(32)
(637)
(484)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18))
الحمد لله مُكرِمِنَا بالنّورِ المبين، والبلاغِ على لسانِ الحبيبِ الأمين، اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك الذي ختمت به النّبيّين، وجعلته سيّد المرسلين، حبيبك المجتبى محمَّد وعلى آله وأهل بيته الطّاهرين وأصحابه الغُرِّ الميامين، وعلى مَن والاهم فيكَ وتابعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم والتّابعين، وعلى ملائكتك المقرّبين وعلى جميع عبادك الصّالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمّا بعد ،،
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14))
فإنَّنا في تأمّلِ كلامِ ربّنا وتبْيِينهِ لنا؛ وتنزُّلِهِ لِتبْيِينِ الحقائق وإيضاحِ الحقّ، وإقامة معالم المسلك إليه والإنباء بالصّدق للحقائق، مررنا على أوائل الآيات في سورة يوسف، ومررنا على قوله جلَّ جلاله: (قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14))، يقولون لأبيهم لمَّا عَرَضوا عليه أنْ يُرسِله مَعَهُمْ، (غَدًا نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ)، وفي قراءة: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ)، يشقُّ عليَّ مُفَارقَته، يُحزِنُني بُعدَهُ عَنِّي، (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13))؛ ولِمَ ذَكَرَ الذّئب من بقية السِّباع؟ لأنَّ المنطقة كانت فيها كثرةٌ من الذّئاب، ولأنَّه كان له رؤيا في أكل الذّئب لِيُوسف، وقيل لأنَّه ورّى، خافهم عليه فورَّى بالذئب، (أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)، يعني أنْ تنالوه بسوءٍ أو شرٍّ أنتم، (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْب)، فورَّى بالذئب لمّا خافهم عليه. إنِّي (أَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) -جماعة منَّا- (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14)).
تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15))
قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ)، أي وافَقهم النّبيّ يعقوب أن يأخذوا أخاهم يوسف معهم، ورأى أنَّ الولد يحتاج إلى أن يَتَفَسَّح معهم وأن يأخذ نصيبه من التّروُّح؛ فلذلك رقَّ عليه وأرسله معهم تحت أقْضيةٍ وأقْدارٍ لابدَّ من نفاذها، في الوقت الذي أعلَمَهُ الله فيهِ أنَّه سيكون لهذا الابن شأن، سيرتفع له القَدِر، وسيصل إلى مراتب عَلِيَّة؛ (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ ..(6)) فهو يعلمُ كلَّ ذلك، والحقُّ تعالى رَتَّبَ للوصول إلى ذلك:
يقول: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِه ..(15))، وَافَقهم -أبوهم- وأخذوا يوسف وذهبوا به (وَأَجْمَعُوا (15))، إمَّا من جهة الاتّفاق -الإجماع- وإما من جهة العزيمة؛ عزموا وصمّمُوا، (وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ..(15))؛ في غَيَابَتِ البئر؛ ما غابَ عنها وكانت لها غَيَابة بعيدة في الأرض، لا يُرى من فيها من أعلى البئر، (وَأَجْمَعُوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ)، كلُّ هذا فعلوه، بعد أن تَنَكَّرُوا له، كانوا يُظهِرُون له الوِداد والإكرام، ولمَّا غابوا عن عينِ أبيهم يعقوب تَغيَّر الأمر، وصاروا يُؤذونه بالقول؛ يَسُبُّونَه ثمّ بالفعل ثمّ بالضّرب، يضرِبونه ويرفُسُونه ثمّ لا يجدُ رحمةً في قلبِ هذا ولا في قلب هذا، ما الدّاعي لهذا؟ نحنُ نعلمُ أنَّ يُوسُف عليه السلام لم يُؤذِ أحدًا مِنهُم ولم يضرب أحدًا مِنهُم ولم يأخذ حقّ أحدًا مِنهُم؛ فلماذا هذا؟
هذا تاريخنا بني الإنسان، أو وصف حَالِنا، عندما نَرْضَخ لداعي الحسد:
وتظاهروا لأبيهم أنَّهم يُحِبُّونه، (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12))، وتظاهروا له بالحفاوة والإكرام، وحتَّى يُروى أنَّه قال: ما تقول يا يوسف؟، قالوا: يا أبانا هات يوسف معنا، وهو يحبّ ذلك، قال: ما تقول يا يوسف؟ قال: نعم يا أبي، صَدَقوا؛ لأنّهم قد كلَّمُوه مِنْ قَبل وقالوا له: كلِّم أباك. وأظهروا له الحفاوة والتكريم؛ قال: إنَّهم ليِّنون لي ورفيقون بي، قال: فٱذْهب معهم -لأمر الله سبحانه وتعالى- فذهبوا، ولمَّا مَشَوْا وغَابُوا عن أعيُن أبيهم، بَدَأُوا يتغيّرون.
وحتّى جاء في بعض ما يُروى أنَّهم اشْتَدُّوا عليه في الضّرب حتّى كادوا يقتلونه وجَثَم عليه بعضهم، وإذا جاء إلى عند الآخر يستغيث ضربه، وحتّى نادى فيهم يهوذا، قال: عاهدتموني ألّا تقتلوه، لأنَّ في البداية (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ)، فحتّى خَلَّصُوه مِنْ تحت هذا، (أَلقَوهُ في غَيَابَتِ الْجُبّ)، وقبل ذلك نزعوا القميص منه؛ من أجل أنّ عندهم تفكير، بأنْ يُلَطِّخُوا القميص بالدَّم ويقولون لأبيهم أنَّه أكله الذّئب، فغاب عن أذهانهم أن يُخَرِّقُّوا القميص؛ لأنَّه كيف يأكل الذئب الإنسان، والقميص سالم ليس به شيء، وهكذا تفكيرات وتخطيطات المُبْطِل، يُخطط له ثم تكون النتيجة ليست مرضية، قد يُحكِم شيء ويغيب عنه شيء.
فأخذوا منه القميص وألْقَوه، وإذا تَعلَّقَ بشفير البئر ضربوا يده، ولمَّا توسَّطوا به ألقوه، فوقع في الماء سالمًا ووجد حجرًا فجلس عليه. حتى يُروى أنَّه ناداه بعضهم فظنَّ أنَّه أدركتهم رحمة وشفقة به فأجابهم، فعزموا أن يرجموه بحجرة، وقال يهوذا: لا لا، تعاهدنا أن لا نقتله فاتركوه، (أن يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ..(10)) فتركوه، وذبحوا سَخْلَة -رأس غنم صغير- ولَطَّخُوا القميص بالدّمّ وجاءوا متأخّرين وقت العشاء كما قال الله تعالى.
في هذا أيضًا أنَّ واحدًا منهم تُدرِكُه الرِّقَّة ويمنعهم؛ لأن الله كتب لهذا عُمرًا مديدًا فلا بدَّ أن يأخذ عُمره ولا ينقص شيء من عمره حتى يستكمله على ظهر الأرض، "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوحِي ، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ رزقَها وأجلَها"، لا أحد يقدر يُنقِّص عمرك، ولا أحد يَقْدِر يُنقِّص رِزقك، ولا يمكن أن تموت بأيّ سببٍ حتّى تستكمل ما كُتِبَ لك وقُدِّر من الرّزق والعمر تمامًا -لا إله إلا الله-.
فكم من مواقف يكون فيها أمر يكاد أن يُزهِق روح إنسان فيُسَخِّر واحد من بين عصابة وجماعة أشرار ويقول لا، ويُوَقِّفهم، فيندفع بذلك أمر، ويترتّب عليه أمر، ولا يُحيط بأسرار التّقدير إلا المُقَدِّر جلَّ جلاله وتعالى في علاه سبحانه عزّ وجلّ.
وهكذا كثير أمثلة مثلها، يأتون حتى من وسط العصابات، ويُسَخِّر الله واحد، لأنّه هو المُتَحَكِّم في الكون هو المُكَوِّن، وهؤلاء النّاس مغرورون بأنّهم طلَّعوا ونزَّلوا وذهبوا وتركوا، ولو عقِلوا ووعوا أنهم عباد مسؤولون أمام الحركة الاختيارية لاتّقوا الله في أمورهم وانتبهوا لأنفسهم، وكان خيرًا لهم، ولكن يكسبون الآثام والأوزار ويحِلُّون في النار، ولن يكون إلّا ما قدَّره الجَّبار القهّار.
كم قتَّل فرعون من أجل ألّا يطلع موسى، قام موسى يتربى وسط قصره وهذا القتل كله من أجل ماذا؟! قتَّل كم من واحد؟ مئات وألوف، وهذا الذي لا تريده أن يطلع؟ هاهو يطلع من وسط قصرك، وأنْفَق عليه وعلى أمّه، أعطاها الأجرة، وتربّى وسط القصر وكَبُر، لا إله إلا الله، وهو قاعد يقتِّل يقتِّل من أجل أنَّه أُخبِر أنَّ واحدًا من هؤلاء بني إسرائيل سيزول ملكه على يده، قال: إذًا سنُقَتِّل أي واحد يأتي منهم، فقَتَّل المئات ولكن ذهب هباءً منثورا، قتّل بالنّسبة لمراده ولكن أخذ الآثام الآن، كم كلَّف نفسه نفوس وآثام يُحَاسَب عليها. والغرض ليس بحاصل، لم يحصل.
وما أحسن تقوى الله والصّدق معه، أغراض أصحابه يُحصِّلونها كلّها فوق ما يؤملون ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون، والباقين، لعب ومسخرة وبعد ذلك المآل، يخسر جميع المبطلين، يخسر جميع الكافرين، يخسر جميع الظّالمين، يخسر جميع الفاسقين.
والفوز في العُقبَى لكل صَبار:
اللّهمّ زحزحنا عن النّار وأدخلنا الجنّة أجمعين وأعِذْنا يامولانا من كلّ موجب لدخول النّار.
قال: فدَلُّوه في البئر، وبَقِيَ في غيابت الجبّ، (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، هم يتعاملون بهذه الشِدَّة وٱلرَّحۡمَٰنُ يُلَاطِفَه ويُنزِّل الوحي عليه، (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)؛ إذًا هو صاحب اسْتعداد لتَلَقِّي الإلهام الرّبَّاني أو مُخاطبة الملائكة، يخاطبونه. (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، وهو في هذا السّنّ؛ اثنتا عشرة سنة.
(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا) ستُخبِرَهُم بما يفعلون، وتُنْبِئَهُم عنه في وقت من الأوقات؛ يعني أَبْشِر، فإنَّه لا يَحضُر أَجَلُكَ الآن ولن يتوصّلوا إلى قتلك، وأنَّك سَيعظُم أمرُك، وأنَّك ستُخبِرُهُم بما فعلوا بك؛ (لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15))، في الحال لا يشعرون، لا بنزول الوحي عليه، ولا بإعلام الله له بهذه الأنباء، وكذلك في المستقبل، (لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، لا يشعرون أنَّك أنت يوسف الذي تُكَلِّمَهُم، أنت تُخاطبهم وتُكَلِّمَهُم وهم لا يدرون أنَّك أنت يوسف.
ومما يُروى أنَّه لمّا جاؤوا إليه بعد ذلك، لم يكونوا يتصوّروا أنَّه كَبرَ وصار بالمنزلة الرفيعة وتغيَّرت مَلَامِحُه من أيام اثنتي عشرة سنة إلى أن كان عُمْرُهُ، قَويّ جَلدْ فَتِيّ، فلم يتوقّعوا قَطّ بعد أن قعد بِضع سنين أولًا في البيت وبعدها بضع سنين في السّجن وبعدها سبع سنين وهو يرعى الزّراعة ويرتّب التّغذية للنّاس.
وبعدها (جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ)، فما عرفوه، (فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58)). وجلس معهم يتكلّم، وبعدها حمل الصُّواع وضرب ضربة كذا، وقال: يُخبِر هذا الجانّ أنَّه كان لكم أخ اسمه يوسف، ينظر بعضهم لبعض، يقولون من أين يأتي بهذا الخبر؟ (وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15))، قال: وأيضًا كان مُقَرَّبْ عند أبيكم، كان يقرّبه دونكم وأنَّكم حسدتموه، يتكلّم وهم يصغون ويتلفّتون، من أين يأتي بهذه الأخبار، هذا عزيز مصر! ما أدراه بأسرارنا، أخْفيناها حتى على أهل بلادنا، فهم لا يعلمون.
ضرب ضربة قال: يُخبرني أنَّكم ألقيتموه في غيابت الجبّ، ثم ذهبتم إلى أبيكم قلتم أكله الذئب، انْبهَروا!! قالوا الجانّ هذا يكشف أخبارنا!! يكشف أخبارنا عند هذا الرجل!، (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) عندما كان لا يزال في البئر، (لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، هم لا يعلمون أنَّك هو أنت يوسف، صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
إذًا يصل الإنسان إلى أشياء غريبة، إذا اسْترسل مع النّفس الأمّارة -وحتَّى وهو مؤمن- جاء واحد يسأل الحسن البصريّ يقول له: المؤمن يحسد؟، قال له: ما أسرع ما نسيت قصة يوسف وما فعل إخوانه! مؤمنين ولكن الحسد غلبهم -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وكان ما كان من أمرهم حتى فعلوا ما فعلوا، ولهذا قال:
تفسير قوله تعالى: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16))
قال: فَنَبَّأهُم وهم لا يشعرون، (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ)، جاءوا أباهم وقت العشاء، تأخّروا الى العشاء وجاءوا يبكون، تكلَّفوا البُكاء، هل هناك أناس يفعلون هكذا؟
وحتى صار مَثَل بين النّاس يقول: "ضَرَبني وبكى وسَبَقني واشْتَكى" ولهذا جاء مرَّة من المرّات، عند القاضي شُرَيح امرأة تبكي، بَعضُهم يقول أن عِندَه الشعبي وبعضهم…، يقولُ لهُ: أما تراها تبكي! قال: ما رأيتم إخوة يوسف جَاءُوا يبكون، وقد جاءت تبكي عنده، دعوني أسْتَوعِب القصّة منها، وأرى خصمها الثّاني وأذهب -رجل واعي وعاقل- قالوا: انْظُر إليها تبكي -يريدونه يَبُت في أمرها-، قال: نسيتم إخوة يوسف (جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16))؛ وهم الذين ظلموه وهم الذين رموه ويبكون.
تفسير قوله تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17))
حتَّى فزِع أباهم. ما لكم؟ هل أصابكم شيء في غنمكم؟، قالوا: لا. أين يوسف؟ -يبكون- قالوا من شأنه نحن نبكي، (إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ)، نَسْتَبِقُ:
(ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ..(17))، بعضهم قالوا أنّهم وَرَّوا لئلا يكون كذب بل صحيح، وأنَّه أكله الذّئب إلا أنَّه أكل متاعنا، أَكَلَهُ الذّئب وأكل المتاع، (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا)، يعني مُصَدِّق، الإيمان هو التَصدِيق، (مَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا)، بمصدقٍ لنا، (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، يقولون: أنت ستَتَّهِمُنَا لقوّة محبّتك ليوسف، وقد اتّهمتنا من قبل، قلت: إنِّي (أَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ (13))، والآن حتّى إن صَدَقْنَا فإنَّ قوّة محبّتك ليوسف تمنعك أنْ تُصَدِّقَنَا في مثل هذا ولن تَكُّف عن التّهمة لنا، (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17))، وقيل المعنى: ولو كان عندنا علامات قويّة على الصّدق، فإنَّ ما في نفسك من محبّة يوسف لا تُمَكِّنَك منْ أنْ تُؤمِن لنا وتُصَدِّقَنا في ما نقول.
تفسير قوله تعالى: (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18))
(وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)، كيف دمّ كذب؟ يعني دمّ مكذوب فيه؛ ليس هو الدّمّ كذب، كيف الدّمّ كذب؟! لأنهم لمَّا لَطَّخوه بدم السّخلة؛ شاه ذبحوها ولَطَّخُوا القميص وجاءوا وأعطوه القميص، حتى يُروى أنَّه وضعه على وجهه وبكى حتى احْمَرَّ من الدّمّ الذي فيه، ثُمَّ فَكَّ القميص ووجده سالم، قال: يا أولادي! ما عَهِدتُ الذّئب حليمًا يأكل الإنسان ويترك القميص؟! لا يوجد به خُرْمة، لم يخْرقهُ ولا شيء، ما أرحم هذا الذئب الذي تذكرون! ما هذا الذّئب! أكل من داخل القميص، جسده، وأخرج القميص سالما ولا فيه أي أثر!، بَطَلت حيلتُهم في تلطيخ القميص.
يُروى أنَّهم جاءوا بالذّئب وقالوا انظر إليه هذا أمسكناه، فَكَلّمه سيدنا يعقوب أنت أكلت ابني؟ قال له: لا وعزّة الله ما رأيت وجه ابنك قطّ، ما كنت لآكل ابنك، قال: فما جاء بك إلى هنا؟، قال: إنَّما جئت لأصل أرحام لي في هذه الأرض، وكنت من الأرض الفلانيّة وأريد أن أزور أرحامي فصَدني هؤلاء الأولاد، كان يُكَلِّمَهُ، قال: كَلِّمهُم، سكت فلم يُكَلَّمهُم، قال: مالك لا تُكَلِّمهم؟ قال: عُصاة هؤلاء أنا لن أكَلِّمهم -لا إله إلا الله-، والحاصل اتَّهموا الذّئب والذّئب مسكين ما عنده شيء، ما معنى هذا؟ أنَّ في حياتنا بني آدم مَن يفعل الأفاعيل ويَتَّهِم بها غيره، وإنَّما هو ليس بواقع؟! وحتَّى كلام بعيد لم يقله، يقول نعم هذا هو، وحتّى وإن معه قميص فيه دمّ كذب يقول لك، وثُمَّ يقول لك يا أخي القميص هذا ليس فيه تخريقات!! كيف أكله؟ من أين أكله الذّئب؟ وخرج القميص سالم!! سبحان الله!.
وفي هذا أيضًا اهْتمام الأنبياء بلِبس القميص وكان هذا مشهور بينهم، حتَّى يُذكَر أنَّ سيّدنا إبراهيم عليه السلام -جَدّه- عندما جَرَّدُوهُ عن ثيابه وقت إلقائه في النار، جاء سيدنا جبريل له بقميص فَلَبِسَه، تورَّث هذا القميص حتى وصل عند يعقوب، فطواه في تميمة وعلَّقَه في يوسف، ولمَّا أخرج إخوانه القميص مِنهُ، أتى جبريل وفكَّ التّميمة وأخرج لهُ قميص جَدّه إبراهيم ولَبِسَهُ فلبسه، حتَّى عندما لَبِسَهُ أضاءت البئر ورأى ما فيها وزادت عذوبة مائها عندما وضعوا فيها يوسف عليه السلام، وكان جبريل يأتيه في الصّباح وفي المساء، في الصّباح وفي المساء يتردّد عليه، ويأتي له بطعام من الجنّة؛ أنظر الى عناية الله بالمُخلِصِين وبالصّادقين والصّابرين، وهؤلاء قالوا لأبيهم: (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)، دمّ سَخْلة وقالوا هذا هو دمّ يوسف.
قال سيّدنا يعقوب عليه السلام: إذًا لا هذا أكله الذّئب ولا..، (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا)، زَيَّنَت لكم أَنفُسُكُمْ أَمْرًا؛ خَيَّلَت لكم أنَّكم ستصلون إلى مقصودكم بشيء من الأمل والحركة فاتّبعتموها. (سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)؛ هذا حالي، سأصبر الصّبر الجميل، "سُئِلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن قَوْلِهِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، فقال: لا شَكْوَى فيهِ"، مَن شكا ما صبر، ليس فيه جَزَعْ ولا تَبَرُّمْ ولا شَكوى لغير الله تبارك وتعالى، هذا قال لهم، كما يأتي في السورة، (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (86))؛ ما شكى لأحد، ولا قال لأهل البلاد ولا قال تعالوا، ضاع عليّ الولد وهاتوا وافعلوا…، فقط ساكت، وبقي يشكي بثّه وحزنه إلى الله؛ فأكرمه الله بلقائه في الدّنيا معزّزًا مكرّمًا وخرّوا له سُجَّدًا، وما في الآخرة أعظم وأجَلّ.
يقول: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا)، وفي هذا بيان لنا أنَّ مركز إيقاعنا في الشّرّ هي النُّفوس، سوَّلت لهم، قال في الجريمة الأولى؛ أوّل جريمة لابن آدم في قتل النّفس (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ) [المائدة:30]. إذًا فهذه النفوس تحتاج منَّا مداواة وإلّا هلكنا.
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)؛ سأصبر صبرًا جميلا لله تبارك وتعالى، لا أتَشَكَّى ولا أتَبَرَّم ولا أجزع وأُسلِّم الأمر لله وأُفَوِّض، وهو يعلم أنَّ الله سيردّه إليه، وأنَّ الله سيُعلي شأنه وقدره، قال لهم: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ)، عوني من الله، وإيّاه أستعين.
(وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18))، وتذكرون من هذه الأخبار، وتُلَفِّقون من هذه الكلمات، أستعين بالله على شأني وأمري حتى يرد عليَّ ولدي في الوقت الذي يريد، ومضت المدّة الطّويلة، لم يرسل وراءه ولا ذهب يبحث عنه ولا شيء، إلى بعد أن وقع أخوهم الثاني عِندَه قال: (اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ..(87))، لماذا لم يبحث عنه؟
ودخل سيدنا يوسف في البئر، وكان يتردّد عليه سيدنا جبريل كثير، وثلاثة أيام وهو وسط البئر حتى جاءت السَيَّارَة -الجماعة الذين يسيرون- وطَلَعَ من البئر سيدنا يوسف عليه السلام وأخذوه بِضَاعة، لا إله إلا الله، سبحان الله؛ وهكذا تكونُ العواقب، إذًا فاصبر واتقِّ وأَبشِر ولا تَستَعجِل الأمور والعواقب، ولا تَحزن ولا تَيأس ولا تَجزَع إنْ أصَابكَ شيء؛ فما دُمتَ صابرا مُتَّقِيًا فبشرى لك؛ (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)).
فالله يرزقنا التّوفيق والصّبر والتّقوى ويُفَرِّج علينا وعلى المسلمين جميع الكُرَب والبلوى، ويبارك لنا في رجب ولياليه وأيَّامه وفي شعبان ويُبَلِّغنا جميعًا رمضان، ويجعلنا من خواصّ أهله ويجعل هذه الأشهر أشهر فرج لهذه الأمّة وخلاص لهذه الأمّة وكشف للشّدائد والغمّة عن هذه الأمّة، يا كاشف الغُمّة يا جالي الظُلمة.
يا دافع النِّقمة بنبيّك محمد ﷺ اكْشف عنَّا البلايا والرّزايا والأوبئة والشّرور الظّاهرة والباطنة، يا عزيز يا غفور يا عليّ يا شكور يا عليم يا حليم يا صبور يا مَن بيده جميع الأمور، يا حيُّ يا قيوم يا الله، تداركنا والأمّة واجْعلنا من المستقيمين على ما تحبه منَّا وترضى به عنَّا في كلّ شأن وفي كلّ مُهِمَّة، حتى تُرَقِّينا في اليقين إلى أعلى قمّة، مع الألطاف والعوافي، في الظّواهر والخوافي، اللّهمّ عاملنا بفضلك وامْنُن علينا بوصلك وارْبطنا بخاتم رُسُلِك واحْشرنا في زُمرته أجمعين وأنت راض عنَّا يا أكرم الأكرمين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
04 رَجب 1442