأين ما كنا، ويتولانا بما هو أهله بالحس والمعنى، ويختم لنا بأكمل الحسنى في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
14 ربيع الأول 1448