(639)
(489)
شرح فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب شرح الحِكم العطائية للشيخ علي بن عبدالله باراس رحمه الله تعالى، ضمن دروس الروحة اليومية، بدار المصطفى بتريم.
عصر الثلاثاء 21 ذي الحجة 1441هـ.
مواصلة شرح الحكمة (66): "مِنْ جَهْلِ الْمُرِيدِ: أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ، فَتُؤَخَّرَ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، فَيَقُولَ: لَوْ كَانَ هَذَا سُوءَ أَدَبٍ.. لَقَطَعَ الإِمْدَادَ، وَأَوْجَبَ الْبِعَادَ؛ فَقَدْ يَقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَنْعُ الْمَزِيدِ، وَقَدْ يَقُومُ مَقَامَ الْبُعْدِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَكَ وَمَا تُرِيدُ".
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في شرح الحكم العطائية المسمى "شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم" إلى أن قال:
"والتخليةُ والنفس من أعظم المصائب، فلو كان له عند الله قدم.. لم يخلّ وما يريد، ولكان بمراد الله لا بمراد نفسه؛ فعلامات المقرَّبين: فراغ قلوبهم عن جميع إراداتهم في حركاتهم وسكناتهم، إلا عن كل مراد ندبهم الحق إليه، واجتناب منهي زجرهم الحق عن الإقدام عليه، فهم أشدُّ الناس اعتناءً؛ وأكثرهم اهتمامًا بذلك، فالأدب: أساس مبنى الإرادة، ومفتاح أبواب السعادة، وكل اهتمام أهل الله وخاصَّته بتحقيق النظر في طريقه.
ولا أوفر حظًا وأعظم قسمًا في ذلك من رسول الله ﷺ؛ إذ الذي تولى تأديبه وأحسن تهذيبه هو سيده ومولاه؛ لذلك قال ﷺ: "أدَّبني ربي فأحسن تأديبي"، فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199]. كسائر الأنبياء؛ فإن الله مؤدِّبُهم وولي تربيتهم ومهذبهم، لكن لا كتأديب رسول الله ﷺ؛ لأن الله جمع له أدبَ جميعهم، وخصَّهُ بمزايا من الآداب، ولطائف من التربية، فقال عزَّ من قائلٍ بعدما عدَّ أجلَّاء الرسل: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام:90]، ولا يؤمر بشيءٍ إلا ويقوم بما أمره به سيده.
والمجذوبون والواصلون أيضًا من الأولياء قد يتولَّى الله تربيتهم من غير واسطة؛ كما كان الخضر حيث قال الله فيه: (وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65]، وبواسطة كما السادات الصحابة وسائر الأئمة.
فالشيخ للجميع رسول الله ﷺ، وأُودِعَ أسرار الآداب النبوية يوم برز للأرواح قبل ظهور الأشباح.. في ذرَّات مخصوصة، ألبسها حلَّةً من السرِّ الرسالي، وحلَّةً من السرِّ النبوي، وحلَّةً من السرِّ الإيماني، وحلةً من العلم الإلقائي، وحلةً من العلم النقلي والفهمي، وحلَّاها بحلية الهيبة، وزيَّنها بزينة الأُنس، ودرَّعها بشعار الخشية، وتوَّجها بتاج المعرفة، وبهَّاها ببهجة الجمال… إلى غير ذلك من مصونات النفائس، وفاخرات الملابس.
فلما برز ﷺ إلى عالم الأشباح خرج متحلِّيًا بكل حليةٍ نفيسة، ومتلبسًا بكل لبسةٍ أنيقة أريسة، فلما نظرت الذرات إلى هذه الصورة الجامعة لمحاسن الجمال، والمتدرّعة بمدرعة الجلال، وعليها من كل زينةٍ من مراتب الوصال لطيفة.. تعشَّقت تلك الملابس والنفائس إلى أصلها، فعرفَتْ بعدما جهلت، ووجدت بعدما فُقدت، فتعشَّقت إلى أصلها تعشُّق الحديد إلى المغناطيس، فتعطَّفَتْ هذه الروحُ الكاملة عليها تعطُّف الوالد الشفيق على الوليد، فشكَتْ إليه فرطَ البعد عن تلك المرابع، والتنائي عن الأوطان، فقال لها: عندي لكم الدلالة والرجوع إلى أوجكم العلوي، والتنزُّهِ في مشهدكم الأقدس والمحل الأنفس، وفتح لهم في كل رتبةٍ بابًا، وأفصح لهم في كل مسؤولٍ عنه جوابًا، وقال لهم: اتبعوا هذه المقالة، واقتدوا بهذه الدلالة، فقالوا: ومن لنا بعد أُفول هذه الشمس المحمدية دليلًا، ولما نطلبه مُنيلًا؟
فأبرز تلك الحقائق المودوعة من خباء أرض النفوس الطاهرة، وأشهدهم: أني قد استخلفتُ فيكم من يدلُّكُم على طريقتي، ويهديكم إلى محجّتي؛ "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، ومن قام بالدعوة.. قام بالرسالة نائبًا، فكان الاقتداء بمن تحلَّى بتلك النفائس، وتلبس بتلك الملابس.. اقتداءً بالمستخلف.
وإذا نظرت علاماتها، وطلبت دلالاتها.. وجدتها على أئمة الصوفية لائحة، وعلى ألسنتهم الآداب فائحة، وبأحوالهم يترقَّى كل سالكٍ أواب.
فكل من لم يأخذ من المؤدِّبين بقي بطّالًا، وذلك لأن جلَّ آدابهم في التفتيش عن أخلاق النفس واتهامها، ومن صدَّقها في دعواها، وانقاد بقيادها.. دعته -لا محالة- إلى مرادها، فلا يقف على غوائلها، ولا يستكسب فضائلها إلا بالاقتداء بإمامٍ بصيرٍ بعيوب النفس، ينظر بنظر أولي البصائر، المطَّلعين من الله ما تكنُّ الضمائر.
فإن لم تجد مَن هذا وصفه.. فاجعل لك صديقًا ديِّنًا وأديبًا مشفقًا هَيِّنًا لَيِّنًا، فإذا وجدت فارغًا عن تهذيب نفسه، متفرّغًا لإصلاح غيره.. فقد عثرت على كنزٍ جزيل، ونعمةٍ سابغة، ورحمةٍ صابغة، فاشدد عليه يديك؛ فما أعزّ مَن هذا وصفه، وأغرب مَن هذا نعته!!
فلا تغتر بكثرة الأعمال من غير آداب؛ فإنها لا طائل لها دون التأدُّب في الأحوال والأقوال والأعمال، فمن اغترَّ بحالةٍ صدرت منه من غير اقتداء فيها بشيخٍ من مشايخ الطريق، وإمامٍ من أئمة التحقيق.. فقد عُدِم التوفيق، فكل من لم تجرِ أفعاله على يد غيره.. فهو مردودٌ من حيث يظن الوصول، ومن لا له شيخ.. فشيخُهُ الشيطان.
وإياك وصحبةَ من ينتمي إلى الطريق من غير تحقّق بآداب السلف، والسلوك على منوالهم، واقتفاء آثارهم.
ومن سوء أدب المريد عذر النفس فيما يصدر عنها، ومعاداة الأقران لأجل استحقارهم إياها، ومنه: اتباع شهواتها وإجابتها إلى ما دعت إليه من شهواتها، وطلب المعاذير لها من الرخص في تناول مباحات الشهوات، وترك العزيمة، والركون إلى الدعة والراحات، والانهماك في الحظوظ العاجلة من غير مبالاة؛ فمن تتبع أحوال السلف، ونظر في سِيَرهم، وشاهد أحوالهم.. علم يقينًا: أن كل مريد يطلب الدعة والراحة، ويترك الجد والاجتهاد، ويؤثر الملاذَّ الدنياوية.. أنه لم يَجِيء منه شيء في طريق الإرادة، وإن بقي على الطلب.. فعلى رسم العادة.
فأول قَدَمٍ يخطوه المريد: الدنيا وما حوته.
والقدم الثاني: الآخرة.
حتى يكون معشعش طائر روحه الحضرة الوصفية، وفضاء طيران سرِّه في فضاء الوسع الذاتي، فمتى يكون له إلى هذا العالم الضنك التفاتٌ فضلًا عن أن ينافس فيه ويطمئنَّ إليه؟!
وعوارض المريد في طريق إرادته كثيرة، ومهالكه ومعاطبه أكثر وأخطر، سيما إذا كان مقيمًا بين أظهر الخلق، فمنها: الافتتان بطلب القبول عندهم، والحشمة، وقبول القول، وارتفاع الصيت، والإكرام، والتبرُّك وقضاء الأوطار، والاعتراض على الأقدار، بل هي أعظمها؛ لأنه استدراك على الجناب الإلهي، ومنازعة في السرِّ الرباني.
ومنها التسخُّطُ في الأقضية الجارية؛ لأنه مناقضٌ للعبودية التي من أجلها أُنزلت الكتب ودُوِّنت الصحف، والركون إلى أبناء الدنيا الراغبين الأنتان، والأحداث والنسوان، الذين نهى رسول الله ﷺ عن مجالستهم، فقال ﷺ: "إياك ومجالسةَ الأنتان"؛ فإن صحبتهم مبدأ البعد والهجران، ومباينة لأحوال الإخوان، أهل الصفاء واليقين والصدق والإيمان، وقد انعزل عن ميدان فرسان المجاهدة في طريق العرفان، وركَنَ إلى أوهامٍ وآراء تخذُله في مجالس أهل الصدق، وتُحقِّره عند مواجهة أهل الحق؛ فما أقبح حال من استبدل بصحبة الصادقين والسادات المقربين صحبة البطَّالين، والأغبياء المغرورين!!
وحالات الصادقين لا تعود من الصفاء في الأحوال، والإخلاص في الأعمال، ومباينة مرادات النفس إلى الظُّلمة والتخليط، واتباع هوى النفس.. إلا لطردٍ وعدم أهلية أزلية لمقام القرب، وعدم إخلاص في ابتداء الطلب.
وكان من أحوال السلف: أنهم إذا وقفوا فيما يناقض العزيمة.. استأنفوا الإرادة، وعدُّوا ذلك من أعظم ذنوبهم، فيُجدِّدون له توبة، ويتوسَّلون إلى رجوعهم إلى مواطن العزائم بمجاهدات وأعمال، وتبدو لهم عقوبة الاسترسال مع الشهوات المباحة، كما يُعاقب غيرهم على الذنوب المحظورة؛ فالزلة في القرب تعدل سبعين زلة مع الحجاب. وكانوا يؤاخذون نفوسهم على الخطرات، وخفايا الخطيئات، ودقائق النظرات، ويحاسبونها على خفيات الشهوات.
فهؤلاء لا يَقرِنُ الله عليهم حسابينِ، ولا يجمع عليهم عتابين؛ لأنهم حاسبوا نفوسهم وأوقفوها بين يديه بالاختيار، فلم يقم عليهم الحساب في مقام الاضطرار، فلم يجمع الله على عبده حسابين ولا موتتين؛ فمن مات عن الشهوات، وطوى بساط اللَّذات.. لم تكن عليه إلا الموتة الأولى، والوقاية من عذاب الجحيم؛ كما وَقَوا الجنابَ الإلهي بنفوسهم، وآثروه عليها.. وقاهم عذاب الجحيم. فانظر قوله ﷺ: "موتوا قبل أن تموتوا".
فمن لم يفهم دقائق الخطاب، ورقائق فحوى المعاني.. فليس من الإرادة في شيء.
فهَّمنا الله عنه، ورزقنا حسن التلقِّي عنه، وجعل لقلوبنا في كل بابٍ من أبواب التنزيل مفتاحًا؛ إنه المفضل الفتَّاح، ولي من ذلك:
الجهل أقبح حال العبد يعرف من *** شَمَّ الوجود بنور العلم يا فطنُ
ولي أيضاً في ذلك:
إن الأديبَ بنور الله مقتبسٌ *** يدركْهُ تأييد عون الله والمننِ
ومن يكن ذا يقينٍ فهو محترسٌ *** في حصنِ أمنٍ من الأخطار والفتنِ
من ساء تأديبه فالنور مختلَسٌ *** منه كما يختلَس ثوبٌ عن البدنِ
قد كان محفوف ألطافٍ ومحتبسًا *** عنه العنا الضائر المُفضي عن الوطنِ
فأصبَحْ كما يصبح الحيران مبتلسًا *** ناءٍ عن الحي بعد الأُنس بالخدنِ
فهذا كله في حال المريد السالك، وهذه الآداب من وظائفه، والسلوك والترقِّي حالة أكثر أهل هذه الطريق؛ فلذلك لما عرف العارفون ذلك.. نزلوا عن أعلى مقامهم الذي يعطي فناءَهم عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم وصفاتهم وذواتهم إلى مقام المعاملة، وتهذيب الأخلاق، وراثة محمدية، تشريع لعامة السالكين مناهج الطريق، وتبيين لمعالم التحقيق".
الحمد لله مكرمنا بأنوار السير إليه، وإشارات الوصول إليه، بكرامة التذلّل بين يديه، وصلى الله وسلم على أكرم داعٍ إليه ودالٍّ عليه، سيدنا محمد أكرم الخلق وأعلاهم منزلة لديه، صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تخلَّق بأخلاقه وتأدب بآدابه، ووالاه في ذات الله وجنابه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، سادات أهل قرب الله وأحبابه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين؛ الذين أحسنوا الوقوف على بابه، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر لنا الشيخ -عليه رحمة الله- علامات المقرَّبين -قرَّبنا الله وإياكم إليه زلفى وألحقنا بالمقرَّبين-: "فراغ قلوبهم عن جميع إراداتهم في حركاتهم وسكناتهم، إلا عند كل مراد ندبهم الحق إليه، واجتناب منهي زجرهم الحق عن الإقدام عليه". فهؤلاء أهل الهمّ بالله، الذين كفاهم الله جميع الهموم في الدنيا والآخرة، فلما كان همّهم الله؛ فرّغوا قلوبهم عن جميع إراداتهم، فضلاً عن إرادات غيرهم.
والعجيب أن أكثر الناس في الدنيا يشقَون بتنفيذ إرادات غيرهم، وترتيبات غيرهم، هذا مراداتهم هم.. إلا وقد سلَّط عليهم ذا أو ذا أو ذاك، ويمشون وراءه، ويخالفون الله يمشون وراء هذا فيخسرون ويشقون. قال: فهؤلاء حتى مراداتهم تخلَّوا عنها، فرغوا قلوبهم عن مراداتهم؛ "إلا عن كل مراد ندبهم الحق إليه، واجتناب منهي زجرهم الحق عن الإقدام عليه، فهم أشدُّ الناس اعتناء؛ وأكثرهم اهتمامًا بذلك".
إذًا؛ بصدق وجهتهم إلى الله وأن جعلوا همهم الله تحلّوا بخير الآداب، "فالأدب: أساس مبنى الإرادة، ومفتاح أبواب السعادة"، وهو أن لا يراك حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك؛ هذا الأدب.. أن لا يراك حيث نهاك في ظاهر ولا باطن، ولا يفقدك حيث أمرك.
يقول: "وكل اهتمام أهل الله وخاصَّته بتحقيق النظر في طريقه"، في طريق الأدب. وقالوا: إذا شئت تبغي السلامة تأدب تأدب تأدب. وقال إمامهم: "أدَّبني ربي". ومن أساء الأدب على البساط رُدَّ إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رُدَّ إلى الدواب! يروح إلى عند الحيوانات!..
فهكذا شأن أهل الأدب، يرتقون رتبًا بعد رتب. يقول: "ولا أوفر حظًا وأعظم قسمًا في ذلك" الأدب والسر والجمعية على الله، والفراغ من غير الله، ومن إرادة نفسه سواها، "لا أوفر حظًا وقسمًا من سيدنا رسول الله". تولى الله تأديبه بنفسه: "(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف:199]". قال: وإن الذين تولى الحق تأديبهم بنفسه على مراتب:
حتى سادتنا الأنبياء بعد ذلك، وإن كان تولى الحق تأديبهم باعتبار رفع كثير من الوسائط؛ لكن خلقهم من نوره، والإفاضة التي أفاضها عليهم في تأديبهم من ذات حبيبه، أفاضها عليهم سبحانه وتعالى.
ولكن هؤلاء الموصوفون بأن الله تولّاهم، من النبيين وخواص من الصديقين المجذوبين، أعطاهم الله العلم اللَّدُني، وتولَّاهم مباشرة، على مراتب في هذا التولي الإلهي، لكن دون تولّيه لحبيبه محمد ﷺ و دون تربيته لحبيبه محمد ﷺ.
يقول: "جمع له أدب جميعهم"؛ الله جمع له أدب جميعهم، ووزّعه منه عليهم، "خصَّهُ بمزايا من الآداب، ولطائف من التربية" ما توجد عند غيره، وقال: "(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ) [الأنعام:90]" فكل هدى الأنبياء مجموع فيه. وقد قام بما أمره الله. وقال الله في الخضر: "(وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65]".
وبعد ذلك، و بظهور الواسطات، كسادتنا الصحابة، وسائر الأئمة والصالحين، "الشيخ للجميع رسول الله" محمد ﷺ، "أُودع أسرار الآداب النبوية يوم برز للأرواح قبل ظهور الأشباح.. في ذرَّات مخصوصة"، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ) [الأعراف:172]، فأخرجهم الحق سبحانه وتعالى من صلب آدم ذرّات، في وادي نعمان الأراك بجانب عرفة. لمَّا رأت الملائكة هذه الذرات التي ستتحول كلها إلى أجساد وناس آدميين قالوا: لا تسعهم الأرض! قال: إني جاعلٌ موتًا؛ ما يجتمعوا كلهم في وقت واحد، قالوا: تجعل الموت بينهم إذاً لا يهنأ لهم العيش؟! قال: إني جاعلٌ أملًا؛ يدفنون الميت ويرجعون يضحكون ويأكلون ويشربون!...
لا إله إلا الله.
وهكذا قال في ذاك العالم، برز ﷺ مؤدبًا بتلك الآداب، فبرز للأرواح قبل ظهور الأشباح. والأرواح جنود مجنَّدة ما تعارف منها ائتلف. في يوم أخذ الميثاق على الأرواح في الذرات، برز الحبيب ﷺ فكان إمام الملبين لمّا نادى رب العالمين: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟ قال: بلى وقالوا وراءه بلى، سجد وسجدوا من ورائه ﷺ. فكل الكفار الذين بلغتهم الدعوة ولم يجيبوا؛ خانوا العهد وإلا فقد كانوا قد أذعنوا وسجدوا بأرواحهم قبل، لكن الآن خانوا العهد اتباعًا للشهوات.
يقول: "ألبسها" الحق تبارك وتعالى -هذه الذرات التي جعلها لنبيه- "حلَّةً من السرِّ الرسالي، وحلَّةً من السرِّ النبوي، وحلَّةً من السرِّ الإيماني، وحلةً من العلم الإلقائي، وحلةً من العلم النقلي والفهمي، وحلَّاها بحلية الهيبة، وزيَّنها بزينة الأُنس، ودرَّعها بشعار الخشية، وتوَّجها بتاج المعرفة، وبهَّاها ببهجة الجمال… إلى غير ذلك من مصونات النفائس، وفاخرات الملابس".
ذكر سيدنا الحداد:
وفيه عليه الله صلى ودائعٌ *** من السر لا تُروى خلال الدفاترِ
ولكنها مكتومةٌ ومصانةٌ *** لدى الأولياء العارفين الأكابرِ
وموروثةٌ مخصوصةٌ بضنائنٍ *** لربك من أهل التقى والسرائرِ
صلى الله عليه وسلم. وفيه ما لا يعرفه إلا الله.
قال: "فلما برز ﷺ إلى عالم الأشباح خرج متحلِّيًا بكل حليةٍ نفيسة، ومتلبسًا بكل لبسةٍ أنيقة أريسة، فلما نظرت الذرات إلى هذه الصورة الجامعة لمحاسن الجمال، والمتدرّعة بمدرعة الجلال، وعليها من كل زينةٍ من مراتب الوصال لطيفة.. تعشَّقت تلك الملابس والنفائس". فلم أَرَ أحدًا يحب أحدًا كما يحب أصحاب محمدٍ محمدا. وكل من تجلى له سنا ذاك النور.. عشقه. حبيب المحبوب الذي تتعشقه الأرواح وتحن إليه القلوب. كل روح بدا لها هذا الجمال تعشقه، فهو أجمل جمالٍ أبرزه الحق، وأبهى بهاءٍ أبدعه الخلّاق، ﷺ.
ربُّ الجمال تعالى الله خالقه *** فمثله في جميع الخلق لم أجدِ
يا من يقوم مقام الحمد منفردًا *** للواحد الفرد لم يولد ولم يلدِ
عليه الصلاة والسلام.
يقول: "فعرفَتْ بعدما جهلت، ووجدت بعدما فُقدت، فتعشَّقت إلى أصلها تعشُّق الحديد إلى المغناطيس"، فدعاها إلى ربها فاستجابوا ولبّوا، فلا تعجب ما سهّل على الصحابة تكلف المشاق التي كلفوها؛ بعد أن برز لهم هذا الجمال، وسهُل عليهم مفارقة الأهل والمال والعيال والأوطان، وقدّموا أرواحهم لما تحققوا من نجاحهم وفلاحهم.
"فتعطَّفَتْ هذه الروحُ الكاملة عليها"، (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ) [الأحزاب:6]، "تعطُّف الوالد الشفيق على الوليد"، بل أعظم.. ولبّى الأرواح التي نادت وتشوقت إلى عالمها الأعلى، قال: "عندي لكم الدلالة والرجوع إلى أوجكم العلوي، والتنزُّهِ في مشهدكم الأقدس والمحل الأنفس"، فكان يقول له أحدهم: أصبحت كأنّي أرى عرش ربي بارزًا! وهو يُصبح يقول: دخلت الجنة البارحة ووجدت بلال، البارحة وجدت بلال؟! سبحان الله.. هم عايشين معه وهم في هذه العوالم! ويقول له سيدنا حارثة: وكأنّي أرى أهل الجنة يتنعمون فيها، وأسمع أهل النار يتعاوون فيها. سبحان الله رفعهم.. "وفتح لهم في كل رتبةٍ بابًا، وأفصح لهم في كل مسؤولٍ عنه جوابًا، وقال لهم: اتبعوا هذه المقالة، واقتدوا بهذه الدلالة، فقالوا: ومن لنا بعد أُفول هذه الشمس المحمدية دليلًا، ولما نطلبه مُنيلًا؟"
قال لهم: سِرِّي سينتقل في أصفياء من ورثتي في كل زمان، أقرَّ الله بهم عينه الكريمة، ووعده أن يُبقي هذا الخير في أمته. قال: "فأبرز تلك الحقائق المودعة من خباء أرض النفوس الطاهرة، وأشهدهم: أني قد استخلفتُ فيكم من يدلُّكُم على طريقتي، ويهديكم على محجّتي؛ "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"".
الله أكبر، العلماء ورثة الأنبياء، "ومن قام بالدعوة.. قام بالرسالة نائبًا، فكان الاقتداء بمن تحلَّى بتلك النفائس" "اقتداءً بالمستخلِف"؛ وهو رسول الله. "من يطع الأمير فقد أطاعني"، "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". وفي ذلك قال لسان حالهم:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا *** نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتنا أبصرتهم *** وإذا أبصرتهم أبصرتنا
وفي ذلك قال: "حسين منّي وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا"ﷺ.
قال: "إذا نظرت علاماتها، وطلبت دلالاتها.. وجدتها على أئمة الصوفية" في هذه الأمة بارزة وواضحة وقوية وجلية، خضوعًا وخشوعًا وأدبًا وإيثارًا للحق على ما سواه، وتلألؤًا لأنوار الصدق اللائحة على وجوههم، وعلى أقوالهم وأفعالهم عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
"فكل من لم يأخذ من المؤدِّبين بقيَ" -طول عمره وزمنه- "بطّالًا".
من لا صَحِب في زمانه شيخ عارف مكين *** مرَّت حياته وهو معدود في المفلسين
"من لم يأخذ من المؤدِّبين بقيَ بطّالًا، وذلك لأن جلَّ آدابهم في التفتيش عن أخلاق النفس واتهامها، ومن صدَّقها في دعواها، وانقاد بقيادها.. دعته إلى مرادها، فلا يقف على غوائلها" فتلوي عليه وتخدعه، "ولا يستكسب فضائلها إلا بالاقتداء بإمامٍ بصيرٍ بعيوب النفس".
ولا بد من شيخٍ تسير بسيره *** إلى الله من أهل النفوس الزكيةِ
من العلماء العارفين بربّهم *** فإن لم تجد فالصدق خير مطيةِ
وبعدُ فإن الحق أفضل مسلكٍ *** سلكتَ، وتقوى الله خير بضاعةِ
ومن ضيع التقوى وأهمل أمرها *** تغشّته في العُقبى فنون الندامةِ
ومن كانت الدنيا قصارى مراده *** فقد باء بالخُسران يوم القيامةِ
ومن لم يكن في طاعة الله شغله *** على كل حالٍ لا يفوز ببغيةِ
ولا ينشق الفيَّاح من طيب حضــرة الوصال إذا هبَّت نسيم العنايةِ
ومن أكثر العصيان من غير توبة *** فذاك طريحٌ في فيافي الغوايةِ
بعيدٌ من الخيرات حل به البلا *** وواجهه الخذلان من كل وجهةِ
ويقول فيمن يحاسب نفسه لأن جلّ أدبهم في اتهام أنفسهم ومحاسبتها يقول:
عجبت لمن يوصي سواه وإنه *** لأجدر منه باتباع الوصيةِ
يقول بلا فعل ويعمل عاملًا *** على ضد علمٍ يا لها من خسارةِ
علومٌ كأمثال البحار تلاطمت *** وأعماله في جنبها مثل قطرةِ
وقد أنفق الأيام في غير طائل *** كمثل الليالي إذ تقضّت وولَّتِ
على السوف والتسويف شر مصاحب *** وقول عسى عن فترةٍ وبطالةِ
تنكَّب عجزًا عن طريق عزيمةٍ *** ومال لتأويلٍ ضعيفٍ ورخصة
شُف كيف يذم نفسه يتهمها..
يهمُّ بلا جد وليس بناهض *** على قدم التشمير من فرط غفلة
وقد سار أهل العزم وهو مُخَلَّفٌ *** وقد ظفروا بالقرب من خير حضرة
وقد نالوا المطلوب وهو مقيدٌ *** بقيد الأماني والحظوظ الخسيسة
ولم ينتهز من فائت العمر فرصة *** ولم يغتنم حاليَ فراغٍ وصحة
ولم يخشَ أن يفجأه موتٌ مُجَهِّز *** فإن مجيء الموت غير موقَّت
ولم يتأهب للرجوع لربه *** ولم يتزود للطريق البعيدةِ
وهو من أيام صغره يصلي مئتين ركعة في وقت الضحى! قال: ماتأ هب ولا استعد ولا اغتنم الفرصة ولا اغتنم الفراغ.. ويقول:
وبين يديه الموت والقبر والبِلَى *** وبعثٌ وميزانٌ وأخذ الصحيفةِ
وجسرٌ على متن الجحيم وموقفٌ *** طويلٌ وأحوال الحساب المهولةِ
ما دام كل ذا الوصف واتهام نفسك عسى ما آيست من رحمة الرب؟ قال: لا، أنا في أدب كامل..
ولكنه يرجو الذي عمَّ جوده *** وإحسانه والفضل كل الخليقةِ
إله رحيم محسنٌ متجاوز *** إليه رجوعي في رخائي وشدتي
غياثي إذا ضاقت عليّ مذاهبي *** ومنه أُرَجِّي كشف ضري ومحنتي
ملاذي ومقصودي وكهفي ومفزعي *** عليه اعتمادي وهو ذخري وعُدتي
وحسبي كفاني علمه واطلاعه *** على ما بقلبي والفؤاد وجملتي
هربت بتقصيري وفقري وفاقتي *** إليه وعذري راجيًا نيل رحمتي
ووجهت وجهي قاصدًا لفنائه *** على ثقةٍ مني بإعطاء رغبةِ
فيا نفحات الله يا عطفاته *** ويا جذبات الحق جودي بزورةِ
ويا نظرات الله يا لحظاته *** ويا نسمات اللُّطف أُمِّي بهبّةِ
ويا غارة الرحمن جِدِّي بسرعة *** إلينا وحُلِّي عقد كل مُلمّةِ
ويا رحمة الربِّ الرحيم توجهي *** وأحيي بروح الفضل كل رميمةِ
ويا كل أبواب القبول تفتحي *** فإن مطايا القصد نحوك أَمَّتِ
ويا سُحُب الجود الإلهي أمطري *** فإن أكُف المحل تِلقاكِ مُدَّتِ
بحُرمة هادينا ومُحيِي قلوبنا *** ومرشدنا نهج الطريق القويمةِ
دعانا إلى حقٍّ بحقٍّ مُنزَّل *** عليه من الرحمن أفضل دعوةِ
أجَبنَا قَبِلنا مُذعنين لأمرهِ *** سمعنا أطعنا عن هدىً وبصيرةِ
فيا رب ثبتنا على الحقِ والهدى *** ويا رب اقبضنا على خير ملةِ
وعُمَّ أصولًا والفروع برحمةٍ *** وأهلًا وأصحابًا وكل قرابةِ
وسائر أهل الدين من كل مسلمٍ *** أقام لك التوحيد من غير ريبةِ
وصلِّ وسلِّم دائمَ الدهر سرمدًا *** على خير مبعوثٍ إلى خير أُمّةِ
محمدٍ المخصوص منك بفضلك العظيــــــم وإنزال الكتاب وحكمةِ
سمعت؟.. لا إله إلا الله..
يقول: "من لم يأخذ من المؤدِّبين بقي بطّالًا" تضحك عليه النفس، "ولا يستكسب فضائلها إلا بالاقتداء بإمامٍ بصيرٍ بعيوب النفس، ينظر بنظر أولي البصائر، المطَّلعين من الله ما تكنُّ الضمائر".
"فإن لم تجد مَن هذا وصفه.. فاجعل لك صديقًا ديِّنًا وأديبًا مشفقًا هَيِّنًا لَيِّنًا"، أخ في الله يساعدك على الطريق لتزكية نفسك، وتهذيبها وتنقيتها، إلا أن تكون تحت شيخ مربي صالح، بصير ناصح، أو أخ في الله سبحانه وتعالى، ناصح محب، تتعاون أنت وإياه على طاعة الله تعالى، وتقرأ كتب أهل الله جل جلاله. قال: "فإذا وجدت فارغًا عن تهذيب نفسه، متفرغًا لإصلاح غيره.. فقد عثرت على كنزٍ جزيل، ونعمةٍ سابغة، ورحمةٍ صابغة، فاشدد عليه يديك؛ فما أعز مَن هذا وصفه، وأغرب مَن هذا نعته"!!
لا إله إلا الله..
"فلا تغتر بكثرة الأعمال من غير آداب؛ فإنها لا طائل لها دون التأدُّب في الأحوال والأقوال والأعمال". لا إله إلا الله… "من اغترَّ بحالةٍ صدرت منه من غير اقتداء فيها بشيخٍ من مشايخ الطريق، وإمامٍ من أئمة التحقيق.. فقد عُدِم التوفيق، من لم تجرِ أفعاله على يد غيره.. فهو مردودٌ من حيث يظن الوصول، ومن لا له شيخ.. فشيخُهُ الشيطان".
حاضر قده بيتمشيخ عليك، بس بغا أن لا تتصل بشيخ صالح، بس هذا ما يريده منك الشيطان، إذا ما لك شيخ صالح، هو حقك الشيخ حاضر، يظل يوسوس لك، وأنت تمشي قفاه، تتبعه! شيخ حاضر عندك على طول، في كل يوم يزين لك شيء، لكن إذا اتصلت بشيخ من أهل النور، الشيطان يقول: ايش نصلّح فيه هذا؟ يتعب فيك، حتى إن قدر ينزعك من الشيخ، أما إذا ما حد معك شيخ، خلاص قده هو حاضر على طول كل يوم يعطيك أوامر تنفذها، كل يوم يزين لك أشياء تستحسنها، كل يوم يثقّل عليك أشياء تستثقلها، وإنك تلميذ للخبيث. لا حول ولا قوة إلا بالله!.. "من لا له شيخ.. فشيخُهُ الشيطان". فإما لك شيخ من أولياء الرحمن؛ وإلا شيخك معروف على طول ياخذ بزمامك، ويلعب بك كما يشاء.
اللهم اكفنا شر الشيطان، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
"وإياك وصحبةَ من ينتمي إلى الطريق" طريق أهل الله وطريق أهل النور، والتصوف من غير التحقق بآداب السلف والسلوك على منوالهم، يأخذ له شكل وصورة، وبعض ألفاظ من كلامهم، أو هيئة من هيئاتهم، أو قصيدة من قصائدهم، وهو مقصِّر، وهو مضيع للحقوق، وهو مرتكب مخالفة للشرع.. قال: هؤلاء ضُر؛ ضرهم كثير على الناس!
"من سوء أدب المريد عُذر النفس فيما يصدر عنها، ومعاداة الأقران لأجل استحقارهم إياها، ومنه: اتباع شهواتها"، هذه من سوء الآداب "وإجابتها إلى ما دعت إليه من شهواتها" وطلب العذر لنفسه دائماً.
"فمن تتبع أحوال السلف، ونظر في سِيَرهم، وشاهد أحوالهم.. علم يقينًا: أن كل مريد يطلب الدعة والراحة، ويترك الجد والاجتهاد، ويؤثر الملاذَّ الدنياوية.. أنه لم يَجِئْ منه شيء في طريق الإرادة". قال سيدنا الشافعي: من طلب هذا العلم بالراحة ما أفلح! ما يفلح، ما يَجي منه شيء.
قال: "فأول قَدَمٍ يخطوه المريد: الدنيا وما حوته.
والقدم الثاني: الآخرة."
كان سيدنا الجيلاني يقول: هي خطوتين: خطوة أولى اترك الدنيا، وخطوة ثانية اترك الأخرة وإنك وصلت. لو كان الخطوتين ذي كيف اتركها؟ وكيف اخطوها؟ إلا إن شيء توفيق من الله، وعلى أيدي أهل الله.
قال: "حتى يكون معشعش طائر روحه الحضرة الوصفية"، فيغيب في صفات الله، ونعوت جماله وجلاله وكماله، سبحانه. "وفضاء طيران سرِّه في فضاء الوسع الذاتي"، (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ)..
لعلهم يتفكرون، فين نتفكر؟ (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر:22-23].
قال: إذا كان كذلك، "فمتى يكون له إلى هذا العالم الضنك التفاتٌ فضلًا عن أن ينافس فيه ويطمئنَّ إليه"؟!
ولهذا سمعتم قول سيدنا حسين ابن الشيخ أبي بكر للسلطان: لو كانت السلطنة تصلح للدواب ما ارتضيناها لحمارنا! هؤلاء اتصلوا بالفضاء الواسع والملك الكبير. قال: بتجيب لنا هذا؟! هذا ما عاد يعشقونه ولا يلتفتون إليه. قال: إذا قد أدرك هذا الأنس والاتساع قال: كيف يكون له إلى هذا العالم الضنك التفات؟ ما يلتفت فضلاً عن أن ينافس عليه أهله.
"وعوارض المريد في طريق إرادته كثيرة، ومهالكه ومعاطبه أكثر وأخطر، سيما إذا كان مقيمًا بين أظهر الخلق، فمنها: الافتتان بطلب القبول" عند الخلق "والحشمة" بينهم، "وقبول القول" منهم "وارتفاع الصيت" عندهم "والإكرام" منهم له، "والتبرُّك" بآثاره، وقضاء حاجاته، وقد يعترض على الأقدار، وهذا من أعظم البلايا التي يقع فيها؛ يعترض على قدر الله تعالى! يقول ليه فلان كذا ؟وليش عمل كذا؟ ولو كان الأمر بيدي بصلّح كذا... بتستدرك على حضرة الربوبية؟! أنت بتسيّر العالم أحسن من مكوِّنه؟!
قال سيدنا علي: لو انكشف الغطاء ما اخترتم إلا الواقع. لأن الله مدبر العالم، وهو أعلم وأحكم جل جلاله وتعالى في علاه. رضينا بالله.. بسم الله والحمد لله والخير والشر بمشيئة الله. آمنا بالله.. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
"التسخُّطُ في الأقضية الجارية" "مناقضٌ للعبودية" "ومنازعة في السرِّ الرباني" لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!.. "والركون إلى أبناء الدنيا الراغبين الأنتان"، والأنتان: الذين يميلون إلى نتن الغفلات والذنوب والمعاصي ونتن المخالفات؛ "فإن صحبتهم مبدأ البعد والهجران"، "وقد انعزل عن ميدان فرسان المجاهدة في طريق العرفان، وركَنَ إلى أوهامٍ"
"ما أقبح حال من استبدل بصحبة الصادقين والسادات المقربين صحبة البطَّالين، والأغبياء المغرورين"!! لا إله إلا الله…
"حالات الصادقين لا تعود من الصفاء في الأحوال، والإخلاص في الأعمال، ومباينة مرادات النفس إلى الظُّلمة والتخليط" أبدًا "واتباع هوى النفس.. إلا لطردٍ" من طُرد منهم، أو كان غير متأهل لمقام القرب -والعياذ بالله- أو عدم إخلاص من البداية في الطلب؛ من البداية ما جاء مخلص هو، بعدين ما حصّل غرضه ومراده، تقهقر ورجع وراء!.. وإلا لو كان أي صادق مشي في الطريق ما يرجع..
ولذلك قال بعضهم: إنهم ادّعوا أنهم وصلوا إلى الله وتركوا بعض الأعمال.. قال: لو وصلوا مارجعوا! قال: كذابين هؤلاء لو وصلوا ما بيرجعون. قالوا للآخر من العارفين: إن ناس ادّعوا أنهم وصلوا إلى الله، تركوا الواجبات وفعلوا المحرّمات قال: صدقوا، وصلوا إلى سقر! زعموا أنهم وصلوا، قال: صدقوا، إلى سقر نعم وصلوا إلى النار، وصلوا إلى فين؟ لو كانوا وصلوا إلى الرب ما بيرجعون لهذا الحال التي يبغضها الرب، لكن وصلوا إلى النار قال..
لا إله إلا الله.. يالله بحسن الأدب نرقى إلى أعلى الرتب.
يقول: "وكان من أحوال السلف: أنهم إذا وقفوا فيما يناقض العزيمة" فقط "استأنفوا الإرادة، وعدُّوا ذلك من أعظم ذنوبهم، فيجدِّدون له توبة، ويتوسَّلون إلى رجوعهم إلى مواطن العزائم بمجاهدات وأعمال"، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله..
قال: تظهر "لهم عقوبة الاسترسال مع الشهوات المباحة، كما يُعاقب غيرهم على الذنوب المحظورة"؛ لأن "الزلة في القرب تعدل سبعين زلة مع الحجاب". لا إله إلا الله… "يؤاخذون نفوسهم على الخطرات، وخفايا الخطيئات، ودقائق النظرات، ويحاسبونها على خفيات الشهوات". هؤلاء قال ما عاد يجعل الله "عليهم حسابينِ، ولا يجمع عليهم عتابين؛ لأنهم حاسبوا نفوسهم وأوقفوها بين يديه بالاختيار" في الدنيا؛ خلاص، لا يقيم عليهم الحساب في مقام الاضطرار بعدين ولا يعرّضهم للمساءلة؛ لأنهم قد حاسبوا نفوسهم لأجله، خلاص ما عاد يحاسبهم في الآخرة.. ادخلوا الجنة بغير حساب.
أما من يقلل على نفسه الحساب في الدنيا، ياخذ الحساب بعدين.. قف تعال لمَ قلت؟ لمَ فعلت؟ (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمن:39] لا يقال: هل فعلت؟ لأنه الأمر خلاص محتوم، إنما يقول: لمَ.. لمَ فعلت كذا؟ لمَ تركت كذا؟ ما يُسأل سؤال استفسار هل فعلت أو ما فعلت؟ لا.. لكن سؤال: لمَ فعلت؟ لمَ قلت؟ هات الجواب..
يا رب عفوك، يا رب مغفرتك، يا رب مسامحتك لنا، يا رب جودك علينا يا رحمن.
قال: أماتوا نفوسهم، ما عاد لهم إلا الموتة الأولى بس، خلاص الباقي ما عاد شي عليهم من الدخول للنار، ولا العذاب في الآخرة، "وقاهم عذاب الجحيم".
"فمن لم يفهم دقائق الخطاب، ورقائق فحوى المعاني" من التنزيل القرآني والبيان العدناني "فليس من الإرادة في شيء.
فهَّمنا الله عنه، ورزقنا حسن التلقِّي عنه، وجعل لقلوبنا في كل بابٍ من أبواب التنزيل مفتاحًا؛ إنه المفضل الفتَّاح ". يا كريم، آمين ما شاء الله.
"فهذا كله في حال المريد السالك، وهذه الآداب من وظائفه، والسلوك والترقِّي حالة أكثر أهل هذه الطريق؛ فلذلك لما عرف العارفون ذلك.. نزلوا عن أعلى مقامهم الذي يعطي فناءَهم عن أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم وصفاتهم وذواتهم إلى مقام المعاملة، وتهذيب الأخلاق، وراثة محمدية، تشريع لعامة السالكين مناهج الطريق، وتبيين لمعالم التحقيق". رضي الله تعالى عنهم.
فتنزّلوا وصاروا قدوة للمبتدئين، وقدوة للراجعين إلى الله، والتوّابين إلى الله، ويحملون أنفسهم كأنهم في البدايات وهم في النهايات، رضي الله عنهم.
يحققنا بحقائق التوبة، وصدق الأوبة، ويرفعنا إلى أعلى رتبة، ويلحقنا بالأحبة، وينعِم علينا بأنعم شربة، وينظمنا في سلك أولئك، يسلك بنا أشرف المسالك، ويدفع عنا جميع الزيغ والمهالك، وعن أهلينا وأولادنا وطلابنا وأحبابنا وأصحابنا، وينظر للأُمة نظرة تزيل العنا عنّا، وتدني المنى منا، وكل الهنا نُعطاه في كل حين.
يثبتنا على ما يحب، ويحسن لنا خواتيم أيام هذه الدورة، وخواتيم أيام هذا الشهر، وخواتيم أيام هذا العام بأحسن الختام، ويبارك لنا بركة كبيرة في العام المقبل، ويجعله من أبرك الأعوام، على أمة خير الأنام، في كل خاصٍّ وعام، في الظاهر والباطن، يبلّغنا فوق آمالنا، مع صلاح جميع أحوالنا، وتسديد أقوالنا، وتهذيب أفعالنا، يبلّغنا فوق مراداتنا، مما الله أهله من عطياته الوسيعة، ومِننه العظيمة، ويجعلنا في حصونه المنيعة، يثبّتنا على الطرق القويمة، يكفينا ما أهمّنا من أمر الدارين، وما هو أعلم به منا، يكون همنا هو وحده وينوب عنا في كل همٍّ سواه.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة.
26 ذو الحِجّة 1441