الحِكَم العطائية - 61 | معصيةٌ أورَثت ذلًّا وافتقارًا.. خيرٌ من طاعةٍ أورثت عِزًّا واستكبارًا
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الإثنين 16 ذي الحجة 1442هـ.
الحكمة (96): "مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَافْتِقَارًا.. خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا"
الحكمة (97): "نِعْمَتَانِ مَا خَرَجَ مَوْجُودٌ عَنْهُمَا، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُكَوَّنٍ مِنْهُمَا: نِعْمَةُ الْإِيجَادِ، وَنِعْمَةُ الْإِمْدَادِ"
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
الحكمة (96): "مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَافْتِقَارًا.. خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا"
هذه زيادة بيان لما أسلفه، "مَعْصِيَةٌ" جرت، وقضيةٌ حكمت، وهفوةٌ سبقت، ثم صحِبها الندم والانكسار، والذلة والافتقار، واستصغار النفس؛ فمعصيةٌ أعقبت هذه الأحوال، وأثمرت هذه الآداب، وأقامت صاحبها على جادة العبودية التي هي سلُّمٌ إلىٰ تحقيق كمال الربوبية.. "خَيْرٌ" بلا شك ولا ريب من طاعةٍ باينت هذه الأخلاق، ونازعت في أوصافِ الخلَّاق؛ وهي العزة والاستكبار، فإذا صحبت الطاعة ذلك.. فلا شك أن معصية أثمرت لك صِرْفَ العبودية خيرٌ من طاعة نازعتَ بها أوصاف الربوبية.
وكان ذوو البصائر الناظرون إلىٰ ما منَّ الله من الفضل يكرمون الخلق على قدر ما هم عليه من الانكسار والذلة والافتقار؛ فقد يأتي عاصٍ منكسر، وناظر إلى الله بالحياء منه، والخوف، والخشية، وتعظيم جنابه، ومقت نفسه، واحترام غيره ممن لا يكون على مثل حاله، فيكونون معه كما يكون الله له، فتزيد له الرحمة عندهم، ويُضعَف له الكرامة، ويأتي غيره على غير هذه الأخلاق، فيكونون عليه كما يكون الله عليه بالمقت والإهانة؛ لرؤية نفسه دون الله، ويرى أن له عند الله المنزلة بما هو عليه من الطاعة، ولا يرى لغيره ما يوجب له الرحمة، فيعامل هو بذلك.
فإذا أتى هذا المنكسر على مثل هذه الحالة.. نظر الله إليه بالمغفرة والرحمة؛ لما هو عليه من اضطرار الحال، وهو يجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وقد يأتي المطيع بالضد من ذلك؛ العز، والصولة، والتكبر، وازدراء عباد الله، وتعظيم ما هو عليه، واعتماده عليه دون فضل الله، فيمقت ويُبعد؛ كما يروى في مثل ذلك المعنى في عابد بني إسرائيل وخليعهم، حيث جلس الخليع إلى جنب العابد وهو متشفع به إلى الله، ومحترم لجنابه، ومعظم لشأنه، ومحتقر لنفسه وماقِتها، والعابد معظم لنفسه، ومستصغر للخليع، ومترفع عنه، وعلى رأس العابد غمامة تظله، فحولت الغمامة على رأس الخليع، ومقت العابد على رؤيته أنه عند الله بمحلٍ رفيع؛ لما هو عليه من العبادة . نعوذ بالله من سوء القدر.
هذا إذا صحب المعصية الندم والرجوع وعدم الإصرار، وكانت منه على غير معاندة، وأما أنه يرتكب المعاصي، ويطلب التقرُّب.. فلا بقول بذٰلك قائل، والطاعة أيضًا إذا صحبها العز والاستكبار المناقضة لها، والمباينة لحكمتها التي لها أُقيمت، ومن أجلها طلبت، وإلا … فالطاعة لا يقول عاقل: إنها تكون دون المعصية، أو إن صاحبها يهان، بل هي التي بها الزلفىٰ والكرامة دنيا وأخرى، وتعظيم أهلها من أجلِّ القربات، وإهانة أهل المعاصي المقيمين عليها، والمصرين المتهورين في معاصي الله كذلك من أعظم الرتب.
فالود والحب لأهل الطاعة من صريح الإيمان، والبغض والمنابذة لأهل المعاصي والطغيان دليل على كمال الإيقان؛ لقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة:22]، وقال في وصف أهل الإيمان: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح:29]، وقال فيهم أيضًا: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) [الحشر:9].
فينبغي لمريد سلوك الإرادة أن يتحرى أخلَّاء الصدق والوفاء، ويجانب أهل الخيانة والجفاء؛ فإن مؤانسة أهل الغفلة ظلمة، ومباينة أهل الصدق وحشة وغمة، فإياك ثم إياك والركون إلى الفساق، والفرار من أهل الحق وأهل التفرُّد والإشفاق؛ فإن ذلك من الغرور، وما ذكر ذلك إلا لئلا يركن مريد إلى نفسه وما يصدر عنه، فيكون محجوبًا بفعله ومبعودًا، فلا يظن أن المقصود بذلك نفس الطاعة والمعصية، ولكن الممدوح: ما يصدر من الأخلاق السَّنِيَّة، والمذموم: ما يظهر من الأحوال المذمومة والأخلاق الملومة، ولي في ذلك:
فالطاعة إن كان يصحبها ويصحب من *** قامت به فعل مذموم هي العطب
ومعصية أورثت ذلًّا ومسكنة *** كانت لصاحبها من جملة القرب
فلا تكن تنظر الأشيا بصورتها *** وانظر لما تثمره من خالص الأدب"
الحمد لله الملك الإله الكريم الحق الجواد، الناظر إلى القلب والفؤاد، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، يحكم بين عباده في يوم المعاد، فلا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم؛ ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أنقى الخلائق قلبًا، وأصفاهم باطنًا وجيبًا، وأعلاهم مع الحق أدبًا، وأرفعهم عند الإله رتبًا، اللهم صل وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه النجباء، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم وضع الميزان، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رفعت لهم القدر والشأن والمكان، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين وعبادك الصالحين أجمعين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا كريم يا منان.
أما بعد،
فإن الشيخ -عليه رحمة الله- يواصل في ذكر الحكم، أن العلي الحكم ينظر إلى ما يستقر في قلب عبده من موجب ثناءٍ وذم، ومن حقيقة خير وشر، ومن حقيقة صلاح وفساد، وأنه قد يصدر من الجوارح أعمال صالحات تقترن بسيئات قلبية ومعاصي باطنية، فلا تفي تلك الصور من طاعات الجوارح بخَبَثِ وظلمة معاصي القلب التي حلّت في قلب ذلك الذي تظاهر بالطاعة؛ وقنع منها بصورتها وبمظهرها، وظن أن الله ينظر إلى الظواهر وإلى الصور، وهو أكبر من ذٰلك جل جلاله؛ إنما يرقب القلوب، ولهذه الحكمة جعل: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:256]، وقال: (إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء:4]؛ ولكن لا يريد الأعناق لكن يريد القلوب؛ يريد القلوب التي تخضع لا مجرد الأعناق تحت القسر، فالكل خاضع له جل جلاله شاء أم أبى، وإن عاند وإن كابر، ولكن يُحب من العباد قلوبهم أن تكون خاضعة خاشعة منيبة طائعة.
إذًا؛ فالحذر من الاغترار بظواهر الأعمال، ولِتنبه من بواطن الأحوال، وما يستقر في القلوب من الصفات والأخلاق فإنها محل نظر الخلّاق جل جلاله وتعالى في علاه، هذه الحقيقة لا تخالف ولا تناقض ولا تدفع أن الطاعات -مطلق الطاعات- هي مجال التقرب إلى رب البريات، وأن أصحابها يجب أن يُوالَوا من أجل الله تبارك وتعالى، وأن المعاصي هي أسباب البُعد عن الحق وأسباب العذاب والبلاء في الدنيا والآخرة، وأن أصحابها يجب أن تبغض معاصيهم تلك من أجل الله تبارك وتعالى، هذه حقيقة وهذه حقيقة لا تُناقِض إحداهما الأخرى، ولكن بالجمع بينهما تستفيد حُسن حذرك ووعيك وفهمك من شر نفسك وإبليس القائم لك بالمرصاد.
فلا تغتر بصور ما يصدر منك من الأعمال الصالحة، وتطالب نفسك بحقيقتها في المغرِس وهو القلب؛ حقيقة الصلاة في القلب، حقيقة الصوم في القلب، حقيقة الزكاة في القلب، حقيقة قراءة القرآن في القلب؛ ما حقيقتها في القلب؟ تطالب نفسك بالحقيقة ولا تقنع بالصورة، ولا يغرك الشيطان.
وتستفيد أيضًا من ذلك كسب رضا الرحمن إذ يراك تعتني بما ينظر إليه، فأنت بذلك تقصد وجهه، فتتخلص من قصد عباده في شيء من عبادته، فلا يكون لك في عبادة مقصود إلا المعبود وحده جل جلاله وتعالى في علاه، تستفيد فوائد وتكسب محامد، بعد ذلك لك التنبيه والتحذير على وجه الرحمة والرأفة للخلق، وليس لك القطع بغير بينة أن تقطع على أحد أن هذا في قلبه كذا أو في قلبه كذا.
وإن وجدت في وصف القوم أنهم يتخلّقون بأخلاق الله جل جلاله، وأنهم قد يُعرِضون عن بعض من له مظهر طاعة ولكن قد بدا عليه من أمراض القلوب وعصيانها أمرٌ شنيع، وكما أن الحق سبحانه وتعالى يعرض عن ذلك؛ فهم أيضًا يعرضون عنه، ذلك بمقياس وأساس ليس لكل الناس، ومع ذلك فمُهمتهم مع الغير التنبيه والتوجيه مهما قدروا للإنقاذ وللإِصلاح، وبعد ذلك هم أمامهم القدوة الأعظم ﷺ وقد التف حوله منافقون، فقبل ظواهرهم ووكل سرائرهم إلى الله.
مع أن الله يقول له: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد:30]، ومع ذلك وقد أطلعه على الكثير منهم لم يطرد أحدا منهم؛ بل جاء إليه من المنافقين من تابوا عن هذا، وشكا إلى رسوله ﷺ نفسه قال: يا رسول الله إن هذا الإسلام لمن هاهنا -وأشار إلى لسانه- وليس شيء هاهنا -وأشار إلى قلبه- وقد كنتُ مع قوم على كذا، فبين له ﷺ ودعا له واستغفر، قال: يا رسول الله ألا آتي لك بالقوم الذين كنت أنا وإياهم في مسلك النفاق؟ قال: "لَا، مَنْ جَاءَنَا كَمَا جِئْتَنَا اسْتَغْفَرْنَا لَهُ كَمَا اسْتَغْفَرْنَا لَكَ"، أحد منهم بيتوب ويرجع إلى الله؛ يجي ونستغفر له كما استغفرنا لك، ومن لا؛ فليس عليّ حسابه- الله أكبر- يحاسبهم أحد غيري ﷺ؛ فهذا بعيد عن مسلك الذي يريد لنفسه محاسبة عباده كأنه ربهم، اغترارًا بشيء من كلمات تلقّفها أو خواطر خطرت عليه ونسي مكان العبودية والأدب، فكان هذا هو الشأن لهؤلاء القوم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
ويقول: "مَعْصِيَةٌ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَافْتِقَارًا" زلةٌ حصلت، منها هفوات الجوارح، فتبِعَها ذِلة وانكسار وهذه التوبة الخالصة الصادقة، وفوق التوبة تذلل وانكسار يكون الحق به مع المنكسِر، ويكون سببًا لرضوانه، فهذه؛ صاحبها هذا، بقلبه هذا أطيب وأقرب إلى الله وأرفع وأحسن حالًا ممن تصدر صور طاعات من جوارحه يصحبها من القلب بكبرٍ وعجب وغرور وحسد، معاصي كبيرة! بل منازعة في صفات الربوبية: "عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا" ولله العزة سبحانه وتعالى على الحقيقة والكمال والتمام بالاستقلال، ولرسوله بإفاضته عليه العزة، وإلا لم يكن موجودًا ﷺ، وابتدأ الله الوجود بخلق نوره، فأفاضت عليه العزة من قبل الحق العزيز، ثم فاضت على المؤمنين بحسب قربهم من هذا النبي ﷺ.
وليس في سوى ذلك عز قطٌ قطٌ قطٌ قط على الحقيقة من كل وجه وبكل معنى وعلى أي حال وبكل مقدار، إلا ما كان من وهم وخيال يعيش فيه أهل الضلال، ثم حالهم كما ذكر الكبير المتعال: (كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور:39]. فاخرج من هذا الوهم والخيال، واستمسك بحبل الله على قويم الاتصال، مقتديًا بجامع صفات الكمال عبد الله الذي خصه الله بأعلى النوال محمد ﷺ.
لذا تجد كثير من أهل الله لهم أحوال ملاطفة وإكرام لأهل الانكسار، ما تجدها منهم مع كثير من الذين ظواهرهم عبادة وقلوبهم غير منكسرة. وهكذا إنما بعد هؤلاء لمعصية قلوبهم.
- ولا توزن طاعة جارحة بطاعة قلب إلا كانت طاعة القلب أعظم.
- ولا معصية جارحة بمعصية قلب إلا كانت معصية القلب أعظم.
إذًا؛ فطاعات القلوب أهم وأعظم وأكرم، ومعاصي القلوب أشد وأخبث من معاصي الجوارح، لذا صاحب الندامة والتذلل والانكسار قريب من فضل الله.
وكما سمعتم ما ذكر في بني إسرائيل من العابد والخليع، حتى اشتهر هذا بأنه عابد بني إسرائيل من كثرة عباداته، واشتهر هذا في أوساط المجتمع أنه خليع بني إسرائيل، وفي يوم من الأيام لقي الخليع هذا العابد مقبلًا، فأطاع الخليع ربه بقلبه، وعصى العابد ربه بقلبه؛ أما الخليع فقال: هذا عبد صالح وأنا مسرف على نفسي، أقرب منه عسى أن يرحمني الله به وأن تعود عليّ بركته؛ فدنا منه فاشمأزت نفس ذلك العابد وعصى قلبه فاستكبر وقال: ما لك ولي؟ أنت خليع بني إسرائيل وأنا عابد بني إسرائيل، فلماذا تمشي معي، اذهب! فزاد انكساره، فزادت طاعة قلبه، فذهب مكسور الخاطر، فأوحى الله إلى نبيهم في ذاك الزمان: قل لفلان العابد أني قد أحبطت جميع عمله السابق من العبادات، ما عاد بقي له شيء عندي بهذا الاستكبار والعجب الذي حصل منه، وقل لذلك الخليع أني قد غفرت جميع ما مضى من ذنوبه بهذا الانكسار، فقل لهما فليستأنفا عملهما، الآن هم سواء من جديد، هذا لا معصية عليه، وهذا لا طاعة عنده، يبدأون من جديد؛ بسم الله، إن ينقذ نفسه من هذا العجب ويتوب يبدأ من جديد، أما الماضي كله ولا عاد حسنة بقيت؛ قد مُحيت وهُدِّمت وانتهت بهذه اللحظة التي تكبر فيها واستعلى، نعوذ بالله من غضب الله، ونسأل الله كمال حسن الأدب، وأن يرزقنا حسن الأدب .
فإذا كان الأمر هكذا؛ فما ترى في قوم يصدقون مع الحق جل جلاله، يتقربون بأنواع العبادات وينكسرون؟ يصبحون منكسرين مثل العصاة، وأشد انكسارًا من العصاة؛ أيش حالهم هؤلاء؟! هؤلاء، هؤلاء هم محل نظر رب الأرض والسماء، هم محل الإكرام! يمسي في عبادة ويصبح منكسر قلبه أشد من انكسار قلب العاصي، وإذا كان الأمر كذلك فما الظن أيضًا بمن ينطلق في المعاصي ثم يستكبر ويستعلى ويستعز بها؟! يبيت في معصية ثم يصبح متعالي ومتكبر على غيره من الطائعين، هذا أبعد وأفحش حاله مع الله تبارك وتعالى وأوقع في غضب الله وسخطه نعوذ بالله.
فالسباق السباق؛ أن تطيعه وتعبده وينكسر قلبك من أجله، هذه مفاتيح أبواب فضله؛ الذي لا حد له ولا غاية ولا آخر ولا نهاية (ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ) [الجمعة:4]، كلما أكثروا صلاة أكثروا انكسار وخضوع وتذلل، كلما أكثروا قراءة كثر انكسارهم وخضوعهم وتذللهم، كلما أكثروا صوم؛ كلما أكثروا صدقة؛ كلما أكثروا قيام في الليل؛ كلما أكثروا تعليم لعباد الله تبارك وتعالى ونشر لدينه؛ كلما جاهدوا في سبيل الله؛ انكسروا أكثر وتذللوا أكثر هؤلاء صفوة ربك؛ هؤلاء الصادقون الذين عرفوا عبوديتهم وعرفوا من ربوبيته تبارك وتعالى ما به ينالون ذرى السعادة، الله يلحقنا بهم ويعيد بركاتهم علينا إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
مرة صالح عابد قانت في آخر النهار كان صائم، وإذا واحد يتبرع بسقي الناس، قال: غفر الله لمن شرب من هذا الماء؛ تناول الصالح الإناء من يده وشرب، قالوا له صائم طول اليوم والأن آخر النهار؟! قال: دعوة هذا أرجى لي من عملي، دعوة هذا بالمغفرة لي أرجى لي عند الله من عملي، هذا دعا بالمغفرة لمن يشرب من هذا فأنا أغتنم دعوة هذا، لو كان هذا جاهل أو طاعته على غير وجهه، بيقول: هو يجي يطلب الدعاء مني؛ أنا من شان دعوته بفطر؟! هو خله يجي يطلب الدعوة مني! لكن هذا ما عنده جهالة ولا عنده غفلة ولا عنده ضلالة، عنده عبادة عبادة؛ طاعة، قلب عابد طائع متقي، رجى في دعوة هذا له أعظم مما رجى في عمله؛ لما يشهد أن في عمله تقصير وأن في عمله دخل؛ وفي عمله دسائس.
قال سيد الوجود ﷺ لسيدنا عمر لما استأذنه أن يذهب إلى البيت الحرام ليعتكف ليلة؛ فإنه نذر في أيام الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام ولم يفي بنذره بعد، قال: فأذن لي، وقال لي: "لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ من دعائِك"، "لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ من دعائِك"؛ من يكون سيدنا عمر عند الحبيب ﷺ الذي أنقذه من الشرك والكفر؟! والذي بسببه وقع عمر، كان يعبد الأصنام، وسيد الأنام يقول له: "لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ من دعائِك"، فيجي الغافل يتطاول ويقول: إن الذين أسلموا في عهد النبي ﷺ كانوا يعبدون الأصنام، وأنا ما عبدت صنم! قل له: الذي أُنزل عليه القرآن يقول لهم: لا تنسونا من دعائكم يا قليل الأدب، فمن أنت وما تكون عندهم؟ "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ"؛ صلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأهل حضرة اقترابه من أحبابه، وجعل الله طاعاتنا مقبولة عنده قائمة على الوجه المرضي له.
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"ولما كان العبد مطلوبًا بالعبودية لله تعالى على الدوام، والقيام له على اللزام؛ لدوام إنعامه، وتوالي إحسانه.. عرفك بأنك لا تخلو عن نعمة نَفَساً؛ فمن جملة تلك النعم: ما قاله المؤلف رضي الله عنه؛ حيث قال:
الحكمة (97): "نِعْمَتَانِ مَا خَرَجَ مَوْجُودٌ عَنْهُمَا، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُكَوَّنٍ مِنْهُمَا: نِعْمَةُ الْإِيجَادِ، وَنِعْمَةُ الْإِمْدَادِ"
النعمة: هي ما يحمد عاقبتها وإن كانت غير ملائمة لطبع البشر من حيث مطلق اسم النعمة، والذي يستحق عليه الشكر: هو المستلذُ طبعًا، ولا ألذَّ من الوجود؛ إذ به تدرك سائر الملاذُّ الحسية والمعنوية، والعدم: لا يوصف بلذَّةٍ ولا بألم، ونعمة الوجود: هي التي أبرزت الموجود من العدم السابق، ونعمة المدد: هي التي يحفظ بها من العدم اللاحق.
والمُمِدُّ لهٰذه النعم وغيرها مما يعجز عن حسبانها ولا تقف قرائح العقول إلى الوصول على عد أصنافها.. هو الله سبحانه وله الحمد.
فلو كان فيما كان.. فلا انفكاك له عن هاتين النعمتين العظيمتين، والمِنَّتين الجليلتين، ولكن نعمةٌ مستمرةٌ غير منقطعة؛ وهي التي تستحق بأن تسمى نعمة حقيقة، ونعمةٌ منقطعةٌ منقضيةٌ معقوبة: إما بالعدم، وإما بوجود الألم؛ فمن هذا التقسيم تعرف النعمة من اللذة الاستدراجية.
وهذا قدمه ليبين افتقار الكل إليه ابتداءً ودوامًا؛ فلا غنى عنه لشيء، وانفراده بالغنى المطلق دون الأشياء، فكل ما توجه إليه التكوين.. فله هاتان النعمتان، ونبَّة عليهما؛ لأنهما أكثر ما يغْفُل عنهما الجُّهال، فلذلك تراه يتقلَّب في نِعَم الله وهو لا يشعر بكونه في نعمة، ولو خُلِّيَ عنه المدد الإلهي، والقيام الرحموتي، واللطف الرباني.. لاضمحل ولا نعدم.
فكم من الله أمداد يجود بها *** على الوجود بفيض الفضل والكرم
فنعمة الله ما برحت يجود بها *** على البرية في الأشباح والنسم
فنعمة الإيجاد هي الأصل، وهي التي قبلت الإمداد؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (98): "أَنْعَمَ عَلَيْكَ أَوَّلًا بِالْإِيجَادِ، وَثَانِيًا بِتَوَالِي الْإِمْدَادِ"
أنعم وتفضَّل ومنَّ وتطَّول بالإيجاد قبل أن تكون شيئًا مذكورًا، بل كنت نسيًا منسيًا، لم تكن أهلًا لإيراد مدد، ولا لجزيل عدد".
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله.
يقول: "نِعْمَتَانِ مَا خَرَجَ مَوْجُودٌ عَنْهُمَا، وَلَا بُدَّ لِكُلِّ مُكَوَّنٍ مِنْهُمَا"، قال تعالى: (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) [لقمان:20]، يريك طرفًا من سر ألوهية الرحمن وربوبيته للكائنات كلها، أنَّ كل ذرة من ذرات هذا الوجود والكون: ملائكة وإنس وجن ونباتات وجمادات وحيوانات؛ كلها كانت عدم.
- فأول نعمة: أخرجها من اللاشيء وهو العدم فأوجدها، ما شي موجود يخرج عن هذه النعمة، هو مُنعَم عليها كائنًا من كان، قريب، بعيد، صغير، كبير، مسلم، كافر، كان معدوم أصلًا، ما شي له وجود فأوجده هو، نعمة الإيجاد؛ جميع الوجود كان عدمًا ولا شيء أقل وأتفه وأسقط من العدم فأوجدك، أخرجك من ظلمة العدم إلى نورانية الوجود، لا إله إلا الله، هذا أول ما يشترك فيه جميع الخلائق من النعم؛ نعمة الإيجاد.
- وبعد ذلك؛ بعدما أوجد كل كائن، تابع تبارك وتعالى تصويره وتسييره فأمده بأنواع من النعم حتى كان على الهيئة ودام له الوجود إلى حين، مُمَدًّا في خلال هذا الوجود من أسرار التكوين والتعيين والتلوين والتمكين لأهل التمكين، والتصوير والتغيير والتأثير بنِعَم لا يمكن ضبطها ولا إحصاؤها؛ لكل ذرة من ذرات الوجود، في هيئته وفي لونه وفي شكله وفي استقامته وفي هدايته لمصالحه من أنواع الحيوانات ثم بقية الكائنات، وقال: "والمُمِدُّ لهٰذه النعم وغيرها مما يعجز عن حسبانها ولا تقف قرائح العقول إلى الوصول على عد أصنافها.. هو الله"، (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53].
اللهم ما أمسى بنا من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر على ذلك.
"فلا انفكاك له عن هاتين النعمتين العظيمتين، والمِنَّتين الجليلتين".
"نعمة المدد: هي التي يحفظ بها من العدم اللاحق"، وفي خلال هذه الفترة التي يقيمك فيها موجودًا، ييسر لك ما تحتاج إليه وما يقوم به شأنك وحالك؛ فسبحانه من منعم كريم ورب عظيم يجب حمده على كل شيء، يجب حمده سبحانه وتعالى على كل مخلوق، (وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الزمر:75]، (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [الروم:18]، لا إله إلا هو، وله الحمد في الآخرة، وله الحمد في الأولى، فنعم الواحد المنعم الموجد المُمِد، لا إله إلا هو.
"فكم من الله أمداد يجود بها *** على الوجود بفيض الفضل والكرم
فنعمة الله ما برحت يجود بها *** على البرية في الأشباح والنسم"
اللهم لك الحمد.
لو أردنا أن نفكر في نعمة إصبع واحد من أصابعك، وكيفية تكوينه، وما فيه من عروق، وما فيه من لحم وعظم وعصب وشعر وأنامل، وكلها مضبوط مربوط مرتب قائم على وجهه تمامًا، تتم به كمال الاستفادة، أصبع واحد، نصف أصبع، أنملة من أصبع؛ فيها من أنواع النعم حتى يستمر من حين كوَّنَني وأنملة هذه الأصبع تستمد نصيبها من الدم الذي هو من الغذاء، والغذاء من عنده، وما في يوم من الأيام فيه انقطاع عليها -الأنملة ذي- بتضمر بتتغير بتنتن؟! أبدًا مستمر لها من طرف الإصبع إلى آخره، وهو مستمر على طول من يوم خلقنا هو مستمر له تسيير مايحتاج له من جريان الدم والتغذية.
وبقية الأطراف كلها حتى الأظافر يمدها! بمعنى أيش اللي بيطولها هذه، انظر أنت عندك مزرعة، معك مزارع تمشي بجسدك، معك مزارع! أظافر تطول وشعر يطول، من وين يجي؟ وأيش اللي وسطها -داخل عندي- وسط الأصبع من مادة الأظافر ما يطول هذا الأظفر لي؟! طيب إيش اللي وسط خدي من داخل وفمي مادة شعر مشان يطول شعري؟! أيش اللي وسط الشفة داخل؟ مادة شَعرية يطول الشعر ذا اللي فوق، لا إله إلا الله!..
والأرضية حق الرأس حقك، إيش البذر حق الشعر اللي فيها هذه؟ كلما حلقته يطول ويرجع! من أين يجي؟! إمداد، إمداد من الجواد جل جلاله وتعالى في علاه.
وخُذ لك لا تستطيع إحصاء النعم التي في سن من أسنانك؛ ولا في ظفر من أظفارك؛ والشعرة الواحدة من شعرك؛ بعدين اكتشفوا أنها ست قصبات والقصبة الأخيرة مفتوحة يمر عبرها الأكسجين ويمر عبرها العرق، لا إله إلا الله! جلَّ الخلاق سبحانه وتعالى! (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) [النحل:18].
فما حق من أنعم بهذه النعم؟ كيف نعامله؟ وتجي لنا أيام أعياد وننسى الإمداد والمتفضل الجواد ونغفل ونهمل وننظر ما يدعون إليه الغافلون والفاسقون ونروح معهم، أيليق هذا؟! وهو المنعم عليك بكل هذا، والمتفضل عليك بكل هذا، وأكبر مما تخيلنا وما يمكن أن نتخيل هو منعم به، فأتمم نعمتك علينا في الدارين يا أرحم الراحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 ذو الحِجّة 1442