الحِكَم العطائية - 55 | الأكوان ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ، وَبَاطِنُهَا عِبْرَةٌ

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -55- من قوله: (الأكوان ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ , وَبَاطِنُهَا عِبْرَةٌ ..)
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر السبت 30 ذي القعدة 1442هـ.

تتمة شرح الحكمة (85): "الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ، وَبَاطِنُهَا عِبْرَةٌ؛ فَالنَّفْسُ تَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِ غِرَّتِهَا، وَالْقَلْبُ يَنْظُرُ إِلَى بَاطِنِ عِبْرَتِهَا"

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم"  إلى أن قال:

"وَبَاطِنُهَا عِبْرَةٌ" يعتبر بها ذوو البصائر، فيرون فناءَها في حال وجودها رؤية كشف وبصيرة، وحجة منيرة، بتحقيق قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88]، ووجهه في كل شيء سرُّ وجوده في الأشياء، فيعتبر أولو القلوب بما هي عليه من الانعدام في حال وجودها عاريةٌ عن وجه الحق، فلا يكونون مع الأكوان، بل مع مكوِّنها، فيرون وجود الحق في كل قطرة، فيكونون مع الأكوان ظاهرًا، ومع الحق باطنًا، فإن خاطبوا.. فمعه، وإن نظروا.. فإليه، وإن سمعوا.. فعنه، فتخاطبهم الأسرار الحقية، من وراء كشف الأستار الخلقية؛ كما يُروى في مثل هذا المعنى عن معروف الكرخي -رضي الله عنه- حيث قال: لي نحوٌ من عشرين سنة أخاطب الحق والخلق يظنون أني أخاطبُهم، أو كما قال." 

هذا للعارفين ومشهد المحققين. وأما الأبرار والمريدون وعامة السالكين… فعبرتها أن يروا تغيُر أحوالها، وسرعة انتقالها، وكثرة عنائها، وقلة غنائها، وخسة شركائها، فيكسوهم العزوف عنها والتنزّه منها، فمتى دعت إليها النفس بظاهر غِرّتها.. صرفهم عنها القلبُ بباطن عبرتها.

 فسبحان من أوصل قوما بما قطع به آخرين، فعبرة المريدين بالقلوب بأن ينظروا إليها بالاستحقار، والتجافي والاستصغار، وعبرة الأسرار للعارفين بأن يشاهدوا وجود موجدها عند رؤيتها، فهم الذين يوفون الحقوق ويكملون في الآداب، ولا يذمون شيئا ولا يستصغرونه ولا يحقرونه، روي: أن رسول الله ﷺ  ما ذم طعاما ولا استحقَّر عطاءً، ولا جفا بل وفىٰ وعفا؛ وذلك لما أعطاه المشهد الحقِّي في المظهر الخلقِّي. 

وبالجملة فالعبرة: شأن ذوي البصائر، والعبرة: هي العبور من الصور إلى المعاني، فما من صورة خلقية إلا وهي تشير إلى لطيفة حقية؛ فمظاهر التركيب مشيرة إلى حقائق الترتيب. ولي في ذلك:

إن الشهود يريك الحق موجودا *** في كل مظهر في الأكوان والصور

فالسر خاطب من له السر موجود *** في الحقيقة ما يخفى ذوي العبر"

 

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله.

 يشرح سيدنا الشيخ علي باراس عبارة الحكمة لابن عطاء الله: "الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ، وَبَاطِنُهَا عِبْرَةٌ؛ فَالنَّفْسُ تَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِ غِرّتِهَا، وَالْقَلْبُ يَنْظُرُ إِلَى بَاطِنِ عِبْرَتِهَا" فظاهرها غرة وبها اغتر الأكثرون، وهلك الهالكون من إنس وجن قديمًا وحديثًا في زمننا وقبل زمننا وبعد زمننا سيهلك كثير بها، وبالاغترار بها، وبتعظيمها، وبالركون إليها (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس:7-8]. ويقول جل جلاله: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، تبغى تحليل أدق من تحليل ربك؟ (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُون) [هود:15-16]. (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء:18-19] 

يقول: "الْأَكْوَانُ ظَاهِرُهَا غِرَّةٌ"، واغتر بها الأكثر؛ كفار وغافلون من المؤمنين الجهال اغتروا بالدنيا، ورأوا أنها شيء وليست بشيء، بل رأوها كل شيء!

وازهد بقلبك في الدار التي فتنت *** طوائفًا فرأوها غاية الطلب

طوائفًا.. ما هي طائفة!

تنافسوها وأعطوها قوالبهم *** مع القلوب، …..

كله؛ الأجسام والقلب خذيهم!...

تنافسوها وأعطوها قوالبهم *** مع القلوب، فيا لله من عجبِ

وهي التي صغرت قدرًا وما وزنت *** عند الإله جناحًا فالحريص غبي

اغتر بها الأكثر.

 بقي المعتبرون، وهم قسمان: 

  • أصحاب اليمين 
  • والمقربون. 

فأصحاب اليمين اعتبروا بالدنيا، رأوا تغير أحوالها، سرعة انتقالها، كثرة عناها، قلة غناها، خسة شركاؤها؛ كل هذا النظر منهم أعطاهم العزوف عنها والتنزّه وتقوى الله فيها وصرفها في محلها إن جاءت.

لقد رفضوا الدنيا الغرور وما سعوا *** لها والذي يأتي يبادَر بالبذل

فقيرهم حرٌ وذو المال منفِقٌ *** رجاء ثواب الله في صالح السبل

لباسهم التقوى وسيماهم الحياء *** وقصدهم الرحمن في القول والفعل

عليهم الرضوان. 

وفيه عبرة فوق هؤلاء.. الذين رأوا الدنيا والكائنات وما فيها، ورأوا بدايتها عَدَم ونهايتها عَدَم، فأيش وجودها؟ وجُودها إيجاد موجِد؛ فسِرُّ الوجود للحقِّ هو السِرُّ في إيجاد هذا الوجود، فما عاد صاروا ينظرون إلا إلى الحق! الله الله الله… 

يرون فنائها في حال وجودها، رؤية كشف وبصيرة وحجة منيرة، (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص:88] أيش وجهه؟ وجهه في كل شيء: سِرُّ وجوده في الأشياء، يعني: إيجاده لأن الأشياء أصلها عدم ونهايتها فناء، إذن أين هي؟ وجوده هو الذي أوجدها؛ فما عاد ينظرون إليها؛ لأن ما لها قوام أصلا وما لها وجود ذاتي، هو أوجدها وبعدين يفنيها، فوجودها قيام سر إرادته بالإيجاد، وكل ما فيها سر أسمائه وصفاته، هذا الوجه هو الذي يبقى، أما هي ترجع لأصلها؛ تعدم.. فتعدم في مشاهِدهم قبل أن تعدم في صورها، ففي حال بقائها ووجودها عندهم؛ هم يشهدون فناءها، 

فُنوا عن الكون جملة 

هؤلاء عجيبين..  لا إله إلا الله! 

فلا يكونون مع الأكوان بل مع مكونها، لأنهم يرونها عند "انعدام في حال وجودها عارية عن وجه الحق"، ما لها وجود إلا وجه الحق فقط بإيجاده؛ إمداده؛ تكوينه؛ تدبيره؛ تحريكه؛ تسكينه؛ إعزازه؛ إهانته؛ تقريبه؛ تبعيده؛ تقليله؛ تكثيره؛ تصويره... كله موجود فيها، غير هذا ما شي ولا عاد هناك شيء أصلاً..  فخلاص مسكوا المكون وتركوا الأكوان عليهم الرضوان. 

"فيرون وجود الحق في كل قطرة، فيكونون مع الأكوان ظاهراً ومع الحق باطنًا، فإن خاطبوا.. فمعه، وإن نظروا.. فإليه، وإن سمعوا.. فعنه، فتخاطبهم الأسرار الحَقِّية من وراء كشف الأستار الخَلْقِّية"، كما قال الله في سيدنا موسى؛ ناداه يقول الحق في البقعة المباركة من أين؟ من الشجرة؛ يسمع خطاب من شجرة! أيش من شجرة؟! خطاب الحق جل جلاله؛ لكن انكشف الستار وكان بواسطة الشجرة، فهذه الشجرة صارت مجلى (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [القصص:30] الله أكبر!

 يقول "إن معروف الكرخي قال: لي نحو عشرين سنة يظن الناس أخاطبهم" قال وأنا ما أخاطبهم لكن أخاطب الله، يظنون أتكلم معهم، أنا ما أتكلم معهم أتكلم مع الله! يعني أشهدهم عَدَم في أصلهم، ومن أجله أنادي وأخاطب وأكلم طلبًا لمرضاته، فأنا معه لست معهم أصلا، يظنوني أخاطبهم وأنا أخاطبه هو، من أجله يتكلم؛ من أجله يسكت؛ ومن أجله يتلفظ؛ ومن أجله يصمت؛ ومن أجله يتخيّر الألفاظ… حاضر معه؛ موقن أن هذه صور يظهرها ويبرزها هو؛ فهو البارز في الحقيقة لا هي، فإن بروزها لا وجود له من دونه؛ فهو البارز وهو الظاهر لا هي؛ هي في حد ذاتها عَدَم فهو بإيجاده. 

هؤلاء قال: هذا للعارفين ومشهد المحققين رضي الله عنهم".

"فسبحان من أوصل قومًا بما قطع به آخرين"، وهي نفس الدنيا ذي قطع بها الأكثرين، انقطعوا واغتروا وراحوا وراها وباعوا أعمارهم، وأفكارهم، ومبادئهم، ودينهم، وصلتهم بربهم، بهذه الدنيا نفسها الثانيين اعتبروا واتقوا وارتقوا؛ وبها نفسها هؤلاء وصلوا إلى الله، هو شيء واحد؛ أبعد به هذا، وقرّب به هذا، أسعد به هذا، أشقى به هذا، وهو شيء واحد! الله.. سبحانه الواحد.

"أوصل قومًا بما قطع به آخرين. 

  • فعبرة المريدين بالقلوب أن ينظروا إليها بالاستحقار والتجافي والاستصغار. 
  • وعبرة الأسرار للعارفين يشاهدوا وجود موجدها عند رؤيتها، فهم الذين يوفون الحقوق ويكملون في الآداب ولا يذمّون شيئًا ولا يستصغرونه ولا يحقرونه". 

ما ذمّ طعامًا قط، ولا استحقر طعامًا قط. "يا عائشة أحسني مجاورة النعم" يقول ﷺ. يمر على تمرة في الطريق يرفعها ينظفها من الأرض، يقول: لولا خشية أن تكون من الصدقة لأكلتها. وأعطاها غيره ﷺ؛ يعظم نعمة الله وإن دقّت.

 في أعلى مراتب الشهود ﷺ.

"فالعبرة شأن ذوي البصائر، العبرة: العبور من الصور إلى المعاني. ما من صورة خلقية إلا وهي تشير إلى لطيفة حقية"، الله أكبر، "فمظاهر التركيب مشيرة إلى حقائق الترتيب" ومن المُرَكِّب ومن المُرَتِب؟ هو، هو جل جلاله، جمع الله قلوبكم عليه. 

لهذا نُدِبنا إلى كثرة ذكره لندرك الحقائق هذه، ونرقى مع كل راقِ، ونشرب من الشراب الرائق؛ وخصوصًا في العشر من ذي الحجة، سُقيت فيها روح الحبيب سُقيا طابت بها أرواح الصحب الأكرمين ومن حضره؛ ثم لا تزال كؤوسها دائرة لكل صادق من أمته على ممر الدهور والقرون.

وعشرُنا المقبلة من الليلة، يسقي الله فيها من يشاء إنسًا وجنًا على ظهر الأرض، عامة أهل الأرض في غفلتهم وفي سكرتهم وفي عَمَهْهم وفي اغترارهم، وهؤلاء يشربون هذا الشرب الأهنى الأسنى الأطيب الأعذب؛ فكأنهم في الجنة وهم في الدنيا! طابوا وطاب سعيهم؛ وطاب مقامهم؛ وطاب شرابهم؛ فهل تشرب؟… 

ينبغي من ليلتنا هذه ننتبه، وأقبلت علينا الليالي المباركة ونحييها إن شاء الله بما شغلنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من خيراتها.

 

الله يبارك لنا في إهلال العشر، ويجعلنا من الفائزين بنواله فيها وجوده على أهليها بأعلى ما يجود به على المحبوبين والمقربين، وينظمنا في سلك الصادقين المنيبين، ويقبلنا على ما فينا، ويقبِل بوجهه الكريم علينا إنه أكرم الأكرمين. 

ينظمنا في سلك أهل الرضا، ويلطف بنا وبالأمة فيما يجري به القضاء، ويوفر حظنا من هذه الليالي، ومن هذه الأيام، ومن هذا الموسم، يفتح فيه أبواب الفرج للمسلمين، والغياث للمسلمين، والصلاح للمسلمين، وجمع شمل المسلمين، وحياة قلوب المسلمين، ودفع البلاء عن المؤمنين، والعتق من النيران والعتق من العصيان، والعتق من العيوب، والعتق من الذنوب، والعتق من القواطع والحجب، تحويل الأحوال إلى أحسنها وينعم علينا بفضله وما هو أهله في الشأن كله

 بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

02 ذو الحِجّة 1442

تاريخ النشر الميلادي

12 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام