(32)
(637)
(484)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22))
الحمد لله مُكرِمنا بالوَحي والتَنزيل، وإرسالِ خَيرِ رَسولٍ ودَليل، عَبده الهادي إلى أقوم سَبيل، سَيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصَحبه ومَن سار في مَنهَجِهم في القَصدِ والفِعلِ والقيل، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمُرسَلين وآلهم وصَحبهم أجمعين، وعلى التابعين، وعلى المَلائكة المُقَربين وجَميع عِباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعدُ،،
تفسير قوله تعالى: (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18))
فإننا في تَأمُّل كلام رَبنا -جَلَّ جَلاله وتعالى في عُلاه- وتَعليمه لَنا وإرشاده، وَصَلنا في سورة يوسف؛ والرَحمٰن يَقُص عَلينا تِلك القِصة بما فيها مِن العِظات والدَلالات والعِبَر والفَوائد، وذَكَر لنا وَضعَ إِخوة يُوسف ليوسف -عليه السلام- في غَيابَت الجُب، ومَجيئهم إلى أبيهم عِشاءً -وَقت العِشاء- يَبكون، وقولِهم: (أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)، كَذِبُهم سَرى إلى الفِعل الذي فَعلوه، (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) -أبوهم سيدنا يعقوب- (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ).
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، الصَبرُ الذي لا يُقارِنُه جَزَع، ولا تَبَرُّم، ولا شَكوى.. صَبرٌ جَمِيل، ولَقَد قال سَيدنا يَعقوب في بيان صَبره الجَميل فيما يأتي: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) [يوسف:86]، فَلم يَكُن يَشكو إلى الخَلق ما نازَلَهُ مِن هذا الكَربِ والهَم.
وكذلك يُحبُ الله من عَبدِه المُؤمِن؛ أن يَجعَل اعتمادَه عَليه، وثِقَتُه به، وشَكواه إليه دون عِباده، وفي الحديث: "أن الله تعالى يقول للمَلائكة؛ إذا مَرِضَ عَبدٌ من عِباده، أنظروا لِعَبدي ما يَقول، وهَل يَشكوني لعِوَّاده"، هَل يَشكو الرَّب للعوَّاد إذا جَاء أحد يَعُودُه؟! يقول: أنا تَعبان وكذا.. ويَشكو كأنه يَشكو الرَّب إلى العائِدين الذين يَعودونه ولن يَقدِروا أن يَعملوا شَيء، قال: "فإذا صَبر عَبدي وحَمِدَني ولمْ يشكُني إلى عُوادِه، تَكَفَلتُ إن أَمَتُهُ تَوَفَيتُه إلى مَغفِرَتي ورَحمَتي، وإن أحيَيّتُه أن أُبدِلهُ دمًا خيرًا مِنْ دمِهِ، ولحمًا خيرًا مِنْ لحمِهِ"، إذا صَبر ولَم يَشكو إلى العُوَّاد؛ ولهذا قال سيدنا يعقوب: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، لا يَصحَبُه شَكوى ولا تَبَرُّم ولا التِفات إلى غَير الحَق.
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ) -به استِعانَتي- (عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18))، مِمَّا ذَكَرتُم مِن خَبَر يوسف، فاعتِمادي على الله وبه أستَعينُ أن يَحفظ عليَّ ولدي وأن يَرُدَّه إلي، فكان إدخالهم الحُزن على قَلب أبيهم، من أثر الإستجابة لتَفكير تِلك النُفوس، فَحَذاري إذا ثارت نَفسُك لأمرٍ أن تَستَرسل وراء ما تَطرحُهُ عَليك فإنها تَقودُك للأسْوَاء والبَلوى، ولِمَا يَجلُب عليك الشَّر والضُر في السِر والنَجوى، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ) [النازعات:40]، فَخُذ الميزان فيما تُريده نَفسُك وما تَهواهُ، ولا تَستَرسل مَعها فَتتَّبِعَ الهَوى فَيُضِلك عَن سَبيل الله.
حَصَلتْ هذه الأحوال فَما حَصَل لَهُم شَيء مما كانوا يُفَكِّرون فيه، وهو أن يَصفُوَ لَهُم وَجهُ أبيهم، ولكن عاشوا أيضًا في تَعبٍ أكثر مما كان يوسف مَعهم -عليه السلام- إلى أن عادوا إلى يوسف واعترفوا، فَراقَت لَهُم الحَياة؛ إذًا فَصَفاء الحَياة ورَوقانُها لا بِما يَتَصور ويَتَخيل الإنسان؛ ولكن باستِقامَتِه على ما يُحِب الرَحمن مِنه، فإذا اعترف بالحَق وعَرَف الحَق لأهله، وتَصَرّف بما يُحِب الله مِنه، فذلك كَفيل بأن يَجعله الله في طمأنينة وأمن وخير كثير.
تفسير قوله تعالى: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19))
أمَّا سيدنا يُوسف الصَابر الذي إكفَهَّرت له وجوه إخوانه، وأيِِسَ منهم وألْقوه في غيابت الجبُ، فأرسل الله إليه جِبريل يُؤنِسهُ ويُلبِسُهُ، وأرسل إليه سَيَّارة يَحمِلونه من البِئر، فَقيل مَكثَ يَومًا وليلة، وقيل ثلاثة أيام، وقيل أكثر من ذلك، فَأُخرِج من البِئر بِمَجيء هذه السَيَّارَة؛ أي: الجَماعة السائرين في الأرض، المَاشين في الأرض -مُشاةٌ يَسيرون في الأرض مُسافِرون-.
(وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ)، إلى قريب من موضع هذه البئر التي ألقوه فيها، (فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ)، واردهم؛ الذي وُكِّل و كُلِّف بالوُرودِ على مَحَل الماء لِيَستَقي لَهُم ويُحضِر الماء لَهُم.
(فَأَدْلَىٰ)، أهوى إلى البئر (دَلْوَهُ)، فَتَعلَّق به سيدنا يوسف، وإذا بالدلو ثَقيل، يرفعه فإذا به مُتَمَسك به آدمي -غُلام- سيدنا يوسف في أول نشأته، أول حَياته، وهو نحو الاثنتا عشر، أو الثلاثة عشر سنة.
(قَالَ يَا بُشْرَىٰ)، وفي قراءة: (قَالَ يَٰبُشۡرَٰيَ):
قيل:
(يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ)، فَقال للذين معه؛ حَصَّلنا لنا فائدة، فقالوا اكتموا الخبر، أصحابنا في السَيَّارة هناك في الرَكب إذا عَلِمُوا سيقولون نَحنُ شُرَكاؤكم فيه، فالأحسن أن نقول لهم أننا وَجَدنا من السُقاة على البئر من يَبيعُنا هذا واشتَريناه مِنهم.
(هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19))، أي ما جَرى سَواءً من إخوَتِه، أو من هؤلاء الوارِدة، وتَرتيبهم أن يُسِّروه بِضاعَةً وأن يَبيعوه، قال الله:
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ):
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)، فَيجب على المُؤمن أن يَكونَ له نصيبٌ من إيمانه بِعِلم الله، يَزدادُ به قوة يقين وطمأنينة وتفويض الأمر إلى الحَقِ العليم، واكتفاء بِعلمه:
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)، وفي هذا المعنى من فَيَضانِ نتائج اليقينِ بالعلم بالله والإيمان به، ما جاء "أنَّ سيدنا الخَليل إبراهيم عندما رُمي بالمَنجَنيق، ويَهوي للوُصولِ إلى النار اعتَرض لَه جِبريل، قال: ألَك حاجة؟ قال: أمَّا إليك فلا، ولكن حاجتي لِرَبي. قال: فَسلهُ. قال: وعِلمُه بِحالي يُغني عَن سُؤالي، وعِلمُه بِحالي يُغني عن سُؤالي". فَغَلبهُ في ذلك، حال شَأن التَفويض إلى الكَبير المُتعال، قال: وهو -الله- يَدري أنهم عَملوا بي كذا من أجل أنّي أدعوهم إليه وللإيمان به ونَبْذ الشَريك، فَهو أدرى بي وأنهم وصلوا إلى هذا الحد، قال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء:69]، صلوات الله على نبينا وعليه وسلم، "علمه بحالي يغني عن سؤالي" وبذلك ردد الإمام الحداد:
قَد كَفاني عِلــمُ رَبّي *** مِن سُؤالي وَاِختِياري
فَدُعائي وَاِبتِهالي *** شاهِدٌ لي بِاِفتِقاري
فَلِهَذا السِرُّ أَدعــــــو*** في يَساري وَعِساري
يقول فما أُقيم الدُعاء لأُعلِمُه بِشَيء؛ ولكن عبوديةً وخضوعًا وافتقارًا وذِلةً لَه -سُبحانه وتَعالى- لِتَعظُم رَحمَتهُ إياي. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
تفسير قوله تعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20))
(وَشَرَوْهُ)؛ يعني باعوه، وَصَلوا إلى مِصر فَباعوه (بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ).
(دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ): لا تَحتاج إلى الوزن، مُجَرَّد عدٍّ لِدَراهم، قيل عَشرة، وقيل عِشرين من الدراهم اكتَفَوا؛ لأنهم ما تَعِبوا فيه ولا اشتروه، حَصَّلوه هَكذا، فَكانوا يُريدون أن يُسَوِّقوه بأي ثَمَن من أجِل أن لا يَظهر أَحد يُطالبهم به ويَأخذ عليهم أو أي شيء؛ لأنهم ما أَخَذوه من وَجه صَحيح.
(وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ)، مكتفين بأدنى شيء، لا يعلمون مَن هذا مَعهم، وإلَّا لأَجَلُّوه وعَظَّموه، بل ولأحبوا أن يكونَ في دِيارهم ومنازلهم بركة ومخْدومًا لهم، ولكن الله له في خلقه شؤون، يُظهِر ويُبطِن -سبحانه-. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)).
تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21))
فكان الذي اشتراه العَزيز، (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ)، وكان الوزير للمَلك والمُستَشار له عَزيزُ مِصر، لما اشتراه رأى وَجهًا يَشِعُ بالنور ورأى مَخايل ومَبادئ مِيزَةٍ وخُصوصية ومَكانة، فَوَطَّن الله في قَلبه تَعظيمه وحُبه، وقال لامرأته مُباشرةً، لَم يوصِ به غُلمانه ولا خَدَمه، بل قال لِامرأته في البيت -ربة البيت عنده- (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ)؛ يعني الذي اشتراه من مِصر وهو العَزيز، وزير المَلِك وقع في قلبه تعظيم هذا الغُلام واستشعر أن يَكون له شأن، وأن يَكون له مكانة، فقابله بحُسن الرعاية والإكرام؛ تَسخيرًا من الله لهذا العَبد الكَريم الطاهر المُخلِص الصادق المَرعي بِعَين العِناية.
وقال لِامرَأتِه: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ)، اجعَلي مَثوَاه - مَنزِلَهُ- كَريمًا؛ يعني أحسِني مُعامَلته والقيام بمصالِحِه والتفقد لحاجاتِه.
يقول الله: (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ)، هَيَأنا له المَنزل الطَيب، والقلوب المُحِبَة، والخدمة له والرأفة التي قذفْناها في قلوبهم، وفي بيت مرموق وسط المدينة.
يقول: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ)، فَسَخرنا لَه هذه القُلوب؛ لَيَكون مُنبَسِطًَا في شؤون حياته، وما يُريد أن يَقوم به من أنواع العبادة والنُصح للناس، وما وَرِثَه من أبيه وما نوحي إليه.
(مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، قال: ولِنَزيدَهُ عِلمًا بِتَأويل الأحاديث، ما أُنْزَلنا على الأنبياء والمرسلين من قَبله، وما يتعلق بالرَُؤى ودلالاتها ومعانيها؛ فهذا تأويل الحَديث؛ الدلالات والإشارات والمعاني المُنطوية في الوَحي الذي أوحيناه إلى الأنبياء والمرسلين وما تتضمنه المَرَائي، ما يَتَضَمَنهُ الرُؤيا في النوم من المعاني والدلالات.
(وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ)..
بِمَعنى يَعود الضَمير على الحَق، أو يَعود على يوسف في قوله (أَمْرِهِ):
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، يَغتَرون بالأسباب التي أقمناها -اختبارًا لهم ولإقامة التَكليف عليهم- فَيَظُنون أنَّ غَيرَنا هو الفعال في الوجود، أو المُقدم أو المُؤخر، أو المُعِز أو المُذل، أو الضار أو النافع، أو الرافع أو الخافض؛ ولا شيء من هذا الوهم واقع قط، سوى أوهام وخَيالات تُحاكُ في أذهانٍ يلعبُ بها الشيطان على أصحابها، والنفوس الأمارة على أربابها، ولا حقيقة لها في الواقع؛ بل الواقع أنَّه لا يكون في الوجود، إلَّا ما أرادهُ المَلِك المَعبود، وهو المُسَيّر للأشياء صَغيرها وكَبيرها، قَليلها وكَثيرها، كما قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].
يقول: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)؛ هذه الحَقيقة، ويَظُنون أنَّ غَيرُه يَرفع أويَخفض، يَنفَع أويَضُر، يُقَدِم أويُؤَخر، يُحيي أو يُميت:
يقول: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)).
تفسير قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22))
فنشأ سيدنا يوسف في هذه العناية وهذه الرعاية يعبد الله ويقوم بالخدمة ويؤدي الحُقوق، ويُخدَم في نَفس الوَقت، ويُكرَم ويُحتَرَم، وهو في ذِكره وفي شُكره وفي سِعَة فِكره، وفيما يُعَلِِّمه الله -تبارك وتعالى- من تأويل الأحاديث، حتى (بَلَغَ أَشُدَّهُ):
لما بلغ الأشُدّ تَهَيأ لإتساعٍ في الحكمة والعلم والمعرفة، قال الله: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا):
وفي هذا بيان حكمة الله:
فلذا..
وغالبُ النبيين إنما يُبعَثُونَ بعد سن الأربعين إلَّا قليلًا منهم، كما قال الله في سيدنا يحيى: (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم:12]، من أيام صِباه أعطيناه النبوة وأعطيناه الحُكُم، وكذلك ما خَصَّ الله به يوسف، ولكن قد أخبر أنَّه: (مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، وأخبر أنه ما قطُّ تَعَلَم العلم؛ ولكن؛ (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) فهو كما يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُل) [العنكبوت:69]؛ يعني اتساع في الهداية وارتفاع في معانيها، لم تَكُن من قَبل عِندَهم، ولكن أعطيناهم إياها، وهكذا سيدنا يوسف -عليه السلام- لما بدأ يكبر سِنَّهُ، وَسَّع الله له آفاق الحكمة والعلم والمعرفة.
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)، يقول الحق:
فَكُل مَن أَحسن مُعاملته معنا، ومن أجلنا؛ أعطى ومنع، وأحب وأبغض، ومن أجلنا أقام أمره في تنفيذ ما أحببنا منه؛ محسنًا في ذلك:
فإحسانُنا أكبر وإحسانُنا أوفر وإحسانُنا أَجَل وإحسانُنا أجمل وإحسانُنا أعظم، فيا فوز المُحسنين، وما ينبغي أن يُقابَلَ المُحسِن المُبتدئ بالإحسان إلَّا بإحسان، وإحسانُنا القَليل اليَسير الذي هو على قَدرِنا الخَلقي، يُقابِله إحسان إلٰهي رباني حَقي، فما مقدار إحساننا إلى مقدار إحسانه؟ فيا فوز المحسنين.
قال ربنا: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22))، وكل مُحسن ينال من نَصيب العِلم والحِكمة -ولو كان عند الناس أُميًا- فتجده يُدرك مَعاني وحَقائق ومَدارك وفُهوم تَعسُر على كثير مِمَّن اشتَغل بالعلم، وهو عاميٌ في نظر الناس، لإحسانه مع الله، لِكَونه مُحسن مع الله، ورأس الحكمة مخافة الله فتجد حظه من الخوفِ واسع؛ لأنه مَرعيٌ بِعناية الله ومُحسنٌ مع الله.
فَنَسأل الله يَرزُقنا الإحسان، ويصلح لنا الشأن، ويرقِّينا إلى أعلى مكان، وينظمنا في سلك أهل الصدق معه مِمَّن رفعه، -سبحانه وتعالى-، والخيرَ له جَمَعَه، إنه أكرم الاكرمين. اللهم ثبِّت أقدامنا على اتباع سيد المرسلين، وارزقنا الاستضاءة بنور الكتاب المبين، وثبِّتنا على الدرب الذي تحبه منَّا وترضى به عنَّا في كل شأن وحال وحين، يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
27 رَجب 1442