(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر السبت 25 ذي الحجة 1441هـ.
تتمة شرح الحكمة (68): قومٌ أقامهم الحق لخدمته، وقومٌ اختصّهم بمحبَّته (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)
الحكمة (69): "قَلَّمَا تَكُونُ اْلوَارِدَاتُ اْلإلَهِيةُ إلَّا بَغْتَةٌ؛ صِيَانَةً لَهَا أَنْ يَدَّعِيَهَا العِبَادُ بِوُجُودِ اْلِاسْتِعْدَادِ".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"والمحبة تشير إلى رتبة الجمع، وذهاب الأوصاف الحدَثانية من البصر والسمع، وكِلا الفريقين القائمين بعمارة تينِكَ الطريقين ممدودون بالعطاء الرباني، ومجموعون تحت تجلِّي اسم المعطي الصادر عنه كلُّ عطاءٍ وهبي أو كسبي، (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء:20]، فكلُّ مربوبٍ له عطاءٌ مخصوص، ونصيبٌ غيرُ منقوص، فلا حصرَ لعطائه، كما لا حصر لوصفه، كما لا حصر لذاته، لكن التفاوت من حيث المعطَوْن لا من حيث المعطي ولا من حيث العطاء بالنسبة إليه، فالكثير كالقليل إليه؛ لأن الوصف توجَّهَ إلى الكل الحقير والخطير، ولا تفاوت في وصفه، وإنما التفاوت من حيث مراتبُ المخلوقين من حيث نسبتُهُ إليهم، وهنا لوائح تلوح، وروائح تفوح، تُشمّ من قوله عزَّ وجل من قائلٍ: (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) [الملك:3]، من حيث نسبتها إلى الوصف وقيام الرحمة بها، فأضاف العطاء إليه، وأتى بنون الجمع؛ ليُفهم ما رمزنا إليه، ويتحقق ما أشرنا إليه، (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب:4].
فصدور مدد المجذوبين المحبوبين بتجلٍّ وصفي، وصدور عطاء السالكين بتجلٍّ فِعلي ممزوج بمظهرٍ خَلْقي، عَلِمَ ذلك من عَلِمه وجَهِلَه من جَهِله، ولي في ذلك:
من خصَّه الله بالتعريفِ قام له *** كلُّ الوجودِ بتعظيمٍ وإكرامِ
ونال من ربِّه ما لا يُنالُ له *** إلا بتوفيقِ محفوفٍ بإنعامِ
ومَنْ يكن في مقامِ الكدِّ كان له *** إلى مقامِ الرضا والصدقِ إقدامِ
فالكلُّ مشمولُ والتوفيقُ نائله *** مِنْ رتبةِ اْحسانِ وإيمانٍ وإسلامِ
وذلك لحكمةٍ منه بالغة، لا لِعلةٍ ولا بِعِلّة، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23]، فلا للعبد فيما يرد من الله تعمُّل، لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (69): "قَلَّمَا تَكُونُ اْلوَارِدَاتُ اْلإلَهِيةُ إلَّا بَغْتَةٌ؛ صِيَانَةً لَهَا أَنْ يَدَّعِيَهَا العِبَادُ بِوُجُودِ اْلِاسْتِعْدَادِ".
"قَلَّمَا تَكُونُ" -على الموجودين المحجوبين بالكون- الوارداتُ "إلا بغتة"؛ يعني غالبًا إتيانُها بغتةً من غير تربُّصٍ وترقُّب.
والواردات: هي ما يَردُ على القلوب والأرواح والأسرار من الله من الألطاف والفتوح الوهبية والمنوح الوقتية. وهي: إما عن طريق تجلِّي الأفعال، أو عن طريق الصفات، أو من تجلِّي الذات.
وهي أيضًا مختلفة التأثير، واحدةُ المورد، فمن الوارد عليه: من يتجلَّى له الاسم البصير، أو السميع، أو العالم، أو القادر، أو الحي، أو المتكلم، أو المريد، أو من بقية الأسماء؛ إما أَسماء النعوت أو أسماء الأفعال.
فإذا ورد وارد الاسم البصير.. نفذت بصيرته لسائر المدركات والمتخيَّلات، والمعاني المتجسِّدات والمتشكِّلات بالصور الحسِّيات.
أو ورد وارد تجلي الاسم السميع.. فيسمع كلَّ المسموعات بالحسِّ والمعنى، بسمعٍ لا يشك فيه ولا يمتري، بل يسمع نطقُ الجمادات، بفصيح التسبيح ناطقات، وصريرَ الأقلام العلويات، على الألواح السفليات، ويفهم سائرَ اللغات الكونيات، والإشارات الغيبيات، وهكذا يسمع الخطاب الأزلي بسمعٍ ثابتٍ من غير أصوات حرفيات.
وكذا ورود تجلي الاسم القادر والمريد.. فتنفعل له سائر المقدورات، وتمتثل إرادتَهُ سائرُ المرادات المكونات.
وإذا ورد وارد تجلي الاسم العالم.. يعلم كلَّ المعلومات من حيث القدْرُ اللائق علمُهُ بالإنسان، وهو علم كليات العالم لا جزئياتها، والله أعلم، فلا تعزب عنه علوم المكوَّنات الملكيات والملكوتيات والجبروتيات، ويعلم سرَّ الكلمات التي ينفد البحر لو كان لها مدادًا، والشجرُ لو كانت أقلامًا دون إحصائها، والوقوف على غايات نهايتها ومبادئها.
وكذا المتكلم يُفصِح عن غرائب الكلم ومجموعها بتعبير قدسي؛ ولسان أزلي.
وكذا الحيّ إذا ورد من تجلّي الاسم الحي.. يحيي مواتَ النفوس والجهل، وكذا كلُّ ما توجَّه إليه.. حَيِيَ فتحيا به العباد والبلاد.
وهكذا اختلاف مواجيدهم باختلاف هذه التأثيرات، وقد تتعاقب على الواحد هذه الواردات، ويُطلق له التصرُّفُ بسائر هذه الصفات، وكذا إذا ورد وارد اسم نعت أو اسم فعل.. كان حالة مَن وردَ عليه ذلك الاسم.
ولا تحصى الواردات؛ لعدم حصر الأسماء التوقيفيات، وما استأثر به في عالم الغيب والشهادات، فلا تُحصى متعلَّقاتها، ولا تنتهي آياتها، (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ) [غافر:81].
ومن استُودع سرًّا من هذه الأسرار، وحُظي بهذه الأنوار.. فعليه أن يصونَها كما صانها الله عن دعوى العباد، والصيانة: هي سترُ الشيء النفيس الغالي، ولا أنفسَ من مواهب الله، ولا أعلى ولا أغلى من أسرار الله عند عباد الله العارفين، فهي حَرِيةٌ أن تُصان، وتُكرمَ ولا تُهان.
والدعوى من جهل النفس المفطورة عليه، فإذا وافق فعلٌ من الله إليها فعلًا آخر من أفعال الله قد ظهر عليها.. فتجهلُ كونَ الفعل الأول من الله، وتضيفه إليها.
وإذا وافق الفعلُ المتأخرُ وجودُه الفعلَ المتقدِّم، نسبت الفعل المتأخِّر إلى الفعل المتقدم، ونسبت المتقدم إليها، وجعلتْه أصلها، وأضافتْ بعض الأفعال إلى بعض، وهكذا تنسبُ الأول إليها، وتنسبُ الثاني للأول، فتظنُّ لغباوتها وجهلها أن الأفعال بها ومنها، وهذا من الجهل المركب من جهلين:
فالأول: نسيانُها بروز الفعل الأول من الله وَهِيَ بَعدُ لَمْ تكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا.
والجهل الثاني: حيث ظنَّتْ أن الفعل الثاني مستندٌ غير مستمِد.
و "اْلِاسْتِعْدَادِ": هو ما خلقه الله في كل فطرةٍ لما فطرها عليه من خير وشر، فأعدَّ أفعال الخيرات وطهارة الأخلاق لظهور السعادات، ورذائل الأخلاق وقبائح الأعمال لما سبق من الشقاوة.
وبالإشارة إلى ذلك يقال: الطيبون للطيبات، والخبيثون للخبيثات، فلما قد جعل الله ذلك الاستعداد في سائر الذرَّات.. لطف بعباده، وتلطَّف لهم في إيصال ما مَنَّ به عليهم؛ لئلا يوافق فعلُ الله الذي لم يلابسه المظهر الخلقي، واللبس البشري ما قد لابسه ذلك واستتر به، وامتزج صريح بروزه من الله صرفًا بظهور الخلق المتوهَّم، فيقوم الجهلُ الكامن فيدَّعي أنه وجدَ ذلك باستعداده.
فأوردها الله بغتةً رحمةً منه بعباده؛ ليعرفوا بذلك عنايةَ الله بهم، وتمام نعمته عليهم، وورود منَّته إليهم، فيفزعون إلى الله بالشكر على ذلك، فيزدادون من الألطاف المتوالية ما لا يتناهى من الأضعاف، ولي في ذلك:
الوارداتُ على حَسْبِ المواجيدِ *** لها مظاهر والمجموع توحيدِ
فلا ترد في مظاهِرْها بتوريدِ *** لأنها من خزينِ الفضلِ والجودِ
فليس فيها سوى المنان محمودِ *** وكل غيرٍ سوى المِفْضال مفقودِ
فإذا علمت أن المواهب النفيسة تُصان ولا تذُاع؛ لأنها من أسرار القدر والإبداع..لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (70): "مَنْ رَأَيْتَِهُ مُجِيبًا عَنْ كُلِّ ما يُسْأَلُ، وَمُعَبِرًا عَنْ كُلِّ مَا شَهِدَ، وَذَاكِراً كُلُّ مَا عَلِمَ.. فَاسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى وُجُودِ جَهْلِهِ".
الحمد لله مُكرمنا بالخيرات الوفيرات المتناميات المتكاثرات فضلًا ومَنًّا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربُ جميع الموجودات وخالقها ومصورها ومقدرها والمتصرف فيها أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا، ونشهد أن سيدنا ونبيّنا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله، علَّمه ما لم يكن يعلم فجعله بين الخلائق بأسرار خلقِه وتكوينه هو الأعلم، ورفع له القدر في كل ما خصَّ وعم، صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على سبيله الأقوم، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل المنزلة الرفيعة والكرم، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين الممنوحين لطائف الرحمن الأكرم، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ذو الجود الأعظم.
أشار الشيخ -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- إلى بعض سرايات أسرار المحبة والمعرفة، وأن كثيرًا من العباد يقيمهم الله في مقامات الخدمة، ومنهم من يختصّهم بالمعرفة والمحبة، (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) [الإسراء:20].
وعلمنا أنه لا يجوز احتقار مؤمن ولا مسلم قطُّ كائنًا ما كان، بل علمنا أن في كل خلق الرحمن آيات وبدائع وعجائب للصانع ومِنَن وصنائع، فسبحان مبدع البدائع؛ فيجب أن لا نحتقر شيئًا من خلقه، ولا سبيل إلى احتقار شيء إلا من حيث نسبة اكتسابات المكلفين إلى ما هو حقيرٌ في ميزان الجبَّار، ولا سبيل بعد ذلك إلى احتقار شيء بوجهٍ من الوجوه؛ لأن كل شيء علامة عظمةِ خالقه وصانعه.
ثم إن شؤون المحبة العظيمة التي أشار الشيخ إلى أنها بالنسبة للمحبوبين تتفرّع عنها المعرفة، وبالنسبة للسالكين تقوم المعرفة على المحبة، أو تُثمر المعرفة لهم المحبة.
وبيَّن أن علماء هذه الأذواق تكلموا عن المعرفة والمحبة: فهل الأصل المعرفة، والمحبة متفرع عنها؟ أو الأصل المحبة، والمعرفة فرع عنها؟ وأشار إلى اختلاف حال السالك وحال المحبوب.
ومع ذلك كله أشرنا إلى أنه أصل المعرفة تقوم عليه أصل المحبة، ثم لا تقوى المحبة إلا وانفتحت أبواب من المعرفة جديدة، ولا تتسع المعرفة إلا وقويت المحبة، فهما كذلك يتعاقبان كشأن القلب والأعمال؛ وكلما صدر من القلب أمر إلى الجوارح بعمل صالح، فعملت الجوارح العمل الصالح، انضاف نور زائد إلى القلب فيقوى، ويُصدِر بأنواره إلى الجوارح فتقوى، ولا يزال الأمر هكذا، (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) جلَّ جلاله.
ويُقال للإناء الذي يجتمع فيه الماء: حُبُّ الماء أي: مكان اجتماعه، فكذلك "المحبة تشير إلى رتبة الجمع" على الله، "وذهاب الأوصاف الحدَثانية" وهي: ما حدث في عالم الأجسام "من البصر والسمع"؛ فيقول: أن هذه المحبة -كما أشار الإمام الغزالي عليه رحمة الله- أن جميع ما قبلها وسيلة لها، وجميع ما بعدها ثمرة لها وفرع لها، فهي المقصود الأعظم. قال تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة:54].
اللهم نزِّه قلوبنا عن التعلُق بمن دونك، واجعلنا في قوم تحبهم ويحبونك.
قال: "وكِلا الفريقين القائمين بعمارة تَينِكَ الطريقين ممدودون بالعطاء الرباني"، أرباب السلوك وأرباب الجذب، أرباب المحبة وأرباب المحبوبية؛ بل هؤلاء اندرجوا فيمن أراد الله تعالى وأراد الآخرة وسعى لها سعيها، وغيرهم من الذين أرادوا العاجلة وآثروها، كل ما عندهم من بداية خلقهم وإيجادهم، ثم كل ما يَتحصَّل لهم ويَتوجَه لهم من خلقه أيضًا، فالكل ممدود بمددهِ هوَ، كما قال: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء:18-20]؛ ولكن مَن أمدَّه سبحانه وتعالى بالتوفيق لإرادة وجهه، كمَن أمدَّه بإرادة الحياة الدنيا وزينتها؟! لا والله.. فرق بين هذا وهذا!
فالله يقبل بوجهه الكريم علينا بالفضل والإحسان وواسع الامتنان.
قال: "ومجموعون تحت تجلِّي اسم المعطي الصادر عنه كلُّ عطاءٍ وهبي أو كسبي، (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)" -ممنوعًا-، "فكلُّ مربوبٍ له عطاءٌ مخصوص، ونصيبٌ غيرُ منقوص"، (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ)، كما قال سبحانه وتعالى: (وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ) [هود:109]، فنسأله أن يجعل مُراده فينا خيرًا وأن يُدخلنا في الأخيار. "فلا حصرَ لعطائه"، كما لا حصر لصفاته "كما لا حصر لوصفه"، لا حصر لنعوته.
وقولنا: إنَّ لله عشرين صفة، أي: مجامع ما ذَكر في القرآن من هذه الصفات، ثم يتفرّع من كل واحدة معاني لا حدَّ لها ولا حصر، ولا يحيط بأسمائه أحد فضلًا عن صفاته فضلًا عن ذاته؛ بل لا يحيطون بأفعاله، وهي كائنات مثلهم مخلوقات خلقها ما أحد منهم يحيط بها، ما هو يحيط بالكائنات؛ بعجائب ما في ذاته هوَ وحده هذا الإنسان المخلوق ما يحيط بها؛ إذًا فالإحاطة بالعلم لواحد، والحق يُعلِّم من شاء ما شاء، ولهم تفاوت ودرجات في العلوم بحسب تجلِّيه عليهم، (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [العلق:2-5]، (خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن:3-4].
يقول: "كلُّ مربوبٍ له عطاءٌ مخصوص، ونصيبٌ غيرُ منقوص، فلا حصرَ لعطائه، كما لا حصر لوصفه، كما لا حصر لذاته" -لا إله إلا هو- "لكن التفاوت من حيث المُعطَوْن"؛ الخلائق هم الذين يتفاوتون في رتبة العطاء، وقدر العطاء، ومنزلة العطاء، وكيفية العطاء، ولون العطاء؛ وأما المعطي واحد ولا حصر له جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
وهكذا تفاوتوا في خِلقتهم وتكوينهم، والمُكوِّن والخالق واحد؛ فالتفاوت كله راجع إلى الخَلق من حيث ما أعطاهم من استعدادات ودرجات ومنازل وتجليات منه، ولكن مع اختلافهم هذا وتفاوتهم، كل ذرة منهم ملآنة بعجائب الحكمة وعظمة الصنع والإتقان والقدرة، فيُستجلى فيها جمال الله وجلال الله وكمال الله، بهذا (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) [الملك:3] كلها تدل على هذا الجمال.
………………… *** وكُلٌّ إلى ذاكَ الجَمَالِ يُشِيرُ
فمن هذه الناحية؛ كلُّ كائنٍ وكل مخلوق يحمل معنى كبير عظيم ما ينقص في دلالته على المكون؛ ما ينقص عن بقية الكائنات، (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك:3-4] لا إله إلا هو؛ فالجماد دليل، والنبات دليل، والحيوان دليل، والإنسان دليل، والجان دليل، والملائكة دليل؛ فكلهم من حيث الدلالة عليه في كمال خلقته (أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة:7] -سبحانه وتعالى- ولكن بعد ذلك تفاوتهم من حيث حيثيات راجعة إليهم هم. الله أكبر!
"لكن التفاوت من حيث المُعطَوْن لا من حيث المعطي ولا من حيث العطاء بالنسبة إليه"، فالعطاء بالنسبة إليه قليل كثير صغير كبير عظيم حقير، كله سواء عنده -لا إله إلا هو- المخلوق ذا الذي عنده أشياء تنتهي للحصر ذا، يُفرّق بين قليل وكثير؛ أعطى كم، خرَّج كم، يطلب مني كم، هذا بكم، والتذكرة كم، هذا كم... يروح يقيس قليل كثير، مخلوق مسكين!.. لكن الحق "لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم ، وإِنسَكُم وجِنَّكُم ، قاموا في صعيدٍ واحدٍ ، فسألوني فأعطيْتُ كلَّ إِنسانٍ مسألَتَهُ، ما نقَصَ ذلِكَ مِمَّا عندي، إِلَّا كما يَنقُصُ الْمِخْيِطُ إذا أُدْخِلَ البحرَ"، فمن حيث المعطي والعطاء لا تفاوت، لكن من حيث المُعطَون هم يتفاوتون في استقبالهم، في إقبالهم، في أحوالهم، في خصالهم و خِلالِهم، في ما تهيأوا له وما هُيئ لهم فهم يختلفون؛ أما المعطي والعطاء فشأنٌ عظيم في غاية العظمة.
لا إله إلا الله.
وهكذا يقول: فعند الله بالنسبة للعطاء "فالكثير كالقليل إليه" -والقليل كالكثير-؛ "لأن الوصف توجَّهَ إلى الكل الحقير والخطير، ولا تفاوت في وصفه، وإنما التفاوت من حيث مراتبُ المخلوقين من حيث نسبتُهُ إليهم، وهنا لوائح تلوح، وروائح تفوح، تُشم من قوله عزَّ وجل من قائلٍ: (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ) [الملك:3] من حيث نسبتها إلى الوصف"، يعني: أي شيء من خلق الرحمن ما ينتهض دليلًا للوجود للحق، أي شيء في خلق الرحمن ما يَحمل عظمة الآيات المودوعة فيه وعظمة المكوِّن الذي كوَّنه، أصغر ذرة في الوجود تدل دلالة كاملة على العظمة، فما في خلق الرحمن من تفاوت، "من حيث نسبتها إلى الوصف وقيام الرحمة بها"، أما من حيث هي وأحجامها وأشكالها ومراتبها ومنازلها متفاوتة كثيرة التفاوت، (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا) [الحديد:10]، ولكن معطيهم هو ذا واحد، هؤلاء وهؤلاء سواء، لا إله إلا هو.
يقول: "فأضاف العطاء إليه، وأتى بنون الجمع؛ ليُفهم ما رمزنا إليه"؛ أنه واحد، "ويتحقق ما أشرنا إليه، (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب:4].
فصدور مدد المجذوبين المحبوبين بتجلٍّ وصفي" إلهي، "وصدور عطاء السالكين بتجلٍّ فِعلي ممزوج بمظهرٍ خَلْقي، عَلِمَ ذلك من عَلِمه وجَهِلَه من جَهِله"، والكلُّ من تجلِّي الرحمن بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، كما يأتي التوضيح معكم في شرح الحكمة الثانية بعدها.
من خصَّه الله بالتعريفِ قام له *** كلُّ الوجودِ بتعظيمٍ وإكرامِ
ونال من ربِّه ما لا يُنالُ له *** إلا بتوفيقِ محفوفٍ بإنعامِ
ومَنْ يكن في مقامِ الكدِّ كان له *** إلى مقامِ الرضا والصدقِ إقدامِ
فالكلُّ مشمول والتوفيقُ نائله *** مِنْ رتبةِ إحسانِ وإيمانٍ وإسلامِ
كلٌّ لهُ مقدّرٌ معلومُ *** مِن ظَاهرٍ أو بَاطِنٍ أو حَالِ
كل واحد له مقدر ومقسوم.
اعتبر نحن قسَمنا بينهم *** ………
(وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) [فصلت:10]، فالله يرزقنا التوجه إليه المعطي، المحسن، المنعم، المتفضل؛ شؤون الإحسان والعطاء تابعة إذا هو أقبل عليك فالعطاء مضمون، وَصِفْ من وصفه هو المعطي.
وهكذا يُقرِّبون بعض المعاني، فيقولون: إن أحد الملوك فتح لجواريه يومًا لتطلب كل واحدة ما تشاء من خزائنه، فمنهن من طلبت الحرير، ومنهن من طلبت الذهب، ومنهن من طلبت المجوهرات، فبقيت واحدة ما طلبت شيء، قال: وأنتِ ما لكِ لا تطلبين؟ قالت: هذا الذي كلُّه عرضته ما هو مطلوبي؛ قال: ما تطلبين؟ قالت: أنت.. مطلوبي أنت، قال: هكذا!.. هذه طول عمرها تأخذ ما شاءت من الخزائن!
هؤلاء خَذْنَ في يوم واحد وروَّحن، لكن هذه لمَّا أنها قصدت هو صاحب الخزائن، أعطاها الخزائن كلها بعد ذلك وتمكنت منها؛ لأنها قصدت الأصل والذات، وكذلك الذين قصدوا وجه الله.
"وذلك لحكمةٍ منه بالغة، لا لِعلةٍ ولا بِعِلّة، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23]"، ومع هذا الوصف الإلهي الذي سبق -أنه لا يُسأل عما يفعل- ما من فعل يفعله إلا وفيه حِكَمٌ وأسرارٌ تَحارُ فيها العقول.
وسمعتم ما أراد بعض الأنبياء أن يتجلى له سِرُّ العدل بين العباد في الدنيا -معروف العدل في الآخرة حتى الشاة الجمَّاء من الشاة القرناء يُقادُ لها- لكن في الدنيا.. قال الله: اذهب فاجلس في المكان الفلاني وانظر ما يحدث على النهر الفلاني ولا تُكلِم أحد؛ فذهب، جلس ينتظر، وإذا بشاب يأتي وينزل معه فرسه ومعه صرة فيها دنانير ذهب، وحطها وخفّف ثيابه واغتسل في النهر، ولبس ثيابه ونسي الصرة وركب فرسه ومشى، وذا يشوف وهو مأمور ما يتكلم ما يقول شيء، ولا يقول له خذ حقك؛ راح.
جاء شاب ثاني شاف الصُرَّة، خذها؛ حملها ومشى؛ لاحول ولاقوة إلا بالله!.
جاء شايب، خفّف ثيابه ونزل يغتسل في النهر، أقبل صاحب الفرس -صاحب الصُرَّة الأول- وجد هذا، قال: يا هذا أين الصُرَّة التي كانت هنا؟ قال الشايب: ما رأيت الصرة. قال صاحب الفرس: ما رأيت صُرَّة! أين خبأتها والآن تُنكر؟ أنا ذهبت ما حد جاء بعدي إلا أنت، وأنت أخذت الصُرَّة، قال الشايب: أقول لك ما رأيتها؛ قال صاحب الفرس: صُرَّة فيها ذهب الآن طرحناها هنا نسيتها والآن رجعت إليها فأين هي؟ قال له الشايب: ما رأيت، قال صاحب الفرس: أحسن لك أَقِر.
وذاك ينظر من هناك وممنوع يتكلم، الحين أيش المشكلة هذه؛ هذا الذي أخذها واحد ثاني. وذا غضب على الشايب وقتلَه، راح.. فأوحى الله إليه: رأيت؟ قال: يا رب، أين مظهر العدل في هذا؟! واحد يُسرق، والثاني يُقتل؟
فأوحى الله -تبارك وتعالى- إليه: إنَّ هذا الشائب قَتل والِدَه غِيلة، ما حد درى به من أول؛ اغتال والد هذا وقتله، واليوم مكَّنت الولد من أن يأخذ بثأر أبيه وقد قتله؛ قال: عجيب!
قال: وإنَّ والد هذا القاتل صاحب الصرة، كان سرق خُفية دنانير على والد الشاب الثاني الذي جاء وأخذ مقدار نفس الدنانير التي أخذها ذاك، وخُفية ما حد درى به -أنا داري به- اليوم مكَّنت الولد يأخذ حق والده مسكين، الدنانير التي سرقها والد هذا صاحب الفرس؛ أرأيت العدل؟ قال: سبحانك من يحيط بحكمتك في الأفعال!
كم فِعل قدامك تشوفه مشكلة كبيرة وسطه حِكَم.. من أنت ومَن الفعَّال؟ فكيف ما تستسلم؟ كيف ما تعرف العظمة عنده جلَّ جلاله!
ولو جربتَ قدام خبير ومتخصص، كل ساعة شيء يعترض إليك تظنه خطأ، بيقول: هذا ما بعترض عليه، صلِّح الذي شئت الآن، ولا بعترض عليك، بتخبّرك بعدين بشوف النتيجة عندما تجي الأخبار من عندك! فإذا كنت عرفت الإله -تعالى في عُلاه- على ماذا ستعترض؟..
دَعِ الاعتراضَ فما الأمرُ لَكْ *** ولا الحُكمُ في جَريانِ الفَلَكْ
ولا تَعتَرِض على اللهَ في مُلكِهِ *** فمن خاضَ لُجَّةَ بحرٍ هَلَكْ
اعتبرْ نحنُ قَسَمْنا بينَهُمْ *** تلقَهُ حقاً وبالحقِّ نَزَلْ
يقول: "قَلَّمَا تَكُونُ اْلوَارِدَاتُ اْلإلَهِيةُ إلَّا بَغْتَةٌ"؛ كما كثير من أرزاق المؤمنين تجيء من حيث لا يحتسبون، ويظن يجيء من كذا يجيء من كذا، والمحل الذي يُظن فيه رزق كثير ما يجيء منه شيء، وأحيانًا وأحيانًا.. وهكذا؛ ليعرفوا أنه الرزاق، ما هو أسبابهم ولا اجتهاداتهم.
كذلك الواردات الإلهية كثير ما تَرِد بغتة؛ من دون استعدادٍ من عند ذاك، حتى لا يظن أنها بفعله وبتسببه، واجب عليه أن يكون مستعد، متهئ أي وقت، لكن من حيث يظن أنها ستجيء ما تجيء، تجيء بغتة، واليوم من الأيام كان فَتَر أو كسل إلَّا والوارد جاء له، ليعرف أنه منه عزَّ وجل، لا بفعله ولا بعمله، لا إله إلا الله… وإن كان ذلك سبب.
قال: "يعني غالبًا إتيانُها بغتةً من غير تربُّصٍ وترقُّب".
"والواردات: هي ما يَردُ على القلوب والأرواح والأسرار من الله من الألطاف والفتوح الوهبية والمنوح الوقتية" التي يمنح بها عباده في أي وقت يريد.
"وهي أيضًا مختلفة التأثير"، من حيث المُتجلَّى عليه، المُتجلِّي واحد ولا يتأثر بشيء ولا يتغير بشيء، "واحدةُ المورد" والمَورِد واحد، مُوردها واحد، والمُورِِد لها واحد، لا إله إلا الله.
"فمن الواردِ عليه: من يتجلَّى له الاسم البصير -مثلًا- أو السميع، أو العالم، أو القادر، أو الحي، أو المتكلم، أو المريد، أو من بقية الأسماء"، وهذه كلها فقط نموذج عن تجلِّي هذه الأسماء، بعض معاني تجلِّي هذه الأسماء على الخَلِقْ.
كل اسم من هذه الأسماء في تجلِّيه في العالم الخَلقِي ما لم يذكره الشيخ ولم يُشِر إليه، لكن حتى يقرب لك معنى العظمة في هذا التجلِّي الرباني؛ يقول لك: "إذا ورد وارد الاسم البصير" -سبحانه وتعالى- على عبد من العباد، فتجلَّى عليه باسمه البصير؛ "نفذت بصيرته"؛ صار يُدرك مدارك ما يصل إليها الناس.. "المدركات والمتخيَّلات، والمعاني -المتجسمات- والمتجسِّدات والمتشكِّلات بالصور الحسِّيات"، تنفذ بصيرته نفوذ ويرى أشياء عجيبة، والتجلي على هذا غير هذا، غير هذا، وهذا يزداد… هذا بالتجلي باسمه البصير مِنهُ: جميع البصر الذي عند الكائنات من آثار اسمه البصير والتجلِّي باسمه البصير، (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78]، (إنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [الإنسان:2]، هذا بالتجلي باسمِ البصير عليه، كل مبصرات الخلق الحسية والبصير للبصيرة أيضًا، كل المبصرات للقلوب والمبصرات للأرواح والمبصرات للأسرار مما لا تبصرها العيون، (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) [الحاقة:38-39]، وهذا يُبصر ما لا يُبصر هذا، وهذا يُبصر ما لا يُبصر هذا، وهذا يُبصر من المعاني والعجائب أمورًا كبيرة، وهذا يُبصر أكثر منه، وهذا يُبصر أكثر منه، وهذا يُبصر أكثر من ذاك وهكذا.. وكلها من تجلي اسمه البصير.
وانظر إلى البصر العادي للإنسان في هذا المنطق والمجالات المعلومة، ثم حتى من البحث الحسي يرون أن البصر ممكن أن يتحول إلى مدارك، أشياء ما كان يدركها البصر العادي وما إلى ذلك، يأتي حتى في الحيوانات نوع من البصر، يَعرف الهدهد ببصره مواطن الماء في أعماق الأرض؛ جوف الأرض يشوف، أيش البصر ذا؟! وما يكون بسبب التلسكوبات والمناظير، من عِنده اسم البصير وتجلَّى بها، لا إله إلا الله؛ ووراء هذه تجليات في معاني البصير ما تقدر تحيط بها.
يقول: "ورد وارد تجلي الاسم السميع.. فيسمع كلَّ المسموعات بالحسِّ والمعنى، بسمعٍ لا يشك فيه ولا يمتري، بل يسمع نطقُ الجمادات"، ويقول كما قال سيدنا سليمان: (عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ) [النمل:16]، ولما جاء الهدهد وكلَّمه ردَّ عليه، الذين حواليه سمعوا شيء؟ عرفوا شيء؟ وهو يتكلم هو وإياه، ويقول له كذا، ويروح ويجيء، وهؤلاء ما يسمعون شيء ولا يرون شيء، لا إله إلا الله!.. وهو يسمع ويرى؛ أيش هذا؟ تجلِّي السميع، وأنت أعطاك شيء من سمعه ذا الذي يعطيه لعباده، وبتغتر به وتحصر معنى السمع فيه، يا هذا! حتى سمعْ الكائنات ما ينحصر فيه، سمع الكائنات نفسها الذي أمدهم به.
قال: "يسمع نطقُ الجمادات، بفصيح التسبيح ناطقات، وصريرَ الأقلام العلويات، على الألواح السفليات، ويفهم سائرَ اللغات الكونيات، والإشارات الغيبيات"، لا إله إلا الله.
ويأتي تجلي ما أسمع الله الكليم عليه السلام من الخطاب الأزلي بسمع ثابت: (نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) [القصص:30-31]، سبحان الله! وكله من تجلِّي السميع.
"ورود تجلي الاسم القادر والمريد.. فتنفعل له سائر المقدورات، وتمتثل إرادتَهُ سائرُ المرادات المكونات"، كما أخبرنا ﷺ أن أهل الجنة في الجنة إذا خطر على بال أحدهم شيء يكون، إذا أراد الطائر المشوي وقع من الفضاء والهواء وهو طائر إلى بين يديه مشويًا، وإذا تم أكله طار، بعد ما يأكله ويشبع، يطير الطائر ثاني مرة يرجع بأمر الله تبارك وتعالى. أيش هذا التحرك بالخاطر؟ يُمثل في أجهزة الناس المصنوعة أزرار، الأزرار حق الحركة في الجنة خاطرك، حتى لا تحرك أصبعك ولا شيء ولا عينك، الخاطر هو نفسه.
يكون على سريره في الجنة فيخطر له زيارة أخيه في الله فُلان، في نفس الوقت يخطر خاطر ذاك، يتحرك سرير هذا إلى هذا وسرير هذا إلى هذا في نفس الوقت، يمشي السرير من دون ما يضغط على شيء ولا يدوس شيء، فيه كهرباء أو ما في كهرباء، ما شي فرق، ما شي وجود لهذه الكهرباء هناك، لا إله إلا الله! يمشي هذا إليه يقول: أنا أريد أزورك، قال: وأنا أريد أزورك! لا إله إلا الله السميع البصير.
يمشي واحد مع صاحبه في الجنة ويقول: تذكُر فلان بن فلان؟ كان واحد يضحك علينا يستهزئ بنا ويقول: أنتم أهل الأذكار وأهل العبادات، وأنتم تؤمنون بالآخرة وعندكم خرافات… كان يكلمنا، (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ) -فيناديهِ المَلَك- (قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ) بتسمعون؟ بتبصرون؟ تجلي السميع البصير.. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ) كم مسافة بين الجنة والنار؟ انطوت كلها وشاف ويسمع ويتكلم، سلكي أم لاسلكي؟!.. (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) -قال تبارك وتعالى- (إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)؛ دخول الجنة والحلول فيها، (لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)، إن بتصلِّح عمل، صلِّح لك الذي يوصلك إلى هنا، ما هو تقضي به غرض آني وقتي في الدنيا وتتوهدر -تتورط- في الجحيم بعدين.. أنت مجنون! (لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) [الصافات:50-66]. ففرق بين هؤلاء وهؤلاء، (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20]، اللهم اجعلنا منهم.
ثم يقول لك: "تجلي الاسم العالم.." يعلم معلومات عظيمة، وذا فوق ذا، وذا فوق ذا، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف:76]، ولا إحاطة بالعلم إلا لله وحده، (أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] سبحانه، وهكذا تعليم الحق لمن يشاء، و"علم كليات العالم"، "فلا تعزب عنه علوم المكوَّنات"، فيعلِّمه أشياء كثيرة، "ويعلم سرَّ الكلمات التي ينفد البحر لو كان لها مدادًا، والشجرُ لو كانت أقلامًا دون إحصائها"، (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) [الكهف:109]، (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) [لقمان:27]. لا إله إلا الله
الحي: ما هناك حياة لأي شيء بأي معنى إلا من تجلي اسمه الحي جلَّ جلاله، "يحيي مواتَ النفوس والجهل، وكذا كلُّ ما توجَّه إليه.. حَيِيَ فتحيا به العباد والبلاد".
وهكذا اختلاف مواجيدهم باختلاف هذه التأثيرات"، "ولا تحصى الواردات؛ لعدم حصر الأسماء التوقيفيات، وما استأثر به في عالم الغيب والشهادات، فلا تُحصى متعلَّقاتها، ولا تنتهي آياتها، (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ) [غافر:81]".
"ومن استُودع سرًّا من هذه الأسرار، وحُظي بهذه الأنوار.. فعليه أن يصونَها كما صانها الله"، فيسترها ولا يُحدِّث بغير أهلها، "ولا أنفسَ من مواهب الله" تبارك وتعالى، "فهي حَرِيةٌ أن تُصان، وتُكرمَ ولا تُهان"، وفيها قالوا:
من أطلَعُوهُ على سرٍّ فباح به *** لم يطلعوه على الأسرار ما عاشَ
"والدعوى من جهل النفس المفطورة عليه، فإذا وافق فعلٌ من الله إليها فعلًا آخر من أفعال الله قد ظهر عليها.. فتجهلُ كونَ الفعل" -أصله- "من الله، وتضيفه إليها"، فلما قال القائل للنبي محمد ﷺ: إنَّا نرى الجِمال صحيحة فتُورِد عليها الجرباء فتَجْرب، قال: "فمن أعدى الأول؟" الجمل الأول الذي جاء له الجرب من أعداه؟ شيء عدوى! فما تغفل.. هذه العدوى الثانية كلها تحت حكم الذي جاء بالأول ذاك، وإذا أراد يقطعها يقطعها، وإذا أراد بواسطة العدوى أو بغيرها يصيب، إذا أراد يصيب يصيب بعدوى أو بغير العدوى، "من أعدى الأول؟" قال: أنت تنسى فين الأصل! لا إله إلا الله، "فتجهلُ كونَ الفعل الأول من الله، وتضيفه إليها".
"وإذا وافق الفعلُ المتأخرُ وجودُه الفعلَ المتقدِّم، نسبتْ الفعل المتأخِّر إلى الفعل المتقدم، ونسبتْ المتقدم إليها، وجعلتْه أصلها، وأضافتْ بعض الأفعال إلى بعض، وهكذا"، "فتظنُّ لغباوتها وجهلها أن الأفعال بها ومنها، وهذا من الجهل المركب من جهلين:
فالأول: نسيانُها بروز الفعل الأول من الله وَهِيَ بَعدُ لَمْ تكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا"، (هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الانسان:1].
"والجهل الثاني: حيث ظنَّتْ أن الفعل الثاني مستندٌ غير مستمِد"، مستمَد من الحق، مستمَد ليس مستند، لا إله إلا الله.
"والاستعداد: هو ما خلقه الله في كل فطرةٍ لما فطرها عليه"، إنَّ الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا فهم بعمل أهل الجنة يعملون، وخلق النار وخلق لها أهلًا فهم بعمل أهل النار يعملون. لا إله إلا الله.
"الطيبون للطيبات، والخبيثون للخبيثات"، (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) [النور:26]، فجعل الله مناسبات بين الخلق في اختلافهم، وأما أصل الفعل فواحد من واحد.
قال: "لطف بعباده، وتلطَّف لهم في إيصال ما مَنَّ به عليهم".
"فأورد الله" -كثير من الواردات- "بغتةً رحمةً منه بعباده؛ ليعرفوا بذلك عنايةَ الله بهم، وتمام نعمته عليهم، وورود منَّته إليهم، فيفزعون إلى الله بالشكر" على ما أعطى وما أنعم وما تفضَّل به، ويزدادون من ألطافه إليهم، (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7].
الوارداتُ على حَسْبِ المواجيدِ *** لها مظاهر والمجموع توحيدِ
فلا ترد في مظاهِرْها بتوريدِ *** لأنها من خزينِ الفضلِ والجودِ
فليس فيها سوى المنان محمودِ *** وكل غيرٍ سوى المِفْضال مفقودِ
فالله يوفِّر حظنا من مواهبه، يا أكرم وهَّاب، يا من يعطي بغيرِ حساب، وفِّر وهبنا من الإيمان بك والمعرفة بك والقرب منك والرضا منك والرضا عنك والمحبة منك والمحبة لك يا أكرم كريم ويا أرحم رحيم، أحسن لهم خاتمة هذه الدورة يا محسن الخواتيم، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين، اجعل لنا ولهم نصيبًا وافرًا من صدق الإقبال عليك، وعظمة القبول لديك، وسرِّ التذلل بين يديك، حتى نَسلمَ من غطرستنا وكبريائنا ودعوانا، بعلمٍ ذوقيٍّ نخضع به لجلالك في حقائق (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة:32]، فربِّ زدنا علما وأعطنا فهما، يا أكرم الأكرمين، علِّمنا ما لم نعلم وزدنا من فضلك الأكرم يا ربنا الأكرم، يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين، يا الله.
بقيت ثلاثة أيام ثم يوم الختم، والمتجلِّي يتجلَّى وتجليه حتِم.
عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ *** وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ
فلا تجعل فينا محرومًا، ولا تجعل فينا شقيًا، ولا تجعل فينا مقطوعًا، ولا تجعل فينا محجوبًا يا الله، واجعل خير أيام دورتنا أواخرها، وخير ساعاتها خواتيمها، ووفِّر حظنا من هباتك ونظراتك وجزيل عطياتك، يا معطي العطايا، يا رب البرايا، يا عالم الظاهر والخفايا، يا من لا ينقص بحر جوده، ولا يقل عظيم جوده وعطائه لعباده، يا حي يا قيوم يا أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فجُد علينا بما أنت أهله يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
28 ذو الحِجّة 1441