(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الأربعاء 22 ذي الحجة 1441هـ.
الحكمة (67): "إِذَا رَأَيْتَ عَبْدًا أَقَامَهُ اللَّهُ بِوُجُودِ الْأَوْرَادِ، وَأَدَامَهُ عَلَيْهَا مَعَ طُولِ الْإِمْدَادِ.. فَلَا تَسْتَحْقِرَنَّ مَا مَنَحَهُ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَرَ عَلَيْهِ سِيمَا الْعَارِفِينَ، وَلَا بَهْجَةَ الْمُحِبِّينَ؛ فَلَوْلَا وَارِدٌ.. مَا كَانَ وِرْدٌ".
الحكمة (68): "قَوْمٌ أَقَامَهُمُ الْحَقُّ لِخِدْمَتِهِ، وَقَوْمٌ اخْتَصَّهُمْ بِمَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ: (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)"
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"ومقام المقربين لا يسوغ للمبتدئ الأخذ فيه إلا بعد إحكام أساس طريقته؛ لأن مقام الأبرار مقامٌ شريف، وهو عمدة السالكين، ومقام المقرَّبين يقتضي أن ذلك سيئةٌ حيث رأى نفسه، فربما تقف على أحوال أجلَّاء المقربين، وأئمة العارفين والمخطوبين المحبوبين، من سيما أحوالهم مَا يقلِّلُ عندك هذه المعاملة، ويصغِّرُ في عينيك مَا أقام الله فيه عامَّةَ هذه الطائفة.
فاعلم: أن الكلَّ محبوبون، فلولا محبته وسابق منَّته.. ما استعملهم في أصناف خدمته، وأدام لديهم واردات موارد القربات، ووعدهم عليها جزيل المثوبات؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
الحكمة (67): "إِذَا رَأَيْتَ عَبْدًا أَقَامَهُ اللَّهُ بِوُجُودِ الْأَوْرَادِ، وَأَدَامَهُ عَلَيْهَا مَعَ طُولِ الْإِمْدَادِ.. فَلَا تَسْتَحْقِرَنَّ مَا مَنَحَهُ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَرَ عَلَيْهِ سِيمَا الْعَارِفِينَ، وَلَا بَهْجَةَ الْمُحِبِّينَ؛ فَلَوْلَا وَارِدٌ.. مَا كَانَ وِرْدٌ"
إذا رأيت أيها المتفرِّسُ في أحوال القوم، ومتحرِّي الأحسنِ من مسالكهم فلا تخلو إما أن تكون من المقربين، مسلوكًا بك طريق المحبوبين، مخطوبًا لمواهب العارفين، متنزهًا في حظائر المجذوبين.. فلا جرم أنك إذا رأيت ما هم عليه من البقاء بربهم، وموافقة إرادته، والسكون تحت جريان مقاديره، وما يُفاض عليهم من غير طلب منهم، ولا مزيد تعب، وطول نصب.. أنك تستحقر أحوال من يتحرَّون في طريق الأعمال بالتخلُّص عن رؤية الناس، والتحرُّز عن ورطة الإعجاب؛ وذلك لِمَا أبقىٰ عليهم من رؤيتهم ورؤية ما منهم؛ فلا ينبغي لك أن تستحقر ما منحوا من دوام الأوراد وورود الإمداد، فلو لم يكن وارد من الله اختصاصي.. ما كان وِرد.
وفي تلك الحكمة تسكينٌ وتطمينٌ لقلوب المريدين ممَّا أزعجها من عظيم العتب، وخوف وبيل المكر، فلا يكاد سالك إلا ويوجد منه سوء أدب، ومن الذي وفَّى الأدب مع الله حقه؟!
فتنزعج القلوب لذلك، وربما تستحقر الأعمال، فلا تلتفت إليها؛ لأنها لا تُؤمَن من دخول الآفات عليها، فعقَّبَها بهذه الحكمة؛ تسكينًا لانزعاجها، وتقويمًا لميلها واعوجاجها؛ فاستحقار الأعمال جهلٌ واغترار، وما يوجد به في طريق العارفين والمقربين، والمحبوبين المجذوبين إلا القليل، وانتهاءُ سير السالكين، ومحتد مقصد المريدين،
هذا المقصدُ الشريف، فلا بدَّ وأن يوصل كل سالكٍ مقصده، وكل صادقٍ محتده.
وأقل حالاتهم: الأجر الجزيل؛ حيث قال الله فيهم: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗۗ) [النساء:100]، فقد غمر الجميع بعميم فضله، وأحاطت بهم دائرة إحسانه وامتنانه.
والأوراد: هي أصناف وظائف العبادات؛ من صلاة وتلاوة وذكر وسرد وهو: الصوم، وأفضل الأوراد البدنية: الصلاة، وأفضل الأوراد القولية ذكر: "لا إله إلا الله"، أو "الله الله"، أو "هو هو"، وهذا في طريق الفتح والترقِّي في المعارج الروحية، والبروج السماوية، والمدارج النفسية.
وأما في طريق الكسب والتضعيف.. فيجمع فضائلها ويلمُّ متفرقها مجموعُ الباقيات الصالحات؛ وهو عند العلماء: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ.
وفيها فتحٌ أيضًا، وتقوية على الواردات الحقِّية، يستعين بها مَن غلبتُه وقهرتُه، وفيها من الفضائل الدينية والدنيوية والحالية والبرزخية والحشرية وللجواز ما لا يحصى كثرة؛ فمن ذلك: كفاية الهموم، وتفريج الكروب، ودفع الغموم، ومنها: الشفاعة، ومنها: المحبة في القلوب، ومنها: قضاء الحوائج الدينية والدنيوية والأخروية، ومنها: البركة في الرزق، وقرب المناسبة النبوية في المجالس العلوية، والدرجات الفردوسية، وغير ذلك كما صحت به الأحاديث، وتركنا إيراد الأحاديث الواردة في ذلك لطول إسنادها، وتعديد وجوهها، وعدِّ رجالها، وليس هذا الشرح موضوعًا لذلك.
والاستغفار، وقد ورد فيه أيضًا أحاديث منها: "من لزم الاستغفار.. جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا"، وغير ذلك.
وأما الصوم.. ففيه من تنوير القلب، وضعفِ حجاب النفس، وإرغام الشيطان، ومجازفة الأجر مما لا يرغب عنه إلا كلَّ بطَّالٍ متهاونٍ في الطلب لطريق الآخرة.
وأما الأوراد القلبية.. فكالفكر في باهر صنع الله، ومحاسبة النفس على دقائق الخطرات، والمراقبة على ممر الأوقات، والمشاهدة للأرواح، والاستغراق للأسرار.
والإمداد: هي هذه الوظائف القلبية، والمشاهد الروحية، والتنزُّلات الوصفية، فهذه هي الإمداد الواردة على أسرار العارفين وأرواحهم وقلوبهم من الله تعالى بلا علَّةٍ في ذلك؛ لأن هذه من باب الأحوال، والأحوال وهبيةُ لا كسبية، والأوراد من طرق الكسب، والعبد مخاطبٌ بالسعي فيها، فتُنسب إليه بحسب ورُود الخطاب إليه، وإلا.. فالكلُّ حقيقة من باب الوهب.
وعلامة أنه مرادٌ من الله بها -أي: الأوراد- إدامته عليها، وحصول النتيجة، ومن أقامه في خدمته.. فقد أظهر عليه آثار عنايته، ومنحه سرَّ ولايته، فلولا أنه من الله بمكانة.. ما أقامه في خدمته؛ إذا أردت أن تعرف ما أنت عند الله.. فانظر إلى ما أقامك فيه؛ فإنه لا يختصُّ لخدمته إلا صفوة بريّته، وأهل تقيته؛ وهم أولو التقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض، ولا نطيل في ذلك؛ ففي الإشارة إلى بيان كلام المصنف كفاية، ولي في ذلك:
إقامة الله لك في الوِردِ يا انسانِ *** فضلٌ ومكرمةٌ من جُودّ منَّانِ
لا تحقرَنْ ما مَنَحْ من برٍّ وإحسانٍ *** لولا العنايةُ ما أُهِّلْ لذا الشّانِ
الحمد لله مكرمنا وإياكم بأنوار الدلالة عليه، وبيان المسلك إليه، ووضوح شرف التذلل بين يديه، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له والكل منه وإليه، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله وأكرم جميع الخلق عليه وأحبهم أجمعين إليه.
اللهم أدم صلواتك على السراج المنير، البشير النذير زين الوجود المصطفى محمد، وعلى آله الذين خُصُّوا بشريف التطهير، وأصحابه الذين مُنِحوا عظيم التنوير، وعلى من سار في منهاجهم مواليًا لك ولهم من أجلك خير مسير إلى يوم المصير، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل الفضل الكبير، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم وعلى ملائكتك المقربين وعبادك الصالحين أهل التنوير، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا من يجود بالكثير.
وبعدُ،
فيواصل الشيخ الكلام على أحوال العباد مع ربهم، وواجب السالك والسائر إلى خالقه -جل جلاله وتعالى في علاه- وذكر المهمات والواجبات والوظائف على المريد السالك في طريق الإسلام والإيمان، المُرتقي بِسُلّمهما إلى مراتب الإحسان، وأن ذلك فضلٌ عليه من الله كبير، وجود من الله وفير، وعطاءٌ من الله واسعٌ غزير؛ بالهداية إلى الإسلام والإيمان بعد نعمة الخلق والإمداد.
ويقول إن مما يُنازل الإنسان في سيره إلى الله، أن يرى بعض ما هو أفضل وأكمل وأجل، فيقع في خطأ ومزلة احتقار ما دونه، وما دونه ليس بحقير، ولكن يكون هناك كبير وأكبر، ونَويِر وأنور، وفاضل وأفضل، وشريف وأشرف، ومجيد وأمجد، أما أن يُحتقر شيء من شؤون الفضل والجود الإلهي فلا، ثم لا، ثم لا! وذلك سوء أدب مع هذا الرب جل جلاله وتعالى في علاه.
بهذا تعرف الاستقامة في السير والسبيل، حتى تُسقى من أحلى سلسبيل، أن لا تحيد ولا تميل إلى ما يُورثك بعض القال والقيل، من احتقار ما ليس بحقير ولا قليل.
فيكون في أدبك في سيرك إلى الله، معرفة قدر الخلق من حيث كونهم خلقه ومن حيث كونهم صنعته -جل جلاله- ثم لا تحتقر إلا ما أذِن لك باحتقاره من الفانيات والحقيرات والسيئات، وتكره ما أذن لك بكراهته فقط من أجله.
وما عدا ذلك فأنت متأدب مع حضرة الخالق في جميع ما خلق، وحضرة الصانع في جميع ما صنع، وحضرة المريد في جميع ما أراد، وحضرة القهار في جميع ما قهر، متأدبٌ مع حضرة الإله في كل مألوه.
لا إله إلا الله، ورزقنا الله حسن الأدب وبه الرُقي إلى عالي الرتب.
فذكر ما يُشابه ما يحصل من بعض الناس عندما يسمع كلام بعض العارفين والصالحين؛ من أنهم لم يعبدوا من أجل الجنة، ولا هربًا وخوفًا من النار، يظن أنهم يحتقرون الجنة والنار! وما درى أن احتقار الجنة والنار معصية من أكبر المعاصي القلبية، التي توجب البُعد والطرد، فما هي حقيرة ولا صغيرة، كيف وهذا الذي يُرَجِّي الله به عباده، وهذا الذي يُخوِّف الله به عباده، وهذا الذي يعد به عباده المتقين والمقربين والأنبياء والمرسلين ويجعل محلهم هناك، كيف تحتقره؟! فما هناك حقير في جنة ولا نار، لكن وهْم يسبق إلى أفهام بعض من يسمعوا كلام العارفين؛ أنهم لم يعبدوا من أجل ذلك، فظنوا أنهم لم يعظّموا الجنة ولم يعظّموا النار، وقد عظمهما إلٰهُهم الجبار جل جلاله.
وإنما القوم يعبدون الله حتى في تعظيم الجنة وتعظيم النار، لا لأجل الجنة ولا لأجل النار، فتحدثوا عما خُصوا به من صفاء المعاملة في خصوص معرفتهم بعظمته وذاته، فلم يقصدوا إلا وجهه الكريم -جل جلاله-؛ فبذلك تحدثوا، فيظن الظان أنهم يحتقرون ما عظّم الله! وليس ذلك من شأن أهل الله، من قريب ولا من بعيد قط قط قط.
ففرقٌ بين أن يقول ما عبد إلا خوف له، وفرق بين أن يقول أنه خوف خالق النار ألهاهُ عن النار وعن غيرها، ورجاء خالق الجنة ألهاهُ عن رجاء الجنة وغيرها، وفرق بين أن يقول لا أرجو جنة ولا أخاف نار فما أحد منهم قال كذا! .. كيف والجنة محل رضوانه ومحل إحسانه ومحل تنعيمه ومحل قربه. كيف والنار محل غضبه ومحل سخطه ومحل طرده ومحل بُعده ومحل لعنته جل جلاله وتعالى في علاه.
إذًا، فليس مرادهم بهذا الكلام إلا التحدث عن مَرقىٰ عليّ رفيع في شؤون القصد لله الجليل -جل جلاله وتعالى في علاه- وتحررهم من أن يكون الدافع لعباداتهم وتقواهم؛ خوف من عذابه.
عرفو أنه المستحق أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ولو لم يخلق جنة ولو لم يخلق نار، كيف تكفر به وكيف تعصيه؟ أهو أهلٌ لذلك منك؟ جل جلاله.
فلما علموا من عظمة ذاته ما أغناهم عن أن يقادوا بالجنة أو بالنار، تحدثوا بهذا الحديث من دون أن يحتقروا شيئًا عظمه الله جل جلاله.
وقالت رابعة العدوية: ما عبدتك خوفًا من نارك ولا طمعًا في جنتك، لكن لأسُرَّ قلب نبيك محمد ﷺ، لِمَا تعلم من رضى الله في سرور هذا القلب.
وهكذا.. قالوا. وكذلك إذا علمت بعض قولهم أن ما مقصودهم جنات عدن لذاتها، ولا ما يذكر من لذّاتها؛ ولكنهم قصدوا رضوانه، وموطنه الجنة، وقصدوا النظر إلى وجهه، وموطنه الجنة، كله محله الجنة، هذا الذي قصدوه هذا محله، فقالوا ما قصدنا المحل لذاته؛ ولكن لِمَا يُحِل فيه من عظيم مواصلاته -جل جلاله- ولهذا قال: وما مقصودهم جنات عدن والحور... وقال:
في جنة ما شاقني من وصفها *** إلا لكون الحِب فيها خَيّما
الله، لا إله إلا الله.
ويبقى بعد ذلك وهمٌ عند بعض من يُسمّون عند القوم بأطفال العارفين، وهم لما أذاقهم من شريف مواصلاته، بتقريبه الخاص واختصاصه إياهم بِمُنازلات معاني المعرفة الخاصة والرضوان منه وهم في الدنيا، أيقنوا أن كل ما يُذكر من لذائِذ أنهار وجنات وحور وخمر ولبن وماء وعسل، وما إلى ذلك.. ما يساوي ما أُعطوه وما أُوتوا من هذا القرب وهذه المعرفة وهذا الرضوان، فيتَوهمون كذلك أنهم إنما يريدون زيادة من هذه العطايا إلى النظر إلى وجهه الكريم؛ فإذا ذُكر لهم الجنة، مجرد الجنة انصرفت أذهانهم في وهمهم إلى أنها محل الأنهار والأشجار والحور، وما ذلك مرامهم ولا مقصودهم ولا تعويلهم فإذا نُودوا للدخول في الجنة، يقولون: ما قصدنا الجنة، في الآخرة يقولوا: ما قصدنا الجنة، وإنما عبدناه له لأجله، والله قد علم ذلك منهم.
فهؤلاء الذين يسمونهم بأطفال العارفين، فيأمر الله الملائكة يأخذونهم بالسلاسل يشِلونهم إلى الجنة، يقِيدونهم ويدَخلونهم إلى الجنة، يجدون كل ما أرادوا من معاني قربه، وقدامهم أقرب المقربين وأحب المحبوبين وأهل الدرجات العلى في القرب من النبيين ومشاهدة موطنهم وهذا المحل أيش تطلبونه! هذا موطنه وهذا محله.
فهذا.. بعضهم حمل قوله ﷺ على هذا: "عجب ربك من قومٍ يُقَادُون إلى الجنة بالسلاسل"!
يُقادون إلى الجنة بالسلاسل، حتى يقاتلهم النبي والصحابة من أجل أن يدخلوا الجنة، من أجل أن ينقذون أنفسهم من النار، عجب ربك من هؤلاء!
فأما المعرضون فعليهم الغضب، وأما الذين سيقوا وقيدوا فعجب الحق تبارك وتعالى منهم، عجب رضا، أريد لكم هذا وتنفرون منه ولا تأتون إلا بالكره! كرتبة في الرضا أكبر بالنسبة للذين يقادون من أطفال العارفين إلى الجنة في الآخرة.
مثل هذا قال: "مقام المقربين" عليهم رضوان الله تعالى، وقد بين الحق الفارق في الكتاب العزيز بين الأبرار والمقربين، بين أصحاب اليمين والمقربين في سورة الواقعة وفي سورة المطففين.
فقال: (وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) [الواقعه:11-7].
ثم قال: (فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ) [الواقعة:93-88]، ضيافة من حميم، قيح وصديد يغلى بالنار ويسقون منه -والعياذ بالله-، ياما أشدها وأشنعها من ضيافة، ما أخزاها من ضيافة لأهلها، قال: (فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) [الواقعة:95-93].
ويقول سبحانه وتعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ)، مزاج شراب الأبرار هؤلاء (مِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ) يمزجون لهم من التسنيم فوق ذا الشراب، ليزدادوا ذوقًا وحلاوةً ولذةً وأمر عظيم، والتسنيم هذا فين؟ قال: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)، المزاج من شراب المقربين في شراب الأبرار يطيّبه لهم ويزينه، وهؤلاء يشربون من التسنيم مباشرة؛ (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) [المطففين:22-28].
وراءهم وتحتهم لهم مزاج.. (وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ)، أما أولئك.. (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)، فكم فرق بين ذا وذا!.
ومع ذلك هل يجوز احتقار أحد من أهل اليمين؟ احتقار أحد من الأبرار؟ هذا الكلام. قال: قد يسمع أحد مقامات المقربين والعارفين فيحمله ذلك بوهمه وخياله، بل وضلاله، إلى احتقار أحوال الأبرار أو المقربين، قال: لا، لا، لا يجوز لك ذلك ولا يجوز أن تتصور ذلك.
وقال: "ومقام المقربين لا يسوغ للمبتدئ الأخذ فيه إلا بعد إحكام أساس طريقته"، والتحقق بحقائق الأبرار وأصحاب اليمين، ثم ترتقي لتكون من المقربين؛ لا يجوز ولا تستطيع أن تقفز قفزة وهكذا إلى فوق من دون المرور بالطريق التي شرعها ومدّها الله تبارك وتعالى.
يقول: "لأن مقام الأبرار مقامٌ شريف، وهو عمدة السالكين، ومقام المقرَّبين يقتضي أن ذلك سيئةٌ حيث رأى نفسه" موجودًا وأثرًا ومؤثرًا وفاعلًا وعابدًا وذاكرًا وشاكرًا وله عمل يجتهد في تخليص عمله من الشوائب، ويطلب تحقيق الإخلاص المقرب، أيش هذا؟.. إلى الآن هذا يرى نفسه مع الحق موجود؟ ما له؟ هو ارتقى في مقامه هذا؟ لكن لما تسمع كلام هذا إياك أن تظن احتقار أهل هذا المقام الأول أبدًا.
يقول: "فربما تقف على أحوال أجلَّاء المقربين، وأئمة العارفين والمخطوبين المحبوبين" عليهم الرضوان، تقف "من سِيما أحوالهم" ما يدخل عندك الوهم "يقلل عندك هذه المعاملة" للأبرار والمبتدئين في السير ولعموم المؤمنين.
يقول لك: لا، لو كُشف نور العبد المؤمن العاصي لطبّق ما بين السماء والأرض، عبد مؤمن عاصي! فكيف بطَائع؟.. قال طبّق ما بين السماء والأرض.
فمن عنده "لا إله إلا الله" ما يجوز احتقاره، "بحسب امريءٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، ولما أخفى بعضهم الآن ما يقولها ولا يؤمن بها وبعدين يُميته عليها إذًا هو من أهلها ما يجوز احتقاره، ولهذا قال: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات:7].
يقول: ربما تقف بين أحوالهم و سِيماهم "ما يقلِّلُ عندك هذه المعاملة، ويصغِّرُ في عينيك ما أقام الله فيه عامَّةَ هذه الطائفة". يقول: فلا يجوز لك ذلك، بل أنت تعظم المؤمنين عامة وخاصتهم خاصة، وتُمجّد المؤمنين عامة، وتُحب المؤمنين عامة وخاصتهم خاصة، ولا تحتقر أحد منهم، ولا تحتقر أحد أعطاه الله "لا إله إلا الله"، فقد أعطاه ما لا تسعه السموات والأرض، فإن حقيقتها وسرها لا تسعه السموات والأرض، ولو وُضِعت السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة؛ لرجحت بهن لا إله إلا الله.
فكيف تحتقر من أعطاه رب السماوات والأرض ما يرجح بالسماوات والأرض؟!.. ما يجوز احتقاره بحال.
بل وإذا ابتدأ منه سلوك أو تعلُم في البداية، فكن عبدًا له أو خادمًا له، كما قال الله: "يا داود، إذا رأيت لي طالبًا فكن له خادمًا، يا داود من ردَّ لي آبقًا كتبته عندي جهبذا"، أي: رفيع القدر؛ جهبذ رئيس، إذا رد لي آبق؛ واحد شارد علي في غفلاته، ذكّره بي ولوى اتجاهه إلي؛ كان سبب لذلك، قال: هذا الذي رد الآبق أكتبه عندي جهبذ، أي: رفيع القدر والمنزلة.
لا إله إلا الله.
وهكذا.. أما إذا رأيت لي طالب، وفي هذا المعنى الذي يُروى عن سيدنا أبي سعيد الخدري، أنه لما جاءه بعض طلبة العلم، قال: مرحبًا بوصية رسول الله! قالوا: لماذا تقول وصية رسول الله؟ قال: إن النبي وصّانا بهم وقال: "إِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرَض يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا""، يقول: مرحبا بوصية رسول الله. فإذا رأيت طالب للخير والعلم احذر أن تحتقره، فضلًا عن أن تخذله، فضلًا عن أن تكسّله؛ تقع في مصيبة كبيرة والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ويقول: من شغل مشغولًا بالله أدركه المقت لوقته. واحد مشغول بالله وبخير يقوم يشغله بشيء ثاني يبعده عن الله، فهذا يمقته الله ويبغضه، "أدركه المقت لوقته". فلا تشغل مشغولًا بالله، وإذا رأيت أحد سائر في طريق الخير شجّعه ورغّبه واخدمه بما تستطيع، ما تقول أيش تبغى بهذا؟ وأيش بتحصل من فائدة من وراء هذا؟ أنت تقصد الفائدة دولارات يعني بس؟ دولارات عندك الفائدة؟ الفائدة دولارات والسلام! يا أبله، يا بليد! لو فيها الفائدة ما أعطاها اليهود، لو فيها الفائدة ما أعطاها الملحدين، يا مجنون أيش مقياس الفوائد عندك؟ وهكذا تقطع الطريق على عباد الله من أجل هذا، فما أقرب أن تُحشر في الخزي والذل، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ) [الأعراف:152] قبل الآخرة -والعياذ بالله تبارك وتعالى- شجِّع أهل الخير وخدَّام دين الله تبارك وتعالى ومن يقبل على مولاه، "إذا رأيت لي طالبًا فكن له خادمًا".
وهكذا قال الله لسيدهم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ ) [آل عمران:159] اللهم صل عليه وعلى آله.
يقول: "فاعلم: أن الكلَّ محبوبون، فلولا محبته وسابق منَّته.. ما استعملهم في أصناف خدمته"؛ ما جعلهم في المسلمين، ما جعلهم في المؤمنين، ما جعلهم في طلبة العلم، ما جعلهم فيمن يُريد التزكية لنفسه، ما جعلهم فيمن يطلب القرب منه، فإذا أعطاهم هذا معناه سابق إرادته أعطاهم هذا عنوان أنه يريدهم، فكيف تحتقر من يريده ربه؟! يقول: "فلولا محبته وسابق منَّته.. ما استعملهم في أصناف خدمته، وأدام لديهم واردات موارد القربات، ووعدهم عليها جزيل المثوبات؛ لذلك قال المؤلف رضي الله عنه:
"إِذَا رَأَيْتَ عَبْدًا أَقَامَهُ اللَّهُ بِوُجُودِ الْأَوْرَادِ، وَأَدَامَهُ عَلَيْهَا مَعَ طُولِ الْإِمْدَادِ.. فَلَا تَسْتَحْقِرَنَّ مَا مَنَحَهُ مَوْلَاهُ"، لماذا؟ لأنك لم ترَ عليه سِيما العارفين، ولم تلحظ عليه بهجة المُحبين من المقربين ورافعِ القدر.
قال: لا تحتقره!.. استمراره في الطاعة والعبادة وتوفيق الله له إياه فيها، عنوان يجب احترامه ويجب إكرامه، فلهذا كان من شأن المؤمن إكرام المؤمنين، بل قال الله لأقرب الخلق إليه وأكرمهم عليه: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر:88] اللهم صل عليه وعلى آله. (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الشعراء:215] هم أتباع لكن اخفض جناحك لهم، ثم أمرنا بخفض الجناح للوالدين. وقال لحبيبه: كل من اتبعك من المؤمنين اخفض لهم الجَناح، اللهم صل عليه.
فهكذا.. اخفض جناحك أنت للمؤمنين عامة، و للسائرين خاصة، وللواصلين خاصة الخاصة بأخص وأخص، اخفض جناحك لهم واعرف قدرهم عند ربهم جل جلاله وتعالى في علاه.
ولهذا لما قال سيدنا عمر: من هذا الذي طعنني؟ قالوا: أبو لؤلؤة مجوسي، قال: الحمد لله ليس عنده لا إله إلا الله يحاجّني بها يوم القيامة، قال: ما عنده هذا، لو كان عنده الكلمة هذه له محاجّة.. كيف لو معه لا إله إلا الله؟ كيف يستحل دمك كيف يقتلك؟ ولكن سيدنا عمر يعرف قدر أهل لا إله إلا الله وقال: الحمدلله أن خَصمي في القيامة ما عنده هذه الكلمة، ما يؤمن بها.
لا إله إلا الله، اللهم اجعلنا من خواص أهلها.
"إِذَا رَأَيْتَ عَبْدًا أَقَامَهُ اللَّهُ بِوُجُودِ الْأَوْرَادِ، وَأَدَامَهُ عَلَيْهَا مَعَ طُولِ الْإِمْدَادِ.. فَلَا تَسْتَحْقِرَنَّ مَا مَنَحَهُ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَرَ عَلَيْهِ سِيمَا الْعَارِفِينَ، وَلَا بَهْجَةَ الْمُحِبِّينَ؛ فَلَوْلَا وَارِدٌ.. مَا كَانَ وِرْدٌ."، ثم إن ما يحصلُ خصوصًا من شؤون المكاشفات بكثير من الشؤون، ليس العلامة الفريدة ولا الجازمة بأن صاحبها أقرب ولا أطيب، ولا أن مقامه أعلى، ولا أن جاهه أرحب عند الله، ليست قياسًا.
وكثيرًا ممن يحجب الله عنهم هذه الكشوفات ولهم منزلةٌ لديه، ومكانةٌ عنده ورضا منه عنهم يؤخره عليهم، إما لمدىً في الحياة الدنيا وإما للبرزخ، وليسوا بأقل شأنًا من أولئك، وبعضهم يكون أرفع من الذين ابتَدأهم بالمكاشفة وهم في الدنيا، ولكن الأمر له، ليس هو القاعدة في الأفضلية.
ولذا قالوا:
أما ما سوى ذلك فليس الأمر كذلك. وفي معجزات الأنبياء لكلٍ ما ليس عند الآخر، وعند كثيرٍ غرائب من المعجزات عند من هم أفضل منهم من الرسل لم تظهر عليهم مثل تلك.
فكان سيدنا إبراهيم ما يطير في الريح ولا يأمر الريح تحمل أحد، سيدنا سليمان يحملهم، من هو أفضل؟ إبراهيم أفضل من سليمان، سيدنا سليمان نبي عظيم وجليل لكن سيدنا إبراهيم أجلّ، وهذا عنده معجزات ليست عند موسى وليست عند إبراهيم، وهكذا.. سيدنا عيسى عليه السلام يُبرئ الأكمه والأبرص، ما أثِر هذا عن سيدنا موسى، ما أثِر هذا عن سيدنا إبراهيم وبعدين.. هل هو أفضل منهم؟ ليس بأفضل منهم. وهكذا..
يوجد عند المفضول ما لا يوجد عند الفاضل، وخصوص العلم لهذا قال الإمام عبد الله بن محسن العطاس: العلم وصفه الإطلاق ولذا يوجد عند المفضول ما لا يوجد عند الفاضل فيه.
وبهذا ذكروا لنا أن كثير من مسائل أحكام الشريعة كان سادتنا الصحابة يحوّلون فيها على جماعة من خيار التابعين، يقول بعض كبار الصحابة: اسألوا مولانا الحسن، لما يسألونه؛ الحسن البصري تابعي وهؤلاء الصحابة. قالوا: لكن إذا عُرض شؤون الإيمان والمعارف الرحمن فما أحد يتقدم على الصحابة لا الحسن ولا غيره، هم أعرف بها وهم من يخوضون فيها؛ لأنهم جالسوا الذات الكريمة وأخذوا عنه ﷺ.
قال: "إذا رأيت أيها المتفرِّسُ في أحوال القوم، ومتحرِّي الأحسنِ من مسالكهم فلا تخلو إما أن تكون من المقربين، مسلوكًا بك طريق المحبوبين، مخطوبًا لمواهب العارفين، متنزهًا في حظائر المجذوبين.. فلا جرم أنك إذا رأيت ما هم عليه من البقاء بربهم"، بعد الفناء فيه "وموافقة إرادته" بعد اضمحلال إراداتهم في إرادته، "والسكون تحت جريان مقاديره" بعد امتلائهم بشهود عظمته ذوقًا، "وما يُفاض عليهم من غير طلب منهم ولا مزيد تعب وطول نصب" مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مما يليق بجوده.
إذا رأيت هذا تستحقر "أنك تستحقر أحوال من يتحرَّون في طريق الأعمال بالتخلُّص عن رؤية الناس، والتحرُّز عن ورطة الإعجاب" والرياء والكبر وقاعدين يجاهدون أنفسهم في التخلص من هذا، قال: لا تستحقرهم! ولذلك ترى ما "أبقى عليهم من رؤيتهم ورؤية ما منهم. فلا ينبغي لك أن تستحقر ما منحوا من دوام الأوراد"، أعطاهم إسلام وإيمان، وسيّرهم في مسار الطاعة والأعمال الصالحة، وأعطاهم الأوراد ويمدّهم بها، "فلو لم يكن وارد من الله اختصاصي.. "مَا كَانَ وِرْدٌ"" من العبد اجتهادي يقوم عليه ويلازمه.
كان واحد يقولون له العلواني -عليه رحمة الله- يقرأ الأذكار في الرباط في البيضاء التي رتبها الحبيب محمد الهدار، يقرأها كل يوم في الصباح ويحفظها، وكل ما أعطاهم الحبيب ذكر ورد يحفظه وهو حامل السماعة يظل يقرأ، فرُئِي بعد وفاته؛ فذكر عظيم ما حصّل بواسطة الذكر، قال: لكني حسران على أذكار العصر، ما كان يجيء العصر، واحد ثاني كان يقرأ الأذكار حق العصر، قال ما بي حسرة إلا على أذكار العصر، لأني حصّلت من هذه الأذكار يقرأها كل يوم؛ شيء كثير وعظيم هكذا يقول..
وهذا مقتضى ما دلت عليه النصوص أن الإنسان يكون هكذا (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:35]. فلا تستحقر شأن أصحاب الأوراد والذاكرين لرب العباد، فإنه ما وفقهم لذكره إلا وهو يريد أن يذكرهم، ومن كان مذكور للبرّ الشكور لا يجوز له تحقير.
يقول: "وفي تلك الحكمة تسكينٌ وتطمينٌ لقلوب المريدين ممَّا أزعجها من عظيم العتب، وخوف وبيل المكر، فلا يكاد سالك إلا ويوجد منه سوء أدب، ومن الذي وفَّى الأدب مع الله حقه"؟!
مَن ذا الـذي ما ساء قط *** ومَن لَه الحسنى فقط
محمد الهادي الذي *** عليه جبريل هبط
والذي أوتي من التطهير والتزكية والتنوير والسلامة من قليل وكثير المعايب وصغيرها وكبيرها وأدناها وأبعدها؛ حل في السلامة منها المركز الذي لم يحل فيه غيره ﷺ.
يقول: "فتنزعج القلوب لذلك، وربما تستحقر الأعمال، فلا تلتفت إليها؛ لأنها لا تُؤمَن من دخول الآفات عليها، فعقَّبَها بهذه الحكمة؛ تسكينًا لانزعاجها، وتقويمًا لميلها واعوجاجها؛ فاستحقار الأعمال" الصالحة "جهلٌ واغترار، وما يوجد به في طريق العارفين والمقربين، والمحبوبين المجذوبين إلا القليل، وانتهاءُ سير السالكين، ومحتد مقصد المريدين، هذا المقصدُ الشريف، فلا بدَّ وأن يوصل كل سالكٍ مقصده، وكل صادقٍ محتده"؛ أصله.
فالله يرزقنا صدق الإقبال عليه، ويقبلنا على ما فينا.
قال: "أقل حالاتهم" هؤلاء الذين سُيّروا في الخيرات "الأجر الجزيل" حيث قال الله فيهم: "(وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗۗ) [النساء:100]. فقد غمر الجميع بعميم فضله، وأحاطت بهم دائرة إحسانه وامتنانه".
قال: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا) ما قتلوا (لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ) [الحج:58-59]، ما عاد قال هؤلاء أو هؤلاء.. كلهم؛ الذين قتلوا والذين ماتوا. (وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:74] الله أكبر، أكرم الكل سبحانه وتعالى وأعطى. لا إله إلا هو.
قال لسيدتنا أم حارثة: إنها جنان كثيرة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى! ثمانية عشر سنة ولكن ايش المقام الذي ناله؟ ايش الدرجات التي حصّلها؟ والناس عاشوا سبعين وثمانين سنة وتسعين ما وصلوا، ما وصلوا شيء من هذا المقامات التي وصلها هذا الشاب الصادق المخلص عليه رضوان الله.
يقول: "والأوراد: هي أصناف وظائف العبادات؛ من صلاة وتلاوة وذكر وسرد وهو الصوم، وأفضل الأوراد البدنية: الصلاة"، "وجُعِلت قرة عيني في الصلاة"، وقد يصلي سيدنا عثمان بن عفان في الليلة مائة ركعة.
"وأفضل الأوراد القولية ذكر: "لا إله إلا الله"، أو "الله الله"، أو "هو هو" هذا في طريق الفتح والترقي
فأهل "لا إله إلا الله" يترقون في المدارج النفسية حتى تَكمُل زكاة نفوسهم، هذا ذكر القلب؛ فيرتقون بذكر الروح وهو باطن القلب "الله الله" في البروج السماوية والمنازل العلية والمراتب الرافعة السنية، وبعد ذلك يغمرهم من تجلّي الحضرة الواحدية والأحدية ما يتحرك به ذكر السِّر منهم فالمشاهدة فيكون ذكرهم هو "هو هو"، (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) [الحشر:22] سبحانه وتعالى.
قال: "وأما في طريق الكسب والتضعيف.. فيجمع فضائلها ويلمُّ متفرقها مجموعُ الباقيات الصالحات؛ وهو عند العلماء: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصلاة والسلام على رسول الله" سيدنا محمد ﷺ فهي عمدة في الطريق؛ لأن أحب محبوب لمن تقصده، وتقصد الوصول إليه عبده محمد، فإذا صليت عليه وذكرته، صلى هو عليك وسهّل لك الطريق، وإذا أغفلت هذه الواسطة التي نصبها، والباب الذي فتحه، صعُب عليك الوصول إليه وتأخرت، فإذا اغتمرت بذكره سهُل لك الوصول إلى حضرة القدوس -جل جلاله- لأنه أحب محبوب.
كذلك أنت في عالم الحس والدنيا والظاهر، أي واحد تطلب منه طلب أو تريد منه مكانة أو منزلة إذا ذكرت من هو يحبه أكثر، بسهولة ينشرح لك ويعطيك؛ لأنك ذكرت هذا الذي يحبه فيقول لك: تفضل ويفتح لك خزائنه. الحق ما يحب أحد مثل محمد، فإذا رآك متعلق به من أجله، معظم له من أجله، ذاكر له من أجله، فتح لك خزائنه سبحانه وتعالى، فما يُسترضى الحق بمثل تعظيم من عظَّم، ولا عظّم مثل محمد ﷺ فهو أعظم الخلق عليه.
ولهذا يقول: "فيها" الصلاة عليه ﷺ "فتح أيضًا وتقوية على الواردات الحقية" -الصلاة على النبي- "يستعين بها من غلبته وقهرته"، حتى لا يزيغ ولا يذهب عقله ولا يتلاشى قواه الحسية، وكثير من الواردات الإلهية تذهب أمامها القوى وقد يغيب عن ذهنه وعقله ويصير مثل المجنون بين الناس، لكن مع الصلاة على النبي.. لا؛ يحصل له تمكين وقوة، وقوة على هذه "الواردات الحقية" لأنه اتصل بإمام دائرة سرِّ الوجود الخلقي، فقابل أسرار الشهود الحقي بصاحب سر الوجود الخلقي، فاعتدل وانتظم حاله وشأنه؛ وإلا من دونه قد يحصل له ما يحصل له، فيقول: بواسطة الصلاة عليه ﷺ وكثرتها، تقوية على الواردات الحقية "يستعين بها من غلبته وقهرته"، فتخف عليه وتسهل ويتضح لها مجاله وتتَمالك قواه وقدراته أمامها؛ بكثرة الصلاة على الحبيب ﷺ.
قال: وفيها -الصلاة على الحبيب- "من الفضائل الدينية والدنيوية والحالية والبرزخية والحشرية، وللجواز ما لا يُحصى كثرة"؛ لأن فيها.. مباشرة النبي حدثك عن هذا، بس إذا كنت تعرف الإشارة "من صلى علي مرة واحدةً صلى الله عليه بها عشرًا"، رُح فسرها، هيا فسرها… كل الكلام هذا الذي ذكره هو ذرة من قول النبي: "صلى الله عليه بها عشرًا" هو يشرح لك بس بعضها، ذرة من هذا المعنى، هو ﷺ قد قال هذا: "صلى الله بِها عشرًا"، عمل بسيط يسير، عمل يسير قليل، صلوات عشر من الله الكبير العلي الجليل كيف تَحصلها!
ولذا ذكروا كثير كان من مشايخ اليمن المتقدمين يصِلون السائرين والمريدين لله بالصلاة على النبي ﷺ، ويأمرون بكثرة الصلاة عليه حتى يمتلِئ محبة لله ولرسوله ويغيب عن أذهانهم شهود السوى، فيصِلون إلى الله تبارك وتعالى بكثرة الصلاة.
ويقولون لمن لم يحصل له قوة الإرتباط بالجناب الشريف والاجتمَاع به: ما أكثرت الصلاة عليه، ما أكثرت الصلاة عليه، فلو أكثرتها لحصل لك ذلك، فإن الله يصلي على كل من صلى عليه بالمرة الواحدة عشر صلوات من الله جل جلاله وتعالى في علاه.
"إني أصلي عليك فأكثر الصلاة عليك يا رسول الله، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت قال: يا رسول الله الثلث؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خيرٌ لك، قال: يا رسول الله فالنصف؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خيرٌ لك، قال: فالثلثان؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خيرٌ لك، قال: إذًا أجعل لك صلاتي كلها قال: إذًا تكفى همك ويُغفر ذنبك"، خلاص إذا قد ما عاد شي همّ ولا ذنب أيش عاد من مشكلة في الدنيا ولا في الآخرة؟ عاد شيء؟ ولا مشكله في الدنيا ولا في الآخرة، همّ ماشي ذنب ماشي، ذنب مغفور همّ مكفي أيش عاد باقي معك؟ سعيد في الدنيا سعيد في الآخرة، ذرى السعادة: "إذًا تكفى همك ويغفر ذنبك". لا إله إلا الله.
قال: "ومنها الشفاعة"، ويقول: فمن ذا "كفاية الهموم"، من فين ذلك؟ "كفاية الهموم، وتفريج الكروب، ودفع الغموم، ومنها: الشفاعة"؛ من كان يكثر عليه الصلاة أقرب لشفاعته وأقرب لتحصيل شفاعته ﷺ، واحد يكثر الصلاة عليه وواحد ما يكثر الصلاة عليه و يشفّع فِي من أول؟ هذا أحق بالشفاعة ﷺ. وفي هذه الشفاعة يقول ﷺ: "إن أولى الناس بي يوم القيامة"، في رواية الترمذي: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة".
وإنما تعظُم الصلاة عليه إذا صليت عليه:
بهذا تُدرك ثمرة الصلاة عليه، وخيرها وبركتها ويعظم لك نورها.
ومما يحجب كثير من المصلين عليه عن نور الصلاة عليه وبركتها: توهمهم أنهم يفيدونه بالصلاة عليه، أو أنهم ينفعونه بالصلاة عليه! أنت المنتفع ما هو هو، أنت صليت ولا سكتت، قد رب العرش صلى عليه والملائكة، اقعد قاعد اسكت، ما هو محتاج لك! لكن أنت المحتاج إليه، تصلي عليه وأنت تعلم أنه هو سبب إفاضة الرحمة عليك، وأنه أحب محبوب للرب، فتصلي عليه بالتعظيم والمحبة والشوق، فتجلب لك الصلاة من الأنوار شيء عظيم، ومن حقيقتها وسرها.
قال: "كفاية الهموم، وتفريج الكروب، ودفع الغموم، ومنها: الشفاعة، ومنها: المحبة في القلوب"، فمُكثر الصلاة على المحبوب محبوب، مُكثر الصلاة على المحبوب محبوب، تنقذف محبته في قلوب العباد وخصوصًا الصالحين.
ومنها: "قضاء الحوائج الدينية والدنيوية والأخروية، ومنها: البركة في الرزق، وقرب المناسبة النبوية في المجالس العلوية" يكون أقرب إلى الحبيب ﷺ، "والدرجات الفردوسية وغير ذلك كما صحّت به الأحاديث".
وقلنا لك: أن كل ما ذكره الشيخ هو ذرة من معنى قول رسول الله: "صلى الله عليه بها عشرًا". وأين يصل الشيخ إلى تحقيق هذا المعنى؟ ولكن حتى يرغبك يقول لك وراها أسرار، خذ هذا بقول لك كذا وكذا وكذا، من معاني "صلى الله عليه بها عشرا".
وكان أحد الشيابه الأخيار يحضرون مجالس معنا أيام كنا في البيضاء، الحبيب محمد بن سالم العيدروس، دائمًا يرغّب الناس في الصلاة على النبي في المجالس، يشل يقول: واحدة بعشر، واحدة بعشر؛ فالناس يصلون على النبي -اللهم صل وسلم عليه وعلى وآله- فرأى بعض الأكابر الحبيب ﷺ يلتفت إليه ويتبسم في وجهه ويقول له: واحدة بعشر، واحدة بعشر.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
رزقنا الله كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ.
وحدثناكم عن: لقينا قبل أكثر من ثلاثين سنة بعض العلماء من سوريا في مِنى أيام الحج، وفي تلك الأيام كانت حوادث غير هذه الحوادث، كانت حوادث قتل في حماة وغيرها. ويقول: جاتنا إمرأة تبكي تبكي تبكي تبكي، قال: ظنيت إن زوجها أو أبوها أو ولدها يعني قتلوا في هذا...، قال حتى سكتت، قلت لها: ما شي شر إن شاء الله ما حد... قالت لي: ثلاثة ليالي ما رأيت النبي! أنت تبكين بسبب هذا؟ قالت: نعم، ثلاثة ليالي انقطع عني، وأنتِ ترينه كل ليلة؟ قالت: نعم أراه كل ليلة، لكن هذه الثلاثة الليالي ما أدري أيش من مصيبة وقعت فيها؟ وأيش من زلة وأيش سبب الانقطاع؟ قال: قلت لها: كم وردك من الصلاة عليه؟ تصلين عليه كل يوم كم؟ قالت: خمسة عشر ألف، قالت تصلي عليه كل يوم خمسة عشر ألف مرة، فصارت تراه كل ليلة، والآن تبكي لأنه ثلاثة ليالي انقطع عنها!. لا اله الا الله.
قال الحبيب محمد الهدار: ذكّرنا الحبيب حسن بن اسماعيل الحامد صاحب عينات، صاحب الرباط حق عينات، يقول له: قال: أنتم طلبة علم يمكن يمر على الواحد منكم أسبوع ما رأى النبي؟ قال الحبيب: أيش أسبوع!... قال: كيف طالب علم أسبوع ما يرى النبي أيش هذا؟ لكن قوة التعلق، وشدة المحبة، وكثرة الحضور معه والتعظيم والإجلال؛ هو الذي سبب الاجتماع وسبب الرؤية.
لا إله إلا الله.
يقول: "والاستغفار" واحد من جملة الأوراد، و"ورد" فيها "أحاديث" كثيرة: "من لزم الاستغفار.. جعل الله له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا". ويتيسر له الطريق..
يقرأونها قدامه قبل المغرب، وقبل الفجر، وهو قاعد يمشي أو يتكلم مع واحد ثاني أو ينام، ما له نصيب من الاستغفار حتى السبعة وعشرين! متى بتستغفر؟ وأيش عمرك ذا اللي ما فيه اغتنام للفوائد ولا تقديم للآخرة؟! ويضيع عليك عمرك! كن في المستغفرين. (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران:17].
و"الصوم" هذا الذي هو السياحة وهو السرد؛ فيه "تنوير القلب، وضعفِ حجاب النفس" ولو ثلاثة أيام في كل شهر، "مجازفة الأجر ممَّا لا يرغبُ عنه إلا كلُّ بطَّالٍ"، "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
قال: "والأوراد القلبية" ما هي الأوراد القلبية؟
قال: "كالفكر في باهر صنع الله، ومحاسبة النفس على دقائق الخطرات، والمراقبة على ممر الأوقات، والمشاهدة للأرواح، والاستغراق للأسرار" هذه أوراد قلبية.
"والإمداد: هي هذه الوظائف القلبية، والمشاهد الروحية"؛ نتائج الواردات "والتنزُّلات الوصفية، فهذه هي الإمداد الواردة على أسرار العارفين وأرواحهم وقلوبهم من الله تعالى بلا علَّةٍ في ذلك؛ لأن هذه من باب الأحوال، والأحوال وهبيةُ" والأوراد كسبية؛ "والأوراد من طرق الكسب، والعبد مخاطبٌ بالسعي فيها، فتنسب إليه بحسب ورود الخطاب إليه، وإلا.. فالكلُّ حقيقة من باب الوهب".
كلها، والمكاسب من أين جيت بها؟ وهو الذي وفقك لها وأعطاك إياها أو كيف؟ أو استقليت بنفسك؟ فين تستقل بنفسك؟ وأين تروح؟ هو الذي وفقك لها.
ولهذا يقولون عن الشيخ بالوعار الذي كان يسلك المجاهدات القوية، ويقول: إن سبقونا بالمواهب سبقناهم بالمكاسب، قالوا له العارفين: والمكاسب مواهب، وإلا من أين تجيب المكاسب أنت؟ اجتهاداتك هي كلها مواهب مِنَن خير واهب جل جلاله.
يقول: "وإلا.. فالكلُّ حقيقة من باب الوهب".
"وعلامة أنه مرادٌ من الله بها -أي: الأوراد- إدامته عليها" استمراره ودوامه وتوفيقه لها مستمرًا؛ علامة أن هذا هدية له من الحق يريده، يريد له هذه الهدية. و"حصول النتيجة" تأتي "ومن أقامه في خدمته.. فقد أظهر عليه آثار عنايته، ومنحه سر ولايته، فلولا أنه من الله بمكانة.. ما أقامه في خدمته". ولهذا يقول: "إذا أردت أن تعرف" مكانتك "عند الله.. فانظر إلى ما أقامك فيه" فين حطّك؟ عند من حطّك؟ في أي مقام حطّك؟ وانظر منزلته عندك كيف هي؟ انظر منزلته عندك كيف هي، كيف منزلة الله لديك؟ كيف تعظيمك له وإجلَالك وشهُودك منته عليك وأدبك معه؟ هذه تبيّن لك منزلتك عنده، وفِيما أقامك؟ في أي موطن جعلك؟ هذه علامة منزلتك.
قال لرسُول الله ﷺ سيدنا زيد الخير: أصبحت أحب الخير وأحب عمل الخير، وأفرح إذا عملت خير وأحزن على ما فاتني من الخير، قال له النبي ﷺ: حسبك، "هذه علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد، ولو أرادك للأخرى لهيأَك لها، ثم لم يبال في أي واد هلكت".
رضي الله عنه وعنكم، إلى أن قال:
"ثم أخذ في بيان حال الفريقين المسلوك بهم سبيل التعريف، والمسلوك بهم طريق التكليف؛ وهم العبَّاد، وعامة السالكين الزهاد، فقال رضي الله عنه:
الحكمة (68): "قَوْمٌ أَقَامَهُمُ الْحَقُّ لِخِدْمَتِهِ، وَقَوْمٌ اخْتَصَّهُمْ بِمَحَبَّتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ: (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا)"
"قوم أي: جماعةٌ كثيرة، وهم: مَنْ قاموا من غير مقوِّمٍ لهم من جنسهم؛ لكثرتهم وغلبتهم، وشدة استقامتهم على محجتهم، أقامهم الحقُّ وهو الله، وإشارته بالحق لينفي الوسائط والأسباب؛ لأن الحق: ما لا يبقى للباطل معه ذكرٌ في إيجادٍ ولا إعدام، ولا إحجامٍ ولا إقدام؛ بل يذهب ويضمحل؛ قال الله عز وجل: (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ) [الإسراء:81].
وأتى بلفظ الإقامة؛ لأن القائمين في مقامات الخدمة لا يكاشفون بعدُ بطريق الاختصاص والمنَّة، والإقامة فيها إشارةٌ إلى رائحة قهرية؛ وبقية أرضية، فهم السالكون طريقَ التكليف، يهذِّبهم بخوف سلطان جلاله، ويربِّيهم بلطيف تعطّف جماله.
وقوم اختصهم بمحبته ومعرفته فالاختصاص من غير استحقاق وتقدُّمِ سبق طلب، وهو من باب المنة واللطف والضِّنَّة، ولا وسيلة لهم إلى ما اختصوا به إلا محضُ تكرُّمٍ بسابق المشيئة.
والمحبة أشرف خلة، وأرفع رتبة يختصُّ بها أفراد الرجال؛ لذلك كانت نصيبَ الحبيب صاحبِ المقام المحمدي، والمحبة لها مقام عظيم عند أرباب الكشف، ومحبة الله فردانية، لا مناسبة بينها وبين محبة الخلق، كما لا مناسبة بين الله وبين خلقه، ولا يزال يترقَّى إلى الله والله يقرِّبه إليه، ويوالي الحق والله يتولاه؛ فالحق نائبٌ عنه في عالم خلقته، والعبد نائبٌ عن الله في ظهور حقيقته، وهكذا.
والمعرفة: فرع المحبة للمحبوبين، والمحبة: فرع المعرفة للسالكين، وبين علماء هذا الشأن خلافٌ في أن الأصل المعرفة، والمحبة متفرعةٌ عنها، وعند قوم: المحبة أصل، والمعرفة فرعٌ عنها، والحق -والله أعلم-: أنه ينظر في ذلك إلى ما أشرنا إليه من حالة السالك والمجذوب، والمحب والمحبوب.
والمحبة من الحب؛ وهو الإناء الذي يجتمع فيه الماء"
لا إله إلا الله، رزقنا الله محبته.
"قَوْمٌ أَقَامَهُمُ الْحَقُّ لِخِدْمَتِهِ"؛ يعني "جماعة كثيرة" ممن سبقت لهم العناية والسعادة "قَوْمٌ أَقَامَهُمُ الْحَقُّ لِخِدْمَتِهِ"، "قاموا من غير مقوِّمٍ لهم من جنسهم؛ لكثرتهم وغلبتهم، وشدة استقامتهم على محجتهم" ""أَقَامَهُمُ الْحَقُّ" وهو الله"، الحق ما لا يبقى معه باطل، والغير باطل، ألا كل شيء ما سوى الله باطل.
يقول "يذهب ويضمحل" ما سوى الله، يقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81] يا حق أزهِق باطل ما في قلوبنا وقلوب الحاضرين والسامعين من أصنام الإلتفات إلى ما سِواك والتعلق بمن عداك يا رباه يا ملك الأملاك.
قال: و"القائمين في مقامات الخدمة لا يكاشفون بعدُ بطريق الاختصاص والمنَّة" فسماهم مُقامَين إلى أن يَنفتح لهم باب التجلي بالمكاشفة، وحينئذٍ طووا مقامات بلا إقامة، أول أقاموا بعدين خلاص مشوا ما عاد شي إقامة، سير مستمر ورقي دائم.
ويقول: "قوم اختصهم بمحبته ومعرفته"، لا إله إلا الله، "فالاختصاص من غير استحقاق وتقدُّمِ سبق طلب، وهو من باب المنة واللطف والضِّنَّة"، "إن لله ضنائن من عباده يحييهم في عافية ويتوفاهم في عافية"، ولا وسيلة لهم إلى ما اختصوا به إلا محض تكرّم بسابق المشيئة من الله.
"المحبة أشرف خلة، وأرفع رتبة يختصُّ بها أفراد الرجال"؛ لهذا اشتهر بها سيد الكل وهو حبيب الله محمد، حبيب الرحمن اللهم صل عليه، اشتهر الحبيب بحبيب الله، اشتهر موسى بكليم الله، اشتهر عيسى بروح الله، اشتهر سيدنا الخليل إبراهيم بخليل الله، لكن هذا سيدهم كلهم اشتهر: حبيب الله، اشتهر بالمحبة، اللهم صل عليه.
"لها مقام عظيم"، "ومحبة الله فردانية، لا مناسبة بينها وبين محبة الخلق، كما لا مناسبة بين الله وبين خلقه، ولا يزال يترقَّى إلى الله والله يقرِّبه إليه، ويوالي الحق والله يتولاه؛ فالحق نائبٌ عنه في عالم خلقته، والعبد نائبٌ عن" الحق "في ظهور حقيقته"؛ أي: يدعو إلى الله على بصيرة، ويدل على الله تبارك وتعالى من رآه ومن سمعه ومن جالسه.
بالنسبة للمحبوبين؛ الأصل عندهم تعرّف الحق إليهم والمحبة تتبع، "والمحبة فرع المعرفة"؛ نتيجة عن المعرفة بالنسبة للسالكين.
فرق بين المرادين والمريدين، بين المُحبّين والمَحبوبين، فالمُحبين هؤلاء المحبة عندهم فرع المعرفة، يتعرفون وتنالَهم، ولكن المحبوبين تتقدم لهم أسرار التعرّف إليهم ويزدادون محبة له بما يتعرّف به إليهم جل جلاله وتعالى في علاه.
"وبين علماء هذا الشأن"، قال: "خلاف" هل "الأصل المعرفة والمحبة متفرعة" عنها؟ أو الأصل المحبة والمعرفة تجيء من بعد؟ وذكر الشيخ الفرق بين المقامين، هذا صحيح.
وصحيحٌ كذلك أن المحبة من حيث السابقة: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائده:54] أصل، ويتفرّع عليها تعرّفه إليهم.
ثم بعد ذا وذاك كلما ازدادت المعرفة ازدادت المحبة، وكلما ازدادت المحبة زادت المعرفة؛ فلهذا لهم أن يتحيّروا ويقولوا ذا أصل ولا ذا أصل؟ لهم أن يتحيروا، لأن كل واحد منها مربوط بالثاني، وهذا يُقوى بهذا وذا يقوى بهذا، كل ما زادت المحبة تزيد المعرفة وكلما زادت المعرفة رجعت على المحبة وزادت المحبة، ولِشؤون تجلّي الحق بهذه الصور العظيمة جاء اختلافهم. ذا يقول: هذا الأصل، وذا الأصل. كل واحد يولد ثاني! كيف الآن؟ الأصل هو هو، الأصل لا أنت ولا معرفتك ولا محبتك، الأصل هو جل جلاله. ولكن هذه التَولدات جعلها…
الله يقربنا إليه زلفى، ويجعلنا من أهل الصدق والوفاء والصفاء، يعيد علينا عوائد حقائق التقديس والتسبيح لملائِكة الصفيح، وكل ذي ميزان رجيح وقدر وسيع فسيح، الله يدخلنا في ميادين ذلك التنزيه، مع كل منقّى نزيه، من خواص أهل التولّع والتولّه، وخواص أهل الصدق مع الحق سبحانه وتعالى في جميع أقوالهم وأفعالهم ومقاصدهم ونيّاتهم، في استقامة على الائتِمام بأشرف إمام، سيد أهل تلك الحضرات ومعدن تلك النظرات سيد أهل الأرض وسيد أهل السماوات حبيب الرحمن رفيع الشان مَن أعلى الله له المكان.
الله يعيد علينا عوائد سر صلاته عليه، وسر ما أجرى على ملائكته ومحبُوبيه من الصلاة عليه، وسر ما أنتج عن ذلك من عجائب رحمته وصلواته عليهم، ويبارك لنا في كل ذلك بركة تامة يدخلنا بها في حياطة عنايته ورعايته الخاصة والعامة، حيثما كنا وأينما كنا في الحس والمعنى، ولا يكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقه طرفه عين.
ويجعلنا في تلك الحضرة من الحاضرين، إلى ذلك الجمال البديع من الناظرين، وبعين العناية منه ومن حبيبه منظورين في كل شأن وحال وحين، حتى يصفو لنا كل شأن وحال وحين، ويطيب لنا كل شأن وحال وحين، ويزهو لنا كل شأن وحال وحين، ويصفو لنا كل شأن وحال وحين، ويعلو لنا كل شأن وحال وحين، ونتَنزه في رحاب صلاح كل شأن وحال وحين مع اللطف والعافية وصلاح الشؤون الظاهرة وتحمّل الرحمن للابتلاءات والامتحانات والاختبارات عنا وجميع التبعات، وأن يعاملنا بفضله وما هو أهله مع صلاح الشأن كله ولأهل لا إله إلا الله أجمعين وإلى حضرة النبي.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
27 ذو الحِجّة 1441