الحكم العطائية - 65 | أنار الظواهر بأنوار آثاره، وأنار السرائر بأنوار أوصافه
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 22 ذي الحجة 1442هـ.
الحكمة (104): " أَنَارَ الظَّوَاهِرَ بِأَنْوَارِ آثَارِهِ، وَأَنَارَ السَّرَائِرَ بِأَنْوَارِ أَوْصَافِهِ."
الحكمة (105):" لِيُخَفِّفَنْ أَلَمَ الْبَلَاءِ عَنْكَ عِلْمُكَ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُبْتَلِي لَكَ؛ فَالَّذِي وَاجَهَتْكَ مِنْهُ الْأَقْدَارُ.. هُوَ الَّذِي عَوَّدَكَ حُسْنَ الاخْتِيَارِ."
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"ومن علامة العارف وبعض مشاهده: أن يكون مع الله باطناً وظاهراً، فيرى جميع القوى الظاهرة آثار نور الاسم الظاهر، والقوى الباطنة آثار نور الاسم الباطن، ومن لم يتحقَّقْ ذٰلك.. لم تصحَّ معرفته، فلم يعرف نفسه ولم يشهد ربه، فأرشد المؤلف إلىٰ أنه لم يتحقَّقْ بالاضطرار ما لم يعرف ذٰلك، فيتحقَّقْ بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الذي هو كنز من كنوز العرش، فقال:
الحكمة (104): " أَنَارَ الظَّوَاهِرَ بِأَنْوَارِ آثَارِهِ، وَأَنَارَ السَّرَائِرَ بِأَنْوَارِ أَوْصَافِهِ"
إنارة الظواهر المحسوسات الخلقيات "بِأَنْوَارِ آثَارِهِ"؛ أي: أفعاله؛ وهو كل ما توجَّهت إليه القدرة والإرادة والعلم، فكل مقدور مراده معلوم، فهو أثر بمؤثَّر فيه، وكل مؤثَّرٍ فيه.. فهو حادث بمحدِثٍ، وما صحَّ حدوثه.. جاز عدمه، وكل ما سوى الله.. فهو محدَثٌ بإحداثه، وموجود بإيجاده، فالوجود كله أثر لمؤثره، ومدبر تحت حكم مُدبِّره، ومصرف بتصريف مُصرِّفه، فالفناء والانعدام متطرِّقٌ إليه، وأوصاف الله قديمة بقدمه، باقية ببقائه، واجبة بوجوبه.
وأنوار الظواهر هو وجودها، وقد علمت أنها من أنوار الآثار، وموسومة بسِمة الأغيار، وأنوار السرائر من نور الأوصاف الأزلية؛ لذلك لم يتطرَّق إليها تغيُّرٌ، ولا يتوجَّه إليها الانعدام، بل هي أزليةٌ سرمدية الدوام.
وأنوار الظواهر: هي الحواس الظاهرة؛ كالسمع، والبصر، والشم، والذوق، والحس، وتعلُّقها بالظواهر وما يتعلَّقُ بها؛ فلا تتعلَّقُ بالأمور الغيبية، والصفات العلية، وإنما هي قاصرةٌ عن إدراك الأمور الخلقية حسًّا ومعنىً.
وأنوار السرائر: هي من أنوار الصفات، فتعلُّقها بها، وهي باقيةٌ لا فناء لها، ولا زوال ولا غيبة ولا ارتحال، بل هي دائمةٌ بدوام ما هي متعلِّقة به، وموجودة منه، وهو الوصف الإلهي.
فالسرائر: هي اللطائف الإنسانية؛ كالقلب والروح والسرِّ، وإنارتها بما أفاضه عليها من نور ذاته وصفاته وأسمائه؛ فالسِّر بالاستغراق، والروح بالشهود والاستبصار، والقلب بإفاضات العلوم ولطائف الفهوم.
والظواهر إنما تتعلَّق بالتدبيرات الكونية، والإدراكات الحسِّية الخلقية؛ لذلك تطرق إليها الزوال بزوال متعلَّقها وغيبته، لذلك؛ أي: لأجل أن تعلق أنوار الظواهر بالأعيان الظاهرة المحسوسة المحكوم عليها بالفناء والزوال:
"أَفَلَتِ الْأَنْوَارُ الظَّاهِرَةُ، وَلَمْ تَأْفُلِ الْأَنْوَارُ السِّرِّيَّةُ"
" أَفَلَتِ الْأَنْوَارُ الظَّاهِرَةُ" وغابت شموسها؛ لتبدُّلِ أرضها، وانكشاط سماها، " وَلَمْ تَأْفُلِ الْأَنْوَارُ السِّرِّيَّةُ" والمشاهد الحقية؛ لثبوت مشهدها، ودوام حقيقتها.
ثم أنشد المؤلف لنفسه رضي الله عنه مشيرًا إلى هذا المعنى، ومؤيدًا لهذا المبنى فقال:
طَلَعَتْ شَمْسُ مَنْ أُحِبُّ بِلَيْلٍ *** فَاسْتَضَاءَتْ فَمَا لَهَا مِنْ غُرُوبِ
إِنَّ شَمْسَ النَّهَارِ تَغْرُبُ بِاللَّيْـ *** ـل وَشَمْسُ الْقُلُوبِ لَيْسَ تَغِيبُ
وذلك أن شمس النهار من أنوار الظواهر، فتطرق إليها الغيبوبة والأفول؛ لأنها من جملة الأنوار الظاهرة، فغيرها كذلك من سائر الأنوار الظاهرة؛ لذلك قال الخليل صلى الله عليه وسلم: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) [الأنعام:76].
وكل ما كان من الأنوار المحسوسات، والصور الخلقيات.. فلا بد من أفوله كائنًا ما كان، فلا ينبغي أن تقصر عليه المحبة؛ لأنها تزول بزواله، وتذهب بفنائه.
"وَشَمْسُ الْقُلُوبِ" -وهي المعارف والعلوم، والأسرار اللدنية، والإلقاءات الوحيية- "لَيْسَ تَغِيبُ"؛ لأنها أنوار أزلية، وأسرار حقِّية، وواردات ربانية، ولطائف سرية، ونفحات وقتية، ومواهب امتنانية، وعطيات رحمانية، وملابس قدسية، ومشاهدات وصفية، فأين تغيب هذه؟! بل هي مستمرةٌ باستمرار ما عنه صدرت، وبه تعلَّقت.
فعلى المريد الصادق الأديب الموافق: أن يكون كل همِّهِ التعلق بهذه الشموس التي لا تأفل ولا تغيب، وكل طلبه لذلك؛ عسى أن يكون له نصيب مما هنالك، ولا يشتغل بالأنوار الآفلة، والحظوظ العاجلة؛ فالإنسان من حيث شرفُهُ وعلو مقامه بالأنوار الباقية، والحقائق الدائمة، والمشاهدات الصافية، والعلوم الوافية، لا بالجسم الفاني ومتعلقاته، ودنيَّاتِ حظوظه، ورذائل شهواته، ودنيَّاتِ مطالبه ومآربه الفانية المتوهَّمة، التي لا حقيقة لها ولا طائل، ولا جدوىٰ ولا نائل، ولي في ذلك:
إن كنت تخطبْ نعيمًا لا بقاء له *** فبئس ما أنت مهتمٌ به طلبا
الجسم فانٍ وإن جلَّت مكانته *** فعن قريبٍ تزول العين والسببا
فمطلب الروح أولى أن يقام له *** بغاية الجهد والتشمير والطلبا
إن كنت إنسان فاعلم ما تراد له *** فأنت بالروح معروفٌ لك النسبا
فكُنْ بشأنِهْ حريصًا كي تكون له *** حِبًا لتجتمع الأحباب والقربا
فكل ما كنت من معنى تحاوله *** فاعلم بأنَّكْ بذاك السِّر مختطبا
كما تمكَّنت فاطلبْ واسْعَ بآلته *** من قبل تفترق الآلات والنسبا
فإذا كان حالة العبد النظر في الأوصاف العلية، وكان الغالب على قلبه التعلُّق بها.. كان كل ما يصدر عنها له بغية، ولديه منية، وإن كان الغالب عليه شهود الأنوار الآفلة، والحظوظ العاجلة.. كان بالعكس من ذلك، فخاطب المؤلف مَنْ كان الغالب على قلبه التعلُّق بالأنوار الأزلية، والصفات العلية فقال:
الحكمة (105):" لِيُخَفِّفَنْ أَلَمَ الْبَلَاءِ عَنْكَ عِلْمُكَ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُبْتَلِي لَكَ؛ فَالَّذِي وَاجَهَتْكَ مِنْهُ الْأَقْدَارُ.. هُوَ الَّذِي عَوَّدَكَ حُسْنَ الاخْتِيَارِ"."
يقولُ: " أَنَارَ الظَّوَاهِرَ بِأَنْوَارِ آثَارِهِ، وَأَنَارَ السَّرَائِرَ بِأَنْوَارِ أَوْصَافِهِ" جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه. خَلَقَنا من العدم، وجعل لنا نورًا ظاهرًا، وهذهِ أنوار الحواس: سمع وبصر وشم وذوق ولمس، هذه الأنوار الحواس يشاركنا فيها البهائم، هذهِ خلقها سبحانه وأبرزها من أنوارِ آثاره: أفعاله وإيجاده الأمر من العدم إلى الوجود بالقدرة ورتبها وركبها كذلك؛ لكن جعل: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر:29]، جعل بصائر، وأسرار، وقلوب ثانية، قال عنها: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) -يعني مش مشكلة عمَاية الأبصار الحسية هذه، لا بد ما تروح- (وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، فكلُّ ما تعلَّق بهذهِ الحواس مقصورًا عليها فهو آفل، منتهي وزائل عن الإنسان.
لكن ما أدركهُ ببصيرتهِ من صفاتِ الإله، و المعرفةِ به، ومن أسرارِ قُربهِ، ومن محبتهِ تبارك وتعالى، ومحبة رسوله من أجله، ومحبة محبوباته من الذوات والطاعات والصفات جلَّ جلاله؛ هذهِ مدارك باقية، إن عَميَ البصر، أو جاء الموت؛ مستمرة خيراتها، وثمراتها باقية -الله أكبر-، لا تؤثر فيها رصاصة، ولا يؤثر فيها قنبلة، ولا يؤثر فيها موت، ولا يؤثر فيها شيء، مستنيرة، نِعْمَ الاستنارة؛ فلهذا لا حظَّ في الآخرة لمن لم يُحسن استعمال بصيرتهِ وقلبه، (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:37].
إذًا؛ "أَنَارَ السَّرَائِرَ بِأَنْوَارِ أَوْصَافِهِ" جلَّ جلاله؛ فلها بقاء، ولها دوام، ولها فوائد عظيمة، وهذهِ الاستنارة بأنوار الصفات للسرائر تتعلّق بصفات الحق، وصفات الحقّ دائمة فتبقى ؛ بل تزدادُ إلى أن تنتهي إلى سماع خطاب الربّ، وإلى النظر إلى وجههِ الكريم، عجيبة هذه وشريفة وكبيرة وعظيمة وخطيرة!
أمَّا الحسيات التي تشاركنا فيها البهائم تنتهي، استعملوا حسياتهم، صلحوا لهم صعود مثلًا ببعض الآلات حقهم إلى المريخ مثلًا، وإلى طبقات في الجو، سينتهي كلُّ ذلك، وهم والأرض والمريخ والقمر كلها ترَوِّح! إذا ماشي بصيرة دلتك على الله هذا كلُّه عبث ولعب، ما أسرع ما ينتهي ويزول ويضمحل، للعموم بقيام الساعة، وللخصوص كلُّ واحد بمجرد موتهُ -ماهو مجرد موتهُ- بمجرد مرضهُ بمجرد مغص في بطنه ينتهي هذا، وإذا مات خلاص ماعاد باقي شيء من هذا؛ أو بيقول لمنكر ونكير: أنا رُحت المريخ؟! قال رحت المريخ!.. من ربك؟ ومن نبيك؟ أيش عملت في الأوامر والنواهي؟ قال أنا طلعت المريخ!! أيش معك؟ أيش عملت بأوامر ربك؟ أيش عملت بنواهيه؟ تعال هنا الحساب، ما ينفعك! أنا رُحت كذا، ولا ركبت طائرة كذا، ولا عندي عمارة كذا، أيش فيه ذا، هذا منتهي وزَائل، الله أكبر!.
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) -يعني مش زينتكم أنتم! هذه زينة الحياة الدنيا- (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف:46]، فإذا هذه زينة الحياة الدنيا، وين زينتك أنت؟ زينتك ما هو فيها هذه، هذه زينة حقت الحياة الدنيا، (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) [الكهف:7]، لمن؟ لكم أم لها؟ لها، صلح له زخرفة و بيت منقرش، وبعدين فقالوا: مات، شل الزينة يلا روح، خرجوه ودخلوه في الحفرة حقه، في الحفرة؟! وين الزينة؟! الزينة ماهي له، هذه للأرض، خلها للأرض تبقى مدة وبعدها تتخرب.
وهي ذي الأرض ما هي له هو، له إن مات وله زينة في معرفته بالله؛ هذه زينته هو، (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) [الفجر:27-28]، الله أكبر! (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ) -شفت الزينة ذي؟- (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ)[فصلت:30-31]، هؤلاء تزينوا وأخذوا الزينة ودامت لهم، والثانيين هذولا أيش معهم من هذا: (أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) -هي ذي الزينة حقه؟- (بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)، (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) [الأنعام:93]، (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الأنفال:50]، وين الزينة هذي اللي معه؟! إذا حملوا جنازتهُ يصيح: خلفوني! خلفوني! يا ويلَها إلى أينَ تذهبونَ بِها، ما عاد يُخلَّف، قال ﷺ: "أَسْرِعُوا بالجِنازَةِ، فإنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَها، وإنْ يَكُ سِوى ذلكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عن رِقابِكُمْ"، خرجوه من فوق رقابكم، يروح إلى مصيره.
يا الله بحسن الخاتمة..
زينتنا الإيمان والتقوى والعمل الصالح؛ هذا زينة لنا نحن، و أمَّا ذا زينة للأوراق، زينة للحوائط، زينة للمباني، زينة للأرض، زينة للدنيا، (زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ما شي زينة لنا، زينة لنا: الإيمان والتقوى، هذا حقنا الزينة، نتزين بها وتستمر معنا على طول، يارب زيِّنَّا بالتقوى، اللهم أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجمّلنا بالعافية، يا أرحم الراحمين.
هكذا يقول: "والظواهر إنما تتعلَّق بالتدبيرات الكونية، والإدراكات الحسِّية الخلقية؛ لذلك تطرق إليها الزوال بزوال متعلَّقها وغيبته"، لا إله إلا الله.
"أَفَلَتِ الْأَنْوَارُ الظَّاهِرَةُ، وَلَمْ تَأْفُلِ الْأَنْوَارُ السِّرِّيَّةُ"
" أَفَلَتِ الْأَنْوَارُ الظَّاهِرَةُ" وغابت شموسها"، "قال سيدنا الخليل صلى الله عليه وسلم: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) [الأنعام:76]، لا إله إلا الله.
"طَلَعَتْ شَمْسُ مَنْ أُحِبُّ بِلَيْلٍ *** فَاسْتَضَاءَتْ فَمَا لَهَا مِنْ غُرُوبِ
إِنَّ شَمْسَ النَّهَارِ تَغْرُبُ بِاللَّيْـ *** ـل وَشَمْسُ الْقُلُوبِ لَيْسَ تَغِيبُ"
قال:
أمرتقب النجوم من السماءِ *** .…….......................
تشوف النجوم في السماء تظهر
……………………… *** نجوم الأرض أبهر في الضياءِ
عندك في وسط الأرض نجوم أبهر من هذه.
فتلك تبين وقتًا ثم تخفى *** وهذي لا تكدر بالخفاءِ
كيف؟! قال:
هداية تلك في ظُلَم الليالي *** …………………..
أنت في بحر أو في الطريق تقول: هذا دليل إلى مكان كذا، هذا يوصلنا إلى بلاد كذا، هذه النجوم.
هداية تلك في ظلم الليالي *** وهداية هذه كشفُ الغطاءِ
فتشهد صفات ربك، وتطالع جمال عظمتهُ إلى الأبد، فرق بين هذه وهذه، لا إله إلا الله؛ شمس القلوب والنجوم.
قال: "شمس النهار من أنوار الظواهر، فتطرق إليها الغيبوبة والأفول"، وذكر قول الخليل: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) [الأنعام:76]؛ بغيت الشيء الذي يستمر ما يغرب، ولهذا قالوا في الحبيب ﷺ:
معنا قمر ما بدا غابت ولا بتغيب
اللهم صلِ عليه.
في القبر يقول لك: ما تقول في هذا الرجل؟ في الآخرة أول من يشفع يقول: أنا لها، هذه ما تغيب ذي. وأمَّا هذه: (وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) [القيامة:9]، (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ) [التكوير:1-2]، (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) [القيامة:7-9] رَوّحت! لكن هذا يقول: أنا لها! شفتوا كيف شمسه ما تغيب؟ هو شمسنا الشارقة لي ما لها من غروب، اللهم صل عليه وعلى آله وسلم، الله ينورنا بنوره.
"وشمس القلوب -وهي المعارف والعلوم، والأسرار اللدنية، والإلقاءات الوحيية"، (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ) [القصص: 7]، "ليس تغيب؛ لأنها أنوار أزلية، وأسرار حقِّية، وواردات ربانية، ولطائف سرية، ونفحات وقتية"، في أوقات يهبها الموقت لمن شاء، "ومواهب امتنانية، وعطيات رحمانية، وملابس قدسية، ومشاهدات وصفية، فأين تغيب" كيف تغيب؟…
"فعلى المريد الصادق الأديب الموافق: أن يكون كل همِّهِ التعلق بهذه الشموس التي لا تأفل ولا تغيب، وكل طلبه لذلك؛ عسى أن يكون له نصيب مما هنالك" آمين آمين، "ولا يشتغل بالأنوار الآفلة"، أفلت وراحت!.. يقولون في القيامة، يقول: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة:27-29]، وهذه السلطة والمال اللي دوختوا الخلق عليها، واستعبدتوا خلق الله في الدنيا، وضيعتوا أعماركم فيها: (مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ)، كلُّه ما عاد أغنى وكلُّه هلك! وليش ذا التعب كلُّه في الحياة؟! يتَّمتُم، رمَّلتُم، أزعجتم، أرعبتم، من شان شيء؛ (مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) [الحاقة:28-29]، روح ما يفيد، وهلك عنك، ومن شان هذا آذيت خلق الله طول عمرك؟! مصيبة! محبة المال والسلطة هذه، يلعبون بها على خلق الله، يؤذون أنفسهم، يؤذون الناس، والحساب شديد بعدين، الحساب شديد!
"إذا التَقى المُسلِمانِ بسَيفَيهما فالقاتِلُ والمَقتولُ في النَّارِ"، ذا وذا!... "قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، هذا القاتِلُ، فَما بالُ المَقْتُولِ؟ قال: إنَّه كان حَريصًا على قَتلِ صاحِبِه"، كلهم في الهوى سواء!.. لا حول ولا قوة إلا بالله.
وبخلاف من يقاتل في سبيل الله، الجنة قدامه، وحتى قاتله قد يتوب ويرجع معه إلى الجنة، شف كلهم يرحون الجنة، ذا قتال بسببه دخلوا الجنة حتى القاتل، وأمَّا ذا قاتل ومقتول كلهم في النار! فرق كبير شوف بين هذا وهذا.
النبي قال: يعجب من رجل في القيامة يأخذ بيد قاتله يدخلان الجنة! قال: كان كافر، قاتله، قتل مسلمًا، فالمسلم شهيد ونال الشهادة راح الجنة، يحصّله بعدين، يسلم هذا ويتوب ويندم ويرجع يموت على الإيمان أو يستشهد فيما بعد، يحصل ذا قتله، ويقول له: أنت على يدك حصلت الشهادة، أنالني الله، وأعطاني الله بسببك، أنت قتلتني في يوم كذا كذا، ويقول: وأنا قد ندمت يا أخي وتبت، وقال: يالله تعال ندخل الجنة معًا، يشله ويمسك بيده ويدخل به إلى الجنة! لا إله إلا الله!...
لأنه جهاد في سبيل الله هذا؛ "مَن قاتَلَ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا: فهو في سَبيلِ اللهِ"، وأمَّا يا شباب، هاتوا أرواحكم من شان واحد بيطلع في الكرسي! هذه مصيبة هذه! هذه مصيبة! من شان الحزب الفلاني ضد الحزب الفلاني! من شان أوامر جاءتنا نحن من عند آل مدري من.. هذا مصيبة! لتكون كلمة الله هي العليا، هذا هو الجهاد، الله يوقظ قلوب المسلمين، يوقظ عقول المسلمين، ويكرمنا بشمس القلوب التي لا تأفل.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
الحكمة (105):" لِيُخَفِّفَنْ أَلَمَ الْبَلَاءِ عَنْكَ عِلْمُكَ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُبْتَلِي لَكَ؛ فَالَّذِي وَاجَهَتْكَ مِنْهُ الْأَقْدَارُ.. هُوَ الَّذِي عَوَّدَكَ حُسْنَ الاخْتِيَارِ"
ليخففَنْ ويحملَنْ عنك -أيها المؤمن- بأن كل ما يصدر في الوجود من الأحكام صادرةٌ عن مشيئته، ومعلومة له، ومخترعة بقدرته، وكنت محبًّا لمن هذه الأوصاف أوصافه، وراضيًا به ربًا وحاكمًا وقاضيًا، فلا جرم أن يخفف عنك الألم، ويكون تألمك باعتراضك على محبوبك، وعدم محبتك لما أحبَّ ألمًا أشد مما ابتليت به؛ لأن ما ابتليت به سينقضي وينتهي، واعتراضك عليه ألم دائم، ولوم لازم، يلزم صاحبه في الدار الآخرة عاره.
فإذا علم ذلك.. خفف عنه -لا محالة- ما يجده، فلا يتألم إلا الجسم والقلبُ ساكن، بل قد إذا غلبه الحب -يلتذُّ، وإذا التذَّ القلب فلا عبرة بما يوجد في الجسم، فإذا سرت محرقات البلايا من الجسم إلى القلب؛ فإن كان راضيًا سليمًا.. سكنت تلك الحرارات، ولانت خشونة الإلمامات، وانعكست على الجسم لينها وبرودتها، فيستريح لذلك وإن كان الألم باقيًا، فلا تستبعدُ ذلك؛ فلقد تلذَّذَ بالبلاء ما لا يحصون من الصفوة الصوفية، الذين باشر قلوبهم صرْفُ اليقين، وتحققوا بحقائق القرب والتمكين.
وإذا كان الأمر بالضد من ذلك؛ فإذا سرت البلية بحرارات وهجها إلى القلب، ووجدته ممتلئًا بالحزن لذلك، والتبرُّم ممَّا هنالك والسخط.. تضاعفت آلامُها، وانتشرت على الجسم احتراقاتُها.
فهذا من كان ممتلئًا بالشهوات، ومكبلًا في قيود العادات، قد ضربت على قلبه كثائف الظلمات، الحاجبة عن التعلُّق بالأنوار القدسيات، والمشاهد الروحيات، وإلا: لو انكشفت عن قلوبهم هذه الأغطية الكونيات، والحجب الظلمانيات، فتعلقت قلوبهم بالأوصاف العلا، وتقدست أسرارهم بالامتلاء بشهود المولى.. فلا تغيِّرُهم العوارض، ولا تزلزل مواجيدَهم عواصف القضا، بل يكونون محفوظين عند ورود القضا، موصوفين بالرضا، وإن تعاقب على ظواهرهم التغييرات.. فالقلوب باقية على ما هي عليه، فلا يختلجهم زيغ، ولا يمتريهم ريب، بل تخرجُ أرواحهم وهي مشتاقة، وإلى ما هي متعلقة به توَّاقة، فانظر ما يمنح الله عباده من صفو وداده."
يقول لك: الأقضية والأقدار تجري على الجميع؛ الصغار والكبار، والمؤمنين والكفار، ولكن أرباب الصلة بالملكِ الغفار جلَّ جلاله، مختلَف الأقدار تتحول لهم إلى خيراتٍ كبار؛ الشدائد والرخاء، السراء والضراء، الصحة والمرض، الفقر والغنى، كلُّ ما يجري لهم، تتعلّق قلوبهم بأن الذي يجريهِ عليهم ملكهم الذي وثقوا به والتجأوا إليه وآمنوا به، وأنهُ أعلم بمصالحهم منهم، فيقابلون كل الأقضية والأقدار بنفوس راضية مطمئنة واثقة، ما يزعزعهم شيء في الوجود، في السراء وفي الضراء، نِعمَ الشاكرين ونِعمَ الصابرين، فهم مستفيدون في كل حال، ورابحون في جميع الأحوال، (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) النتيجة: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:146-148].
ونحن نقول: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اقبلنا يا خير قابل، يا أرحم الراحمين.
إذا قبلنا الله، فما كان أعطى الذين قبلنا من الأمم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، بينقص علينا ونحن من أمة نبينه محمد! إذا صَدَقْنَا وقَبِلَنا هو، فنحن الرابحون بكُلِّ ما يجري في الدنيا، وكل ما يجري في الحياة نحن رابحون، والنتيجة: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ)؛ عاد و حسن ثواب الآخرة! الآخرة كلُّ ثوابها حسن، (حُسْنَ ثَوَابِ): أحسن ما يكون من الثواب هناك، الله الله! هناك قربًا ومعرفةً، ورضوانًا، ونظرًا؛ (حُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ) ومرافقة، وقرب، ورضوان؛ "أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخَطُ عليكم بَعدَه أبَدًا".
الله يكرمنا وإياكم مع اللطف والعافية، اللهم وتحمَّل عنا الابتلاءات، وتولنا في الظواهر والخفيات، وارزقنا كمال الاستقامة والثبات، واختم لنا بأكمل حُسن الخاتمات، يا مجيب الدعوات.
يثبتنا على الطريقة، ويرزقنا الاستمساك بالعروة الوثيقة، ويتولانا في شؤوننا كلها، ويقينا بها شر الأنفس والشياطين والأهواء وشياطين الإنس والجن أجمعين، ويجعلنا في الحصن الحصين والحرز المتين من شرور الخلائق أجمعين، ويثبتنا على حقائق الإسلام والإيمان والإحسان، ويرفعنا إلى أعلى مراتب العرفان، ويقينا شر النفس والهوى والشيطان، ويصلح شؤوننا والأمة في السر والإعلان، ويختم لنا بأكمل حسنى وهو راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
23 ذو الحِجّة 1442