الحكم العطائية - 63 | خير أوقاتك وقتٌ تشهَد فيه وجود فاقتك
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأربعاء 18 ذي الحجة 1442هـ.
الحكمة (100): "خَيْرُ أَوْقَاتِكَ وَقْتٌ تَشْهَدُ فِيهِ وُجُودَ فَاقَتِكَ، وَتُرَدُّ فِيهِ إِلَى وُجُودِ ذِلَّتِكَ"
الحكمة (101): "مَتَى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ.. فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بَابَ الْأُنْسِ بِهِ."
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"فإذا علمت أن خير أوقاتك وقت تعرف فيه مقام عبوديتك لسيدك، وتشهد فيه كمال ربوبيته.. سلَّط عليك من الأسباب ما يثير ذلك منك من الأوصاف القهرية؛ ليقيمك في خير مقاماتك، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (100): "خَيْرُ أَوْقَاتِكَ وَقْتٌ تَشْهَدُ فِيهِ وُجُودَ فَاقَتِكَ، وَتُرَدُّ فِيهِ إِلَى وُجُودِ ذِلَّتِكَ"
خير أوقات العبد: مثوله بين يديّ سيده ممتلئًا بمحبته، مبتهجًا بقربه، راضيًا عنه في قضائه، ساكنًا خاضعًا تحت جريان أحكامه، منطرحًا في أرض ذلِّ عبوديته، يرى الخير فيما يختار له لا فيما يختار هو لنفسه، خارجًا من حوله وقوته، واثقًا بحول الله وقوته.
فهذا وما شاكله من كل ما يكون خارجًا عن ملائمة طبعه، ومقتضى هواه، ومباينًا لمراده من مطلوباته النفسانية، وشهواته الحيوانية، واثقًا بربه، معتمدًا عليه، وناظرًا إليه، ومستكينًا بين يديه.. فهذه أعياده ومواسمه، وغاية رغبته فيما يعامل به ربه من نفسه، فلا أحسن من حالة العبد إذا كان فرحه بقرب سيده، والدخول في غمار أهل حضرته الأدباء، وخاصَّته الأمناء.
فخير أوقاتهم أوقات الضرورات؛ لأنها تخرجهم عن الاعتماد على الأغيار، وتباين لهم الأسباب الحاجبة لهم عن شهود مليكهم؛ فمتى زالت عنهم، ووقعوا في ضرورة الالتجاء إلى الجناب الإلهي، وصمدت بهم الفاقات، وملمات الحاجات إلى من لا يصمد في الحوائج إلا إليه، ولا تطلب المواهب إلا منه.. فأي وقتٍ أحسن من هذا وقد أوقفهم مع الله، وردَّهم من بعد الأسباب الغيرية والأوهام العدمية إلى اليقين، والتحقُّق بمقامات القُرب والتمكين؟!
وكان السلف الصالح يشكرون الله تعالى على الفاقات، وإلمام الحاجات والضرورات، كما يشكر غيرهم على الظفر بنيل الحاجات، وقضاء الأوطار ودفع المهمات، حتى إنهم يقومون لله بحق الشكر في ذلك، ويرون أنه ما يفعل ذلك بهم إلا لعنايته بهم، وحسن تربيته لهم، ويرون ضد ذلك مِنْ قِلِّ الحظِّ عنده إلا على الندور؛ لأنه مسلك خواصِّ أنبيائه وخير أصفيائه، يسلك بهم مسلك الاضطرار إليه، ووقوف الحاجات عليه، حتى إن بعضهم يقبضه وحاجته تتلجلج في صدره لم تقضَ له في الدنيا، وعدَّ ذلك من خير عباده؛ لوقوفه بين يديه، واعتماده في ذلك عليه، ورضاه بعلمه به ونظره إليه، ولي في ذلك:
فخيرُ أوقات سلَّاك الطريق إلى *** جنابه العالِي السَّامي ذوي الهممِ
أن يشهدوا فيه فاقَتْهم وذلَّتهم *** لديه ذلَّة محتاجٍ إلى الكرمِ
فنازلٌ بجناب الله حاجته *** لم يخشَ همًّا ومكروهًا من الألمِ"
الحمد لله المعطي المنَّاح، وصلى الله وسلم وبارك وكرم على عبده جامع الفتح من الفتاح، سيد أهل الصلاح والفلاح محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ذوي الموازين الرِّجاح، وعلى من تبعهم بصدق وإخلاص للحق -تبارك وتعالى- في جميع الشؤون والنواح، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الفلاح، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين وعباد الله الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد؛
فيواصل الشيخ -عليه الرحمة- ذكر الحِكم المتعلقة بأحوال العبد في أوقات عمره وخيرها وأفضلها فيما يمر عليه في أيامه ولياليه، فخير أوقاتك وقت تعرف فيه عبوديتك وذلّتك وحاجتك وفقرك، وتقوم بحق الافتقار والاضطرار للملك الغفّار، هذه ساعات من أبرك الساعات عليك، خيرها كثير، ونورها كبير، وعواقبها حسنة، ونتائجها كثيرة كبيرة عظيمة فاخرة، ساعات تذللك، ساعات انكسارك، ساعات خشيتك، ساعات فاقتك وفقرك، هذه خير الساعات تمر عليك.
وبعض الناس، تصل إليه، أو يُوصل إليها بواسطة بعض شدائد، بعض آفات، بعض أتعاب؛ فينكسر ويتذلل، فتكون من خير أيامه ومن خير ساعاته ومن خير أوقاته.
"خَيْرُ أَوْقَاتِكَ وَقْتٌ تَشْهَدُ فِيهِ وُجُودَ فَاقَتِكَ"، تشهد حقيقة اضطرارك، حقيقة فقرك، (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ) [محمد:38]، صدق الله (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ)، ولكن أن تتذوق هذا الافتقار وتلجأ إلى الغفار بالتذلل والانكسار من خير أوقات الأعمار.
"خَيْرُ أَوْقَاتِكَ وَقْتٌ تَشْهَدُ فِيهِ وُجُودَ فَاقَتِكَ، وَتُرَدُّ فِيهِ إِلَى وُجُودِ ذِلَّتِكَ" له ليُعِزَّك؛ فإنما عزُّ العباد على قدْر تذللهم لرب العباد، ومن كان أذلَّ كان أعزَّ وأجلَّ وكان أحسن وأجمل فهذه زينة الخلق، زينة العباد ذلتهم للملك الجواد جل جلاله.
"خَيْرُ أَوْقَاتِكَ وَقْتٌ تَشْهَدُ فِيهِ وُجُودَ فَاقَتِكَ، وَتُرَدُّ فِيهِ إِلَى وُجُودِ ذِلَّتِكَ"، وعند الفاقة تَمْثُل بين يديه محبًّا، فرحًا بقربه، "راضيًا عنه في قضائه" وقدَره وحكمه، "ساكنًا خاضعًا منطرحًا" موقنًا أن الخير فيما اختاره هو لك لا ما تختاره لنفسك، واثقًا بحسن اختياره وتدبيره جل جلاله. هذا من خير الأوقات التي تجد لها شريف الثمرات عند الممات وفي البرزخ والقيامة والجنات. نعيمك في جنته على قدْر تحققك بذلته؛ كلما تحققت بالذلة كنت به أعرف فكنت العبد الأشرف. والمعرفة أعلى لذَّات الجنة، وهي النظر لوجه الله الكريم، يكون ذوقها بحسب المعرفة، والأعرف هو الأذل للحق، وهو الأعز في الخلق، فعزة الخلق منوطة بذلتهم للخالق.
وبهذا تبين أن العزة لله جميعًا، العزة كلها له، ما شيء عزة لأحد غيره إلا من تذلل له أعزَّه هو، فالعزة كلها له جل جلاله وتعالى في علاه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقين:8]، لرسوله؛ لأنه ليس في قلوب الإنس والجن والملائكة أعظم تذللًا للحق من قلب رسوله، فلهذا كانت العزة له مباشرة، فرأس العزة في الخلائق نور الحقائق ﷺ، ثم الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والصديقين على قدْر ذلتهم لله، والمؤمنين، على قدر ذلتهم لله لهم العزة؛ والعزة لله جميعًا، لكن هذا هو يفيضها على من تذلل لعزته، فالعزيز في الحقيقة هو وحده لا إله إلا هو.
نعم، يقول: يجعل الإنسان هذا الحال خارجًا عن ملاءمة طبعه الدنيء، ومطلوباته النفسية، وشهواته الحيوانية؛ فيصير مطهّرًا منوَّرًا مصفًى نقيًّا عن الأكدار، عبدًا ملأته الأنوار. فأوقات الضرورات تخرجهم تمامًا عن الاعتماد على الغير وعن جميع الأغيار، فحينئذٍ يكونون أقرب. أين أجدك يا ربِّ؟ قال بعض الأنبياء، قال له ربنا: "تجدني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي".
لهذا ينبغي لنا في بقية أيام الدورة أن نتعلم الذلة للحق لنظفر بخيرات خواتيمها، والأعمال بخواتيمها، وخواتيم الدورة نفحات كثيرة فيها، وهي أيضًا خواتيم عام من أعوام الهجرة، بينختم العام، والأعمال بخواتيمها، انظر كيف ينختم عامك! من أول العام وكل شيء محصيّ مما نويت وقلت وفعلت وأردت وقصدت، كله محصي عليك، والحين خاتمة العام، وإذا نظر إليك المَلِك العلَّام وجد فيك الخير والإقبال عليه؛ محا ما كان في العام من سيئات ومن ذنوب ومن آثام وأثبت ما كان من خيرات، وسدد خللها وصفَّاها عن غلها وقبلها منك وانختم عامك بخير. تذلَّلْ له يُعزِّك في الدنيا والآخرة، فإن الدنيا له والآخرة له وكلها ملكه وكلها خلقه وكلها حقه، الدنيا ملكه والآخرة ملكه، كلها حق ربك، ما لأحد شيء معه، حاشاه في ذه ولا ذاك! الله أكبر.
إذًا، فاغتنم حسن التذلل بين يدي الله في هذه المجالس الباقية لك، وصلوات الجماعة تحضر الباقية لك، تذلَّلْ أكثر، تُنَوَّر تُطَهَّر يُعزِّك العزيز الأكبر مَن له العزة جميعًا جل جلاله وتعالى في علاه. فهل تسمع! اغنم ما بقي من هذه الأيام والليالي، وتذلَّلْ فيها، تذلَّلْ في قراءتك، تذلَّلْ في صلاتك، تذلَّلْ في حضورك في المجلس، تذلَّلْ في نهارك وليلك له يُعزَّك، والعِزُّ عِزُّ الله جل جلاله. وخير أوقاتك أوقات تذلّلك، تجني ثمرها وجناها عند الموت وما بعد الموت.
فخيرُ أوقات سلَّاك الطريق إلى *** جنابه العالِي السَّامي ذوي الهممِ
أن يشهدوا فيه فاقَتْهم وذلَّتهم *** لديه ذلَّة محتاجٍ إلى الكرمِ
رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"ولم ينفِّرْ عنك الخلق، ويعسِّر عليك الأسباب.. إلا وهو يريد أن يصافيك ويستخلصك من يديها، ويعتقك من رقِّها، ويطلقك من وثاقها، فتكون عبده صدقًا، وطالبه حقًّا؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (101): "مَتَى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ.. فَاعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بَابَ الْأُنْسِ بِهِ."
الوحشة: هي انقباضٌ في القلب يوجد عند مواجهة مبايِنٍ؛ إما في الحسِّ وإما في المعنى، وإذا أوحشك من الأغيار.. فذلك دليلٌ على مباينة قلبك من الأغيار، ورفع الحُجب عنه والأستار، وقد نزلت منازل الأخيار، في حظائر القرب والأنس، وتبوأت فسيح القدس، ومنبع التمتع بالوصال، وباينت الانفصال، وترقيت أعالي المقامات، وسنيّات الأحوال، فلا جرم أن تستوحش من الأغيار، وتهرب من التعثُّر في كثائف الآثار.
وله علامةٌ في النفس وفي الخلق وسائر الأسباب؛ فمن علامات الأنس بالله: الانقطاع إليه، والتعلُّق في جميع الأحوال به، والتولُّه بذكره، والهرب من النفس ودواعيها، وعدم الاعتماد على الأشياء، وسقوطها عن القلب بالكلية، فلا يلتفت إلى محبوبها، ولا يخاف من مكروهها، بل هي عنده في عين عدمها لم تخرج عنه، ولم تبرز منه، فيرى أسبابًا متحركات بتحريك أقضية قدريات، تحت أستار غيبيات، بید قادرٍ مريدٍ لجميع المقضيات، ويرى هذه الأسرار تحت أستار عدميات، حُجب بها مَن حجب، وعبدها مَن عبد، وعرفها مَن عرف، فيستأنس بالوجود الظاهر الذي باشر قلبه، ويستوحش من العدم الذي باينه ولم يجتمع معه؛ إذ الوجود مباين العدم، والنور ينافي الظُّلَم.
والخلق: كل موجودٍ غير الله، سواء كان من الصور الحسية، أو من العجائب الغيبية، فلا تسكن قلوب المشتاقين إلى غيره، ولم تطمئن نفوس المحبين إلى سواه كائنًا ما كان ذلك الغير والسوى.
والأنس مقامٌ من مقامات الوصال، وحالٌ عالٍ من سنيات الأحوال؛ فمن حالة الأنس: ألا يوحشه شيء، وأن يستأنس بوجوده كل شيء، حتى الجماد وسائر الحيوان، فلا تنفرُ منه البهائم والطيور الوحشية، بل تستأنس به وتسكن إليه.
وكان بعض سادتنا العلوية -رضي الله عنهم- يقول: بلغت من الأنس أن لو وُضِعت المنشار على مفرقي وأَنشقُّ نصفين.. لم أحسَّ بذلك، ولو أُلقيت في النار.. لم أجد لذلك ألمًا.
والحكايات في مقام الأنس أكثر من أن تحصر، وكان يروى عن الجنيد -رضي الله عنه- أنه قال: كنت أسمع من السريِّ كلامًا في هذا المعنى وكان في باطني منه شيء، حتى بلغت ذلك، فوجدت الأمر على ما ذكر؛ أي: لو وضع المنشار على مفرقي ما حسستُ به، أو ما هذا معناه، ولي في ذلك:
الأنس بالله حالٌ ما يُقاس به *** حالٌ ولم يعتري صاحبْهُ تغيير
يستوحش الخلق سر لا يقالُ به *** إلا لمن بان عن شاهدْهِ تصويرُ
هذِهْ رموزٌ خفيِّاتٌ يُشار بها *** إلى معانٍ بلا كيفٍ وتقدير
إذا استغنى الإنسان عن الله بوجود الأعيان.. صمتَ عن إطلاق اللسان عن الطلب، وإذا أطلق اللسان، وأيقظ الجَنَان، واستعمل الأركان.. فليعلم العبد أن ذلك دليلٌ على فتح باب العطا، وإقبال عليه بوجه الرضا؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (102): "مَتَى أَطْلَقَ لِسَانَكَ بِالطَّلَبِ.. فَاعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَكَ"
يا خير معطي يا كريم ارزقنا حسن الطلب وصدق الرغب، وهب لنا ما أنت أهله في الدنيا وفي المنقلب، يا رب يا رب يا رب يا رب يا رب.
يقول: "مَتَى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ.. فَاعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بَابَ الْأُنْسِ بِهِ"، أوحشك من خلقه، من غفلاتهم، من غيهم، من ضلالاتهم، من إهمالهم، من كسلهم، من الجلوس على غير فائدة يرجى فيها القرب منه معهم، فاستوحشت من ذلك، استوحشت من فضولهم، كثرة أقاويلهم، فلم تعد تأنس إلى كثير من أخبارهم ولا أحوالهم ولا برامجهم، وترى أن في ذلك إضاعة، وترى أن في ذلك إهدار لكرم الوقت ولقيمة العمر، إذا استوحشت من هذه الأشياء فهي علامة أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به؛ أي: بحقائق قربه التي يتم الوصول إليها بطاعته وكريم مواصلاته -جل جلاله- للمخصوصين من عباده.
وإذا انفتح باب الأنس بهذا أنس في أنس يتجدد لك فيه مختلف الآناء والساعات والأوقات، ما مثله أنس لا بالمطعومات ولا المشروبات ولا المنكوحات ولا الملبوسات ولا المركوبات ولا الأموال ولا.. أنس حقيقي، عاد كرم هذا الأنس أنه متصل بأنس القبر والقيامة، وأنس الآخرة.. متصل، الله أكبر! الأنس بالله جل جلاله.
والمراد بالأنس بالله الأنس بطاعته ونتائجها من قربه ومحبته ومعرفته ومواصلاته من شريف رضوانه عنك. أما هو في حد ذاته لا يشاكله شيء ولا يماثله شيء ولا يشبهه شيء، وما يتأتى، ولكن إذا قالوا الأنس بالله أرادوا به هذا، مفتاحه كما قال الإمام زين العابدين في دعائه: "وآنس وحشتنا بطاعتك، يا مؤنس الفرد الحيران في مهامه القفار"، لا إله إلا الله، آنس وحشتنا بطاعتك. الله يؤنسنا بطاعته، بقربه ومحبته ومعرفته ورضوانه وشريف مواصلاته، أنس وبهاء عجيب عظيم.
"الوحشة: هي انقباضٌ في القلب يوجد عند مواجهة مبايِنٍ"؛ أو مخالف، هذه إذا أوحشك من الأغيار وأوحشك من الفضول والكلام الفارغ حق الناس؛ معناه يريد أن يؤنسك بالحق والحقيقة والصدق والنور والقرب والمحبة. وما دمت متعلقًا بالخلق أنت مع الخلق.
الأنس بالناس من دليل الإفلاس؛ إنك مفلس من ذوق المعرفة والمحبة، ما تأنس إلا بالخلق وما يقولون وبفضولهم وأخبارهم، إن هي أخبار أموال وإن هي أخبار سياسة وإن هي أخبار لعب وكرة وإن هي أخبار.. وراء الخلق بس مشغول... ضيعت عمرك! وأيش يعملون لك هؤلاء؟ ويرقونك إلى فين؟! ويوصلونك إلى أي مقام؟! ويعطونك ماذا؟! الأنس بالله خير لك.
"مَتَى أَوْحَشَكَ مِنْ خَلْقِهِ.. فَاعْلَمْ: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بَابَ الْأُنْسِ بِهِ".
ولما قرب وقت تحمل سيد الأكوان للوحي والإنزال بالإرسال إلى العالمين، حُبِّب إليه الخلاء، استوحش الخلق وصار يأنس بغار حراء، يذهب إلى غار حراء يأنس بربه وعبادة ربه وذكر ربه، واختار محل بعيد من الناس يصعب الوصول إليه، وتشاهَد منه الكعبة في كَوَّة في رأس الغار، يشاهَد منها البيت الحرام، حتى صار قريش يقولون: إن محمدًا عشق ربه، إن محمدًا عشق ربه ﷺ! ومَن أعظم محبة وعشق لله من رسول الله ﷺ. فجاءه بعد ذلك الوحي في غار حراء، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله.
وهكذا ينفتح باب الأنس بالقراءة والذكر والحضور مع الحق جل جلاله وتعالى في علاه، لكل مقبِل بصدق مع الله -تبارك وتعالى- فينقطع إلى الحق، قال الله لحبيبه: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [المزمل:8]، انقطع إليه انقطاعًا من كل شيء. (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [الزمر:36]، بلى، جل جلاله.
فيهرب "من النفس ودواعيها"، ويهرب "من الاعتماد على الأشياء" والالتفات إلى مقتضيات النفس وشهواتها وأهوائها، فما عاد يستأنس بشيء من ذلك، لا إله إلا الله. وكل موجود "من الصور الحسية أو العجائب الغيبية" فهي من الخلق غير الله، لا يسكن قلب المشتاق إلى ربه إلى شيء منها، لا إله إلا الله! فيأتيه الحال الطيب، حال الأنس بالله تبارك وتعالى.
وذكر عن بعض العارفين من هذه الطائفة في هذا الوادي أنه يقول: "بلغت من الأنس أن لو وُضِعت المنشار على مفرقي وأَنشقُّ نصفين.. لم أحسَّ بذلك، ولو أُلقيت في النار.. لم أجد لذلك ألمًا"، من شدة ما نازلت لذة الأنس جسمي وقلبي، قلبي وجسمي خلاص ما عاد يستوحش من شيء، عجيب هذا!
ونقله عن الجنيد بن محمد عن خاله السَريّ، قال: كان يسمع من خاله كلام في الأنس قال كنت أتعجب منه في باطني، فلما بلغتُ ذلك المقام وجدت كما يقول خالي وزيادة، هو هو نفسه هو كذلك، لا إله إلا الله.
فالله لا يحرمنا خير هذا الأنس بقربه وطاعته.
لهذا يقول الإمام علي الحبشي:
ليلة الأنس ما شي مثلها في الليالي *** ظفرت أرواحنا فيها بمشروب حالي
وارتقت في العلا معراج ما اطوله عالي *** عندي أنه ذكرت الله مولى الموالي
الله الله! لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. قال سيدنا الإمام أبو بكر العدني بن عبد الله العيدروس:
آنستُ أنس الأنس *** في مهرجان القدس
وأفنيت هيكل نفسي *** وقالبي وحسّي
وزال وهم اللبس *** وحندسات الحدس
بالبارق النوراني *** والوارد الرباني
وأيش هذا العطاء؟ قال:
هذا مقام الوَهْب *** لا يرتقي بالكسب
وليس هذا سربي *** لكنني به أنبي
عن حال أهل القرب *** نعم وإن شاء ربي
كمثلهم أعطاني *** فهو العظيم الشانِ
يا عظيم الشان يا عظيم العطاء أعطنا من هذه العطايا.
ومن كرمه أن أوقفنا وإياكم على أبوابها وفي رحابها، فإذا صدقنا في طلبها آتانا منها ما هو أهله، لا إله إلا الله! فاصدقوا واسهروا في هذه الليالي الطوال، واجزلوا في السؤال.
الله يكرمنا بالأنس به بقربه ومحبته ومعرفته وكريم مواصلته، لا تحرمنا هذه المنن يا رب في هذه الحياة حتى نتهيأ لأعلى مرافقة بعدها لأصفيائك وأنبيائك والمقربين إليك من الصِدِّيقين والشهداء والصالحين، وسيدهم خاتم النبيين المصطفى محمد ﷺ، شرِّف عيون كل الحاضرين يا ربي والسامعين لنا بالنظر إلى طلعته الغراء ووجهه الأزهر وجبينه الأنور، وتولّنا به في الدنيا والبرزخ والمحشر، واجعلنا نستقر به في أعلى مستقر وأنت راضٍ عنا يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، بوجاهته عندك ومنزلته لديك يا أرحم الراحمين.
أكرمنا بجمع الشمل بهذا الحبيب ﷺ وجد ومُن علينا بالتقريب، ووفر لنا منه الحظ والنصيب، وارفعنا به إلى أعلى مراتب التقريب، ويقِينا الأسواء والأدواء وكل بلوى، ويصلح لنا السر والنجوى، ويغمرنا بفائضات الجود، ويسعدنا بأعلى السعود، يصلح شؤوننا بما أصلح به شؤون الصالحين أهل اليقين والتمكين، ويفرج كروبنا وكروب المسلمين أجمعين، وينظمنا في سلك الحبيب الأمين، ويعيذنا من كل سوء أحاط به علمه في الدارين، ويحلّينا بكل زين، ويخلينا عن كل شين، ويبارك لنا في خواتيم هذا العام وخواتيم هذه الدورة، ويجعل لنا فيها نظرة ويجعل لنا فيها عناية ويجعل لنا فيها رعاية ويجعل لنا فيها توفيق كامل تام، ويبلغنا المرام فوق المرام ويرفعنا إلى أعلى مقام في خير ولطف وجود وعطف وصلاح لأحوالنا وأحوال الأمة أجمعين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
21 ذو الحِجّة 1442