الحِكَم العطائية - 53 | العارفون إذا بُسطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الثلاثاء 26 ذي القعدة 1442هـ.
الحكمة (81): "الْعَارِفُونَ إِذَا بُسِطُوا.. أَخْوَفُ مِنْهُمْ إِذَا قُبِضُوا، وَلَا يَقِفُ عَلَى حُدُودِ الْأَدَبِ فِي الْبَسْطِ إِلَّا قَلِيلٌ".
الحكمة (82): "الْبَسْطُ تَأْخُذُ النَّفْسُ مِنْهُ حَظَّهَا بِوُجُودِ الْفَرَحِ؛ وَالْقَبْضُ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ"
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"ثم قال كالمُفَسِّر لحالتي البسط والقبض، وحكمًا عند أرباب المواجيد، العارفين بأسباب الحقائق، السائرين على أوفق الطرائق، فقال:
الحكمة (81): "الْعَارِفُونَ إِذَا بُسِطُوا.. أَخْوَفُ مِنْهُمْ إِذَا قُبِضُوا، وَلَا يَقِفُ عَلَى حُدُودِ الْأَدَبِ فِي الْبَسْطِ إِلَّا قَلِيلٌ".
العارفون بالله، وبأوصافه ونعوته، وتجليات أسمائه، ولا يكون عارفٌ إلا كذلك، والمعرفة أخص من العلم، وترادفها الحكمة، بل غالبًا ما يُطلق عليهم بأنهم الحكماء، وأنها المعرفة، وهي من أجلِّ مِنَح الله على من قامت به، والعارف يكون له التمكن، والعالم له التلون.
وهم خواص أهل هذه الطريق، وسادات سائر الطوائف، وهم درجات عند الله؛ فمنهم الفاضل، ومنهم الأفضل، ومنهم المحققون، ومنهم المتمكنون الذين يعرفون الله في سائر المظاهر، فيعطونه الأدب في كل مُعايَن وكل مُتخَيَّل، وهم الأدباء، الخواص الغرباء، مُحيُون ما أمات الناس من السنن، الناجون عند ظهور الفتن، المصلحون من الدين ما أفسده الناس، الذين يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويُبعثون في عافية.
يمشون بين الناس بالنصيحة، بأجسام ميتة عن الدنيا، وقلوب عاكفة في الصفيح الأعلى، يأوون إلى جناب الحق كما تأوي الطير إلى أوكارها، ويحنُّون إلى لقائه حنين الثكلى، لا يُكِنُّهم مأوى، ولا تُقِلُّهم أرض، ولا تُظِلُّهم سماء، تتقلب قلوبهم في الملأ الأعلى، تُخْلَع عليهم ملابس الرحمة العرشية، وتنزل عليهم السكينة الكرسية، ويُحَيَّون من الله بالسلام بين الأنام، فقليل ما تراهم الأعين، بل هم تحت القباب، مُخَدَّرون تحت أسجاف الحجاب، لا يُطلِع الله عليهم إلا من اختصه بقربه، وأتحفه بحبه، فيُعَرِّفه إياهم ويُحَبِّبه إليهم.
وقد أشار المؤلف في هذه الحكمة إلى بعض علاماتهم، وأنهم "إِذَا بُسِطُوا.. أَخْوَفُ مِنْهُمْ إِذَا قُبِضُوا"، وهذه من جملة سِماتهم؛ وذلك لخوفهم الوقوع في سوء الأدب مع سيدهم، والسقوط من عين مليكهم، وغاية سرورهم ومنتهى حبورهم في كل فعل يكونون فيه بحق الله، ومنتهى شرفهم ومطمع نظرهم الانكماش في خدمته، والدؤوب في إتيان محابِّه، وغاية حذرهم من ضد ذلك، أو الوقوع في محذور سوء أدب معه.
ويخافون ذلك الوقوع فيه مع البسط أكثر منه في القبض، والقيام بالحقوق الشرعية بحالة القبض أقرب، فلذٰلك يكونون أخوف في البسط منهم في القبض لذٰلك المعنى، وخوفهم في البسط من الوقوع في حالة تضاد حالة العبودية والأدب، فيخاف الوقوع في العطب، كيف لا وهو لم يقف على الأدب مع البسط إلا قليل؟! فيخافون -لامحالة- أن يبدر منهم ما هو خلاف الأدب مع الله؛ كما هو مشاهد أن أكثر الهفوات تكون مع الانبساط، ولذلك قالوا: قف على البساط وإياك والانبساط، ولِـي في ذلك:
البسط أخوفُ عند العارفين إذا *** كانوا مع الله يُطلب منهم الأدب
والقبض حال يكون العبد فيه كذا *** بحق سيّده في مشهد السبب
لأن تكون بحق الله مجتهدًا *** أحب منك بحظ النفس في النسب
والعارفون بنو يُسْرٍ تراه إذا *** ما لَمَّ بالبسط ضاعف عنده الأدبُ"
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وآله وانظمنا في سلكه.
الحمد لله الموفق المعين، وصلى الله وسلم على النور المبين، عبده الأمين، سيدنا محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، وآلهم وصحبهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى أنبياء الله ورسله وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ذكر لنا ما يتعلق بالقبض والبسط، وما يترتب على ذلك في حال الإنسان، وما يصاحبه من شؤون، وقال: "الْعَارِفُونَ إِذَا بُسِطُوا.. أَخْوَفُ مِنْهُمْ إِذَا قُبِضُوا، وَلَا يَقِفُ عَلَى حُدُودِ الْأَدَبِ فِي الْبَسْطِ إِلَّا قَلِيلٌ."، والذين يقومون بحق الأدب في القبض كثير؛ ولكن الذين يحافظون على حسن الأدب ويقفون على حدوده في حالة البسط أكياس من خيار المقربين، يعرفون حسن الأدب مع رب العالمين جل جلاله في حالة البسط.
يقول: "العارفون بالله، وبأوصافه ونعوته، وتجليات أسمائه، ولا يكون عارفٌ إلا كذلك"؛
* وإذا أطلقوا معنى العارف: فهو الذي انكشف له من أسرار أسماء الله وصفاته وأفعاله وعظمته وجلاله وقدسه سبحانه وتعالى ما يغيب عن عامة المؤمنين، فينتهي إلى رتبة تسمى بعين اليقين، هذا العارف.
قال: "والمعرفة أخص من العلم"، فما كل أصحاب علم اليقين من أهل المعرفة؛ من العارفين أهل عين اليقين، وقد يكون صاحب علم وليس من أصحاب المعرفة الخاصة؛ ولهذا قالوا:
- إن خواص الخلق الناس.
- وخواص الناس العلماء.
- وخواص العلماء العارفون بالله.
- والعارفون بالله هم خواص من أهل حقيقة التوحيد العاملين على الرضا.
من هنا قالوا: إن ركعة من مؤمن عالم أفضل من ألف ركعة من مؤمن جاهل ليس بعالم، وركعة من مؤمن عالم عارف أفضل من ألف ركعة من عالم ليس بعارف. أما خواص العارفين العاملين على الرضا أهل حقيقة التوحيد، فالنَّفَس من أنفاسهم لا يقوم له عمل الإنس والجن، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:261] جل جلاله؛ ومن هنا يقولون عنهم - كما قالوا عن سيدنا الفقيه المقدم - يقولون عن أحدهم: النَّفَس من أنفاسه يعدل عمل الثقلين الإنس والجن. سبحانه المعطي! (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [آل عمران:163].
قال: "والمعرفة أخص من العلم، وترادفها الحكمة، بل غالبًا ما يُطلق عليهم بأنهم الحكماء، وأنها المعرفة، وهي من أجلِّ مِنَح الله على من قامت به" -اللهم وفِّر حظنا منها-، "والعارف يكون له التمكن، والعالم له التلون.
وهم خواص أهل هذه الطريق، وسادات سائر الطوائف"، -العارفون بالله- ارزقنا محبتهم واحشرنا في زمرتهم يا من فضّلتهم.
"وهم درجات عند الله؛ فمنهم الفاضل، ومنهم الأفضل، ومنهم المحققون، ومنهم المتمكنون الذين يعرفون الله في سائر المظاهر"، وما جاءنا في الحديث عن تجليات الحق في القيامة، أنه لمَّا يأتي تجلِّي على أهل الموقف بمن فيه من الكفار والفجار، فيكون فيه من الهيبة والجلال ما لم يكن يعهده صغار العارفين وعامة المؤمنين من ربهم، فيقول: أنا ربكم، يقولون: مكاننا حتى يأتي ربنا، لكن هؤلاء من الأنبياء والمقربين والصدِّيقين يعرفون، ثم لما يفصل عنهم الكفار يتجهون إليه ويقولون: أنت ربنا، ويسجدون، وما عرفوه إلا من هذه الحيثية من خلال هذا التجلي فقط؛ أما أهل التمكين ففي كل مظاهر تجلياته يعرفونه، لا إله إلا الله!
وهكذا قال: "فيعطونه الأدب في كل مُعايَن وكل مُتخَيَّل، وهم الأدباء، الخواص الغرباء"، سيدهم من قال: "أدَّبَني رَبِّي"، "مُحيُون ما أمات الناس من السنن، الناجون عند ظهور الفتن"، ما يستخفّهم إغواء ولا إغراء ولا تهديد؛ على بينة (وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) [إبراهيم:12]؛ فالناس يذهبون يمنى ويسرى وهؤلاء يثبتون، وبعد ما تفوت الفرص والفوائد هنا وهنا ويتصككون هنا وهنا يرجعون يقولون: هذا الطريق حق! بعد ماذا؟! بعد ما قد جاءت الفوضى ومشاكل، وأحيانًا بعد ما قُطِعَت أرحام، وأحيانًا بعد ما قد سالت دماء، وبعد ما هُدِّمت.. ثم يرجعون! ولماذا ليس من البداية مشيتم في هذا الطريق؟ ولكن (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]؛ "المصلحون من الدين ما أفسده الناس، الذين يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويُبعثون في عافية"، اللهم اجعلنا منهم؛ وهم ضنائن لربك.
"يمشون بين الناس بالنصيحة، بأجسام ميتة عن الدنيا"؛ لا تهواها ولا تلتفت إليها، "وقلوب عاكفة في الصفيح الأعلى".
- والصفيح منزل خواص الملائكة الكرام فوق السماء السابعة، ملائكة الصفيح.
- منهم من الكروبيين أعلى الملائكة، دائمين الحضور مع الحق والوجهة إليه في كل نَفَس.
ملائكة الصفيح كما أشار إليهم الإمام الحداد في بعض قصائده:
وَلَا تُؤْثِرْ عَلَى الرَّحْمَنِ شَيْئًا *** تَعَالَى قَابِل التَّوْبِ النَّصُوح
إِلَهٌ وَاحِدٌ مَلِكٌ عَظِيمٌ *** تُسَبِّحُهُ مَلَائِكَةُ الصَّفِيح
من أعلى الملائكة وأرفعهم، وهؤلاء تجاورهم قلوب الأحباب لرب الأرباب من خاصة الأطياب، وهم على ظهر الأرض يمشون بين الناس يأكلون ويشربون وقلوبهم مجاورة لملائكة الصفيح؛ لذا يقول الإمام الحداد:
أحِبَّتَنَا بِنَجْدِ وَالصَّفيح *** مَرَاهِمُ كُلِّ ذِي قَلْبٍ جَرِيح
عَسَى عَطْفًا عَلَى دَنِفٍ كَئِیبٍ *** حَزِينِ القَلْبِ مُنْكَسِر طَرِيح
وَهَلْ مِنْ رَحْمَةٍ مِنْكُمْ لِصَبٍّ *** صَبَا قِدْمًا إِلَى الْأَوْجِ الفَسِيح
لَهُ رُوحٌ تَحِنُّ لِخَيْرِ عَهْدِ *** بِمَعْهَدِهَا الأَنِيسِ مِنَ السُّفُوحِ
أين السفوح؟ التي بجانب عرفة ووادي نعمان الأراك، في ساعة من ساعات التجلي الأعظم للرحمن جمع أرواح بني آدم وقال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وأسمَعهم كلهم خطابه: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) - وفي قراءة (ذُرِّيَّاتِهُمْ)- (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ) [الأعراف:172].
لَهُ رُوحٌ تَحِنُّ لِخَيْرِ عَهْدِ *** بِمَعْهَدِهَا الأَنِيسِ مِنَ السُّفُوحِ
بِنَعْمَانِ الأَرَاكِ وَأَيُّ أَخْذٍ *** فَقُلْ لِي عَنْهُ بِالنُّطْقِ الفَصِيح
وَمِلْ بِي يَمْنَةً عَنْ طورِ نَفْسٍ *** إِلَى طُورِ السَّرَائِرِ وَالمُنُوح
لَعَلِّي أَنْ أُنَادَى مِنْ قَرِيبٍ *** فَمَا المُعْطِي تَقَدَّسَ بِالشَّحِيح
وَلَكِنَّا حُجِبْنَا بِالأَمَانِي *** وَبِالكَوْنِ الكَثِيفِ وَبِالنُّزُوح
فَهَيَّا بالقُلُوبِ إِلَى حِمَاهَا *** …………………
اترك عنك هذه السفسطة ، وضيّاع العمر والوقت في هذه الدنايا، اطلع.
فَهَيَّا بالقُلُوبِ إِلَى حِمَاهَا *** وَمَغْنَاهَا وَمَوْطِن كُلِّ رُوح
فَإِنَّ الرُّوحَ مِنْ مَلَكُوتِ غَيْبٍ *** ………………………
ليس من الأجسام، ولا من عالم الحس، جوهر شريف غالي عندك، معهده ثاني ما هو هذه الأرض.
فَإِنَّ الرُّوحَ مِنْ مَلَكُوتِ غَيْبٍ *** تَنَزِّلُهَا لِمَتْجَرِهَا الرَّبِيح
وَإِنَّ الجِسْمَ مِنْ طِينِ وَمَاء *** يَمِيلُ إلَى الحُظُوظ بِكُلِّ ريح
فَوَجِّهُ حَيْثُ شِئْتَ فَأَنْتَ مِمَّا *** لَهُ وَجَّهْتَ فَاخْتَرْ لِلْمَلِيح
(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة:148].
وَجَانِبْ كُلَّ سَفْسَافٍ وَنُكْرٍ *** مِنَ الأَخْلَاقِ وَالعَمَل القبيح
وَسَافِرْ فِي السَّبِيلِ إِلَى المَعَالِي *** بِجِدٍّ وَاسْتَمِعْ قَوْلَ النَّصِــيـح
وَلَا تُؤْثِرْ عَلَى الرَّحْمَنِ شَيْئًا *** ……………………..
لا تؤثر على الرحمن أي شيء؛ لا تؤثر على ربك شيء، كل الأشياء خلقه وصنعته في قبضته وتحت حكمه، لا تؤثر عليه شيء؛ قدِّمه هو، أحِبَّه هو، عظِّمه هو، اعشقه هو، تذلل له هو، اخضع له هو، والجأ إليه هو، لا تؤثر عليه شيء
وَلَا تُؤْثِرْ عَلَى الرَّحْمَنِ شَيْئًا *** تَعَالَى قَابل التَّوْبِ النَّصُوح
إِلَهُ وَاحِدٌ مَلِكٌ عَظِيمٌ *** تُسَبِّحُهُ مَلَائِكَةُ الصَّفِيح
عليهم الرضوان.
ولما كان "النجد" اسم لما ارتفع من أعالي الأرض وجبالها وسفوحها، فكثيرًا ما يطلقون على المراتب الرفيعة المعنوية العالية "نجد"؛ يقول:
بُرُوقُ الحِمَى وَقْتَ السُّحَيْرِ تَلُوحُ *** وَتَغْدُو نُسَيْمَاتُ الصَّبَا وَتَرُوحُ
فَتُذْكِرُنِي نَجْدًا …………… *** ………………………
المراتب العالية في القرب والمعرفة والمحبة والرضوان.
فَتُذْكِرُنِي نَجْدًا سَقَى اللهُ سُوحَهَا *** مُلِثًّا بِأَكْنَافِ الرِّيَاضِ تَسِيحُ
وَأَنْبَتَهَا زَرْعًا وَعُشْبًا وَمُزْهِرًا *** بِأَزْهَارِهَا رِيحُ الجَنُوبِ تَفُوحُ
مَرَابِعُ أَحْبَابِ لَنَا شَطَ دَارُهُمْ *** وَقَلَّ مَزَارٌ وَالوِدَادُ صَحِيحُ
هُمُ يَسْأَلُوا عَنَّا وَنَسْأَلُ عَنْهُمُ *** وَنَرْجُو وِصَالًا وَالزَّمَانُ شَـحِـيـحُ
وَنَبْكِي عَلَيْهِمْ أَنْ وَيَبْكُونَ مِثْلَنَا *** بِدَمْع بِأَرْجَاءِ الخُدُودِ سَفُوحُ
وقُرِئَت الأبيات عند تلميذه الإمام أحمد بن زين الحبشي وهو في حالة من الإتصال بذلك النجد، فأخذ يبكي ويبكي ويبكي حتى انتحب. يقول:
هُمُ يَسْأَلُوا عَنَّا وَنَسْأَلُ عَنْهُمُ *** وَنَرْجُو وِصَالًا وَالزَّمَانُ شَـحِـيـحُ
وَنَبْكِي عَلَيْهِمْ أَنْ وَيَبْكُونَ مِثْلَنَا *** بِدَمْع بِأَرْجَاءِ الخُدُودِ سَفُوحُ
عَسَى اللهُ نَرْجُو اللَّهُ يَجْمَعُ شَمْلَنَا *** وَكُلٌّ لِكُلٍّ وَادٌّ وَنَصِـيحُ
وَإِنَّا وَهُمْ تَحْتَ المُقَدَّرِ والقَضَا *** وَمِيزَانُ مَنْ يَرْضَى القَضَاءَ رَجِيحُ
وَإِنَّا وَإِيَّاهُمْ وَإِنْ طَالَ عَـهـدُنَا *** بِقُرْبٍ وَأُنْسِ وَانْحَسَمْنَ قُرُوحُ
لَفِي دَارِ دُنْيَا قَدْ أَحَاطَ بِهَا الفَنَا *** وَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَغْدُو فَسَوْفَ يَرُوحُ
فَغَايَتُنَا مَوْتٌ وَقَبْرٌ وَبَرْزَخٌ *** وَبَعْثٌ إِلَى الرَّبِّ الرَّحِيمِ صَرِيحُ
فَنُحْشَرُ جَمْعًا للحِسَابِ وَلِلجَزَاء *** وَنَرْجُو سَمَاحًا وَالكَرِيمُ سَمُوحُ
فَنَسْأَلُهُ سَتْرًا وَعَفْوًا وَرَحْمَةً *** وَصَفْحًا فَخَيْرُ الرَّاحِمِينَ صَفُوحُ
فنصفح عمّن أساء إلينا من أجل أن نحصل صفحه؛ فيدخلنا الجنات، انظر صفْحَه يوصلك إلى فين..
فَيُدْخِلُنَا الجَنَّاتِ فَضْلًا وَمِنَّةً *** وَيُنْجِي مِنَ النِّيرَانِ وَهْيَ لَفُوحُ
وَيَشْفَعُ فِينَا أَحْمَدٌ سَيِّدُ الوَرَى *** ……………………..
الحبل المتين.
..…………………… *** نَبِيُّ الهُدَى فَالْجَاهُ ثَمَّ فَسِيحُ
جاه "أنا لها" ما أحد يشاركه فيه، ولا حملة العرش، ولا الكروبيين، ولا ملائكة الصفيح، ولا جبريل، ولا ميكائيل، ولا آدم، ولا إدريس، ما أحد يشاركه في هذا الجاه: "أنا لها"؛ اللهم صلِّ عليه.
وَيَشْفَعُ فِينَا أَحْمَدٌ سَيِّدُ الوَرَى *** نَبِيُّ الهُدَى فَالْجَاهُ ثَمَّ فَسِيحُ
جاهه وسيع لدى الرب.
عَلَيْهِ صَلَاةُ اللهِ ثُمَّ سَلَامُهُ *** مَتَى لَاحَ بَرْقٌ أَوْ تَنَسَّمَ رِيحُ
لا إله إلا الله.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وأدخلنا في حماه، واسقنا من حُمَيَّاه وشرف عيوننا جميعًا بالنظر إلى كريم محياه، في الدنيا وعند الموت وفي البرزخ ويوم الموافاة وتحت لواء الحمد وفي ظل العرش وعلى الحوض المورود وفي دار الكرامة والنظر يا حي يا قيوم يا واحد يا أحد يا إله يا بر يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله.
يذكر كذلك هذا المعنى -عليه رحمة الله ورضوانه- في قصيدة رائية له، يقول فيها متعلّق بشأن قبلة المؤمنين الكعبة المشرفة، هيَّأ الله كثرة التردد إليها، وكثرة الوافدين عليها كما كان وزيادة، في كمال سعادة وأُنس، مع دفع البلايا والرزايا الظاهرة والباطنة، يشير إلى الكعبة يقول:
شُغِفَ المُحِبُّ بحُبُّ ظَبْيَةِ عَامِرِ *** وَصَبَا إِلَيْهَا بِالفُؤَادِ وَنَاظِـــــــر
مَحْبُوبَـةٍ ………………………………………….
محبوبة، ولكن سرها وحقيقتها الكعبة قال:
…….. مَحْجُوبَـةٍ إِلَّا عَلَـــــــى *** ذِي عِفَّةٍ وَتُقَىً كَتُومٍ صَابِــــــرِ
يَرْضَى مِنَ الدُّنْيَا الغَرُورِ بِبُلْغَة *** لَا يَتَّسِعُ فِيهَا اتَّسَاعَ البَاطِـــــــرِ
تِلْكَ الغَزَالُ العَــامِرِيَّةُ …..*** …………………………..
بيت الله، الكعبة المشرفة.
تِلْكَ الغَزَالُ العَــامِرِيَّةُ كَمْ سَبَتْ *** وَرَمَتْ بِأَسْهُم لَحْظِ طَرْفِ فَاتِــرِ
لِمُتَيَّم حِـلْـفِ الصَّـبَـابَـةِ وَالجَوَى *** يَرْعَى النَّجُومَ بِجُنْح لَيْل دَاجِــرِ
أَفْدِي سُوَيْكِنَةَ النَّقَا وَمُحَجَّــــــــرٍ *** بِبَقِيَّةٍ مِنْ رَسْم جِسْمٍ دَاثِــــــــــرِ
قال: الباقي من جسمي الداثر فِداء لها.
مَنْ لِي وَهَلْ لِي أَنْ أَرَاهَا زَائِـرًا *** سَحَرًا وَقَدْ نَامَ الرَّقِيبُ العَاثِـــــرِ
هِيَ بَهْجَتِي هِيَ وِجْهَتِي هِيَ قِبْلَتِي *** فِي حِينِ أَسْجُدُ لِلإِلَهِ الغَافِــــــر
لِــي وَلِغَيْــرِي مِنْ أَئِمَّــةِ مَذهَبِـــي *** مِمَّنْ تَصَوَّفَ فِي الزَّمَانِ الغَابِرِ
وَلِغَيْرِنَـــا مِــنْ أَهْـلِ قِبْلَتِنَــا الَّتِــي *** صَلَّى إِلَيْهَا كُلُّ عَبْدٍ ذَاكِــــــــــرِ
مُـتَـمَـسِّـــكٍ مُـتَـنَـسِّـــكٍ مُــتَـبَـتِّــلٍ *** للهِ فِي إِعْلَانِهِ وَسَـــرَائِــــــــــــرِ
وَالآنَ فَلْنَـرْقَ إِلَـى أَنْ نَـنْـتَـهِــــي *** فِي العِلْمِ وَالرُّوح اللَّطِيفِ الطَّائِـرِ
فَـنُشَـاهِـدُ الأَمْـلاكَ حَـوْلَ صَفِيحِهَا *** مُسْتَقْبِلِينَ لِنَحْوِ عَرْشِ الفَاطِـــــرِ
سُبْحَانَ مَـنْ عَـنَتِ الوُجُـوهُ لِوَجْهِـهِ *** …………………………
وكانوا ينشدونها يوم ونحن منتظرين الإذن للدخول على الحبيب القادر، ومعنا الحبيب بكر مشهور وجماعة جالسين، ووصل المنشد:
وَالآنَ فَلْنَـرْقَ إِلَـى أَنْ نَـنْـتَـهِــــي *** فِي العِلْمِ وَالرُّوح اللَّطِيفِ الطَّائِـرِ
فَـنُشَـاهِـدُ الأَمْـلاكَ حَـوْلَ صَفِيحِهَا *** مُسْتَقْبِلِينَ لِنَحْوِ عَرْشِ الفَاطِـــــرِ
أنشدوها مرة ونحن منتظرين الإذن للدخول عند الحبيب عبدالقادر، ومعنا الحبيب أبوبكر المشهور وجماعة جالسين، وصل المنشد:
وَالآنَ فَلْنَـرْقَ إِلَـى أَنْ نَـنْـتَـهِــــي *** فِي العِلْمِ وَالرُّوح اللَّطِيفِ الطَّائِـرِ
فَـنُشَـاهِـدُ الأَمْـلاكَ حَـوْلَ صَفِيحِهَا *** مُسْتَقْبِلِينَ لِنَحْوِ عَرْشِ الفَاطِـــــرِ
قال: تفضلوا ادخلوا، جاء الإذن وطلعنا عند الحبيب، قلت له طلعنا عندكم المنشد ينشد بهذا..
سُبْحَانَ مَـنْ عَـنَتِ الوُجُـوهُ لِوَجْهِـهِ *** بِتَذَلُّلٍ وَتَخَشُّعٍ وَتَصَـاغُـــــــــــرِ
الـوَاحِـدِ المَـلِـكِ الجَـلِـيـل تَـقَـدَّسَـتْ *** أَوْصَافُهُ عَنْ قَوْلِ كُلِّ مُدَابِــــــرِ
مِــنْ مُـشْـرِكٍ أَوْ شَـاكِـكٍ مُـتَـــرَدِّدٍ *** فِي اللهِ وَاليَوْمِ المَعَادِ الآخِــــــــر
آمَــنْـتُ بِــاللهِ الـعَــظِــيــمِ وَكُـتْـبِــهِ *** وَرَسُولِهِ الهَادِي الأَمِينِ الطَّاهِرِ
خَتمِ الـنَّـبِـيِّـيِّـنَ الـكِـرَامِ جَـمِـيـعِـهِـمْ *** صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ عَدَّ المَاطِــــــــر
وَالآلِ وَالـصَّـحْـبِ الكِـرَامِ وَتَــابِــعٍ *** مِنْ كُلِّ أَوَّاهٍ مُنِيبٍ شَاكِـــــــــــرِ
****************
فَـنُشَـاهِـدُ الأَمْـلاكَ حَـوْلَ صَفِيحِهَا *** مُسْتَقْبِلِينَ لِنَحْوِ عَرْشِ الفَاطِـــــرِ
مَن دونهم لهم قبلةُ البيت المعمور، ومن دونهم في الأرض لهم قبلةُ الكعبة المشرفة؛ والكل مرتبط.
لا المقصود العرش، ولا البيت المعمور، ولا الكعبة في ذواتها؛ لكن الذي نصبها للإيصال إليه، والذي أقامها للصلة به، رب العرش العظيم هو المقصود، وما أعظم الترابط بينها، وما أعظم الترابط بينها وبين قلوب أهل حضرة ربها، حيثما كانوا وأينما كانوا، في أي بقعة في الأرض، أو في البرزخ، أو في السماء، ما أشد رابطتها بهم وما أشد رابطتهم بها!
"وقلوب عاكفة في الصفيح الأعلى، يأوون إلى جناب الحق كما تأوي الطير إلى أوكارها، ويحنُّون إلى لقائه حنين الثكلى، لا يُكِنُّهم مأوى، ولا تُقِلُّهم أرض، ولا تُظِلُّهم سماء"؛ ما تسعهم أرض ولا سماء، وأنَّى تسعهم أرض أو سماء؟! ما أُوقد في قلوبهم من نيران محبته وعشقه ماذا يسعه؟! ما يسعه أرض ولا سماء، ولا له إلا شؤون القرب الخاص. "تتقلب قلوبهم في الملأ الأعلى، تُخْلَع عليهم ملابس الرحمة العرشية، وتنزل عليهم السكينة الكرسية، ويُحَيَّون من الله بالسلام بين الأنام"، (تحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) [الأحزاب:44]، "فقليل ما تراهم الأعين، بل هم تحت القباب، مُخَدَّرون تحت أسجاف الحجاب"، فـ سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدلالة عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه.
"لا يُطلِع الله عليهم إلا من اختصه بقربه، وأتحفه بحبه، فيُعَرِّفه إياهم ويُحَبِّبه إليهم.."؛ فيا سَعد!.
"وقد أشار المؤلف في هذه الحكمة إلى بعض علاماتهم، وأنهم إذا بُسِطوا أخوف منهم إذا قُبِضوا، وهذه من جملة سِماتهم؛ وذلك لخوفهم الوقوع في سوء الأدب مع سيدهم، والسقوط من عين مليكهم، وغاية سرورهم ومنتهى حبورهم في كل فعل يكونون فيه بحق الله".
ولذا كان مما يُنسب من صِيَغ الصلاة على رسوله إلى سيدتنا فاطمة، تقول: اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد بن عبد الله القائم بحقوق الله؛ القائم بحقوق الله؛ هي تعرف تصف أباها، هذا منتهى مطمع العارفين والملائكة المقربين أن يكونوا بحق الله، لكن هذا خير من قام بالحق: "اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد بن عبد الله القائم بحقوق الله، ما ضاقت إلا وفرجها الله"، تُنسب الصيغة إلى سيدتنا فاطمة. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد بن عبد الله، القائم بحقوق الله -خلاص هذا وصف كافي- القائم بحقوق الله، ماضاقت إلا وفرجها الله.
قال: "وغاية سرورهم ومنتهى حبورهم في كل فعل يكونون فيه بحق الله، ومنتهى شرفهم ومطمع نظرهم الانكماش في خدمته، والدؤوب في إتيان محابِّه، وغاية حذرهم من ضد ذلك، أو الوقوع في محذور سوء أدب معه.
ويخافون ذلك الوقوع فيه مع البسط أكثر منه في القبض، والقيام بالحقوق الشرعية بحالة القبض أقرب، فلذٰلك يكونون أخوف في البسط منهم في القبض لذٰلك المعنى، وخوفهم في البسط من الوقوع في حالة تضاد حالة العبودية والأدب، فيخاف الوقوع في العطب، كيف لا وهو لم يقف على الأدب مع البسط إلا قليل؟!"،"كما هو مشاهد أن أكثر الهفوات تكون مع الانبساط، ولذلك قالوا: قف على البساط وإياك، والانبساط"، وجاء بأبياته بعد ذلك.
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"فالبسط تأخذ منه النفس حظُّها، وحظُّها بل أجل حظوظها: تبخترها وإِختيالها؛ وإدعاء ما ليس لها مما هو حقٌ موجدها؛ ونعتُ باريها؛ والقبض عن ذلك بمعزل؛ لذلك قال المؤلف هذا المعنى وهو قوله:
الحكمة (82): "الْبَسْطُ تَأْخُذُ النَّفْسُ مِنْهُ حَظَّهَا بِوُجُودِ الْفَرَحِ؛ وَالْقَبْضُ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ"
البسط: هو ما علمتهُ أنه حالة تَرِدُ على القلب من الله تعالى، وهو حالةٌ في القرب؛ لأنه من الله وبالله، لا من غيره ولا بغيره، وكل بسط بشيء من الأسباب الدنياوية والمثوبات الأخروية.. فليس من ذلك في شيء، وكل بسط وَرَدَ بسبب.. فهو بحسب ما أورده، وليس هو من البسط الذي قلنا: واردٌ يورِده الله على القلب بتجلٍّ وصفي، وهذا هو الذي يشير إليه الطائفة في اصطلاحهم بالبسط.
وإذا أردت أن تعرف البسط الوارد عليك: أهو وارد من الله أم أورده بسبب.. فاعرض عليه سائر الأسباب الدنياوية والأخروية؛ فإن لم تجده صادف شيئًا منها.. فاعلم: أنه من الله، فاشكر الله حيث وجّه إليك عنايته، وساق إليك واردات مواهبه، وحالك فيه مع الله الأدب، ومع الخلق الإرشاد، واللطف بهم، وعدم الترفّع عليهم.
وإن ما أورد ذلك البسط إلا بسببٍ من الأسباب، فلا يكون لك به اعتداد من حيث الأحوال، بل يكون من جملة النعم التي يجب الشكر عليها.
والفرح لازم البسط، وقد ذم الله الفرحين بغيره والأغيار كيفما كانت، سواء كانت من الأعراض أم من الأحوال، قال الله جل من قائِل: (لا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص:76]، وقال أيضًا: (وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد:23]، فالفرح بالأغيار ولو من الأحوال والكرامات فضلًا عن الأعراض الفانية.. من علامات الاغترار، والجهل بما تحت مستورات الأقدار، ولكن الفرح بالله هو المطلوب، ولا يعرف مقام الفرح بالله إلا الصدِّيقون الخواصُ المقربون، وأما غيرهم.. فقد يُلَبَّس عليه المقام ولا يوفيه على التمام.
والقبض سالمٌ عن هذه المخاوف، لا حظ للنفس فيه، ولا فيه الفرح، ولا يصحبه المرح، بل هو أسلم أحوال السالكين وآمن مقامات الواصلين.
وحالة العبد مع الله في البسط: الضبط والأدب، وفي القبض: السكون حتى يمضي وقته، وتستوفي دولته دورها، ويكمل طورها، ولا يطلب الخروج منه قبل إبان وقت انقضاء ذلك؛ فلربما يكون ذلك سوء أدب، منافيًا للاستسلام والسكون تحت جريان الأحكام، ولا يخفى ما في ذلك من سوء الأدب، ولـي في ذلك:
قد تأخذ النفس حظ العبد إن وردت *** موارد البسط واستولت على البِشْر
والقبض لا حظ فيه أصلاً إذا نظرت *** في مشهد القبض يرجع خاسئ النظر
فإذا ورد عليك ما يوجِب البسط من الأسباب.. فلا ينبغي لك أن تفرح به؛ لجهلك بعاقبته، واندماج سر خاتمته، فربما كان ما تفرح به مما يكون فيه الترح، وضده كذلك".
يقول: "فالبسط تأخذ منه النفس حظّها، وحظّها بل أجل حظوظها: تبخترها وإِختيالها؛ وإدعاء ما ليس لها مما هو حقٌ موجدها" -جل جلاله- من الكبرياء والعظمة والقدرة والإرادة والعلو هذه صفات الرب جل جلاله، فهي على الإطلاق له وحده، وما يُنسب لسائر الكائنات والمخلوقات منه فنِسَبٌ مجازية محددة محدودة؛ قال: "والقبض عن ذلك بمعزل"، فما يقع فيه في هذه المخاوف ما تجيء فيه.
لذلك قال: "الْبَسْطُ تَأْخُذُ النَّفْسُ مِنْهُ حَظَّهَا بِوُجُودِ الْفَرَحِ؛ وَالْقَبْضُ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ"، يقول: مرادنا بالبسط ما هو مجرد الفرح والسرور، ولكن ما كان من حال شريف يَرِد على القلب بسر تجلٍّ للرحمن وصفي، تجلي وصفٍ من أوصافه، تجلٍّ وصفي ما له سبب إلا هذا التجلي، الله الله!.. فإذا عرضته على كل الأسباب المفرحة والمبهجة للدنيا والآخرة لن تحصل على سبب، من أين هذا جاء؟ جاء من عنده تجليه سبحانه بوصف أورث القلب سرورًا وانبساطًا عظيمًا.
لهذا يقول: "وهو حالةٌ في القرب" من الله تعالى، اللهم ألحقنا بالمقربين؛ "لأنه من الله وبالله، لا من غيره ولا بغيره"، ولهذا قال: "كل بسط بشيء من الأسباب الدنياوية والمثوبات الأخراوية.. فليس من ذلك في شيء" ليس من هذا القبيل، هذا بسط ثاني، "وكل بسط وَرَدَ بسبب.. فهو بحسب ما أورده، وليس هو من البسط الذي قلنا: وارد يورده الله على القلب بتجلٍّ وصفي"، يبتهج وينشرح وينبسط بدون سبب قط من أسباب الدنيا ولا الآخرة، من أين؟ من تجلي الحق.. الله! هنا يحتاج ضبط وأدب حتى لا يتجاوز على الحد؛ يقول: "وهذا هو الذي يشير إليه الطائفة في اصطلاحهم بالبسط".
قال: تعرف البسط الخالص الذي يجيء من فوق والبسط بالسبب؟
قال: "اعرض عليه سائر الأسباب الدنياوية والأخراوية"،
- إن وجدته يصادف شيء منها، فهذا من البسط العام، بسط العوام، ليس البسط المشار إليه.
- وإذا لم يصادف شيئًا منها، فهذا البسط من الحق.
فإذا كان لم تجده يصادف شيئًا من أسباب الدنيا والآخرة، "فاعلم: أنه من الله، فاشكر الله حيث وجه إليك عنايته، وساق إليك واردات مواهبه، وحالك فيه مع الله الأدب، ومع الخلق الإرشاد، واللطف بهم، وعدم الترفّع عليهم" باعتقاد ولا ظن ولا غير ذلك؛ تمام؟ أنت عبده، هذه موهبة المالك السيد، أنت عبد، تسمع؟.. فتكون شاكرًا له، مرشدًا لعباده وموجِّهًا لهم بلا ترفع عليهم؛ لَطَفَ بك فالطُف بهم، وهبك فهَبْ، منحك فامنح، أحسَن إليك فأحسِن لعباده، وتلطَّف بخلقه، ودُلّهم عليه، واسأله لهم، واسألهم أن يتوجهوا بالصدق إليه.
"وإن ما أورد ذلك البسط إلا بسببٍ من الأسباب"، فلا تعتدُّ به أنه من الأحوال، فهو ليس من الأحوال، ولكنه من الطوارئ والمصادفات للإنسان في مساره، "من جملة النعم"، ليس من الأحوال والبسط الأشرف، ولكن من جملة النعم، "من جملة النعم التي يجب الشكر عليها"، بسطك بتوفيق لطاعة، أعطاك بسط بقراءة القرآن، أعطاك بسط بمساعدتك لمكروب، نِعَم تشكره عليها.
لكن في بسط واحد ما له سبب أصلًا، يتجلى عليك فتنبسط، هذا بسط الأحوال الذي يشير إليه الرجال، وهذا من النعم مهما كان بسبب البسط خير، وليشمل الأمر، قال الحق: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)، فإذا خَلَص الفرح بالفضل، اجتمع قلب الفَرِح بذلك على تعظيم المتفضل، فيرقى إلى الفرح بذات المتفضل، والرحمة كذلك، ولما كان هذا هو السُلَّم ذكره الحق تعالى في كتابه: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].
إذًا:
- فالفرح إن كان بغير الله، بغير طاعته، بغير الزلفى إليه مذموم.
- والفرح المندرج تحت فضله ورحمته محمود، ولكنه مراتب:
- مرتبة بعين الفضل وبعين الفرح وبذات الفرح.
- لكن فيه مرتبة فرح بالفضل من حيث المتفضل، لا من حيث الفضل؛ لذات المتفضل، وذات الرحيم، وذات الرحمن هذا حق الكبار، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
أما الفرح بشؤون الدنيا وما إليها، هذا فرح الغافلين المحجوبين، وفرح جند إبليس كلهم، يفرحون إن جاء له مال، أو أحد مدحه، أو صفق له، بقوة في جسده، هذا فرح يعرفونه جند إبليس كلهم، كلهم يفرحون به هذا! ليس فرح العارفين، وليس فرح الصالحين، وليس فرح المؤمنين، بفضل الله وبرحمته فرحهم بذلك، الله أكبر! إلى أن يكونوا فرحين به وحده.
يقول: "فالفرح بالأغيار ولو من الأحوال والكرامات فضلًا عن الأعراض الفانية.. من علامات الاغترار"؛ لكن الفرح بمجرد الأعراض الفانية سوء، وأسوأ منه أن يفتعل له الشيطان تفريحًا بمعصية الله، هذا غاية الخديعة، والفرح بالمعصية أشد إثمًا وعقابًا من المعصية، الفرح بالمعصية أشد إثمًا وعقابًا من نفس المعصية؛ لأنه معاندة للجبار جل جلاله، لهذا قال ﷺ: "إنَّ المُؤمِنَ يَرى ذُنوبَه كَأنَّه في أصلِ جَبَلٍ يَخافُ أن يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يَرى ذُنوبَه كذُبابٍ وقَعَ على أنفِه، فقال له هكذا، فطارَ"؛ فرق بين المؤمن والمنافق.
قال: "علامات الاغترار، والجهل بما تحت مستورات الأقدار، ولكن الفرح بالله هو المطلوب، ولا يعرف مقام الفرح بالله إلا الصدِّيقون الخواصُ المقربون"، اللهم الحقنا بهم، يارب؛ "قد يُلَبَّس عليه المقام ولا يوفيه على التمام.
والقبض سالم عن هذه المخاوف"، "بل هو أسلم أحوال السالكين".
"وحالة العبد مع الله في البسط الضبط والأدب، وفي القبض السكون حتى يمضي وقته".
وَكُنْ لِلُطْفِ اللَّهِ مُسْتَنْظِرًا *** مِنْ حَيْثُ لَا تَدْرِيهِ أَوْ تَدْرِي
مِل من أمامها حتى تمر أيامها، حتى يُخرجك منها سبحانه وتعالى، "وتستوفي دولته"؛ -دولة القبض- "دورها، ويكمل طورها"؛ فحينئذ ينقلك منه إلى البسط:
فَنَوا عَنِ الكَونِ جُمْلَةً *** لَمّا بَدا طالِعُ الجَلالِ
وأحَيّاهُم بَعْدَ مَوْتِهِمْ *** بالجَمْعِ في مَشْهَدِ الجَمالِ
قال: "ولا يطلب الخروج منه قبل إبان وقت انقضاء ذلك"، ففيه إساءة أدب.
"فإذا ورد عليك ما يوجب البسط من الأسباب.. فلا ينبغي لك أن تفرح به؛ لجهلك بعاقبته"، وما تدري… (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]،. ولذا قال سيدنا عمر بن عبد العزيز وغيره: أصبحت وما لقلبي سرور إلا في مواضع قدر ربي! مواضع القدر منه أنا فرحان بها، أنا مسرور بقدر ربي، ما لقلبي سرور إلا في مواضع قدر ربي؛ الله أكبر!
وقال بعض العارفين: سكن جأشي على "ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ".
"فربما كان ما تفرح به مما يكون فيه الترح، وضده كذلك"، وعسى أن تحبوا وعسى أن تكرهوا..
فثق به واعتمد عليه، يحول كل حالاتك قبض وبسط وكل كراهة ومحبة إلى ما فيه الخير لك، فلا تحب إلا هو، ولا تكره إلا معصيته، (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)؛ شهادة ياخذونها من عنده؛ (أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ)، والشهادة هذه تمشي على طول من عند الغرغرة إلى الأبد: (أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) في القبر، في البرزخ، في القيامة؛ (أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) تمشي الشهادة هذه، تبغاها؟ أحسن من الدكتوراه أو ما هي أحسن؟… (أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
كيف وصفهم في الحياة الدنيا؟
يعيشون معنا في الدنيا؛ (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً) [الحجرات:7-8]، ولمَّا يزيِّنه في قلوب خواصه، يزين يزين يزين يزين حتى يظهر زينه على من عاينهم، على من سمع كلامهم، وحتى تتعشقه قلوب من حولهم لأنه مزيّن في قلوبهم.
الذي ما يتصل بهم: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران:14] مزين لهم هذا، (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف:7]، لكن من يجالس العارفين هؤلاء في قلوبهم الإيمان مُزيَّن، تتحول زينته يعشق شيء ثاني، (وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) ومن أين جاءوا بذلك؟ (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً)؛ يعني ما أحد يدَّعي الشركة معي ويقول حصلته من هنا أو من هناك، إلا من عندي؛ الأمر كله يقول ربي: من عندي (فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
اللهم تفضَّل علينا وأنعم.
الله ينفعنا بهم ويرفعنا أعلى المراتب، ويجزل لنا من حضرته المواهب، وينظمنا في سلك الأطايب.
ويعلي درجات المنتقل إلى رحمة الله محمد رضا بن عبد الله السقاف، ويجمعنا به في أعلى درجات دار الكرامة والفردوس الأعلى وفي برازخ الأنوار، وفي ظل العرش، وتحت لواء الحمد، وعلى الحوض المورود، وأن الله يبارك في آثاره، ويبارك من الخيرات، ويبارك في المعهد الذي يدرّس فيه دار الحبيب، ويوفر لكل من درس فيه من خيرات الدارين الحظ والنصيب، ويجعل قبره روضة من رياض الجنة، ويجعل له من عذابه وقايةً وجُنة، ويجمعنا وإياه في أعلى درجات دار الكرامة ومستقر الرحمة، وأن الله يُدخل عليه في قبره روحًا منه وسلامًا منِّا في كل لَمْحَةٍ وفي كُلِّ نَفَسٍ، وأن الله يُخْلِفه فينا وفي أندونيسيا وفي الأمة المحمدية بخْلف صالحًا.
وأن الله يفرج كروب المسلمين، ويرفع البلاء عن المؤمنين، ويجعلنا وإياكم في الهداة المهتدين، وأهل علم اليقين، وأهل عين اليقين، وأهل حق اليقين، ويلحقنا بأولئك الصادقين والصدِّيقين، ويجعل وجهتنا في كل الحالات إليه، ويقبل بوجهه الكريم علينا، ويعاملنا بألطافه الجميلة، ويختم لنا بأكمل الحسنى.
وإلى حضرة النبي ﷺ
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه
27 ذو القِعدة 1442