الحكم العطائية - 64 | متى أطلقَ لسانك بالطلب فاعلم أنه يريد أن يُعطيك
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 21 ذي الحجة 1442هـ.
الحكمة (102): "مَتَى أَطْلَقَ لِسَانَكَ بِالطَّلَبِ.. فَاعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَكَ"
الحكمة (103): "الْعَارِفُ: لَا يَزُولُ اضْطِرَارُهُ، وَلَا يَكُونُ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَرَارُهُ."
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
الحكمة (102): "مَتَى أَطْلَقَ لِسَانَكَ بِالطَّلَبِ.. فَاعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَكَ"
متى أطلق لسانك، وحلَّ قيد جَنانك، وحرَّك في خدمته أركانك، وجعل لك الهمة مطيةَ سفرك، والصدق في الطلب حالتك.. فاعلم: أنه لم يبعث ذٰلك فيك، ولم يحرِّكْ به عَزمتك.. إلا وهو يريد أن يعطيك، وما فتح لك باب السلوك إليه.. إلا وهو يريد أن يواليك، ولا ألهمك تصفية أحوالك وسائر أفعالك.. إلا وهو يريد أن يصافيك.
وإطلاق اللسان بالتضرُّع إليه والثناء بجميل أوصافه من علامة توجُّه الإرادة إلى العبد بنيل مطلوبه، وإسعاف مرغوبه.
فمتى وجد العبد ذلك.. فليعلم يقينًا أنه قد توجَّهت إليه العطايا الإلٰهية، والمنوح الربانية، علم ذٰلك أو لم يعلم؛ لذٰلك قال الصديق رضي الله عنه:
لَوْ لَمْ تُرِدْ نِيلِ مَا أَرْجُو وَأَطْلُبُهُ *** مِنْ نَيْلِ فَضْلِكَ مَا عَلَّمْتَنِي الطَّلَبَا
أو كما قال.
والطلب بصدق النية من أشرف أخلاق العبودية، وأجل مقامات القرب؛ إذ لم يلهمه إلا من توجَّهت إليه العناية، واللسان يطلقه في میدان الدعاء باعث قلبي تترجم عنه بما هو عليه من الالتجاء، وصدق الرغبة إلى الله فيما عنده من الفضل، والهرب إليه من سطوات العدل، ويعقله غفلة القلب عن ذٰلك، واستغناؤه بالأسباب، والركون إلىٰ ما يظن أنه به مستغن، وإلى ما يظن أنه يدفع عنه، فيعقل اللسان، ويخرَّس الجنان، ويعمى الروح، وتلهو النفس، وتتعَطَّل الأركان، وتظهر منه الجرائم والطغيان، (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) [العلق:6-7].
وبوجود ما يناقِض ذلك من ورود الفاقة، ونزول الحاجة.. ينبعث بلا شك في الدعاء، ويرغب في الطلب؛ وذلك علامة عناية الله بعباده، وإرادة إيصال فضله وعطاياه إليهم، وتوالي إحسانه وامتنانه لديهم، فالحمد لله رب العالمين، فما ألطف الله بعباده!! إنه يحسن إليهم، ويتقرب منهم فيما تنفر عنه طباعهم، وتأباه نفوسهم من ممرات القضاء، وورود ما يناقض أغراضهم، وذلك من أتحف ما منحهم، وأعظم ما خولهم، ولي في ذلك:
أَوْرَدَ عَلَيْكَ صُنُوفَ الضُّرِّ وَالأَلَمِ *** كَيْمَا تَكُونَ بِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْخَدَمِ
وَأَطْلِقْ لِسَانَكَ لِنَيْلِ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ *** سُبْحَانَ ذِي الْحِكْمَةِ الْمَنَّانِ بِالنِّعَمِ
مَنْ ظَنَّ شَيْئاً سِوَى هَذَا فَلَا جَرَم *** أَنْ يُبْرِمَهُ كُلَّمَا وَافَى مِنَ الْأَلَمِ
لا إله إلا الله.
يقول عليه رحمة الله تبارك وتعالى: "مَتَى أَطْلَقَ لِسَانَكَ بِالطَّلَبِ.. فَاعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَكَ"
فالتوفيق لحسن الطلب، والدعاء، والتضرع، والسؤال، والابتهال، علامة أن الحق يريد أن يهب، وأن يعطي، وأن يمنح، وأن يجود، وأن يكرم، وأن يفتح، وأن يتفضل، فإذا أراد لك الخير من عنده ألهمك الطلب والصدق في الطلب، حتى كان يقول سيدنا عمر: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء؛ أحمل هم الدعاء؛ كيف أدعو بإخلاص، بحضور، بصدق، بجمعية على الله.. ومن هناك كان "الدعاء هو العبادة"، و"الدعاء مخ العبادة" ؛ لأن فيه تذلل الافتقار والجمعية على الله سبحانه وتعالى، لهذا صار هو العبادة ومخ العبادة، فإذا صدر الدعاء من قلب حاضر خاشع منيب مجموع على الله، فالإجابة ما أقربها، وما أطيبها، وما أوسعها وأرحَبها!
فلتُقِم العبودية بكثرة الدعاء والتضرع إلى الملك المولى، مستيقنًا اضطرارك إِليه و افتقارك إليه، ملتجئًا إليه، متذللًا بين يديه.
فإذا أطلق لسانك في الدعاء على وجه التذلل والانكسار والخضوع وصدق الالتجاء، فهو أقوى العلامات أنه يريد أن يهبك السعادات، وأن يُنيلك المرادات، وأن يرعاك في الظواهر والخفيات، وأن يفتح لك خزائن الرحمات. (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) [الأنفال:9]، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60]، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة:186].
فيا ما أحسن الدعاء والتضرع! وهو وصف العبيد من الملائكة والنبيين والصديقين والصالحين، يدعون الله خوفًا وطمعًا، قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90]، وقال تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56]. نخاف ما عنده ونرجو ما عنده، فمن رهِب ما عنده ورجا ما عنده تحقق بالعبودية، فكفاه الله كل شر ووهبه كل خير.
فمن نعم الله أن يطلقك بالطلب والسؤال والدعاء، وقد كان يقول الإمام عبد الله بن حسين بن طاهر: إذا ألهمك الله طلب شيء فلا تستكثره ولا تستَعْظِمه مهما كان عظيمًا، فإنه ما أورده عليك وألهمك طلبه إلا وهو يريده لك ويريد أن يعطيك إياه، فلا تَستثقل على الله شيء، ولا تستكبر على الله شيء، فإنه أكبر وأعظم، إذا ألهمك طلب شيء أعطاك إياه.
ونسب البيت لسيدنا أبي بكر الصديق:
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من نيل فضلك ما علمتني الطلبا
ويروى:
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض فضلك ما ألهمتني الطلبا
لا إله إلا الله.
فلنحمل هم الدعاء؛ أما الإجابة فحاصلة إذا كان الدعاء على الوجه المطلوب، (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ)، لا إله إلا الله، (قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) [النمل:62]. تذكروا أن الأمر بيده، وأنه هو الذي قدَّم وأخر، وأنه أهلك كل من هلك من الأولين، ونجَّى كل من نجا من الأولين، وأنه نصر كل المرسلين، وأهلك من عاندهم من الكافرين، وأنه بيده التصريف وتدبير الكواكب والنجوم والليل والنهار والأرض والسماء، وأن المرجع إليه، وأن قدرته على كل شيء، فإذًا تذكروا والتجئوا إليه وتذللوا، فإذا اضطررتم ودعوتم.. (يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِۗ)؛ يُقيمكم مقام الإكرام والتفضل بالخلافة عنه في أرضه جل جلاله، بفهم خطابه والعمل بمقتضاه، فتكون خليفة عن الله في أرضه، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة:30]، فالحمد لله على ما وفق.
فإذا اقترن الطلب وإطلاق اللسان بالدعاء بالخضوع والخشوع والقشعريرة؛ دل ذلك على تحقيق الأرب والمطلب، وأنها ساعة إجابة، فلنكثر من الدعاء متذللين، خاضعين، مفتقرين إلى الرب جل جلاله.
وأوحى إلى بعض الأنبياء: "اطلبني ولو ملح عشائك" وحتى لو معك دقيق وليس لديك ملح ، قل: يا رب، أحتاج ملح، أكرمني بملح، وارزقني ملح، قال: وحتى علف دابتك، معك دابة ما حصلت لها علف، اطلب مني علف الدابة.
لا إله إلا الله..
"مَتَى أَطْلَقَ لِسَانَكَ بِالطَّلَبِ.. فَأَعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَكَ"
وهكذا يقول الشيخ علي رحمه الله: "ما فتح لك باب السلوك إليه إلا وهو يريد أن يواليك، ولا ألهمك تصفية أحوالك وسائر أفعالك إلا وهو يريد أن يصافيك"، فعلامة كل خير إقبالك على الرب، وصدق وجهتك إليه، وتصفية باطنك كله، تزينه بالحضور معه جل جلاله، واقرع أبواب جوده..
بانقرع الباب والمولى عليـه العطيـه *** يـعـطـي جـمـيــع الأمــــل
وفوق الأمل
حاشا جزيل العطا نرجع والايدي خليـه *** سـبـحـان ربــــي وجــــل
جوده وفضله شمل يا اصحابنا للبريـه *** شــو مــا لـجــوده مـثــل
بانطلب الله لـي منّـه إليـه الشكيـه *** يـصـلـح جـمـيـع الـعـمـل
عسى بجاه النبي نظفر بشربَـة هنيـة *** فـيـهـا الـشـفـاء لـلـعـلـل
الله أكبر! الله ، الله، الله..
نذوق ما ذاقه أهل المعرفـة والمزيـه *** وكـــل عــــارف وصــــل
بلا عناء رب فاسكنا الجنـان العليـه *** نـدخـل مع مـــن دخـــل
يا رب.. ومن دق باب كريم فتح.
طرقت باب الرجا والناس قد رقدوا *** وبت أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا أملي في كل نائبة *** ومن عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورًا أنت تعلمها *** ما لي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل مفتقرًا *** إليك يا خير من مُدَّت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة *** فبحر جودك يروي كل من يرد
مددنا أيدي افتقارنا إليك، يا أيها الكريم، يا حيّ يا قيوم، أن تجعلنا من أهل الصدق معك، وأهل الوفاء بعهدك، وأهل الظفر بمحبتك وودك، وأهل السعادة الكبرى في الدنيا والأخرى، فأكرمنا يا رب الدنيا والآخرة.
يقول: "فمتى وجد العبد ذلك فليعلم يقينا أنه قد توجهت إليه العطايا الإلهية والمنوح الربانية"، "والطلب بصدق النية من أشرف أخلاق العبودية".
قال سيدنا الإمام الحداد:
قَدْ كَفَانِي عِْلمُ رَبِّي *** مِنْ سُؤَالِي وَ اخْتِيَارِي
فَدُعَائِي وَ ابْتِهَالِي *** شَاهِدٌ لِي بِافْتِقَارِي
فَلِهَذَا السِّرِّ أَدْعُو *** فِي يَسَارِي وَ عَسَارِي
أَنَا عَبْدٌ صَارَ فَخْرِي *** ضِمْنَ فَقْرِي وَ اضْطِرَارِي
قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** مِن سُؤَالِي وَ اخْتِيَارِي
يَا إِلَهِي وَ مَلِيكِي *** أَنْتَ تَعْلَمْ كَيْفَ حَالِي
وَبِمَا قَدْ حَلَّ قَلْبِي *** مِنْ هُمُومٍ وَ اشْتِغَالِي
فَتَدَارَكْنِي بِلُطْفٍ *** مِنْكَ يَا مَوْلَى المَوَالِي
يَا كَرِيمَ الوَجْهِ غِثْنِي *** قَبْلَ أَنْ يَفْنَى اصْطِبَارِي
يا كريم، يا ما أحسن الطلب والدعاء والتضرع.
"ولم يلهَمه إلا من توجهت إليه العناية، واللسان يطلقه في ميدان الدعاء باعثٌ قلبي يترجم عنه بما هو عليه من الالتجاء وصدق الرغبة"، "ويعقل اللسان" غفلة القلب؛ إذا غفل عن احتياجه وخوفه من ربه سكت لسانه وعُقِل عن الدعاء، فإذا استغنى الإنسان بالأسباب بسبب الغفلة وركن إلى ما يظن أنه يستغني به، وإلى ما يظن أنه يدفع عنه من غير الله تعالى، يُعقل اللسان خلاص، "ويُخرس الجنان، ويُعمى الروح، وتَلهى النفس، وتَتعطل الأركان -والعياذ بالله- ويعقل اللسان؛ (لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ)" وما عندنا استغناء، بل نحن الفقراء والله الغني، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]، جل جلاله وتعالى في عُلاه.
فإذا علمنا فاقتنا وحاجتنا انبعثنا وانطلقنا في الدعاء والتضرع، فتعلم كثرة الدعاء.
وقد كان نبينا محمد ﷺ يُعَدُ له في المجلس الواحد، يسمعون منه مئة مرة: "رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم" . يكرر، يسمعون منه حتى عدوا في المجلس الواحد مئة مرة سمعوا زين الوجود يقول: "رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" ، اللهم صل عليه وعلى آله.
فاقتدِ به بدل ما اقعد في مجالس الخير وفي مجالسك الأخرى تهمر وتفكر وتسرح مدري إلى فين… ادع ربك، تضرع إلى مولاك، التجئ إليه وقل: يا رب، يا رب… ولهذا قال عن الصلاة: إنما الصلاة تمسكن وتواضع وذلة وطلب: يا رب، يا رب فمن لم يفعل ذلك فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج؛ يعني ناقصة ما هي صلاة.
"واعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قلبٍ غافل لاهِ"، قلب غافل لاهِ.
كان يذكر الحبيب عبد القادر عن بعض بني إسرائيل، جاء إلى عند سيدنا موسى وقال: علمني دعاء أدعو به في قضاء حاجتي، فذهب ودعا مدة ولم ير أثر الإجابة، رجع إلى عند سيدنا موسى قال: يا موسى، دعوت الله هذه المدة وما رأيت أثر الإجابة، قال: إذا كلمني ربي سألته عنك، فلما كلم موسى ربه قال: يا رب، عبدك فلان يدعوك لمدة، يقول له حاجة ولم ير قضاءها، وأنا عبدك لو كانت الحاجة بيدي لقضيتها له رحمة به، فأوحى الله إليه: يا موسى، إن صاحبك يدعوني وقلبه عند غنمه! فلو دعاني مرة واحدة وقلبه معي لأجبته، قل له يدعوني وقلبه معي، قال: يدعوني وقلبه عند غنمه! وإنما ينظر الحق إلى القلب.
فاغنم ساعات الدعاء، وإذا حضرت معهم في آخر الليل يدعون ربهم، وعندهم إنس وجن وملائكة وأرواح كثيرة، وكلها تقول: يا الله! بيطَلِع دعاك معهم، بيستجيب لك الحق جل جلاله في مواطن الإجابة وهكذا. وقال ﷺ عن السجود: "فأكثروا الدعاء فقمِنٌ أن يستجاب لكم" .
كان لما قبروا ثابت البناني، سقط على أحدهم مال ثمين وبعدين تذكروا فكشفوا القبر، فلما رفعوا اللبنة وجدوا ثابت يصلي، في القبر قاعد يصلي! قال: خذوا حاجتكم، أخذوا حاجتهم، راحوا لعند أخته: يا أخت ثابت، ما كان يفعل ثابت؟ قالت: لماذا تسألون؟ قالوا: نريد نعرف عمله، قالت: لا، أخبروني لماذا تسألون؟ فلما ألحّت عليهم أخبروها، قالت: أما إن كان ذلك؛ فإني أسمعه كل ليلة منذ خمسين سنة يتهجد في هذا المكان في الليل يصلي ثم يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا الصلاة في قبره فأعطنيها في قبري!
قال: فما كان الله ليرد دعاءه، خمسين سنة وكل ليلة: يا رب أعطني الصلاة في قبري! خمسين سنة وهو يدعو الله أن يعطيه الصلاة في قبره! لا إله إلا الله.
وأنت أيش تدعو ربك به؟ وأيش تطلبه من ربك؟ وكيف حالتك مع الدعاء؟ وتعرف افتقارك واضطرارك وأنت تخاطب من وتسأل من؟ تدري أو ما تدري؟ تدري عظمة من تخاطبه وتناجيه، وشدة افتقارك واضطرارك إليه، وتلح عليه، تعلم أنه بيده قضاء الحاجات لا بيد غيره؟! تعلّم، تعلّم حقيقة الدعاء، وأكثر منه؛ فإنه مرقى ورقية، وحماية ووقاية، وحفظ وكلاءة، و"لا يرد القضاء إلا الدعاء" ، "وإن البلاء لينزل من السماء فيتلقاه الدعاء فيتعالجان إلى يوم القيامة" ، ما عاد يصل إلى الأرض بسبب الدعاء، (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) [الفرقان:77]. الله يكرمنا بصدق اللجأ، وحسن الدعاء، ويقبله منا.
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"فإذا علم العبد دوام افتقاره إلى الله، وأنه لا غنى له عنه لفتة ناظر، ولا فلتة خاطر، ولا يصدر هذا الشهود إلا عن صاحب وجود، مستغرقًا في حضرة المشهود، وهؤلاء هم الحكماء العارفون.
وأما الجهَّال المغرُورون.. فلا يتأتىٰ لهم ذٰلك، ولا يصدر عنهم إلا ما وصفهم الله به؛ حيث قال جلَّ ذكره: (إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ).
إذا تحقَق أن العارف يشهد قيوميته إياه على ممرِّ أنْفاسه، ومختلفات أحواله.. فلا غروَ أن يقال:
الحكمة (103): "الْعَارِفُ: لَا يَزُولُ اضْطِرَارُهُ، وَلَا يَكُونُ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَرَارُهُ."
العارف: هو من عرف الله، وعرف حكمتَهُ في أقضيته، وتحقَّق بأوصافه وأسمائه، فأعطى كل مشهدٍ حقَّهُ، وأوفى كل إِسمٍ مستحقَّه، وهو مع ذٰلك فانٍ عن ذاته بوحدانيةِ الله، وعن وصفه بفردانيته، وعن فعله بقدرته ومشيئته؛ لذلك يكون محوًا عن ذاتِه ووصفه وفعله أزلًا ووجودًا وأبدًا من كونيته وغيريته، وجودًا من حيث وجود موجده، لذلك لا يزول اضطراره في وجوده أزلًا ووجودًا وأبدًا.
"وَلَا يَكُونُ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَرَارُهُ." لانعدام الأغيار، و إنطماس ظُلَّمِ الآثار، بظهور تجلي الواحد القهار، فأين تكون معيةُ الأغيار ولا وجود لها؟ وأين القرار إليها والعدم حاكم عليها؟! فأتى بهذه الحكمة مُبَينَة لما تقدم في الحِكمتين قبلها؛ لأن الوَحشة من العدم، وعدم القرار لازم، وكذلك الطلب دائِم؛ لوجود دوام الافتقار.
فهذانِ نعتانِ من نعوت العارفين، وصفتان من صفات الموحدين، فيعرفون نفوسهم بإفتقارها لإدامة وجوده، واضطرارها إلى إمداده في حركاتها وسكونها، فمن عرف نفسه بدوام الاضطرار، ووجود الافتقار عرِف ربَّه باختراع الإيجاد، وتوالي الإمداد، فلا يزال مفتقرًا، ولا يبرح مضطرًا، فهكذا حكم العارف.
وأما عامةُ الخلقِ وجَمُّ العبيد.. عبيدُ التعديد؛ فهم محبوسون في مضيق الحسِّ الغالب عليهم؛ كونهم مع ما وافق محسوسهم، ولائم نفوسهم فإذا وجدوا ذلك.. أعرضوا عن الله، وإذا اضطروا رجعوا إليه بالصراخ والعويل، والاستشفاع إليه بالأسباب والوسائل، فهم أبدًا محجوبون في كلا الحالين، بخلاف العارفين؛ فهم مضطرون إليه أبدًا سرمدًا، أغنياء عمن سواه، لا يرجعون في مهامِهم إلى غيره، ولا ينزلون حوائجهم بسواه، ولي في ذلك:
فلا يزال اضطرار العارفين وإن *** نالوا من الحظِّ ما يقضىٰ به الوطر
فلا يقربهمُ من دونه أربٌ *** ولا يروقُ لهم في غيره نظر
قد باينوا كل مألوفٍ كذاك فإنَّ *** المرء يفرق بين العين والأثر
فإن فلا تزايلُ ذوي العرفان حاجتهم *** يروىٰ عن العارفين السادة الغرر
ومن علامة العارف وبعض مشاهده: أن يكون مع الله باطناً وظاهراً، فيرى جميع القوى الظاهرة آثار نور الاسم الظاهر، والقوى الباطنة آثار نور الاسم الباطن، ومن لم يتحقَّقْ ذٰلك.. لم تصحَّ معرفته، فلم يعرف نفسه ولم يشهد ربه، فأرشد المؤلف إلىٰ أنه لم يتحقَّقْ بالاضطرار ما لم يعرف ذٰلك، فيتحقَّقْ بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الذي هو كنز من كنوز العرش، فقال:
الحكمة (104): " أَنَارَ الظَّوَاهِرَ بِأَنْوَارِ آثَارِهِ، وَأَنَارَ السَّرَائِرَ بِأَنْوَارِ أَوْصَافِهِ"
رضي الله عنه.
يقول: "العارف لا يزول اضطراره" ، دائما مضطر؛ إن طلع وإن نزل، وإن مرض وإن صح، وإن قوي وإن ضعف، وإن ذهب وإن رجع.. مضطر، مضطر إلى الله دائما، مضطر.
"الْعَارِفُ: لَا يَزُولُ اضْطِرَارُهُ، وَلَا يَكُونُ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَرَارُهُ": ما يستقر مع غير الله، ما له قرار، ولا يلتجئ ولا يطمئن لغير الله قط، قط، قط!.
"الْعَارِفُ: لَا يَزُولُ اضْطِرَارُهُ، وَلَا يَكُونُ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَرَارُهُ".
يقول: "من عرف الله، وعرف حكمتَهُ في أقضيته، وتحقَّق بأوصافه وأسمائه، فأعطى كل مشهدٍ حقَّهُ، وأوفى كل إِسمٍ مستحقَّه"؛ فهو يفنى عن ذاته بوحدانية الله، يشهد الوحدانية، فيفنى عن شهود ذات له إلا بإيجاد هذا الواحد سبحانه وحده، ويفنى عن أوصاف نفسه بفردانية هذا الواحد، فلا وصف له إلا ما أعطاه.. -الله أكبر!- ويفنى عن أفعاله بشهود قدرة الله ومشيئته، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فيكون "محوًا عن ذاتِه ووصفه وفعله أزلًا ووجودًا وأبدًا"، لا إله إلا الله.
"يكون محوًا"، يكون "وجودًا من حيث وجود موجده" فقط؛ هو الذي يوجده؛ بذلك اضطراره دائم؛ "لذلك لا يزول اضطراره".
"وَلَا يَكُونُ مَعَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَرَارُهُ."؛ لأنه لا يعتمد على السوى، والسوى عنده أصله عدم، كيف يعتمد على ما أصله عدم؟! وما يرضى يستامن إلى غير الله، ولا يطمئن إلى غير الله، يركن إلي غير الله، ليش؟ غير الله عَدَم وفناء ولا يقدر على شيء، فلا طمأنينة له إلا إلى الله، ولا قرار إلا بالله سبحانه وتعالى.
قال: "هذان نعتان من نعوت العارفين، وصفتان من صفات الموحدين" "أما عامة الخلق" -أكثر العبيد- "عبيد التعديد، محبوسون في مضيق الحس الغالب عليهم" فما يشاهد إلا غير الله، وينسى الله جل جلاله، ويظن أن الأشياء فعالة، وإنما هو الذي يخلقهم ويخلق أفعالهم: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:95-96]، هو الذي خلق سبحانه وتعالى.
ولكن هذا محجوب مسكين، يبقى محبوس، يغلب عليه ما وافق حسه ولائم نفسه، فيعرض عن الله، وإذا وقعت عنده شدة؛ وما عاد حد قدر ينقذه لا صاحب؛ ولا صديق؛ ولا جهاز؛ ولا فلوس؛ ولا هيئة؛ ولا طائرة؛ ولا حزب؛ يقول: يا الله! يرجع يقول: يا الله، وعينه لغيره بس بغى مخلص ومضطر، (إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) [فصلت:51]، مجرد ما يَفُك أزمته ويكشف كربته… قده يا فلان، ويا صاحبي، ويا صديقي، ويا جهازي، نسي ربه! قليل حياء، مأخوذ بغير الله -والعياذ بالله- مسكين محبوس! هذا حال أكثر المحجوبين عن الله، الله يعيذنا من ذلك، ويرزقنا الاضطرار إليك دائمًا أبدًا.
لَمْ أَزَل بِالبَابِ وَاقِف *** فَارْحَمَنْ رَبِّي وُقُوفِي
وَ بِوَادِي الفَضْلِ عَاكِفْ *** فَأَدِمْ رَبِّي عُكُوفِي
وَ لِحُسْنِ الظَّنِّ ألَازِمْ *** فَهْوَ خِلِّي وَحَلِيفِي
وَ أَنِيسِي وَجَلِيسِي *** طُولَ لَيْـلِي وَنَهَارِي
قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** مِنْ سُؤَالِي وَاخْتِيَارِي
حَاجَةٌ فِي النَّفْسِ يَارَب *** فَاقْضِهَا يَا خَيْرَ قَاضِي
وَ أَرِحْ سِرِّي وَ قَلْبِي *** مِن لَظَاهَا وَالشُّوَاظِ
فِي سُرُورٍ وَحُبُورٍ *** وَ إِذَا مَا كُنْتَ رَاضِي
فَالْهَنَا وَ الْبَسْطُ حَالِي *** وَ شِعَارِي وَدِثَارِي
قَدْ كَفَانِي عِلْمُ رَبِّي *** مِنْ سُؤَالِي وَاخْتِيَارِي
رب فاجعل مجتمعنا *** غايته حسن الختام
واعطنا ما قد سالنا *** من عطاياك الجسام
وأكرم الأرواح منا *** بلقا خير الأنام
اللهم وأكرم الأرواح منا بلقا خير الأنام، اللهم وأكرم الأرواح منا بلقا خير الأنام، اللهم وأكرم الأرواح منا بلقا خير الأنام.
وابلغ المختار عنا *** من صلاةٍ وسلام
في كل لحظةٍ وحينٍ أبدا عدد خلقك، ورضا نفسك، وزنة عرشك، ومداد كلماتك، يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
23 ذو الحِجّة 1442