(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأحد 26 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (70): "مَنْ رَأَيْتَهُ مُجِيباً عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ، وَمُعَبِّرًا عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ، وَذَاكِرًا كُلَّ مَا عَلِمَ .. فَاسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ جَهْلِهِ".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري، والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
الحكمة (70): "مَنْ رَأَيْتَهُ مُجِيباً عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ، وَمُعَبِّرًا عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ، وَذَاكِرًا كُلَّ مَا عَلِمَ .. فَاسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ جَهْلِهِ".
إذا أردت أن تعرف حالك أين أنت من أهل العلم والأمانة، أم أنت من أرباب الجهل والخيانة؟ فاعرض نفسك على مثل هذه العبارة.
فالإجابة عن مصونات العلوم ونفائس المعارف ولطائف الحقائق وجواهر الدقائق وغوالي الرقائق، لا يُسمح بالإجابة بها لكل من سأل عنها من غير أهلها، إلا إذا أُريد التشويق إليها، والدعوة بها بجواب يليق بالسائل، ويَحسن عنده طلبها.
ولا يجيب على غير هذه النية كل سائل إلا جاهل بها، إذ لو عرف قدرها وتحقق سرَّها، لضنَّ بها، وغار على ظهورها. فكل من عرف نفاسة شيء لا يسمح بظهوره بل يغيّبه ما أمكنه بتورية وتغييب، وإن كان عند من يجهله. فترى الوحوش وسائر الحيوان يُغيّب ولده ما أمكنه لأنه أنفس ما عنده وأحب ما لديه.
" وَمُعَبِّراً عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ"؛ فالإجابة عن العلم على حقيقة ماهيّته، والتعبير عن الحقائق المشهودة، لأنها لا يمكن تفهيمها على ما هي عليه إلا أن يعبر عنها إلى مشهود في الحس والاعتبار- من صفات أولي البصائر والاستبصار (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر:2]. فالعبور عن مشهود حسي إلى كل غائب معنوي.. شأن أولي النُّهى من كُمَّل العلماء.
والتعبير عن المغيّبات بالحسيات غير منكور، كما عبر ﷺ باللبن الذي رأى أنه شربه بأنه العلم.
والتعبير سِيما كل عالِمٍ بصير، وهو من شواهد التنوير على حاسة الضمير؛ فإذا عبر عن كل مشهود من أسرار الوجود، فقد تنطمس الحدود وتُرفع الستائر، فتنكشف الأسرار المأمور بصيانتها، المندوب إلى حفظها عن إذاعتها. ولكن التعبير فيما يَحسُن عنه التعبير، والسكوت عما يَحسُن فيه السكوت، شيمة الأكياس ودليل على وفور العقل والأمانة والحفظ، وضد ذلك بضده.
"وَذَاكِراً كُلَّ مَا عَلِمَ"؛ يتبذّخ ويتمدح بما علمه، ويتطول بكل ما فهمه، فيذكره في معرض الفخر بزيادة الفطنة، وكمال القريحة، وصحة الحافظة، وتمام العقل، فهذه صفة الجهّال وطريق الضلّال.
وأحوال العلماء بالضد من ذلك كله، فإنهم كانوا يراعون فيها أحوال السائلين، كما كان رسول الله ﷺ يراعي أحوال السائلين ويفصح لكل بما يليق به.
فكذلك العالِم ينبغي له أن يتفرَّس أحوال السائلين ولا يفشي الأسرار، بل يكون في الأمور الذوقية اعتماده فيها الإشارة، لأنها لا تفهم إلا بها.
ولا يدَّعي على الله الإحاطة بجميع المعلومات، وأنَّى لك فيما سبق من قولنا: "إذا تجلى عليه بوصف العلمِ علمَ سائر المعلومات الداخلة تحت حيطة الكون لا الخارجة عنه." فالعالَم بأجمعه معلوم من معلوماته.
وأيضاً فالعلم بذلك لا من حيث هو ولكن من حيث ما تجلى عليه واستغرقه عن وجوده، فالعلم باقٍ على وصفيته لله عز وجل لا لغيره.
وإنما ظهر على من تجلى عليه إلا من حيث المقابلة والاستشفاف، كما يقابل الصورة المرآة الصقيلة فتحكي الصورة من غير انتقال للصورة عن ماهيتها ولا خروج للمرآة عن كونيتها. وكلما ازدادت المرآة صفاءً اختفى جِرمها وظهرت الصورة، حتى يظن من لا علم له أن الظاهر الصورة مجردة من غير واسطة، ويظن انعدام المرآة فلا وجود لها. وكلا! إن المرآة على صورتها والصورة على ماهيتها.
وهنا قال من قال من أهل الشطح والاصطلام بما قال، وفاه بما فاه، وعلم من علم من أهل الكمال والتمكين، فأعطى كل شيء حقه ووفّى كل مستحق مستحقه. ولي في ذلك:
ما كل مسؤول يحسن أن يجيب به *** نعم، ولا كل تعبير بمشهود
وكل معلوم فاذكره لطالبه *** وامنعه عن غيره، إن الفضل محسود
وإذا رأيت أنك لم تظهر لك الكرامات ولم تسامحك المقدورات، ولم تواتك المسرات الدنيوية، ووردت عليك صنوف المصائب وأنواع المتاعب والضرورات، فلا تحزن لذلك ولا تهن لما هنالك، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (71): "إِنَّمَا جَعَلَ الدَّارَ الْآخِرَةَ مَحَلَّا لِجَزَاءِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لا تَسَعُ مَا يُرِيدُ أَنْ يُعْطِبَهُمْ، وَلِأَنَّهُ أَجَلَّ أَقْدَارَهُمْ عَنْ أَنْ يُجَازِبَهُمْ فِي دار لَا بَقَاءَ لَهَا".
صلى الله على سيدنا محمد وآله.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: "مَنْ رَأَيْتَهُ مُجِيباً عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ، وَمُعَبِّرًا عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ، وَذَاكِرًا كُلَّ مَا عَلِمَ .. فَاسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ جَهْلِهِ."
وذلك أن المؤمن السائر في طريق الله يتعلم من أدب النبي محمد ﷺ وحكمته:
وما كل حق يقال، ولا كل علمٍ يُذكر، ولا كل سؤالٍ يُجاب عنه.
وهكذا كما قال بعضهم: إذا رأيت من يجيب عن كل ما سُئل عنه فاعلم أنه مجنون. وقد سُئل ﷺ عن مسائل فتوقف حتى يأتي الوحي، وفي بعضها انتظر أيام ﷺ وهكذا. ولما سأل بعضهم الإمام الشافعي -رحمه الله- فسكت، قال بعض من عنده: لمَ لا تجيب؟ قال: اصبر حتى نرى الخير في الجواب أو في السكوت، الخير في الجواب أم في السكوت؛ ما هو كل ما يُسأل نجيبه على أي سؤال.
ولحكمةٍ من تلك الحكم نهى الله المؤمنين أن يسألوا رسول الله ﷺ ويكثروا السؤال، وقال: "إنما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ". وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) [المائدة:101].
ثم يقول ابن عباس: إني وقع في بالي مسألة أردت أن أسأل عنها عمر، فتحيّنت الوقت المناسب للسؤال. قال: فبقيت سنة، وبعد سنة كاملة خرجت معه في سفرة، جئت أصب الماء عليه، فقلت له: من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله ﷺ ؟ قال: ويحك يا ابن عباس! إنهما عائشة وحفصة، نزلت فيهما الآية.
سيدنا ابن عباس أخَّر السؤال سنة من أجل يختار الوقت المناسب والحال المناسب ليسأل عنه فيه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وهكذا يقول: "مَنْ رَأَيْتَهُ مُجِيباً عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ، وَمُعَبِّرًا عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ، وَذَاكِرًا كُلَّ مَا عَلِمَ .. فَاسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ جَهْلِهِ."؛ ما عنده ذوق وإدراك للأشياء والتزام بمنهج خير الأنام.
"إذا أردت أن تعرف حالك أين أنت من أهل العلم والأمانة، أم أنت من أرباب الجهل والخيانة؟ فاعرض نفسك على مثل هذه العبارة.
فالإجابة عن مصونات العلوم ونفائس المعارف ولطائف الحقائق وجواهر الدقائق وغوالي الرقائق، لا يُسمح بالإجابة بها لكل من سأل عنها من غير أهلها"
ولما سألوا عن الهلال: لِمَ يُرى يطلع صغير ثم يكبر ثم يستدير ثم يصغر؟ وما كان هناك من عقول عامة الناس من يمكن إفصاح الأمر له؛ وأنه مقابلة القمر لضوء الشمس وأنه يبدو منه الذي يقابله ثم يزداد، فقال الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) [البقرة:189]، قل لهم أن الله رتب هذا لتعرفوا حجكم ومواقيتكم وزمانكم تضبطون أشهركم.
ما ذكر لهم إلا الحِكَمة، لأن هذا ما تبلغه عقول عامة الناس في ذاك الوقت، ولو ذُكر هذا ربما كثير من الناس ربما يرتدون أو ما بيسلمون من غير المسلمين، يقولون: يجيب محمد كلام ما يدخل في العقل! وهو ﷺ أعلم بهذا ويعرفه، وخواص الصحابة يعرفون مثل هذا، ولكن ما لا سبيل للنطق به ولا للحديث للناس عنه، فقال: (قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، صرفهم إلى معرفة الحكمة منها فقط، وما أجابهم عنها.
فهكذا يقول: "مَنْ رَأَيْتَهُ مُجِيباً عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ"، قال: هذا لا يجيب على غير هذه النية، إنما يجيب من؟ لمن "سأل عنها من غير أهلها، إلا إذا أُريد التشويق إليها، والدعوة بها بجواب يليق بالسائل، ويَحسن عنده طلبها.
ولا يجيب على غير هذه النية كل سائل إلا جاهل بها، إذ لو عرف قدرها وتحقق سرَّها، أكرمها وصانها لضنَّ بها، وغار على ظهورها. فكل من عرف نفاسة شيء لا يسمح بظهوره، بل يغيّبه ما أمكنه بتورية وتغييب، وإن كان عند من يجهله". قال: حتى ترى "الوحوش وسائر الحيوان يُغيّب ولده ما أمكنه لأنه أنفس ما عنده ، ولا يريد أن يظهره يخبيه "وأحب ما لديه.".
وأرباب المحبة، أغلى شي عندهم المحبة؛ محبة الله.. يخفونها، إلا ما غلب عليهم من دون اختيار وإلا يخفونها.
إذا رُمتُ كتمَ الحبِّ زادَ صبابتي *** فسيّان عندي بثّه وخفاهُ
بعدين يقول: أبى الدمع إلا أن يكون بذائعِ… ويقول: أخفيتُ أكثره..
لي الله من حبٍّ تعسّر وصفه *** فلله أمري والقضاء قضاؤه
يقول: أخفيت أكثره! الله أكبر…
فالشيء الغالي النفيس يحافَظ عليه ولا يُبتذل.
قال لي بعض الأخيار، ذكر عن بعض علمائنا وشيوخنا، قال له حصّلت صورة لك، قال لي: لا تعطيها أحد؛ لا تُبتذل! خلِّ الصورة عندك. لا تُبتذل… كل من جاء يصوّر وينشرها هنا وهنا!..
فكذلك ما كان من نفيس المعارف يكون لأهلها، أو لطالبٍ ليتشوّق أو لينفتح ذهنه، فيُذكَر له منها طرف من أجل يرغب، ويقوم يعشق الأمر العالي. هكذا قال: لأنهم عرفوا قدرها...
لا من يُحَرِكْ بَعابِعه ويذيب جَعَاجِعه…
قال: وإذا رأيته "مُعَبِّراً عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ"؛ إجابة عن علم "على حقيقة ماهيّته"؛ ماهية العلم "والتعبير عن الحقائق المشهودة، لأنها لا يمكن تفهيمها على ما هي عليه إلا أن يعبر عنها" بشيء من الحس، والاعتبار من صفات أولي البصائر (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ).
"فالعبور عن مشهود حسي إلى كل غائب معنوي.. شأن أولي النُّهى من كُمَّل العلماء. والتعبير عن المغيّبات بالحسيات غير منكور، كما عبر ﷺ باللبن الذي رأى" في النوم "أنه شربه" ثم أعطى فضله عمر بن الخطاب، قالوا: بِمَ أوّلته يا رسول الله؟ قال: "العلم". فوَرِثَ سيدنا عمر من علم النبي ﷺ نصيبه.
وهكذا، كما أن في اللبن حياة للجسد تغني عن الطعام والشراب؛ تقوم مقام طعام وشراب معًا، فكذلك العلم فيه حياة القلب، فعبَّر بهذا عن هذا، أمر حسي وأمر معنوي.
وفي الحديث الآخر: رأيت قُمُصاً يلبسها ناس، منهم من تبلغ ثديه، ومنهم تبلغ ركبته، ورأيت عمر في قميص يجرّه. بِمَ أوّلته يا رسول الله؟ قال: "الدين". قوة الدين وكثرة الدين ووفرته، يختلف الناس فيه، وهكذا..
لا إله إلا الله.
ويقول: فإذا كان "مُعَبِّراً عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ"،
"التعبير سِيما كل عالِمٍ بصير، وهو من شواهد التنوير على حاسة الضمير؛ فإذا عبر عن كل مشهود من أسرار الوجود، فقد تنطمس الحدود وتُرفع الستائر، فتنكشف الأسرار المأمور بصيانتها، المندوب إلى حفظها عن إذاعتها. ولكن التعبير فيما يَحسُن عنه التعبير، والسكوت عما يَحسُن فيه السكوت، شيمة الأكياس ودليل على وفور العقل والأمانة والحفظ، وضد ذلك بضده.".
يقول سيدنا زين العابدين في أبياته المشهورة:
إني لأكتم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهلٍ فيفتتنا
وقد تقدم في هذا أبو حسن *** الحسين ووصّى قبله الحسنا
يا رُبَّ جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجالٌ مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا
قال سيدنا أبو هريرة: "أخذت من رسول الله وعاءين من العلم، فأما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم". فما كل شيء يُقال ولا كل علم يُفشى.
إذن؛ إنما يُتخاطَب مع الناس على قدر عقولهم. وقد جعل الله برحمته شريعة فيها مبادئ تصلح للناس كلهم، كلَّمهم بها وعلَّمهم، وأنت في سعة ما شاء الله.. إذا وُجد الأهل و المتهيء، شوِّقه ورغِّبه، واذكر له ما يتأهل له ويتهيأ له وهكذا..
لا إله إلا الله.
ترى واحد، أيش تقيس عقل ورزانة ومكانة إنسان، يخرج من البيت، يحدّث بأي شيء في البيت؟! ولا عاد يخلي فرش ولا قطيفة ولا غاز ولا قلم ولا سراج ولا تلفزيون ولا شي حَصَل في البيت إلا ويتحدث!.. مجنون أو بلا عقل؟ كل الناس بيقولون هذا مجنون ما فيه عقل.
وهذه أسرار البيت، كيف عاد أسرار الرب؟ كيف أسرار القرآن؟ يتحدث بكل شيء! حتى بيتك أنت، صُن كثير من الأمور فيه ما تذكرها، ليس كل شيء تذكره في الخارج. وإلا يُستدل على جهلك وقلة عقلك!
قال الولد كذا، وقالت الزوجة كذا، وقالت البنت كذا! ويتحدث عند الناس… أيش من آدمي أنت؟ مجنون! هذه أمور خاصة في محلاتها، ولا تذكر إلا حسب الحاجة وحسب العقل.
وهكذا، قال: "وَذَاكِراً كُلَّ مَا عَلِمَ"؛ "يتبذّخ ويتمدح بما علمه" وهو قده علمه محصور ما يصدق يفهم في شيء يقوم يتكلم به.. "وَذَاكِراً كُلَّ مَا عَلِمَ"؛ "يتبذّخ ويتمدح بما علمه" ولهذا تجد في بداية انفتاح عقل الإنسان والشباب، يحب أن يذكر كل المعلومات وأي شيء عنده يذكره، إلى أن يتوفر عقله ويتوفر علمه، يضع كل شيء في موضعه.
يقول: يذكر كل علم، "ويتطول بكل ما فهمه، فيذكره في معرض الفخر بزيادة الفطنة، وكمال القريحة، وصحة الحافظة، وتمام العقل، فهذه صفة الجهّال وطريق الضلّال."
خاضوا في مسألة في العلم مع وجود الحبيب عبد الله بن عمر بن يحيى، فترادّوا فيها الكلام، والحبيب عبد الله كان ساكت، حتى تنبّهوا هذا عندنا بحر من العلم، قالوا: يا حبيبنا عبد الله، كنا نخوض في المسألة ما تكلمتم؟ قال: نعم ما تكلمت لأني رأيتكم كل واحد يسارع يظهر ما عنده، عندي في هذه المسألة أربعة عشر قول، أحفظها بأدلتها وأعزوها إلى أماكنها، لكن رأيتكم ما أنتم حق علم، قاعدين تتجادلون، بتعبير آل حضرموت: مثل زنابع العِشر! كل واحد يظهر الذي عنده، فسكتوا.
قال: الآن اسمعوا، المسألة هذه فيها أربعة عشر قول، القول الأول ذكره فيه موضع كذا وموضع كذا يقول فيه كذا، القول الثاني والقول الثالث.. وسرد لهم؛ عندما سكنوا وتهيؤوا لأخذ العلم، علَّمهم.
لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.
كان بعضهم يقولون: شفت الحبيب عمر بن سميط، إن تكلمت، خلاص الكلام لك تفضل والجلسة لك… وكأنه ما يعرف شيء، فإذا رأى أهل إصغاء وإنصات.. أملى عليهم من جواهره وعلومه ومعارفه، وتكلم معهم.
قال: "هذه صفة الجهّال وطريق الضلاّل".
"وأحوال العلماء بالضد من ذلك كله، فإنهم كانوا يراعون فيها أحوال السائلين، كما كان رسول الله ﷺ يراعي أحوال السائلين"
هذا يسأله عن أفضل الأعمال، يقول له: الصلاة، وذا يسأله، يقول له: بر الوالدين، والثاني يسأله يقول له: الجهاد في سبيل الله، كل واحد يشوف حاله وأيش أفضل شيء له، وجوب عليه، يراعي أحوال السائلين، "ويفصح لكل بما يليق به."
"فكذلك العالِم ينبغي له أن يتفرَّس أحوال السائلين ولا يفشي الأسرار، بل يكون في الأمور الذوقية اعتماده فيها الإشارة، لأنها لا تفهم إلا بها. ولا يدَّعي على الله الإحاطة بجميع المعلومات"، فإن المحيط بالعلم واحد هو الله.
لما سأل ولد سيدنا لقمان: مَن يحيط بالعلم من الخلق؟ قال: كل الخلق؛ يعني: فيما أوتوه -الذي أوتوه من العلم- ولا أحد يحيط به ولا واحد منهم؛ بل مجموعهم بما أوتوه من العلم فقط، (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء:85].
لكن هذا الذي أوتيه الخَلق من العلم يحيط به من؟ قال كلهم… بمجموعهم يحيطون به، أما أي فرد منهم ما يحيط بما أوتي الناس من العلم؛ يعني مجموع الناس من أولهم لآخرهم يحيطون بما أوتي الناس من العلم، وما لم يؤتَوا أكثر. لكن هو نفسه الذي أوتيه الناس، ما شيء جزء منهم يحيط به، وما يتأتى؛ موزّع عليهم، سبحان الله!…
وهكذا في حِزب مسجد السقاف الليلة، وفي بعض القراءات لأبي عمرو في بعض الآيات، في قوله: (وَمَا يُشۡعِرۡكُمۡۘ إِنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ) [الأنعام:109]، سمعت مرة يذكرها الشيخ فضل في الرباط؛
كنا في الحزب في السقاف، واحد كان يسأل الحبيب مشهور: (يُشۡعِرۡكُمۡۘ) أم (يُشْعِرُكُمْ)؟
واحد جنبي كان يسأل، قلت له: سمعت الشيخ فضل كذا كذا.. التفت الحبيب قال: أيش قلت؟ قلت له كذا كذا.. قال: ربِّ زدني علما… ذاك اليوم أنا ربما في 12 سنة، وكان الحبيب مشهور قريب الأربعين وفوق الثلاثين، قال: ربي زدني علما.. يعني كأنه يقول: قد تلّقيت العلم واستفدت المسألة هذه الآن، شفت؟.. ما يقول أنا كبير وأنا عالم وذا الولد الصغير يجيب من أين يجيب الكلام ذا! أصغى وأنصت وقال: ربِ زدني علما.
وهكذا الأكياس، لا أحد يدّعي الإحاطة بالعلم.
"فالعالَم بأجمعه معلوم من معلوماته". سبحانه وتعالى.
"وأيضًا فالعلم بذلك لا من حيث هو ولكن من حيث ما تجلى عليه واستغرقه عن وجوده، فالعلم باقٍ على وصفيته لله عز وجل لا لغيره." (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]. "وإنما ظهر على من تجلى عليه إلا من حيث المقابلة والاستشفاف".
مثل المرآة لما تقابلها صورة تظهر فيها الصورة، المرآة ما فيها صورة، وما يطهر فيها هذا بسبب المقابلة، الصورة في محلها؛ والعلم في محله، العلم لله! لا أحد معه علم ثاني، لكن عند المقابلة يعلم ، يُعطى من العلم ما شاء جل جلاله
فيظهر هذا أثر العلم؛ ما هو حقهم العلم.. شوف الصورة في المرآة؟ لا لا، الصورة في محلها هناك ما دخلت. يقول لك شُف الصورة قدامك وسط المرآة! الصورة ليست موجودة وسطها، لكن قابلت المرآة فتجلّت فيها.
كذلك كل علم صحيح لملَكٍ أو إنسي أو جني، بتجلّي الله عليه بذلك العلم، فقابلَ علم الله. لكن العلم ما شي لهم، العلم لله جل جلاله.
العلم للرحمن جل جلاله *** والعبد في جهالاته يتغمغم
ما للتراب وللعلوم……………….…….
أنت حفنة من تراب
ما للتراب وللعلوم وإنما *** نسعى لنعلم أننا لا نعلم
حتى ندرك أن العلم لله. (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطلاق:12].
يقول: "فتحكي الصورة من غير انتقال للصورة عن ماهيتها ولا خروج للمرآة عن كونيتها. وكلما ازدادت المرآة صفاءً اختفى جِرمها وظهرت الصورة، حتى يظن من لا علم له أن الظاهر الصورة مجردة من غير واسطة، ويظن انعدام المرآة فلا وجود لها. قال: "كلا! إن المرآة على صورتها والصورة على ماهيتها.
"وهنا قال من قال من أهل الشطح والاصطلام بما قال، وفاهَ بما فاه"؛ يعني: نطق وتفوّه بما تكلم به، "وعلم من علم من أهل الكمال والتمكين، فأعطى كل شيء حقّه".
ما كل مسؤول يحسن أن يجيب به *** نعم، ولا كل تعبير بمشهود
وكل معلوم فاذكره لطالبه *** وامنعه عن غيره، إن الفضل محسود
والله أعلم.
لا إله إلا الله العليّ الأكرم، اللهم علِّمنا من لدنك علمًا وارزقنا فهمًا بوجاهة حبيبك المصطفى، والحمد لله رب العالمين.
29 ذو الحِجّة 1441