(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الإثنين 27 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (71): "إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ مَحَلاًّ لِجَزَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا تَسَعُ مَا يُرِيدُ أنْ يُعْطِيهُمْ، وَلِأَنَّهُ أَجَلَّ أَقْدَارَهُم ْعَنْ أَنْ يُجَازِيَهُم ْفِي دَارٍ لَا بَقَاءَ َلهَا".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"وإذا رأيت أنك لم تظهر لك الكرامات، ولم تسامحك المقدورات، ولم تواتك المسرَّات الدنياوية، ووردت عليك صنوف المصائب وأنواع المتاعب والضرورات.. فلا تحزن لذلك، ولا تهن لما هنالك؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (71): "إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ مَحَلاًّ لِجَزَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا تَسَعُ مَا يُرِيدُ أنْ يُعْطِيهُمْ، وَلِأَنَّهُ أَجَلَّ أَقْدَارَهُم ْعَنْ أَنْ يُجَازِيَهُم ْفِي دَارٍ لَا بَقَاءَ َلهَا".
"إِنَّمَا" هذه يُؤتى بها للحصر، والحكمة في تأخير الآخرة الصافية عن المكدِّرات، والسالمة عن التغيرات، الدائمة المأمونة الانقطاع والفناء، وأخّرها عن هذه الدار الموصوفة بهذه الصفات.. إلا ليجازيَ بها عباده الخاصِّين به دون غيرهم، الذين لم تستعبدهم الأهواء، ويجعلها محلًّا لما ادَّخره لهم من الكرامة، وأخفاه من قرة الأعين ممَّا لا تسمعه أذن، ولا تراه الأعين.
وذلك من أجلِّ كراماته، وأعظم عطياته: أنْ أخَّرَ المستحسَن وقدَّمَ الكريه؛ لتزول كراهته بوجود إراحته، فكأنه لم تمسَّهُ الضراء حيث عقَّبها بالسَّرَّاء، ومن عظيم عذابه ووبيل عقابه: أن يقدِّمَ المستحسَن المستلَذَّ ويعقب المؤلم المستقبَح، فكأنْ لم يكن؛ لِمَا تقدم وجودٌ بالنسبة إلى المتأخر عنه، كما ورد ذلك "أن أشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة يغمس في الجنة غمسة، فيقال له: ابنَ آدم هل مرَّ بك بؤس قط؟ هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا وعزَّتك وجلالك ما مرَّ بي بؤسٌ قط، ولا رأيت بؤسًا قط، وإن أَنْعَمَ أهلَ الدنيا من أهل النار يغمس في النار غمسة، فيقال له: يا ابنَ آدم؛ هل مر بك خيرٌ قط؟ هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا، وعزَّتك وجلالك ما مرَّ بي خيرٌ قط، ولا رأيت خيرًا قط …" الحديث، أو كما قال.
وسُمِّيت الدار -والله أعلم- لأنها دورةٌ من دورات الفلك الأطلس؛ فله دورات عرشية، ودورات سماوية وملكوتية، ودورات أرضية شهادية ملكية دنياوية، ودورات برزخية خيالية، ودورات أخروية نشرية حشرية تحقيقية، ودورات حسابية، ودورات صراطية جوازية، ودورات ديمومية خلدية فضلية، أو نارية عدلية، ودارات جمالية، وتجليات كشفية لا تتناهى دوراتها في العوالم الوصفية، والخزائن الرحموتية وإليها الانتهاء: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104].
ولو أخذنا في بيان تَدْوار هذا الفُلُكِ في الأطوار.. لانقضت دون الوصول إلى بيانه الأعمار؛ لأنه لا حدَّ لمبتدعات الأقدار، من ابتداء نقطة هذا البيكار، إلى منتهى ما إليه استدار؛ لأن منه دورات ظلمات، ودورات أنوار، ودورات أرزاق، ودورات أعمار، ودورات سعادات، ودورات شقاوات، ودورات هواء، ودورات ماء، ودورات ضياء، ودورات شتاء.
والدار واحدة في الكثير والقليل، والكبير والصغير، والحقير والخطير، حتى رأيناها مستغرقة جميع الذرَّات والحركات والسكنات، والخطرات والنظرات، ابتداءً وانتهاءً، ورأينا في ذلك الفلك أن الحركة الواحدة كسائر حركات الوجود من ابتدائه إلى انتهائه على حدٍّ سواء، وأصغر الموجودات كأكبرها، وأحقرها كأخطرها من حيث النسبةُ الدورية؛ وهو سرُّ قوله عزَّ من قائل: (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [لقمان:28].
ولم أقف على من أفصح بعلم هذا التدوار، ولا من أظهر منه هذا المقدار، إلا أن إشارات الإمام الطائي الحاتمي تشير إليه، وتومئ بطريق الإشارة، وكذلك أكابر الأولياء عند إمعان النظر في إشاراتهم تَشَمُّ عبيره، وتظهر تباشيره، وترفع أساريره، وعندما ظهر لي لمحة بارقة من علم ذلك.. كاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، وعند انتهاء كل دارة تظهر عجائبها، وتبدو محاسنها من قبائحها بصورة الدارة التي تليها، ثم بصورة الدارة التي تلي التي تليها، وهكذا تنتهي إلى نهاية محتدها وابتداء دارتها.
وسُمي جزاء لإجازة ذلك العمل على وَفْقِهِ كائنًا ما كان؛ لأن كل دورة تدور في مجرتها، وتسعى في مجرتها، وأصول الدارات: دارتان صادرةٌ عن دارة، وتشعبت من الدوائر دوائر، وخلق دارة فضلية نورانية جمالية، خلق أعمال مرضية، وأرواح جمالية لُطْفية، وخلق دارة برزخية جامعة للراحة والتعب، والوسع والضيق، والظلمة والنور، والصفاء والتكدير، وغير ذلك من الأضداد، وخلق محل تمييز يميز فيه الخبيث من الطيب.
وخلق دار فضل ونعمة، ودار عدل ونقمة، فأجرى الأرواح الجمالية الصافية السماوية في مجرة الفضل في الأعمال المرضية والراحة البرزخية، وميزتها في المحالِّ الطيبية في دار الفضل والنعمة، وجرت الأرواح الأرضية الظلمانية بالعكس من ذلك؛ إنما هي أعمالكم تردُّ عليكم فتجوزون تلك المجرَّات فتجزون هذه المسرَّات، وإمَّا أن تجوزوا في مفاوز الهلكات، في بروج النحوس والشقاوات، فتجزون هذه العقوبات، والنكال وسائر المؤلمات الجلاليات، (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأحقاف:20].
فكل يجازى بوفقه في المقام الأخروي، ويظهر عليه تعبير المثال الدنيوي بالعكس ممَّا كان عليه في الدنيا؛ فالكبر جعله بالهوان، والذل بالعز، وقس على ذلك سائر الأفعال في الدنيا يعبر عنها إلى تأويلها في الدار الآخرة.
وقد جرَّ سفينة الخضر طوفان المظهر الحقي، في بحر العلم الإلهي، الذي لا ساحل له ولا غاية يوصل إليها، فلنرجع إلى شرح كلام المؤلف رضي الله عنه حيث قال:
"إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ مَحَلاًّ لِجَزَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا تَسَعُ مَا يُرِيدُ أنْ يُعْطِيَهُمْ" لضيقها وكدرها، وما هي عليه من التغيير والانقلاب؛ لأنه ورد: أن آحاد المؤمنين في ملكِ واحدٍ منهم مسيرة سبع مئة عام؛ هذا لآحادهم، وأما ساداتهم.. فما لا يصفه الواصفون، ولا يحيط بعجائبه المعبرون.
"وَلِأَنَّهُ أَجَلَّ أَقْدَارَهُم ْعَنْ أَنْ يُجَازِيَهُم ْفِي دَارٍ لَا بَقَاءَ َلهَا" إذ لم يجازِ فيها إلا أعداءه، ويزوي عنها أولياءه إكرامًا لهم، وإدامة لنعيمهم؛ لأن الدار الآخرة هي مستقر النعيم، وفيها دوامه، وبها تمامه، ولأنها مأمونة الانقلاب، بل متزايدة المسرَّات، ومتواترة البركات؛ لذلك ادَّخرها لجزاء عباده، وصرف عنها أعداءه، وجعل جزاءهم في الدار الفانية الحقيرة قليلة الجدوى كثيرة البلوى، ولي في ذلك:
جزا العباد في الأخرى يُسرُّ به *** من كان لله في الطاعات مجتهدا
ينال من ربه الإكرام مطلبه *** أن يشهد الله جل الواحد الصمدا
أخّر جزا عبده كيما ينال به *** في جنة الخلد جار السادة الشهدا
وأكبر الكرامات وأرفع المقامات: النظر إلى وجه الله، وتعظيم الله، حيث يسميه باسمه، ويرسم إليه رسمه، كما ورد: أن العبد المؤمن يأتيه مكتوب من الله عنوانه: من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت، فإذا فتح الكتاب.. وجد فيه: عبدي اشتقت إليك فزُرني، فيقول: هل جئت بالبراق؟ فإذا ركب البراق.. غلبه الشوق، فيحمله الشوق ويتخلف عنه البراق إلى بساط اللقاء، ولي في ذلك:
إن البراق براق الشوق يحمل من *** نأى عن القرب فاستدعاه مولاه
ومن يكن دأبه الكأس اللذيذ فمن *** دنوه يدنو ويدنو منه إياه
يدار له خمرة الساقي العقار إذًا *** من غير مزجٍ شهي الوصل يهواه
فكأسه الوصل إن حققت ذاك لمن *** حظي به فيه والمشروب معناه
يا رائد الحمى المعهود صوب حيًا *** استمطرت من سحاب الاسم محياه
فالعمل شجرة طيبة، وثمرة وجدان سر ذلك العمل إمَّا من طريق الإيمان وإما من طريق العيان".
الحمدُ للهِ مكرمنا وإياكم ببيان الهدى على لسانِ المقتدى سيدِ السعداء محمدٍ بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه ومن بهديه اهتدى، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياءِ والمرسلين وآلهم وصحبهم والتابعين والملائكة المقربين وعبادِ الله الصالحين.
ويرشد الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- المؤمن بالله، المتوجه إلى الله؛ أن يثبُت على نعمةِ الامتثال لأمر الله، والترك لما عنه نهاه، ويوقنُ أن في ذلك النجاة، والفوز، والمصافاة، والجود، والعطاء، والظفر بقرب الله ورضاه، ولا يستعجل ظهور ما تشتهيه النفس من كراماتٍ صورية، ولا يجزع لما ينازله من أتعابٍ أو مشقات، في هذهِ الحياة، وفي سيره إلى الله تبارك وتعالى.
يقول: "وإذا رأيت أنك لم تظهر لك الكرامات، ولم تسامحك المقدورات، ولم تواتك المسرَّات الدنياوية، ووردت عليك صنوف المصائب وأنواع المتاعب والضرورات.. فلا تحزن لذلك، ولا تهن لما هنالك"، فإن الله ذم أقوامًا يقوم إيمانهم على مؤاتاة الأسباب الظاهرة، فإذا تصعبت عليهم ارتدوا، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج:11]، قال سيدُ المستقيمين ﷺ: "شيّبَتْنِي هُودٌ وأخواتها"، فلمَّا رآه بعض صالحي الأمة قال: شيبك يا رسول الله في سورة هود ذكر عذاب الأمم السابقة والبُعد لهم والوعيد؟ قال: لا؛ قال: فما شيبك منها؟ قال: "قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود:112]"؛ فالاستقامة أعظم كرامة.
ثبَّت الله قلوبنا وأقدامنا على ما يحبُ منَّا ويرضى به عنَّا.
يقولُ: لا تجزع ولا تهن ولا تحزن إذا أصابك ما أصابك، وقد أصاب أتباع المرسلين كثير، (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
وذكر الله نتيجة لذلك، فقال: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران:146-148]، فالجزاء العظيم في الدارِ الآخرة، ويعجَّل لك من جود الحقِّ في هذه الدنيا كثير من حسنِ التدبير، والتسخير والتيسير، وذوق حلاوة الإيمان، وذوق لذة المناجاة، وذوق حلاوة الرحمة، شيء عجيب! ذوق برد العفو تناله في الدنيا، ولكن قال عتبةُ الغلام: كابدتُ قيام الليل عشرين سنة ثم تنعّمت به! كابدتُ قيام الليل عشرين سنة، ليس عشرين ليلة، عشرين سنة، كابدت قيام الليل عشرين سنة فتنعمتُ به.
ولهذا يقول: "إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ مَحَلاًّ لِجَزَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ"؛ لأن الله بقدرتهِ وإرادته؛ لا مؤخر لما قدم، ولا رافع لما خفض ولا خافض لما رفع، جعل هذهِ الدار بهذهِ الصورة محلًّا للتغيُّرات، والأكدار، والتلونات، والتقلبات، والفناء، والزوال، هذا محلّ هذهِ الدار حتى يقدر يغير شيء بهذا؟! هو الله جعله هكذا، هذهِ الدار بهذه الصورة، فجعلها محل التكليف، ومحل الاختبار، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:2] جلَّ جلاله.
فحقائق الجزاء لمن أطاعه ليس ما يلقى من وجوه اللطف والامتنان والإحسان والدفع بكثير مصائب في الدنيا، هذا كله يسير جدًا من الجزاء الذي أعدّه الربّ وقليل، لكن أعد لهُ جزاءً ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأعد لهُ جزاءً ما تسعه هذه الدار بالكيفية التي خلقها الله عليها والهيئة التي كوّنها الله عليها، ما تسع هذه العطايا أصلًا! كيف تسع العطايا الكبار من الكبير القهار دار فيها فناء وموت وزوال؟ إلا في دار لا موت فيها، دار لا فناء فيها، لا زوال لها، هناك يعطي العطاء، لهذا قال: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران:185].
(مَتَاعُ الْغُرُورِ) هذا.. يدعونا إبليس وجنده كلهم إلى أن نعظمهُ، ونقدسهُ، ونجعلهُ الغاية، ونجعلهُ الكبير، وهو في واقعه حقير وصغير وزائل، لا نسبة بينه وبين ما يُقبِل؛ "لَمَنادِيلُ سَعْدٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ منها"، منديل سعد، المنديل الذي يمسح به وجهه، ماذا؟ من أين حقه التكوين؛ قماشه وخامته؟ ويمسح به ماذا؟ عرقه أطيب من ريح المسك، منديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها! ما تسع عطاياه، لهذا كان يقول الشيخ أبو بكر: من أسباب زهد العارفين في الدنيا أن عطاء الله لهم ما تسعه هذه الدنيا، فيزهدون فيها.. ما تسع عطاياه الكبيرة لهم، جلَّ جلاله.
"إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ مَحَلاًّ لِجَزَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا تَسَعُ مَا يُرِيدُ أنْ يُعْطِيهُمْ، وَلِأَنَّهُ أَجَلَّ أَقْدَارَهُم ْعَنْ أَنْ يُجَازِيَهُم ْفِي دَارٍ لَا بَقَاءَ َلهَا".
ولمَّا كان غضبهُ شديد، وعذابهُ شديد؛ لم يكن عذاب الكفار والفجار ما يلاقونه في هذه الدار، من أكدار ومحن وغصص وهلاك ودمار، هذا ليس بشيء، منتهي هذا زائل، (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) [المجادلة:15]؛ هناك في دارٍ لما تطبَق عليهم يقال لهم: يا أهل النار خلودًا فلا موت، ما عاد شي موت، وإنما عذاب دائم، والعياذ بالله تعالى.
فهذه دوائر خلقها ربك، فالخلق والإيجاد وتكوين الكائنات، فالمغرور القليل الفكر من الناس من ينظر إلى ما تشاهدهُ الحواس في عالم الأرض، وما يقرب حواليها وما يتوصل له بهذه الأجهزة ويظن أن هذا كل شيء، ما هو كُل شيء؟ ماذا عرفت من ملك الله؟ ماذا عرفت من ملكوت الله؟ ماذا عرفت من خلق الله؟ الله!.. هم في دوائر (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85]، وقال الحق: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) [الكهف:51]، فليعلم المخلوق قدره، ولا ينازع فيخسر ويهلك.
قال: "إِنَّمَا" هذه يُؤتى بها للحصر، والحكمة في تأخير الآخرة الصافية عن المكدِّرات، والسالمة عن التغيرات، الدائمة المأمونة الانقطاع والفناء، وأخّرها عن هذه الدار الموصوفة بهذه الصفات"، أيش؟مكدرات، تغيرات، فناء، انقطاع، زوال.. هذا أوصاف هذه الدار التي أنت فيها؛ أخّرها: "ليجازيَ بها عباده الخاصِّين به دون غيرهم، الذين لم تستعبدهم الأهواء، ويجعلها محلًّا لما ادَّخره لهم من الكرامة، وأخفاه من قرة الأعين"، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17].
وقال: "وذلك من أجلِّ كراماته، وأعظم عطياته: أنْ أخَّرَ المستحسَن وقدَّمَ الكريه"؛ الزائل، محل الكدر والتغير، "لتزول كراهته بوجود إراحته"، الراحة في تلك الدار وإزاحة هذهِ الأكدار "فكأنه لم تمسَّهُ الضراء حيث عقَّبها بالسَّرَّاء، ومن عظيم عذابه ووبيل عقابه: أن يقدِّمَ المستحسَن المستلَذَّ ويعقب المؤلم المستقبَح" -الشديد-، "فكأنْ لم يكن" تنعّم؛ لا اله الا الله.
وهكذا حتى أن كثيرًا - والعياذ بالله - ممَّن يراد تعذيبه من أهلِ النار، يُدنَون ويُقرَّبون من الحوض حتى يرون صفاءه وماءه العذب الطيب وهم في غاية الظمأ، فيُزجَرون ويُبعَدون عنه، يقولون: لماذا أريتمونا إياه؟ لو كان ما أريتمونا! يقولون: ذلك أُريد بكم أن تزداد حسرتكم، يُقرب منهم طوائف للجنة فينظرون قصورها وأنهارها وأشجارها، ثم يقال: لستم من أهلها ابعدوا، فتزداد حسرتهم ويقولون: لماذا أريتمونا ذلك؟ ليتكم لم توصلونا.. يقال: ذلك أردنا بكم.
وهكذا فما أقل ما في هذه الدار، يقول: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) [النساء:77]؛ صدق الله، متاع الدنيا قليل، ما تصدق أنها غير قليل، كائن ما كان فيها هي وملكها وكل ما فيها قليل.
"أن أشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة" -من يؤتى به- "يغمس في الجنة غمسة" -واحدة-، ينسى كل البؤس الذي كان مر به، كان في الدنيا يمسي كثير الأمراض، وكان الناس يستحقرونه، ويستهينونه، وكان ما يحصل مراداته من المتاع في الدنيا، وجوع، وكان كان… ويتعرض لسب وشتم وأذى، ويتعرض لضرب، ويتعرض لسجن وغيره، وبعد أن يغمس غمسة واحدة في الجنة؛ ينمحي كل هذا، يذوق لذة.. يروح مثل ما يضع يده على زر يمسح الذي في الشاشة كلها أو في الجهاز كله، ولا يبقى شيء، فيقال له: ابنَ آدم، يا فلان، هل مرَّ بك بؤس شدة قط؟ فيقول: لا، لا، لا، متى؟ ما مر بي منذ خلقتني إلا النعيم، أنا في خير، أنا في راحة ولذة! كل ذاك ينمحي من شعوره ومن إحساسه وما عاد يبقى شيء، بصبغة واحدة في الجنة، في رواية يضع إصبعه في الجنة!
ويؤتى بأنعم رجل من أهل النار كان في الدنيا قليل الأمراض، نادر ما يمرض، مواتية له الأسباب، مطاع في قومه، عنده أموال، آخذ مُتع الحياة بشكل كبير، فيُغمس غمسة في جهنم، تنمحي كل اللذائذ التي راحت بشدة الألم الذي نزل به، فينساها كلها، يقال له: يا فلان قد مر بك راحة وسرور وأموال؟ يقول: لا، لا، لا، ما الذي مر بي؟ ما قد مر شيء، ما رأيت مثل هذا، أنا منذ خلقت في عذاب، أنا في جحيم! ينسى كل الذي مر، فما تساوي شيء هذه!
الصبغة الواحدة في الجنة تنسيك جميع تعب الدنيا وألمها، والصبغة الواحدة في النار تنسيك جميع نعم الدنيا وملكها وما فيها، لا إله إلا الله! فانظر الفرق بين القليل وبين الجليل الجزيل، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الإنسان:20].
"فيقول: لا وعزَّتك وجلالك ما مرَّ بي بؤسٌ قط، ولا رأيت بؤسًا قط، وإن أَنْعَمَ أهلَ الدنيا من أهل النار يغمس في النار غمسة، فيقال له: يا ابنَ آدم؛ هل مر بك خيرٌ قط؟ هل رأيت خيرًا قط؟ فيقول: لا، وعزَّتك وجلالك ما مرَّ بي خيرٌ قط، ولا رأيت خيرًا قط …" وهكذا، أصل الحديث في صحيح مسلم.
"وسُمِّيت الدار -والله أعلم- لأنها دورةٌ من دورات الفلك الأطلس"؛ الذي أبدعه الواحد الأقدس، فأبدع جلَّ جلاله فوق هذه الدورات الخَلقِية المتنوعة:
وبعدين؟ عاد باقي وراء هذا كله، دوائر العرش والكرسي والسماوات والأرض، وعالَم الأجساد، وعالم الأرواح، وعالم البرزخ، وعالم القيامة والجنة والنار، وراءها دورات: "ودارات جمالية، وتجلّيات كشفية لا تتناهى" وإليها المنتهى (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) [النجم:42]، ومنها المبتدأ، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]"، خلقك من الرحمة لولا رحمته ما خُلقت، وخلق الكون هذا من رحمة من غيب الغيوب أبداها وأبرزها، ولم يكن أرض ولا سماء ولا عرش ولا كرسي، ولكن أوجدها العلي القوي جلَّ جلاله، له الحمد.
ونحن من خلال هذهِ الدارة التي نحن فيها في عالم الدنيا نتصل بأسلاك دارات الجلال، والجمال، والكمال، والنعم، والإفضال، حتى قال ﷺ في اتصال مجالس في الأرض بدارات الجنة، قال: "إذا مررتم برِياضِ الجنَّةِ فارتَعوا"، وكيف نحن في الدنيا ونمر برياض الجنة؟ وما رياض الجنة؟ قال: "مجالس الذكر"، وفي رواية: "مجالس العلم"؛ مجالس الذكر رياض الجنة، الله أكبر.
ثم يقول في أسرار اتصالات جعلها بارئ الأرضين والسماوات بين المحسوسات والغيبيات، بين الشهاديات والملكوتيات الغيبيات، بين الفانيات والباقيات؛ يقول ﷺ: "ما بينَ بَيتي ومِنبَري رَوضةٌ مِن رياضِ الجَنَّةِ"، ثم يأتي من يعلم كما ذكر ﷺ في هذه البقعة الشريفة المباركة ما بين محل المنبر والبيت الذي كان يسكن فيه ﷺ روضة من رياض الجنة؛ حتى يقول بعض أهل العلم: لو أن واحدًا في هذه الروضة حلف أنه في الجنة لا يقدر أحد أن يحنّثه، هذا النبي قاله: روضة من رياض الجنة، ما يحنث لو حلف أنه في الجنة، أنه في روضة من رياض الجنة، الله أكبر!.
ولمَّا يتسع المعنى وراء ذلك أيضًا يقول بعض المتأمّلين: إنا نرى قلب المؤمن الصادق المخلص المحب بيتًا يحلُّه رسول الله، فما يحب قلب المؤمن الصادق أحد من الخلق مثل محمد، فهو أحب الخلق إليه، إذًا فهذا بيته، ومنبره الذي معبّره عن شريعته ودينه؛ هذا اللسان التقي الذاكر المخلص الصادق منبر لرسول الله ﷺ، يبلغ عن رسول الله ﷺ ما بُعث به وما أُرسل به، فيقول: "ما بيْنَ بَيْتي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ".
لذا كان يقول بعض جلساء العارفين: نحن في المجلس ونتلقى من دارات الجمال هذا الذي أشار إليها، فقال: لو أن سيدنا رضوان خازن الجنة وقف قال: قوموا ادخلوا الجنة، ما بنقوم من هذا المجلس! لأن الدرجات في الجنة على قدر ما يتنزّل هنا.
وهكذا يقول: خلق ربك هذه الدارات العجيبة، أبدعها، "ودارات جمالية، وتجليات كشفية لا تتناهى دوراتها في العوالم الوصفية، والخزائن الرحموتية وإليها الانتهاء". ولذا في كل يوم وفي كل وقتٍ لأهل الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وعطاء جديد، وزيادة جديدة، وتجلي جديد ولا نهاية، (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ) [النجم:42]، ولا نهاية، ما شي نهاية سبحانه عز وجل، لا نهاية لأوصافه ولا لأسمائه ولا لتجلياته؛ فيا فوز أهل النعيم.
يقول الشيخ علي باراس: "ولو أخذنا في بيان تَدْوار هذا الفُلُكِ في الأطوار"، الفُلُك التي خلقها الله تعالى، هذهِ الأفلاك التي أطلعه الله عليها بنور بصيرته، "لانقضت دون الوصول إلى بيانه الأعمار؛ لأنه لا حدَّ لمبتدعات الأقدار، من ابتداء نقطة هذا البيكار، إلى منتهى ما إليه استدار؛ لأن منه دورات ظلمات، ودورات أنوار، ودورات أرزاق، ودورات أعمار، ودورات سعادات، ودورات شقاوات، ودورات هواء، ودورات ماء، ودورات ضياء، ودورات شتاء"، ودورات صيف، دورات رفع، دورات خفض، دورات عطاء، دورات منع، دورات إسعاد، دورات إشقاء؛ ثم (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29]، شؤون يبديها ولا يبتديها ولا غاية لها، أشياء بديعة.. سبحانه، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:101]، لا إله إلا هو.
أما هؤلاء مقدار بني آدم وأجهزتهم والغرائب التي يستحدثونها في الأجهزة، هم ذرة من ذرات ما برأ الله في الوجود، وهم وعملهم كله من عنده، ما هذه العظمة؟ ما هذه العظمة؟ الله أكبر! الذين يكبرون من قلوبهم تهتزَّ هذه العوالم لتكبيرهم؛ لأنهم يكبرون موجدها ومدورها ومصورها ومقدرها ومدبرها، لا إله إلا هو.
ثم قال: "والدار واحدة في الكثير والقليل، والكبير والصغير، والحقير والخطير، حتى رأيناها مستغرقة جميع الذرَّات والحركات والسكنات، والخطرات والنظرات، ابتداءً وانتهاءً"، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21]، ويرجع: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الحديد:3].
يقول: "ورأينا في ذلك الفلك أن الحركة الواحدة كسائر حركات الوجود"، (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [لقمان:28] يقول جلَّ جلاله، "من ابتدائه إلى انتهائه على حدٍ سواء، وأصغر الموجودات كأكبرها، وأحقرها كأخطرها"، (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) [الملك:3]، "من حيث النسبةُ الدورية"؛ لأنها سر كلمة "كُن"، هذا الوجود كله سرُّه في كلمة "كُن".
ويقولون في معنى الباء من "بسم الله الرحمن الرحيم": بي كان ما كان وبي يكون ما يكون.
وقالوا: مكث الإمام عبد الرحمن بلفقيه ثلاثة أيام في زبيد يتذاكر مع علمائها الأكارم بمعاني الباء من "بسم الله الرحمن الرحيم"، حتى سافر من عندهم بعد ثلاثة أيام وهو في معاني الباء، في مجالسه يتحدث معهم عن معاني الباء من "بسم الله الرحمن الرحيم". وقال بعض أهل المعارف والذوق:
دخلنا بسر الباء في باب عالَمٍ *** نرى البحر في أنهاره مثل قطرةِ
فلو ترجمت عنّا الوجودات كلها *** لما عبّرت عن عشر معشار ذرةِ
إذا دار كأس الوصل في مخدع الهنا *** فلا حور عين نرتضيها بلحظةِ
ولا عرش بلقيس ولا ملك سيدي *** سليمان في وصلٍ كمقدار لمحةِ
الله، لا إله إلا الله.
وبعده يقول: "ولم أقف على من أفصح بعلم هذا التدوار"، في هذه الأطوار والتطوير من الخالق الفاطر القهار، "ولا من أظهر منه هذا المقدار، إلا أن إشارات الإمام الطائي الحاتمي" -يقصد ابن عربي- "تشير إليه، وتومئ بطريق الإشارة، وكذلك أكابر الأولياء عند إمعان النظر في إشاراتهم تَشَمُّ عبيره، وتظهر تباشيره، وترفع أساريره، وعندما ظهر لي لمحة بارقة من علم ذلك.. كاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار"، (نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]. وعند انتهاء كل دارة تظهر عجائبها، وتبدو محاسنها من قبائحها بصورة الدارة التي تليها، ثم بصورة الدارة التي تلي التي تليها، وهكذا تنتهي إلى نهاية محتدها وابتداء دارتها"، (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء:104]، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)[المؤمنون:115]، (ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [العنكبوت:57]، فمرجع كل شيء إلى مولاه سبحانه وتعالى وإلى ربه.
(وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ) [السجدة:12]، فين بيروحون؟ دولة؟ ما عاد شي دولة، حزب؟ ما عاد شي حزب، جيش؟ ما عاد شي جيش، فين بيروحون؟ يروحون من عند الذي جاءوا من عنده، ما شي لهم طريق ثاني؛ جماعة؟ ما شي جماعة، قبيلة؟ ما شي قبيلة، البقعة الفلانية؟ ما عاد شي بقعة، انتهت، (قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) [طه:106-107]، فين يروح؟ ما شي معه إلا المعبود الرب الذي جاء من عنده يرجع إليه، (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [الأنعام:36] جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء:104]، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]، الله لا إله إلا الله! (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:108]. فدُحية من النور أجزاء كل المذكور، والأدوار والأطوار والدوائر والدارات المتلاصقة بعضها البعض التي أصلها واحد، ومرجعها إلى واحد (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) [لقمان:28]، وهكذا يقول جلَّ جلاله: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ) [النازعات:13-14]، لا إله إلا هو، سبحان القوي سبحان القادر سبحان العظيم.
يقول: "وسُمي جزاءً لإجازة ذلك العمل على وَفْقِهِ كائنًا ما كان؛ لأن كل دورة تدور في مجرّتها، وتسعى في مجرّتها، وأصول الدارات: دارتان صادرةٌ عن دارة، وتشعبّت من الدوائر دوائر، وخلق دارة فضلية نورانية جمالية، خلق أعمال مرضية، وأرواح جمالية لُطْفية، وخلق دارة برزخية جامعة للراحة والتعب، والوسع والضيق، والظلمة والنور، والصفاء والتكدير، وغير ذلك من الأضداد، وخلق محل تمييز يميز فيه الخبيث من الطيب".
"وخلق دار فضل ونعمة، ودار عدل ونقمة، فأجرى الأرواح الجمالية الصافية السماوية في مجرة الفضل في الأعمال المرضية والراحة البرزخية، وميزتها في المحالِّ الطيبية في دار الفضل والنعمة، وجرت الأرواح الأرضية الظلمانية بالعكس من ذلك؛ إنما هي أعمالكم"، "إنَّما هي أعمالُكم، أُحصيها لكم، ثم أُوَفِّيكم إيّاها"، (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) [النساء:10]، لا حقيقة للنار غير المعصية، ما شي إلا هي المعصية هي منها، هي حقيقة النار تتحول.. و"الجزاءُ مِنْ جِنسِ العملِ"، والخالق واحد.
خلق الجنة وخلق لها أهلاً، فهم بعمل أهل الجنة يعملون. الله الله الله! والجنة مكونة من غير حقيقة الإيمان والعمل الصالح؟ ما شي الجنة كلها مكونة من الإيمان والعمل الصالح، والذي في النار كله مكون من الكفر والمعاصي والذنوب؛ لذا يجدون حقيقة الجنة في الأعمال الصالحة.
قال: "وإمَّا أن تجوزوا في مفاوز الهلكات، في بروج النحوس والشقاوات، فتجزون هذه العقوبات، والنكال وسائر المؤلمات الجلاليات، (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [الأحقاف:20]"، أهنتم أنفسكم، استكبرتم على أمر الله وعلى أولياء الله وعلى الصالحين من عباد لله، فأهنتم أنفسكم، خذوا وذوقوا عذاب الهون اليوم، هذا الذي كنتم تعملون، (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التحريم:7].
"فكل يجازى بوفقه في المقام الأخروي" -لاإله إلا الله- "فالكبر جعله بالهوان، والذل" -للإله- "بالعز".
وهكذا يقول: "وقد جرَّ سفينة الخضر طوفان المظهر الحقي"، قد جرت علينا، "فلنرجع إلى شرح كلام المؤلف رضي الله عنه حيث قال:
"إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ مَحَلاًّ لِجَزَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا تَسَعُ مَا يُرِيدُ أنْ يُعْطِيهُمْ" لضيقها وكدرها، وما هي عليه من التغيير والانقلاب"، وإن أقل أهل الجنة من يُعطى في الجنة مثل الدنيا عشر مرات، هذا واحد وهو أقلهم، والباقين.. أيش هذا العطاء الواسع! قال: " أن آحاد المؤمنين في ملكِ واحدٍ منهم مسيرة سبع مئة عام"؛ وأقلهم يطوف فيما أعد الله له في الجنان مدة ألف عام حتى يستوعب الطَوَفان على الأماكن التي أعدها الله له، هذا أقل واحد، وذا سبعمائة عام، سبعمائة ألف عام، وهذا إلى ألف ألف عام يطوف على المحلات حقه حتى يستقصيها، أيش هذه الملك هذا؟! وما هي مقدار الكوكب الذي نحن عليه وذي الدنيا ذي؟! لا إله إلا الله!.
قال: " أَجَلَّ أَقْدَارَهُم ْعَنْ أَنْ يُجَازِيَهُم ْفِي دَارٍ لَا بَقَاءَ َلهَا"، فالله يجعل مآلنا إلى خير.
ثم قال: "وأكبر الكرامات" -هناك- "وأرفع المقامات: النظر إلى وجه الله، وتعظيم الله، حيث يسميه باسمه، ويرسم إليه رسمه"، يخاطبه، يقربه، يُدنيه، يكتب على ما يرسل من رسائله أهل الجنة: "من الحي الذي لا يموت إلى" من جعلته "حي لا يموت"، سبحان الله، يقول لك خلاص خلودًا فلا موت، أنا أحييتك ولن أميتك بعدها، أنا الله الذي أقول للشيء كن فيكون، وقد جعلتك في الجنةِ بإذني تقول للشيء كن فيكون، لا إله إلا الله! يعطيهم العطايا..
وأعظمُ من هذا رضا الربِّ عنهُمُ *** ورؤيتُهم إياهُ من غيرِ حاجبِ
يقول: "عبدي اشتقت إليك فزرني"، "فإذا ركب البراق.. غلبه الشوق، فيحمله الشوق ويتخلف عنه البراق إلى بساط اللقاء"، وذكروا البراق وهو سرى عليه إلى بيت المقدس، وبعدين خلاص ما شي براق، ولا من يمسك البراق، ولامن جاء بالبراق، جبريل بنفسه بعدين تخلّف، وصعد الحبيب ﷺ.
يا رب صلِّ عليه واجمعنا به وأرنا إياه في الدنيا والبرزخ والآخرة، يا الله بالتوفيق.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
01 مُحرَّم 1442