الحِكَم العطائية - 51 | مطلَب العارفين من الله تعالى: الصِّدق في العبودية والقيام بحق الربوبية

شرح الحِكَم العطائيَّة لباراس -51- من قوله: (مطلب العارفين من الله تعالى الصدق في العبودية والقيام بحق الربوبية)
للاستماع إلى الدرس

شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.

عصر الأحد 24 ذي القعدة 1442هـ.

الحكمة (79): "مَطْلَبُ الْعَارِفِينَ مِنَ اللهِ تَعَالَى: الصِّدْقُ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ" 

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم"  إلى أن قال:

"وربما يقول: إني حسن الظن بربي، ولو كان به حَسن الظن.. لكان له حَسن المعاملة، ومعه مُهذب الأخلاق، صَفيُ الآداب، متبعًا ما هو له آمر، ومجتنبًا ما هو له عنه ناهٍ.

وهذا مقام في اليقين، وقدم في التحقيق، ولكنّ العارف له كلام رفيع، ومثال منيع، فوق ذلك، وعنده يحصل حسن الظن على التمام، ويراه على الكشف والعيان، بلا تلبيس فيه ولا غرور، بل على المحجة البيضاء، يُعطي الأمُور حقها، قد خرج عن الحظوظ والأغراض، وقام بالحقوق، لا يعتريه فتور، ولا يمازجه اعتراض؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:

الحكمة (79): "مَطْلَبُ الْعَارِفِينَ مِنَ اللهِ تَعَالَى: الصِّدْقُ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ" 

المطلب: هو المقصود من الفعل، والمطالب شتى بحسب الأفعال والفاعلين؛ فلكل فاعل مطلب يطلبه، ومحتد يقصده، والمطالب: إما طلب نفع وجلب، أو طلب دفع مؤلم قالب أو قلب، وهو أيضًا: إما دنيوي، أو أخروي.

فالخلق ثلاثة أصناف من حيث إجمال المطالب: إما عارفين مقربين، وإما علماء أبرار، وزهاد أخيار، وعباد أحرار، وإما جهال أشرار، وغافلين أغرار، لا يميزون بين ظلمة الليل وضوء النهار؛ فهؤلاء مطالبهم المنافع الدنياوية، ودفع الضرائر الجسمانية، فلا نرفع لهم ذكرًا، ولا نشغل الوقت بالخوض في تفاصيل أصنافهم.

وأما العباد والزهاد.. فمطلبهم في الحال: سلامتهم عن ملاحظة الخلق؛ كي لا يَبطُل ثوابهم، ويحق بهم عقابهم، وعند انبعاثهم على العمل يكون الداعي لهم رجاء ما يعود عليهم من الثواب والسلامة عن العقاب، وأليم العذاب. 

فهؤلاء وإن كان مطلبهم محمودًا، ومقامهم مشهودًا، وهم الأكياس من حيث إنهم عملوا لله كي ينالوا ذلك، ويسلموا من محذُورات الذنوب.

وأما من عمل للجنة دون الله، أو من النار دونه.. فلا خفاء في أن ذلك باطل؛ كما أفتى به الفخر الرازي. 

وكلامنا فيمن يعمل لله لينال الثواب، ويسلم من العقاب، ومن كان كذلك.. فمقامه محمود، ومطلبه عزيز بالنسبة إلى من دونه.

وأما العارفون، والسادات الموحدون، والخواص المقربون.. فإنهم يعملون على غيبة نفوسهم عن العمل، وإخراج رؤيتهم عن شهود صدوره عنهم.

فلا يشهدون لهم ولا منهم، وجُلُّ مطلبهم وكل بغيتهم القيام بحق سيدهم، والمُثول على بابه، والإقِبال على جنابه، لا يَلتفتون إلى عاجل حظ، ولا آجل جزاء.

والعارفون هم الحكماء، والمعرفة هي الحكمة، وهم المهذبون الأدباء، والميامين الأمناء، غرباء الأوقات، مُحيون من السنة ما مات والمُتداركون من الأوقات ما فات.

والمعرفةُ هي الخير الكثير، والحيا المطير، (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)[البقرة:269]، والذكرى: هي فهم الأسرار، وتحقيق المعارف بزوال الأستار الكونية، وفناء مظاهر الأغيار، وانطماس معالم الآثار، فمن خلص عن رُؤية ذلك، وتَخلّفت عنه مقاطع الاغترار.. فقد قام التذّكار، وحصل من كل شيء على لُبابه، (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

فشتان بين من همته القيام بحقوق ربه، وبين من يريد حظه من ربه!.

هموم العارفين كذا وقوف *** على ما يرضي المولى تعالى

ومطلب غيرهم دائم عُكوف *** على نيل الثواب وصفو حالًا

وهم في نيل مطلبهم صُنوف *** ولكن الشُهودَ له رجالًا

ثم أخذ كالمفسّـِر لِأحوال الأبرار، ومشيرًا إلى حالات الموحدين، وخواص العارفين؛ فَالقبض والبسط أحوال تَرِد على قلوب الواجدين من الله تعالى، وله في كل وارد حكمةٌ يترقى في سُلمها السالك. والقبض: أثرٌ من آثار جلاله، والبسط: أثر من آثار جماله، وهو المسمى بِالقابض والباسط".

 

الحمد لله، اللهم ارزقنا حسن الظن بك وبخلقك يا حي يا قيوم.

قال: إن من صَدَق حسن ظنه في ربه تعالى، فإنه يُحسِن معاملته مع الله، إذا حَسُن ظنه بالله امتثل الأمر هذا الإله؛ حسن ظنك: بأنه عظيم، أنه كبير، أنه جليل، أنه قادر، أنه حي، أنه قيوم، أنه مقتدر، أنه مطلع عليك، أنه يراك، أنه يسمعك، هذا حسن ظن أو كيف هو!.. أنه سبحانه وتعالى محيط بك، أنه مرجعك إليه، أنه لولا فضله ما كنت ولا وُجدت ولا قام شيء من أعمالك هذا حسن ظن. 

إذا أحسنت الظن من مقتضى هذا ولازم هذا أن تتأدب معه، أنت تشهد فيه هذه المشاهد كلها، وبعد ذلك تقصد معصيته وتقصد مخالفته؟! إن كان أسأت الظن، ظننتَ أنه ما يدري بك، أو ما يطّلع عليك، أو ما يقدر عليك، ممكن تعمل هذا وتقر نفسك على المعاصي، هذا سوء ظن ما هو حسن ظن! 

لكن إذا أحسنت ظنك به، تعرف قدره، تعرف مكانته وعظمته -جل جلاله وتعالى في علاه-، وبحسن الظن بالله تعالى يحسُن العمل ويحسن الأدب معه عز وجل -جل جلاله وتعالى في علاه- قال تعالى في الذين أساءوا الظن وأساءوا العمل في الدنيا: (وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ)، سيئي الظن هؤلاء يظنون أنه لا يدري أو كيف؟!.. (وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ) -أهلككم- (فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ) فكيف صار حالهم الآن؟ -كائنين من كانوا- في الدنيا كانوا يسمونه شاطر أو عبقري، أو يسمونه لاعب أو مهندس أو مخترع، خلُّه يسمونه بأي اسم، الآن كيف حاله؟ (فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت:22-24]؛ ما يقبل منهم شيء.. يا الله! هذه نهايتهم، (وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ).

وهكذا فيتبع ذلك ويصح معه أنك تظن به: 

  • أن يقبل توبتك عندما تتوب. 
  • وأن يغفر لك الذنوب. 
  • وأن يُحسن لك الخاتمة. 
  • وأن يثبّتك على ما يحبه منك. 

ما دُمت على هذا الحال ومجاهدًا لنفسك ومعاتب لها، فهذا حُسن ظن صحيح. فإذا انقلب الأمر، ومثاله: تجيء إلى واحد من الناس تقول له: أنا أحسن الظن بك تمام، حتى أظن لو لطمتك ما تقول شيء! أو لو رفستك برجلي ما تقول شيء! ولو لطمتك ما تقول شيء، ولو وكدمتك ما تقول شيء!... بيقول له والله ما بغيت حسن ظنك يا قليل الأدب، تعال هنا أنا بورّيك لطمي كيف.. هل هذا حسن ظن هذا؟ يقين إذا أحسنت الظن بواحد بتقوم تنفذ أمره لأنك تحسن الظن به، ذا إلا أسأت الظن به وتقوم تخالفه وتقول إنك أحسنت الظن!؛ ولهذا قال: لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، كذب قوم يعصون الله ويقرون أنفسهم على ترك الواجبات ، ثم يقولون: نحسن الظن بالله! قال: كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

فإذا حسُن الظن وحسن العمل، ارتقى الحال بهذا المُحسن الظن بالكبير المتعال، إلى أن يصير ما عاد يطلب مُراداته وأغراضه وشهواته ومطالبه وحظه أبدًا، يبحث عن هذا الذي أحسن الظن به: أيش يريد؟ أيش يحب؟ يريد ما يريده هو، ما عاد صار يطلب لنفسه شيء من قوة حسن ظنه، فأيش يحصل؟ 

يعطيه فوق كل شيء وفوق ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

لذلك قال: "مَطْلَبُ الْعَارِفِينَ مِنَ اللهِ تَعَالَى: الصِّدْقُ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ"، شفت لمَّا أحسنوا الظن بالله وصلوا إلى فين؟ 

صار مطلبهم أن يصدقوا في عبوديتهم لله -جل جلاله- (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)، هؤلاء هم مسيئو الظن، (وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ) أحسنوا الظن بنا وبرسولنا.. (قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا)؛ هذا فضل وإحسان من عندنا؛ أحسنوا الظن أنتم.. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) [النساء:172-175].

اللهم اجعلنا منهم.

يقول: "المطلب: هو المقصود" ما مقصود العارفين؟ 

"المقصود من الفعل، والمطالب شتى بحسب الأفعال والفاعلين؛ فلكل فاعل مطلب يطلبه، ومحتد"؛ يعني: أصل، "يقصده، والمطالب: 

  • إما طلب نفع وجلب 
  • أو طلب دفع مؤلم قالب أو قلب،

 وهو أيضًا: إما دنيوي، أو أخروي".

إذًا: "فالخلق ثلاثة أصناف" نعيش مع الناس في الحياة وهم أصناف، "من حيث إجمال المطالب: 

  • إما عارفين مقربين 
  • وإما علماء أبرار، وزُهَّاد أخيار، وعُبَّاد أحرار 
  • وإما جهال أشرار، وغافلين أغرار"

هذا الموجود في العالم؛ قال: هؤلاء الجهال الأشرار الغافلون الأغرار، أهل اللعب واللهو، والذين غاية أحدهم يا شُرب يا نكاح، يا قَصر يا مال، يا شهرة فقط وانتهى، الناس هؤلاء حقيرين ساقطين، ما نشغل وقتنا بهم ولا بأخبارهم، نصفح عنهم، وننظر أخبار الآخرين. هؤلاء الرعاع سفهاء حمقى، ما أسرع ما ينتهي كل شيء بين أيديهم ويقابلون بارئهم؛ (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور:39]. قال: "فهؤلاء مطالبهم المنافع الدنياوية، ودفع الضرائر الجسمانية"، فقط "فلا نرفع لهم ذكرًا، ولا نشغل الوقت بالخوض في تفاصيل أصنافهم"، كلهم ما يساوون شيء، ما لنا حاجة بهم. 

قال: سأكلمك عن العباد والزهاد وعن العارفين، هذان الصنفان سأتكلم معك عنهم، لأنه فيه فوائد الكلام عنهم ونرجو أن نحشر معهم يوم القيامة. 

فقال: "وأما العباد والزهاد.. فمطلبهم في الحال: سلامتهم عن ملاحظة الخلق؛ كي لا يَبطُل ثوابهم -الله أكبر-، ويحق بهم عقابهم، وعند انبعاثهم على العمل يكون الداعي لهم رجاء ما يعود عليهم من الثواب والسلامة عن العقاب، وأليم العذاب"، هؤلاء العباد؛ هؤلاء عبدوا الله لأجل الله، وليدفع عنهم ألم العذاب والعقاب والنار والشدائد والأهوال، وليدخلهم الجنة دار الكرامة، عملوا لله على ذلك، لا أنهم عملوا للجنة من دون الله ولا للنار من دون الله، لا.. هم عملوا لله لكن راجين منه أن يدخلهم الجنة وينجّيهم من النار، لأجل أن يحوزوا هذا أيضًا أشركوه مع عملهم لله تعالى، من أجل يعمل لهم كذا. قال: "مطلبهم محمودًا، ومقامهم مشهودًا، وهم الأكياس" بالجملة.

لكن فوقهم مطلب للعارفين أكبر من هذا؛ "أما العارفون، والسادات الموحّدون"؛ أي: حقيقة التوحيد، والخواص المقربون.. فإنهم يعملون على غيبة نفوسهم عن العمل"، ويرون أنه سخّرهم في هذا العمل وسخَّر العمل لهم والفضل له، ومطلبهم أن يحقّقوا العبودية لهذا الإله ويقوموا بحق الربوبية، وهكذا؛ أخرجوا "رؤيتهم عن شهود صدوره"؛ صدور الأعمال "عنهم"، (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) [هود:88] يقول سيدنا شعيب عليه السلام، وكذلك الأنبياء والصالحون كلهم. "فلا يشهدون لهم ولا منهم"؛ ولكن له ومنه. 

ذبح النبي ﷺ أضحيته وقال: "اللَّهمَّ مِنكَ وإليكَ"، منك وإليك، الله أكبر، سبحان الله!، وقال لبعض أصحابه: "سل ما تشاء"؛ فقال: ما أسأل يا رسول الله؟ كنا في جاهلية وشر وكفر، هدانا الله بك إلى هذا الدين والإسلام والتوحيد والعمل، والوحي ينزل علينا، أطلب شيء أكبر من هذا؟ أيش أطلب!.. شفت يروا المنة لله بتوفيقه؛ أخرجك من الكفر والفسوق والعصيان وعبادة غيره وهيأك له، وسيّرك في طاعته، وعادك تريد أيش أكبر من هذا؟ أيش أعظم من هذا!  ومشى بك في هذا المسلك، وهو ربك جل جلاله وسيرك هذا المسار، له الحمد وله المنة، نعمة كبيرة. ولو شاء رماك عند ذا أو ذاك، وجعلك عبد لشهوة، عبد لإبليس، عبد لخسيس، عبد لشركة، عبد لهوى وروّح بك… عبد للعب وروّح بك هناك؛ لكن خلصك من هذا كله وأوقفك في حضرته! الله!... له الفضل والمنة، أعزّك وشرّفك، وعادك تقول بغيت.. أيش تبغى؟ قُم بحق الربوبية، وتحقّق بالعبودية.

قال: "وجُلُّ مطلبهم وكل بغيتهم القيام بحق سيدهم، والمُثول على بابه، والإقِبال على جنابه، لا يَلتفتون إلى عاجل حظ" في الدنيا، "ولا آجل جزاء" في الآخرة.

قال: "وهم الحكماء"، "المهذبون" -عليهم رضوان الله- "مُحيون من السنة ما مات" الله أكبر!.

"(وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)[البقرة:269]".

قال: "فشتان بين من همته القيام بحقوق ربه، وبين من يريد حظه من ربه!"، 

  • فالعُبّاد والزهاد يريدون حظهم من ربهم. 
  • والعارفون يريدون وجهه، يريدونه هو، همتهم القيام بحقوق ربهم -جل جلاله وتعالى في علاه- وهم درجاتٌ عند الله. 

وأما الآخرين، أولئك الرعاع، قال: ما نضيع عمرنا ووقتنا فيهم.. أنواع من الغي والفسق والضلال، وإهدار طاقات الفكر والعقل والعمر فيما لا طائل تحته وفيما يجلب الشرور؛ ما لنا حاجة بكلامهم، هم أولئك قاعدين عارضين حياتهم، وعارضين كلامهم وأفكارهم، ملأوا الدنيا لنا مسلسلات وبرامج، تعالوا تابعونا، تعالوا شوفوا نحن… أنتم ساقطين، تريدوننا نحن نسقط؟! أنتم هابطين، تريدوننا نحن نهبط؟ (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) [النساء:89]، قد ربي بعث لك أنبياء ورسل، وأقام لك صالحين من عباده، تروح وراء هؤلاء وتترك هؤلاء! 

الله ينظر إلينا. 

وقد فقدنا في يومنا واحدًا من صلحاء البلدة وأخيارها وأهل النور فيها -عليه رحمة الله- الحبيب زين بن محمد بن أحمد بلفقيه، أعلى الله درجاته، وجمعنا به في أعلى جناته، وجعلها أبرك الليالي عليه وأسعد الأيام لديه، وقابله بأسنى ما يقابل به أرواح المحبوبين والمقربين المتقين، وأخلفه فينا وفي أهل بلده وفي الأمة المحمدية بخلف صالح، وجمعنا به في أعلى درجات دار الكرامة، وبارك في أولاده وأحفاده وأسباطه بركة تامة، وسار بهم خير مسار، وجعلنا وإياهم في الأخيار. 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

 

تاريخ النشر الهجري

26 ذو القِعدة 1442

تاريخ النشر الميلادي

06 يوليو 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام