الحكم العطائية - 66 | ليخففنَّ ألم البلاء عنك عِلمُك بأنه سبحانه هو المبتلي لك
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الإثنين 23 ذي الحجة 1442هـ.
تتمة شرح الحكمة (105): " لِيُخَفِّفَنْ أَلَمَ الْبَلَاءِ عَنْكَ عِلْمُكَ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُبْتَلِي لَكَ؛ فَالَّذِي وَاجَهَتْكَ مِنْهُ الْأَقْدَارُ.. هُوَ الَّذِي عَوَّدَكَ حُسْنَ الاخْتِيَارِ".
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"فالحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، فالذي واجهتك منه الأقدار المناقضة لمرادك.. هو الذي عوَّدك حسن الاختيار، فلا يكون ظنك به سبحانه إلا أن الخيرة في ذلك المختار كما عودك؛ فالعبد قد يكون الاختيار له غالبًا فيما يناقض مراده، ويخالف هواه، وذلك ظاهرٌ؛ لأن المصائب الدنياوية مناقضة لمراد الإنسان، وهي خيرٌ له في العقبى بلا شك ولا مرية في ذلك؛ لأن الإنسان إذا أمعن النظر، وحقق واستبصر.. رأى كل محبوبٍ عنده مصيبة، وكلما كان أشد حبًّا.. كانت المصيبة عنده أعظم؛ فكل مصيبة تصيبه في دنياه فهو عندها:
إما ذو فرحة لما يحتسبه عند الله من عظيم الأجر بوعده الصادق على ذلك.
وإما متخلص من وبيل وجعه وتفجُّعه كل حين بتوقُّع المصيبة بها.
ولي في ذلك:
يخفف آلام ما ينزلْ بذي الألم *** علمهْ بأن الإله الحق يختارُ
فذا الذي أنزل المقدور واحتكم *** هو الذي أورد أسرار وأنوار
ليحملنَّ مرير الضرِّ والسقم *** حسن انتظارٍ لفضلٍ منه مدرار
وإذا كان للعبد بصيرة، وصفو سريرة.. حمل عنه ما يشهده من لطف الله في قضاياه؛ فلا قضية ينفك عنها اللطف، واللطف: هو وجود الحق في ذلك الوارد: إما بطريق الجلال إن كان مما لا يلائم البشر، وإما بطريق الجمال والعطف والإحسان إن كان يلائم، فكل من نظر بذلك النظر، واستبصر بذلك المعتبر.. علم ما أشار إليه المصنف رحمه الله بقوله هنا رضي الله عنه:
الحكمة (106): "مَنْ ظَنَّ انْفِكَاكَ لُطْفِهِ عَنْ قَدَرِهِ.. فَذَلِكَ لِقُصُورِ نَظَرِهِ"
من ظنَّ وحكَّمَ ظنه بأن اللطف لم يقترن بالمقدور، وينفك عنه.. فذلك الظن الفاسد صادرٌ عن قصور النظر على ما هو الحالة الراهنة في الوقت، دون أن يرمق عواقب الأمور، أو يمعن النظر فيما قارنه من المصالح، ودفع ما هو أعظم منه ضررًا، وأكثر خطرًا، ولم يعطِ النظر في العواقب وخفيات الألطاف إلا ثواقب أنوار اليقين.
وإذا كان قاصر النظر عن ذلك.. فاستدلَّ به على ضعف يقينه، بقدر ما يفوته من شهوده في المقدورات من الألطاف؛ فلذلك لما كمل يقين الأنبياء، وأكابر الصديقين وخواص المقربين الأصفياء.. استلانوا البلايا، ورأوها من جملة الفضائل والعطايا؛ كما قال ﷺ: "نحن -معاشرَ الأنبياء- أشدُّ بلاء، ثم الأمثل فالأمثل".
هكذا يبين الشيخ -عليه رحمة الله- عجائب تقدير الحق تبارك وتعالى، وتسهيله وتدبيره للأمور، وهو العزيز الغفور الحكيم الذي أحاط بكل شيء علمًا.
كل من آمن به سبحانه وخضع لجلاله فهو مشمول بألطافه وعنايته من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر، وبما يكِلُّ عن إدراكهِ أفهام أهل السماوات والأرض؛ عجائب من ألطاف الكريم الملاطِف في حياة كل من آمن به وصدق معه وأخلص لوجهه من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر، حتى أن كل ما ينازله من مظاهره شدة، مطوي له فيه من المِنَن والمواهب والنعم والحكم والقرب والزلفى والوفاء والصفاء والنعيم والفضل ما لا يُحدّ؛ لأن تدبير الواحد الأحد فوق عقل كل أحد، وأين تحيط عقولهم بعظمة الخالق الحي القيوم جل جلاله؟!
فأطعه واصدق معه.. أطعني فيما أمرتك، ولا تقل لي ما يصلح لك، أنا داري أيش يصلح لك، وأيش أحسن لك، وأيش أفضل لك، أطعني بس! أطعني فيما أمرتك، قم معي وترى أيش أفعل لك، وينكشف لهم منه شيء عجيب، الكثير وخصوصًا العارفين في الدنيا قبل الآخرة ينكشف لهم عجائب، فيخضعون ويمتلئون بالشكر لله سبحانه وتعالى من كل جانب، في الآخرة تنكشف؛ وفي الجنان تنكشف أشياء عجائب كثيرة، ومع ذلك لا نهاية لها، ما يستطيعون أن يحيطوا بعلمه.
فحِكم له في كل ما دبر وكل ما قضى.
الْزَمْ بَابَ رَبِّكَ، وَاتْرُكُ كُلَّ دُون *** وَاسْأَلْهُ السَّلَامَة مِنْ دَارِ الفُتُون
لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ، فَالحَادِثُ يَهُون *** الله المُقَدِّرُ، وَالعَالَمْ شُؤُون
لا يَكْثُرُ هَمُّك *** مَا قُدِّرْ يَكُون
أَنْتَ وَالخَلَائِق، كُلُّهُمْ عَبِيْد *** وَالإِلَهُ فِيْنَا، يَفْعَلْ مَا يُرِيْد
هَمُّكَ وَاغْتِمَامُكَ، وَيْحَكَ مَا يُفيد *** القَضَا تَقَدَّمْ، فَاغْنَمِ السُّكُون
هكذا سمعنا قول سيدنا علي: "لو كُشف الغطاء ما اخترتم إلا الواقع"، وذكرنا مرة قصة الذي يجي لعند شيخه كل ما حصل له شيء يقول له: فيه صالح لك؛ ويتعجب! إلى أن واحد عدى عليه يوم ومسكين عور عينه، قال له الشيخ: اصبر فيه صالح! قال: ذا الحين ذا الشيخ ما عاد يعرف إلا فيه صالح! أيش من صالح اللي في عيني ذي؟! ينقرون عليّ عيني؛ يعورون عيني، أيش من صالح لي فيه؟!
فأراد الله يكشف له بعض الصالح وصِدْق كلام الشيخ؛ وقع في قبضة ناس في بعض النواحي يأكلون بني آدم، يجيبونهم يسمّنونهم يأكلونهم، بعدين يقدمونهم يشقوا رأسهم يخرجوا منها الدم وبعدين يأكلونهم، بس قبل ما يصنعون هذا يعرضونهم على طبيب، يقول إذا يصلح لهم أو ما يصلح لهم، ووقع هو ومجموعة في القبضة؛ ذا الحين على واحد واحد بيخرجونهم، سمنوهم وأكلوهم، وعرضوه على الطبيب؛ قال: هذا بسبب عور عينه في مخه مدري أيش وفي حق الأعصاب كذا ما يصلح، قال: فكوه؛ فكوه وراح، وراح يجري لعند الشيخ: والله فيه صالح! لو كان ما فيه صالح كان قدنا في بطونهم، ما عاد أنا على ظهر الأرض ولا في الحياة!
حِكَم من الله في كل شيء يحصل، وأيش قدّرك تحيط بحكمة الحكيم العظيم جل جلاله؟! فلهذا اصدق معه، وكل ما يجري فيه صالح لك من حيث تشعر ومن حيث لا تشعر، واطمئن وثق وبعدين قد ينكشف لك ما ينكشف لك، وتدري بما تدري وأنت في الدنيا، وفي الآخرة تدري أكثر، ولا تحيط!.. ولا تحيط بحِكَمه، هذا هو الله يا أخي! الله.. الله.. من يحيط، من يحيط بعلمه؟! من يحيط بقدرته؟! الله.. الله.. الله.. الله جل جلاله! عقول خلقها بتحيط بأيش في الألوهية؟! لكن الناس يتجاوزون حدهم، يطغون يطغون، وإلا نحن والملائكة نقول: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة:32]، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216].
رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"فمن البلاء: ما هو في العرض والبدن، ومنها: ما يكون في المال والأهل والولد، فإذا تتبعت أحوال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.. لقيتهم أشد الناس ابتلاء، وأشد مصائب، وأكثرهم على ذلك صبرًا، وأجملهم تجلُّدًا وتحمُّلًا.
فمن العرض: ما رأيت ما ينسبونه إليهم من الجنون، والسِّحر، والتكذيب، والتسفيه، والسخرية، وغير ذلك من أنواع الثلب.
وفي المال: ما يُروى أن منهم بل أكملهم وأعظمهم عصب الحجرعلى بطنه، ومات ودرعه رهين، ويقال: إن سبعين نبيًّا ماتوا في السجود من الجوع، ومنهم من قتله القمل.
والولد: ما ترى أن أولاد نبينا محمد ﷺ كلهم قبضوا في حياته، ولم يقل إلا خيرًا، ولم يحملهم على تحمل ذلك إلا وفور اليقين، والثبوت في مقامات التمكين، ورؤية ما أودع الله فيها من خفايا الألطاف.
وأما أحوال الصحابة والتابعين.. فأكثر من أن تحصر، وأظهر من أن تشهر، مع ما هم عليه من الصبر الجميل، الذي يراهم من لا يعرف ما نزل بهم في زيِّ من ترد عليه صنوف النعم؛ بل نعم هي باطنة أودع فيها من ألطافه ما يستحقر إلى جنبها كل نعمة، فكانوا لا يحبُّون زوال ما نزل بهم من البلايا، كما لا يحب من نزل به الرخاء زواله عنه، ولا تحويله منه، وما صير البلاء عندهم بمنزلة الرخاء عند غيرهم.. إلا ما يرد على قلوبهم من الألطاف، وما يباشرها من روح اليقين، وما أمرَّها عند غيرهم.. إلا قصور النظر عن ذلك، وخلو القلب مما هنالك.
فاللطف المقارن للبلايا:
إما أن يكون من طريق الإيمان والعلم.
وإما أن يكون من طريق اليقين والكشف.
فالأول: إما أن يكون فيما وعد الله الصابرين من الجزاء، وما أعدَّ لهم من المثوبة والمدحة على ذلك، أو ما يدفعه عنهم مما هو أعظم مما هم فيه، فعند إرسال النظر في ذلك الميدان يعلم ما لله عليه فيه من المِنَّة واللطف الذي لا يوازيه عمله، ولا يبلغه مطمعه إلا بذلك الابتلاء، فيتحمَّلُ ويصبر، بل يشكر لما لله فيه عليه من عظيم الأجر، وخفي اللطف، فهذا وما شاكله من حسن النظر من نتائج العلم والإيمان.
وأما ما كان من طريق اليقين والكشف.. فهو ما يتعرف الله به إلى قلوب أوليائه من خفيات آلائه، وما يمنح به أسرارهم من لطيف ولائه، فيكشف لهم خزائن القرب والعطاء، فيخيرهم ما يختارون، فیرون دنوَّه في حال اضطرارهم، وعنديته عند انکسارهم، فيختارون ذلك اختيارًا، وقد حمل عنهم أثقال ما ينزل بهم من البلايا ما يرد على قلوبهم من المنح والعطايا، فيتلذذون بذلك، ويفرحون به فرح غيرهم بالنعم الظاهرة، بل أعظم؛ لأن هذه نِعَمٌ دائمةٌ ولا انقطاع لها ولا نفاد، والنعم الظاهرة نافدةٌ منقطعة، فأين ما بين النعمتين، وفرق ما بين المنَّتين؟!
ولا تظن أن ثواب المتحمِّلين وأجر الصابرين يفوت هذه الفرقة؛ بل أعظم المثوبات مع ما نالوا من التعرُّفات وأنواع القربات، وأعظم مثوبة وأكرم بها من تحفة - أن الحق سبحانه ينازلُ قلوبهم بلذيذ الخطاب، وشهي الجواب، ويكرمهم ويبجِّلهم بين أهل حضرته، ويباهي بهم أهل مملكته".
فهنيئًا لهم؛ فما من شدة ولا من شيء من أقدار التعب والبلاء إلا وفيه ألطاف عظيمة من ألطاف الله تبارك وتعالى، ولها وجوه كثيرة يذكر منها ما يذكر.
- فالمبتدئِون يعلمون أن المبتلي هو الله، ويثقون بأنه طرح لهم في هذا الابتلاء أجور وخيور ودفع شرور أكثر، فيطمئِنون لذلك.
- وفوقهم من يُبادئهم الحق تبارك وتعالى بملاطفات وعجائب حتى يصيروا يتلذذون تلذذ، قال: ولا يقصر أجرهم عن أجر المتحملين هؤلاء وعن أجر الصابرين؛ لأنهم مع تلَذذهم هذا في تمام العبودية، في ألطاف كبيرة، فأجرهم أعظم من أجر الشاكرين عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
فثق بربك.
ثق بمولاك في جميع الأمور *** واحسب الناس كلهم في القبور
لأنهم سيصيرون إلى القبور خلاص، وأنتم مثلهم، فاحسبهم كأنهم في القبور، فثق به واصدق معه ترى من عجائب جوده وإحسانه وعظيم امتنانه، وهكذا في كل ما جرى على كل فرد منكم من أي مشكلة، وما هو جار في العالم من أنواع البلايا، وسطها هذه الألطاف وهذا الإسعاف وهذا الإتحاف، وهذه الاجتماعات وهذه الخيرات وهذه التنزلات، من أين جاءت؟! الله أكبر!.. شفتوا كيف اللطف يصاحب الناس، يصاحب كل فرد منا، يصاحب أهل الزمان كلهم مع كل ما هو منازلهم، شُف الخيرات فوقهم كيف قائمة، والسحائِب عليهم ماطرة بفيض الإفضال من الله تبارك وتعالى.
ففي كل شيء له عجائب من الألطاف والإسعاف، وإلا ما قدر أحد على بلائه، ولا قدر أحد أن يحيا، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ) [فاطر:45] ولا أحد بيبقى منا ولكن (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم:41]، ويعفو عن كثير، (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى:30].
اللهم لك الحمد، زدنا لطفاً، وهب لنا منك تحفًا، وتولنا بما توليت به المحبوبين ظاهرًا وباطنا، والحمد لله رب العالمين.
يوفر حظنا من عطائه الرحيب، وقربنا منه ومن سيدنا الحبيب، ويثبتنا على الدرب القويم والصراط المستقيم، ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ومن كل سوء أحاط به علمه في الدين والدنيا والبرزخ والآخرة، ويجعلنا في خواص أهل الوجوه الناضرة التي إليه ناظرة، ويجعلنا في أهل الحظيرة القدسية، وأهل المقاعد الأنسية
في مقعد الصدق الذي قد أشرقت *** أنواره بالعند يا لك من سنا
والمتقون رجاله وحضوره *** يارب ألحقنا بهم يا ربنا
يارب ألحقنا بهم يا ربنا، يارب ألحقنا بهم يا ربنا، في خير ولطف وجود وعطف وصلاح لأحوالنا وأحوال المسلمين في المشارق والمغارب، بارك لنا في خاتمة هذا العام وخاتمة هذا الشهر وخاتمة هذه الدورة بركات تامات كاملات، تعود عوائدها على الأحياء والأموات وأهل الأرضين والسماوات بعائدة فضل رباني وجود امتناني بوجاهة صاحب الشرف العدناني نبلغ به فوق الأماني مما الله هو أهله، في كل ظاهر وباطن وقاصي وداني، وبنية تفريج كروب الأمة وكشف الغمة والمعاملة بمحض الجود والرحمة.
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ
اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
25 ذو الحِجّة 1442