الحِكَم العطائية - 52 | بسطك كي لا يُبقيك مع القبض، وقبضَكَ كي لا يتركك مع البسط، وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيءٍ دونه

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -52- من قوله: (بسطك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيءٍ دونه)
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الإثنين 25 ذي القعدة 1442هـ.

الحكمة (80): "بَسَطَكَ كَيْ لَا يُبْقِيَكَ مَعَ الْقَبْضِ، وَقَبَضَكَ كَيْ لَا يَتْرُكَكَ مَعَ الْبَسْطِ، وَأَخْرَجَكَ عَنْهُمَا كَيْ لَا تَكُونَ لِشَيْءٍ دُونَه".

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم"  إلى أن قال:

الحكمة (80): "بَسَطَكَ كَيْ لَا يُبْقِيَكَ مَعَ الْقَبْضِ، وَقَبَضَكَ كَيْ لَا يَتْرُكَكَ مَعَ الْبَسْطِ، وَأَخْرَجَكَ عَنْهُمَا كَيْ لَا تَكُونَ لِشَيْءٍ دُونَه".

بسطك أولًا من قبض الجهل وظلمة الحجاب بأن كشف عنك غطاء الطبع، وأشهدك فسيح الجمع، وأخرجك من ظلمة الهوى إلى نور العلم ووسيع المشهد الرفيع، ثم قبضك بشهود الآثار الجلالية، والسطوات الانتقامية، والزواجر الحجابية المؤذِنة بالبعد والطرد والمكر، وذلك كي لا يُبقيك مع البسط فيفوتك من المعرفة به حسب ما يفوتك من هذه المظاهر.

فكمال المعرفة يقتضي ألَّا تجهله في شيء، بل تعرفه بجميع أوصافه ولا نهاية لها، فلا نهاية لترقي العارف في الدنيا والآخرة، وما أظهرها عليهم في هذه الدار إلا رحمة بهم في دار القرار، فبإنقضاء هذه الدار تنقضي عنهم هذه المظاهر، وتندرج معارفها لهم، وتنفتح عليهم الخزائن الرحموتية، وتزفُّ إليهم المواهب الامتنانية، ويظهر سرُّ التضعيف السرمدي.

والقبض والبسط: حالان يردان على قلوب السالكين يتولد عنهما الخوف والرجاء، وعندما ترِد على السالك بُسُط المواهب.. يخاف عليه من برد الأمن، المفضي بصاحبه إلى أن يُدِّلَ على الله، ويصول على عباده، وينزل عن علوّ العزيمة إلى حضيض الرخصة، فيتداركه الله بأن يُورد عليه وارد القبض فلا يبقيه مع البسط، بل يفنيه عن الوجود وتنطمس معالمه فلا يرى له بقية، ولا يشهد لنفسه قدرًا ولا يسمع لها خبرًا، بل يكون حاله الانطماس والانكماش في الأعمال، وترك الدعاوي؛ لما يرد على قلبه من محرقات الجلال المزعجة له عن الركون إلى الدعة، فهذه من نعم الله على عبده.

وأشار بقوله: "كَيْ لَا يُبْقِيَكَ"، وتعبيره بقوله: "بَسَطَكَ كَيْ لَا يُبْقِيَكَ مَعَ الْقَبْضِ"؛ لأن القبض يقتضي بقاءك ومعرفتك، وبقوله: "كَيْ لَا يَتْرُكَكَ مَعَ الْبَسْطِ" لأن البسط يقتضي فناءك وجمعك.

فإذا تركك كذلك فاتك من مقام العبودية حظ وافٍ، فعبَّر بـ "كَيْ لَا يَتْرُكَكَ" فانيا عنك، وعبر بقوله: "كَيْ لَا يُبْقِيَكَ" ليزيحك عن ظلمة حجابك وغمة عتابك في إيابك ومآبك. ثم قال: "وَأَخْرَجَكَ عَنْهُمَا" أي: القبض والبسط، لأنهما من مقتضى التغيير، والبقاء معهما حبسٌ عن مقام عدم التقييد بالأغيار، وقيد عن الذهاب فيه والوصول إليه.

فالتمكين رتبة العارفين وسِمة الموحدين، والتلوين حالة السالكين وسمة المريدين المبتدئين، فالخروج عن مضيق الوجود إلى فضاء الشهود لا يكون للعبد فيه مدخل ولا منه فيه تعمُّل، بل محض منة وظهور عناية على من بدورك به، واختص به لأن العطايا الوهبية والمنازل القربية لم يكن للعبد بها شعور ولا لها في مخيلته ظهور، وإن كان لا يسمع بها لكنه يسمع بذلك، فإذا ظهر له.. تحقق بعد أنه لم يكن ذلك ما يحتسبه، ونظر ما لا يتخيله، فالقبض والبسط آثارُ ومظاهر أسماء الأفعال، والخروج عنهما إلى فضاء الوصف الذي لا حصر له ولا نهاية.

وتكون حالته الهيبة بدل القبض، والأنس بدل البسط، والهيبة تكون لا لشيء من الأسباب، ولا بشيء من الأعراض، ولكن يكون مقتضى المقام من غير شيء يزيد على ذلك، والأنس أيضًا كذلك، لا بشيء من الأسباب، ولا بجنس من الأجناس، ونوع من الأنواع بل لمقتضى المقام، فلا يعطيك غيره في حالة تجلِّيه عليك وتدلِّيه إليك، لأن الجمال مأنوس والجلال مهاب.

 وإن ظهر في الجلال ما يقتضي الأنس، وفي الجمال ما يقتضي الهيبة.. فلا يكون حال العبد في ذلك المقام إلا مقتضى المقام، ولا حكم بعد لما يظهر من الآثار، إذ الحكم لله العلي الكبير.

ومن كان كذلك.. لا يكون تحت حكم الآثار، ولا يتغير بتعاقب الأطوار، ولا يتكدر برؤية الأغيار، ولا ينبسط بجنة ولا ينقبض من نار، بل يكون مع ربه فانيًا عن الأغيار. 

كما يروى في مثل ذلك المعنى أن إبراهيم بن أدهم لما رُئِيَّ منقبضًا، فجعل يقول له السائل: أمن كذا؟ أمن كذا؟ وهو يقول: ما كذا، ما كذا.

والهيبة والأنس أصل القبض والبسط، إلا أن القبض والبسط يظهر أثره في عالم الأفعال، والهيبة والأنس غيب يظهر عن تجلي الأوصاف القدسية، والنعوت الأزلية في عوالم الإجمال.

وبالنظر إلى تفاوت هذين المشهدين يكون الجمع والفرق، فالنظرُ في عالم التفصيل يقتضي الفرق والتغاير لا محالة، والنظر في عالم الإجمال يقتضي الجمع لا محالة؛ فلذلك لم يكن للأغيار ظهور في عالم الإجمال، بل لم يكن ثم إلا موصوف بوصف ومنعوت بنعت، وذلك لا يقتضي التعدد؛ فلذلك قال: "أَخْرَجَكَ عَنْهُمَا كَيْ لَا تَكُونَ لِشَيْءٍ دُونَه".

ومتى نظرت لسبب وجود في إيجاد شيء أو إعدامه، أيِّ سبب في أيِّ شيء.. فأنت له، حتى تتخلص عن رؤيته، إن له أو منه أو به، فعند ذلك تنظر انفراد الحق بالاختراع والإبداع فتكون له، لأنك لم تر لغيره شهودًا ولا حقيقة وجود، ولي في ذلك:

 القبض والبسط غيرٌ إن وقفتَ به *** دون الحقيقة إن  حققت يا إنسان

جُزِ المقامات والحالات واْفنَ به *** فثَمَّ تشهد بعد الحالة الشان

فإن تفرقتَ في التفصيل كنتَ به *** أعشى البصيرة في الأكوان حيران

فجائل الطرف تحكم إن نظرتَ به ***  أنك ترى منه أن الواحد اثنان

ثم لما كان القبض والبسط حالين، ولكل حال في العبد أثر يقتضي أن يكون العبد متصفًا به، فحالة القبض تظهر على العبد أثرًا بالانكسار، والانقهار تحت أحكام القهار، وهذا هو حالة العبد القائم بين يدي السيد الجبار، ومن هنا كان خوف العلماء على حسب قربهم، وصفاء مشهدهم.

والبسط حال انبساط في فسيح متسع الجمال، يظهر أثره على العبد بصولة الفرح، والترَدُد بين رياض الحكم، وتغني أطيار السرور على أرائكِ سُرُر المقامات وتدلي أشجار الكَلِمِ، فلا يشك أن العبد عند ذلك يُخشى عليه صولة الإدلال، فتنقطع عنه إمداد الوصال، وتسد عنه أبواب الاتصال، فلذلك اشتد خوف العارفين عند البسط.

والقبض حق الحق من العبد، والبسط حظ العبد من الحق، ولَأَن يكون بحق سيده.. أولى من أن يكون بحظ نفسه، فإذا كانوا بالبسط كانوا أخوف منهم إذا كانوا بحالة القبض.

والقبض أسلم لحالة العبد الضعيف، إذ لم يقف على الأدب مع البسط إلا القليل من كُمَّل العارفين الذين ملكوا أزِمَّة الأحوال، وضبطوا الأفعال والأقوال على تغاير الأحوال".

 

رضي الله عنهم.

الحمد لله؛ يتكلم سيدنا الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- عن ما يُنازل الإنسان في سيره إلى الله تبارك وتعالى، وكل مؤمن من أحوال القبض والبسط: 

  • ينازله حالة قبض وحالةٌ قد يتصل بها بعض هَمٍّ أو ضيق. 
  • وينازله حالة بسط، قد يتصل بها حالة فرح وسرور. 

ولكن هذه الأحوال التي تنزل بالإنسان وتَرِد على المؤمن، المقصود منها: أن يعلم عظمة المحوِّل والمغيِّر والمبدل للأحوال؛ أن يعرف القابض الباسط، المقصود من القبض والبسط؛ أن تتسع معرفته بالقابض الباسط جل جلاله وتعالى في علاه. 

فإذا لم تصحبه عنايةُ الله: 

  • وقع مع القبض في انقطاع، وما عرف حقائق الاتساع فقصُر عن الارتفاع. 
  • وإن رُميَ في البسط على غير عناية من الحق الباسط، اتسع له الخيال وصدَّق المحال وانقطع عن حقائق الوصل والاتصال والوصال.

 فمن جود الحق أنه يلاطف عبده يربيه، ينقله من حالة إلى حالة، من حالة إلى حالة، حتى لا يركن إلى حالة ولا ينقطع بها، ويبقى مع المحوِّل يربيه بها تربية بعد تربية، حتى تكمل تربية نفسه فيُحلِّه في حظيرة قدسه، فله الحظ الأوفى من هيبته وأنسه، فلا يساويه شأن صاحب القبض وهو في هيبته، ولا شأن صاحب البسط وهو في عظيم أنسه بالباسط جل جلاله وتعالى في علاه.

فشرور هذه الأحوال والوقوف معها يصرفها عنه، لأنه يريده له؛ لا لغيره. وإن اختلفت أحوال الناس؛ منهم من يريده الحق تعالى للظلمات والعياذ بالله تبارك وتعالى، ويختار الظلمات ويختار الآفات ويختار المعاصي ويحب العاصين ويجالسهم ويروح معهم ويقضي عمره معهم والعياذ بالله؛ هذا بعيد ومطرود. 

وواحد ثاني في أنوار ولكن دون أنوار، فأيضًا يكون حاله ناقص بالنسبة لما هو أعلى، وإن كان أشرف من ذاك الذي راح وراء المعاصي؛ ولكنه ناقص بالنسبة لمن انفك من حجب هذه الأنوار إلى النور، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [النور:35]، وإنما يستطيع الانفكاك إذا قويت صلته بنور هذه الأنوار، نور الأنوار، النور الأول الذي خلقه الله جل جلاله وتعالى في علاه؛ بواسطة الاتصال به فقط يمكن التخلص من حجب هذه الأنوار إلى أن تجتمع على النور بالنور إلى النور، وتقرأ: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ فتشهد وتُمَّد وتدرك وتُوهَب وتُعطَى وتُمنَح ما لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنت في الدنيا قبل الآخرة، وهناك النعيم الأكبر وانجلاء كثير من الحقائق، لكن من دون نهاية، ليس لها نهاية لأن ربنا سبحانه وتعالى جلَّ عن الحصر وعن النهاية، ليس له لا بداية ولا نهاية.

فيتكلم الشيخ عن القبض، قال: "بَسَطَكَ كَيْ لَا يُبْقِيَكَ مَعَ الْقَبْضِ، وَقَبَضَكَ كَيْ لَا يَتْرُكَكَ مَعَ الْبَسْطِ، وَأَخْرَجَكَ عَنْهُمَا"-الاثنين معًا- "كَيْ لَا تَكُونَ لِشَيْءٍ دُونَه"، من أجل لا تكون إلا له وحده سبحانه وتعالى. وفي أثناء القبض تنطوي كثير من المسافات ما لا تنطوي في البسط. 

ويقول: إن بعض مظاهر هذا القبض "حق الحق من العبد"، ومظاهر البسط "حظ العبد من الحق"، فأن تكون مع حق ربك أحسن من أن تكون مع حظ نفسك. إلا أنه وراء هذا كله بعد ذلك وصولٌ إليه وأنس به، ولا عادك مع القبض ولا مع البسط، أنت مع القابض الباسط؛ يا ما أحسن العيش! يا ما أحسن العيش مع الحق. ما عيش صافي هني إلا مع أهل القلوب، نور اللهم قلوبنا.

قال: "حالان يردان على قلوب السالكين يتولد عنهما الخوف والرجاء، وعندما ترد على السالك بُسُط المواهب.. يخاف عليه من برد الأمن، المفضي بصاحبه إلى أن يُدِّلَ على الله"، ويشهد له وجود مع الله، "وينزل عن علو العزيمة إلى حضيض الرخصة"، وكذلك كثير من الأحوال، يكون فيما لا يليق بالعبد مع الحق، قال: "فيتداركه الله بأن يُورد عليه وارد القبض فلا يبقيه مع البسط، بل يفنيه عن الوجود وتنطمس معالمه فلا يرى له بقية، ولا يشهد لنفسه قدرًا ولا يسمع لها خبرًا"، فيكون في حالة القبض "يَرِدُ على قلبه من محرقات الجلال المزعجة له عن الركون إلى الدعة، فهذه من نعم الله على عبده".

"بَسَطَكَ كَيْ لَا يُبْقِيَكَ مَعَ الْقَبْضِ" لأن القبض يقتضي بقاءك ومعرفتك"، "البسط يقتضي فناءك وجمعك"، قال: "كَيْ لَا يَتْرُكَكَ"، مرة قال: "كَيْ لَا يُبْقِيَكَ"، ومرة قال: "كَيْ لَا يَتْرُكَكَ"؛ لأنه أنسب بالحال والمقام، لا إله إلا الله.

"فإذا تركك كذلك فاتك من مقام العبودية حظ"؛ لأن المعرفة بالله وإن كانت الإحاطة فيها مستحيلة، لكن السعة فيها والتمكين فيها والقوة فيها ممكنة، أما الإحاطة مستحيلة، ما حد يحيط بوصف من أوصاف الرب ولا باسم من أسمائه، ولكن بشيءٍ من علمه، (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255]، ويتفاوتون فيه سعةً وضيقًا، وكثرةً وقلةً، وعمقًا وقُربًا، وتمكينًا وعدم تمكين، كله يتفاوتون فيه؛ فلهذا قال ينبغي أن تطلب ما هو أسمى وأعلى وأشرف وأعمق وأمكَن، وغاية ما يمن الله به على عبده المقرب أن يُمَكِّنه. 

قال الإمام أبو بكر العدني في جده الإمام عبد الرحمن السقاف:

رقى في رتبة التمكين مرقى *** وقد جمع الشريعة واليقينا

لا إله إلا الله. 

وهكذا يقول ملك مصر لسيدنا يوسف: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) [يوسف:54]. 

ولكن يقول الحق سبحانه وتعالى عن عبده في الكتاب العزيز: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)، شفت فين تمكَّن؟.. هذا لما مَكَّن يوسف عنده صرَّف مملكته كلها، صار هو صاحب القرار؛ لكن هذا مكين عند ذي العرش، (ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) [التكوير:20-21] صلى الله على سيد أهل التمكين. 

وهكذا، ما مُكَّن سيدنا جبريل تمكينه لهذا لم يجاوز سدرة المنتهى، ما قدر، لكنه بتمكينه طلع، وجاوز الحُجُب كلها والملائكة، وترك حملة العرش ومن حوله تحته، حملة العرش ومن تحتها كانوا تحته حتى تحت جسده الشريف في تلك الساعة، فسبحان من مكَّنه!.. شفت التمكين يظهر سره في القيامة: "أنا لها"، ما حد يقدر يقول كذا، ولا مَلَك ولا نبي ولا صدِّيق ولا صغير ولا كبير، من يقدر يقول؟! (ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) اللهم صلِّ عليه.

الله يرزقنا الاتباع له والدخول في دائرته. 

يجب علينا أن نأخذ نصيبنا من هذه الأيام والليالي والاجتماعات في اتصال بالجناب الشريف، ونيل التكريم والتشريف بالتبعية له، لننفك من حُجُب الأغيار والأنوار، لنكون مع النور، يا ربي نوّرنا، يا ربي طهّرنا، يا ربي وفقنا. 

وربما سبق بعض الجن بعض الإنس، (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) [الواقعة:10]، (وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين:26] لا إله إلا الله.

"التمكين رتبة العارفين وسمة الموحدين، والتلوين حالة السالكين وسمة المريدين"، يقول: "القبض والبسط آثارُ ومظاهر أسماء الأفعال، والخروج عنهما إلى فضاء الوصف الذي لا حصر له ولا نهاية". حينئذٍ بدل القبض يجد الهيبة، وبدل البسط يجد الأُنس، لكن أنسٌ بالله. قال شيخنا الحبيب عطاس الحبشي:

يا أهل القلوب الحاضرة مع الله *** في جنة العرفان والمصافاة 

مستغرقة به ذاكرة لآلاه

فإذًا، مقتضى المقام ينازله الأنس وتنازله الهيبة لا بشيءٍ من الأسباب، فـ "لا يكون تحت حكم الآثار"، ولكن في فضاء شهود المؤثر جل جلاله. 

"أَخْرَجَكَ عَنْهُمَا كَيْ لَا تَكُونَ لِشَيْءٍ دُونَه". 

"متى نظرت لسبب وجود في إيجاد شيء أو إعدامه، أيِّ سبب في أيِّ شيء.. فأنت له"؛ لذلك السبب، "حتى تتخلص عن رؤيته"، لا ترى أنَّ "له أو منه أو به" شيء، إلا بسم الله، بالله، من الله، إلى الله، وعلى الله، وفي الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. "عند ذلك تنظر انفراد الحق بالاختراع والإبداع" (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [فاطر:3]، "فتكون له"، لأنك لم ترَ غيره؛ لا إله إلا الله.

"فحالة القبض تظهر على العبد أثرًا بالانكسار، والانقهار"، وهنا يقول: "كان خوف العلماء على حسب قربهم، وصفاء مشهدهم"، من كان أقرب كان أهيَب.

"والبسط حال انبساط في فسيح متسع الجمال، يظهر أثره على العبد بصولة الفرح"، لكن (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58]، و"يُخشى عليه صولة الإدلال"، أن يدل على الله والمنُّ لله، (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].

الله ينظر إلينا ويقربنا إليه زلفى، يا قابض يا باسط نوِّر هذه القلوب بالإقبال الصادق عليك، واجعل وجهتها إليك، وتذللها بين يديك، فتُعزّها بقربك ومحبتك ورضوانك أبدًا سرمدًا، يا حي يا قيوم يا أكرم الأكرمين يا أرحم الراحمين. 

هو أذِن لنا ندعوه ونسأله ونحن عباد ضعاف في حد ذاتنا وفي أنفسنا، ثم اجترأنا عليه وخالفناه وعصيناه، ولم يسد الباب عنا، ولم يقطعنا عن الإذن أن ندعوه، بل حتى أمثالنا ناداهم، قال: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا) بس تعالوا.. (وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) [الزمر:53-54]. 

اللهم ارزقنا الإنابة، واعفُ عنا، واغفر لنا، واجعلها أيام وليالي نرقى فيها في المراتب العوالي، يا كريم يا والي، يا مولى الموالي يا أرحم الراحمين، اسقنا الشراب الهني الحالي، برحمتك في خير ولطفٍ وعافية والحمدلله رب العالمين. 

يثبتنا على دربه؛ ويسقينا من شربه؛ ويرزقنا كمال قربه وحبه؛ وأن يحيينا على ملته ويتوفّانا عليها؛ ويجعلنا من خواص أهل سنته المتمسكين بها؛ وأن يسلك بنا في سبيله ويسقينا من سلسبيله؛ وأن يصلح شؤون أمته، ويجعلنا في خيار أمته، ويجعلنا في أنفع أمته لأمته وأبرك أمته على أمته، وينفعنا بأمته عامة وبخاصتهم خاصة، ويجمع لنا سر الاجتماع به على الرحمن، ويكفينا شر النفس والهوى والشيطان، ويطهرنا عن جميع الأدران، ويبارك لنا فيما أعطانا وما أنعم به علينا ويختم لنا بالحسنى.

 وإلى حضرة النبي

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه 

الفــــــــــاتحة

 

تاريخ النشر الهجري

27 ذو القِعدة 1442

تاريخ النشر الميلادي

07 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام