تفسير سورة يوسف - 2 - من قوله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ )، الآية: 7

تفسير سورة يوسف، من قوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ }، الآية: 7
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى: 

(۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10) قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • دلالات القصة ومبادئ التربية:
    • العبر والآيات في قصة يوسف وإخوته.
    • المحبة الفطرية والمحبة القلبية عند الأنبياء.
    • العدل بين الأبناء والتحذير من إثارة الحسد.
  • خطورة النفس والهوى وتدرج المعصية:
    • اتباع الهوى أصل الشرور والفساد.
    • خوف يعقوب على بنيه من كيد الشيطان.
    • التدرج في الخطيئة وخداع التسويف بالتوبة.
  • الخديعة ومكر الإخوة:
    • مكر الإخوة واستدراج أبيهم
    • حذر يعقوب وتلقين الحجة دون قصد
  • البيانيات والتفسير وإعجاز القرآن:
    • معنى "العصبة" و"الضلال المبين" في الآية.
    • إعجاز القرآن وصدق النبوة المحمدية.

نص الدرس:

الحمد لله مُكرمنا بتنزيل آي الكِتاب، وإرسال سيد الأحباب، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله والأصحاب، ومن وآلاه في الله واتَّبَعَ سبيله إلى يوم المآب، وعلى آبائه وإخوانه مِن الأنبياء والمُرسَلين سادات الأطاهر الأطياب، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم على الهدى والصواب، وعلى ملائكة الله المُقرَّبين وجَميعِ عِبادِ الله الصالحين الفائزين بشرف الاقتراب، وعلينا معهم و فيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين المُحسن الوهاب.

وبعد،،

تفسير قوله تعالى: (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7))

فإنَّنا في تأمل كلام ربنا وتنزيله وتَعليمه وإرشاده، مَرَرنا على أوائل آيات سورة يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وانتهينا إلى قوله جلَّ جلاله: (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7)) ، يقول الحق تبارك وتعالى: إنَّ في أخبار النبي يوسف، وفي قِصَتِه وأخبار إخوته معه؛ آيات -علامات ودلالات واضحات- تبعثُ على العِبرة، وتدلُ على حقائق الأمور، وتوصِلُ الفِكرَ إلى الحقيقة، وتربط بربِّ الخَليقة، وتدعو إلى الاستمساك بالعروة الوثيقة. 

(۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ)، فيما جَرى ودارَ بينهم وحَصل منهم؛ (آيَاتٌ)، (آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ)، للذين يَطلُبون العِلم، السائلون: الحريصون على كسب المعرفة والعِلم، لكل مُتسائلٍ يبحث عن الحقيقة، (آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ)، والحريصُ على العِلم؛ سائل: يكثرُ السؤال للاهتداء للحقيقة، (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ)، فكان فيما حصل من النبي يوسف وللنبي يوسف وما حَصَل مِن إخوته ولهم آيات؛ تُنقِذُ الناس من الاغترار بالمظاهر والصور، واتِّبَاع الأفكار النابعة مِن النفس والتي يتبادرُ منها غير الحقيقة وغير الواقع، فَتَتَصَوَر النفس شؤونًا وأحوالًا، إنْ انساقت مَعها كانت النتائج غير مَرْضِية وغير حَسَنة، وإنْ استَوقَفَها العقلُ والفهم والإدراك والتأمُّل والتَقيُّد بمنهج الخَلَّاق ومحبوباته؛ سَلِمَتْ مِن سوء العاقبة وسوء المَصير في الدنيا ثم في الآخرة.

 

(إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8)) 

 (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا (8))، فيما يَدور من حديثٍ بينهم، يتذكَّرون به واقِعهم وحالهم، (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ) -بلام التوكيد- (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ)؛ وكُلهم إخوة يوسف، ولكن أرادوا شَقيقَهُ، سُمِّي شقيقًا لمشاركته في شِقَّي النسب من الأب والأم، بنيامين أخوه الشقيق؛ (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا)؛ ظهرت آثار المحبة وذلك لِشؤون مُجرَّد الطبيعة التي فَطَر الله الخلق عليها؛ أن محبة الآباء والأمهات غالبًا تكون للصغير، صِغار السن أكثر منها لكبارهم؛ رحمة وشَفَقة، خصوصًا إذا حصل مُقتضىً لذلك إما مِن مِثل: مرض أو تعب أو فقد أم، كما يُذكر عن النبي يوسف، أو شؤون استعدادٍ للوعي والفهم والإدراك ولِتَحصيل شيء من الكمال. 

ولما سُئل بعض الأعراب: عن أي أولادك أحب إليك؟ قال: صغيرهم حتى يَكبُر، ومريضهم حتى يَشفى، وغائبهم حتى يَقدَم؛ أي هذا بحكم الطبيعة أن: 

  • ترأف وتتحنن على الغائب إلى أن يقدَم. 
  • وعلى الصغير إلى أن يَكبُر.
  • وعلى المريض حتى يشفى. 

ولكن الأنبياء -صلوات الله- عليهم فوق شأن الطبيعة، لهم مراتب رفيعة، وظهور محبتهم لأحدٍ من الأولادِ أو لأحد من الأزواج التي لا يصحبها إجحافٌ ولا ظلمٌ ولا إثارة ولا سوء مُعاملةٍ لأحد، واقعة في حق الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ لأن شأن مَحَبَتهم -صلوات الله عليهم- منوطةٌ بمحبة الله -جلَّ جلاله-؛ ومن أجل الله يُحبِون، فعلى قَدرِ ما يكون فيمن يحبونَ من الصفات المحبوبة لله؛ يتضاعف حبهم له، وإذا تضاعفت المحبة ظهرت أثارها، فما أحد يَجهلُ: 

  • أن أمثال: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ كانت لهم محبة عند رسول ﷺ تَفوقُ محبة سواهم. 
  • وأن رؤساء الأنصار الذين كانوا حواليه؛ كانوا أحب إليه مما سِواهم. 
  • وأن عموم السابقين الأولين؛ كانوا أحب إليه ممن جاء بعدهم، لا يُنكرُ ذلك. 

ولكن هذه المَحبة لا يَقترن معها إجحافٌ ولا ظلمٌ لأحدٍ ولا شيء من الإيثار؛ لذا أرشَدَنا ﷺ إذا أردنا أن نُعطي أحدًا من الأولاد عطيَّة أونُهدي له هدية؛ أن ننظُر إلى إخوانه معه فنعطيهم مثل ذلك، فمهما كانت محبتك لأحد زائدة فلا تَصِل إلى المَحسوسات من مثل العطايا، فتكون عوناً للنفس الأمارة أو للشيطان على أن تُستَثارَ مِن نفوسهم شؤون الحسد والتحامل على ذلك الذي أعطيته، ولما قالت بعض النساء لزوجها: لابد أن تَنحَل ابني من مالِك كذا، قال: أَنحُلهُ، قالت: لا أرضى حتى تُشهِد رسول الله، وذَهبَ إلى عند النبي فقال له: "إني أردت أن أنحل ابني هذا كذا وكذا مِن مالي وأريدك أن تَشهَد، قال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم، قال: أَكُلهُم أعطيتهم مثل الذي أعطيته -أنحلتهم مثل هذا-؟ قال: لا، قال: فهذا جَورٌ وإني لا أَشْهَدُ على جُورٍ".

وقال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم : "ساووا بين أولادِكم في العطيَّةِ"، يعني لا عارَ عليك، إما طبيعة وإما إن كنت من المُزكَّين الذين طبائعهم تخضع للشرع فأحببتَ أحدًا من الأولاد أكثر من الآخر، لا لوم عليك، إما بحُكم الطبيعة أو لِكَونك أزكى فأحببت من هو أحب إلى الحق أو فيه مِن الصفات المحبوبة للحق أكثر؛ فلا لَوم عليك في هذا، ولكن أن تتصرف بأن تُعطيه مِن المال ما لا تُعطِيَهُم، هنا يأتي عليك المَسؤولية، لأنك تتسبب بإثارة الحسد والبغضاء. 

فكان سيدنا يوسف -عليه السلام- وأخوه بنيامين لاعتباراتٍ مُتعددة وظاهرة محبة النبي يعقوب لهم -أبوهم- هو يحب أبناءه كلهم من غير شكٍ، ولكن لهؤلاء محبة زائدة لم تَصِل إلى أنه قَصَّر في حَق أحدٍ مِن الأولاد و لا أثارَهم بشيءٍ، ولكن كما سَمِعتَ فيما مَضى مِن الآيات أنه كان يَخافُ شرور النفوسِ وأَن يَستَغلّها العدو مِن الشيطان، بمُجرَّد ظهور فضل أحد، فإنه خصوصًا بين الإخوة، وهكذا بين المتقاربين في مِهْنة أو في جوارٍ أو في عمل أو في وظيفة؛ يُقرب بينهم التحاسد إذا فَضَل بعضهم على بعض، وإذا تقدَّم بعضهم على بعض، فكان يخاف على أولاده، فسمعتَ فيما مضى: (يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [يوسف:5]، أي لا نَكُن عوناً للشيطان على الإخوة؛ بإبرازِ شيء يُثيرهم ولو كان ذلك حق، فهو حق وهدى. 

وسمعتَ ما يَذكُر أرباب التاريخ والسِيَر أنه توصَّل إليهم النباء عن طريق بعض النساء، توصَّل أو لم يتوصل، دلالة القُرآن على أن: 

  • المحبة بارزة مِن سيدنا يعقوب ليوسف وشقيقه؛ وأنه أورث ذلك عند القوم حسد.
  • وحتى على قول مَن قال: إنه تسرَّبت إليهم الرؤيا، وأنهم قالوا عند وَضعِهِ في البئر: دَع الإحدى عشر الكوكب ينقذونك، قل لهم -الذين رأيتهم-، وما إلى ذلك؛ استهزاء بالرؤيا، التي وَصَل خبرها إليهم. 
  • على قول مَن يقول أنها وَصَلَت من غير إخبار يوسف، مِن غَير شك؛ فيوسف لم يُخبرهم ولم يَقُص الرؤيا عليهم.

يقول أنهم قالوا: (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا)، ومِن الآيات للسائلين في ذلك، أننا يجب أن نُراقب أنفسنا إذا رأينا أحدًا ممَّن نؤثر المكانة عنده معلمًا أو شيخًا أو أميرًا أو أستاذًا أو مديرًا أو أبًا أو أُمًا يُحب أحدًا غيرنا أكثر مِنَّا؛ ألا يُحرِّكنا ذلك إلى الحسد، و أن نتصرَّف تصرفات لا يكون نتيجتها ولا عاقبتها حسنة، والآيات أمامنا، تَصرَّف مثل هذا التصرُّف إخوة يوسف، فماذا جَنوا؟ وماذا حَصَل لهم؟ وكل الذي كانوا يفكِّرون فيه أن يَحصُل لهم، لم يَحصُل لهم، بل لم يَحصُل لهم شيء مما يحبونه؛ إلا بعد أن سَلَّموا ليوسف -عليه السلام-، وبعد أن عَرَفوا قَدرَه واعتَرَفوا بِفَضله؛ (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) [يوسف:91-92]، وعاشوا بعد ذلك عيشة هنيئة؛ بعدما اعترفوا. 

وكل التفكير بواسطة الحسد قَبل أن يعترفوا، ما أدَّى لهم إلى أيام طيبة ولا حسنة ولا حال صالح مع أبيهم أصلًا في طيلة هذه الفترة التي امتدَّت عشرات مِن السنين، قيل إلى ثمانين سنة ما بين رؤيا يوسف إلى أن جاءوا وسجدوا له، كما ذَكَرَ الله تبارك وتعالى، فتكون كذلك أوأقل أو أكثر -سنوات طويلة-، لم يَحصُل لهم مِن أبيهم أنه أَقبَل بِوَجهِهِ عليهم ولا أنهم عاشوا معه عيشة الصفاء بل كانت تَمُر وهم يَرون أباهم في حَزن على فِراق يوسف، وفي بكاء ومُتنغِّص عيشهم بما فَعَلوا؛ نَكَّدوا على أبيهم و نَكَّدوا على أنفسهم. 

إذًا لا تُفكِّر إذا رأيت محبة غيرك أكثر في قلب أحد، أنك تتوصَّل أنت بأي طريقة غير مشروعة وغير محبوبة عند الله، إلى أن تَأثُر أنت أو تُحصِّل أنت المحبة أو تُحصِّل أنت المَنزِلة، لكن انظر إلى ما أحب الله منك وشَرَع فقم به؛ فَسَيؤتيك الله تعالى الخير، واعترف لأهل الفَضل بفضلهم، ولا تحمِلُك نفسك على إنكار الأفضليَّة والتغافل عنها لأجل غَرَض ولأجل مطمع ولأجل مُراد للنفس. 

وهكذا يُزكِّينا الله بالقرآن ويُربينا: (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ (8))، (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ): جماعةٌ أقوياء نقوم بالمصالح لأبينا ونَحميه، وماذا سيعمل له هذا الطفل وأخوه بنيامين الأكبر منه؟ لا هم الذين يَجلبون المصالح، ولا هم الذين سيدافعون ويقومون عنه؛ لصِغرهم. 

(نَحْنُ عُصْبَةٌ)، العصبة يُطلَق على العشرة فأكثر، إذا كانوا أقوياء، عصبة لأنهم يعتصبون، فيقال: (عُصْبَةٌ) 

  • كما يُطلَق -النفر- على الواحد إلى الثلاثة. 
  • ويُطلَق -البضع- مِن ثلاثة إلى تسعة. 
  • ويُطلَق -العصبة- على العشرة فأكثر.  (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) كانوا عشرة. 

(وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8))، يعني مأخوذٌ بالمحبة القوية ليوسف وأخيه، والمأخوذ بالمحبة يقال له: ضالٌ، يعني بمعنى مُحب، مأخوذ بالمحبة؛ أَخَذَته المحبة في قوتها، (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، في عشق ومحبة ليوسف وأخيه زائدة واضِحة، بيِّنة، ظاهِرة؛ ولذا خاطبوه فيما بعد قال لما ذَكَرَ لهم يوسف قال: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ) [يوسف:94]، لِمَن كان عنده من إخوة يوسف، عندما أخرج الإخوة الآخرون قميصه مِن مصر، استلموه مِن يوسف يخرجونه، فلما فصلت العير ومعهم قميص يوسف؛ شمَّ الريح سيدنا يعقوب عليه السلام: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ) [يوسف:94-95]، هل كانوا يُخاطِبون أباهم عن الضلال بمعنى الضلال للانحراف أو الزيغ في ظاهر أو في باطن؟ لا، حاشاهم مِن ذلك وحاشاه، كيف يقابلون أباهم؟ ولكن يقولون عشقك القلبي هذا وولعك بيوسف جعلك بهذه الصورة، تتوقَّع أنه سوف يأتي وأنه سيأتي؟  يا أبانا لقد أكله الذئب، لم يعد موجود يوسف، وقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [يوسف:96].

(إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8))، يعني مأخوذ القلب بمحبة يوسف وأخيه، وماذا تريدون؟ نريد مكانة عند يعقوب! كان يُمكنهم أن يحوزوا هذه المكانة بِرضاهم بتفضيل الله يوسف عليهم وأخيه، أو أنهم يستحقِّون الرحمة أكثر لصِغر سِنَّهم، وقيل أيضًا لِفَقد أمهم؛ فيساعدون أباهم على ذلك فيزدادون محبة وقُربة، ويُقبِل أبوهم عليهم ويَصفو الحال لهم مع أبيهم، لكن لم يفكِّروا هذا التفكير، فكَّروا تفكيرا مُقتضى النفس؛ هكذا خراب الناس وفسادهم قديمًا وحديثًا، من عند الميل إلى النفس وهواها بلا حُسن تأمُّل وتبصُّر وتفكير ورجوع إلى مِنهاج الخالق جلَّ جلاله. 

مِن البداية مِن أول الجرائم في عهد بني آدم ما كان من قابيل لهابيل يقول الحق في سبب هذه الجريمة التي اندلعت منها هذه المُصيبة: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) [المائدة:30]، إتِّباع النفوس مَركز وقوع بني آدم في الشر قديمًا وحديثًا إلى اليوم هذا، القرارات الخاطئة في الأرض مِن الأفراد والهيئات والمجموعات ومن الدول؛ 

  • سببها النفوس الأمَّارة والميل إلى هواها بلا تعقُّل ولا بصيرة ولا رجوع إلى الفِطرة والعقل والإنسانية مِن ناحية. 
  • ومِن ناحية أكبر وأصفى، إلى نورانية وحي الله وتنزيله، فإذا لا نورانية الوحي والتنزيل ولا سلامة خَيرية الفِطرة والعقل وغلبة الهوى؛ تأتي هذه القرارات التي مآلها وعاقِبتها شؤم ولؤم على أصحابها وعلى مَن سِواهم. 

فبداية الشر اتِّباع النفوس الأمارة لذا قال الحق: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) [النازعات:40-41]، إذًا فأتخذ هذا الأصل والأساس والقاعدة في مَسلكك، لا تُحرِّكك نفسك مِن أجل الوصول إلى غرض بالتفكير أن تتصرَّف تصرفًا يَخرُج عما أحب منك الخَلَّاق جلَّ جلاله، فمهما رأيتَ وظننت أنه سيفيدك فسيجلب لك المساوئ والهموم والغموم. 

في قصة يوسف حقائق هذه الأشياء: (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7))، ومن أعظم الآيات: 

  • أن كثيرًا مما ظاهره تعب ومشقة، باطنه خير وبركة وعزة. 
  • وأن كثيرًا مما ظاهره خير وشرف باطنه ذلة ومهانة وسوء. 

فلا تَغرك المظاهر ولا تعتمد على الظواهر وغُص على نقاوة حقيقة عَظَمة التقوى للرحمن عالم السر والنجوى؛ ففيها العز وفيها الشرف، وتمسَّك بأذيالها ولا ترضى بغير ذلك في مختلف الأحوال فَيَعذُب ويَطيب ويَحسُن لك المآل. 

يقول: (۞ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ (8))، لا تَغتَر أنك عُصبة ولا تَغتَر أنك بَذَلت، أنك أَعطَيت، أنك وَجَدت، أنك .. أنك .. أنك كما تَوَهم القوم، و نحن كبار! ونحن الذين ننفعك! ونحن أكثر، ونحن الذين ندافع عنه أحسن! .. ماذا يعمل هؤلاء الصغار؟ لماذا يُقَدِمهم علينا (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)؟! (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (8))، وماذا تريدون؟ نريد أن يحبنا كما يحب يوسف، ولا يكون ليوسف، ماذا نعمل؟ جاء تفكيرهم الخاطئ بدافع النفوس، لم لم يتوقفوا عند الأدب مع الله ومع أنبيائه، وأبوهم النبي الكريم، لم يتوقفوا عند هذه الحدود وانساقوا مع النفس: (اقْتُلُوا يُوسُفَ (9))؛ أبعِدوه من أمام وجه أبونا، (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا (9)) وهذا أيضًا من الآيات؛ 

  • أَن الذين أصلهم خير قد يغلبهم النفوس أويتسلط عليهم الشيطان في موقف، لكن إذا فكروا في شيء من الشر، يحاولون أن يخففوه وينزلوه بعد قليل.
  • والذي تأصَّل فيه الشر والفساد من الذين لم يتربوا على الخير، مهما فكر في شيء من الشر بعد قليل يزيده ويكثِّره ويضاعفه ويطلع لفوق

وإذا فكر، يقول: إسمع أعرض عن فلان، يقول: لا أحسن ارمحه، يقول: لا أحسن أعطه لطمة في عينه، يقول: لا. زيد بعد ذلك، يقول: لا، أحبسه، يقول: لا أحسن أضربه يريد أن يقتله، يقول: أنواع الضرب كذا ويزيد فيها، وإلى أن يصل إلى القتل، يقول: لا تقتله قتل عادي ولكن قطِّعه؛ هذا الخبيث الشيطان هكذا يعمل؛ إذا نوى قليل مِن الشر يزيده ويزيده، لكن الذي أصله خير وعنده، إذا نوى شيء مِن الشر يقول:  خفف أحسن هذا عيب خفض من الأذى.

 

تفسير قوله تعالى: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9))

(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا (9))، أبعدوه قليل من أمام أبوكم، لا تقتلوه عيب قتل النفس؛ فكانت طريقة تفكيرهم أن يَنزلوا من قمة الشر إلى أدنى إلى أدنى؛ لأنه ما يتناسب مع أصل تكوينهم وأصل طبائعهم والتربية التي تربوا عليه. وهكذا ترى الناس؛ الأخيار والأشرار طريقة تفكيرهم في الأمور بهذه الصورة، قالوا: ( أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا)، ثم تابعوا بين كلامهم، قالوا: (وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ (10))؛ يأتي أحد يأخذه، وأنزلوه  إلى أخف شيء، قالوا: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا)، أبعدوه في أرض بعيدة، يبعد من أمام وجه أبيكم، لكي لا يراه أبوكم؛ فيلتفت إليكم، يحبكم أنتم، ما هكذا طريقة صحيحة! (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) يفرغ،(يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ) ؛ لا أحد أمامه يشغله عنكم، هذا الذي المعلق بأبيكم سيذهب من أمامكم، وستكون المحبة لكم أنتم! ماهذه الطريقة؟ تصرُّف غير صحيح! 

(خْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)) يحتمل معنيين:  

  1. المعنى الأول: (وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) أي يصلح حالكم مع أبيكم، ويُقبل عليكم وتجدون ما تريدونه من مجالسته ومن حنانه ورأفته وكذا،  (وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) يعني بعد المصيبة التي تعملونها والفضيحة، لن يحصل منكم شر بعدها،  بس يكفي، 
  2. المعنى الثاني: (وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)، باقي عمركم تستقيموا، وهذه مِن جملة خداع إبليس لكثير من الناس، إذا يريده أن يقع في معصية، وقال: حرام، يقول له: المرة هذه و تب منها، فيستجرَّهُ إلى الوقوع في المعصية. 
    • فهذا تحديث النفسي بالتوبة بعد الوقوع في المعصية مِن مظاهر الرحمة والخير وعلامة الإنقاذ. 
    • ولكن التحدث بالتوبة مِن المعصية قبل وقوع المعصية مِن علامة الضعف والهوان والخُذلان. 

لا تتحدث بالتوبة منها قبل فعْلها، فإذا وقعتَ فيها تب، وأما قبل أن تفعلها أبعد واجتنب واذهب بعيد منها، فما مِن عاقل يقول: هذا طعام مضر أو فيه سم! ولكن عندي الدواء حق السم هذا، ثم ماذا؟ سآكل ثم بعد ذلك سأستعمل الدواء؛ هل هذا عقل؟! هذا مجنون!! ما يرضى العاقل بذلك، لكن لو نسي أو اُستُغفل أو ضُحك عليه وأكل؛ يقول: الأكل الذي أكلته فيه سم، الآن استعمال الدواء صحيح وحق وعقل، الآن صار استعمال الدواء عقلًا، ما أقدم على أخذ السم بقصد ولا بتعمد ولا باختيار. 

فهكذا الإنسان مع الذنوب والمعاصي ما  يُقبل عليه باختياره، وبعد ذلك يقول: عندي توبة!! كما يقول عندي دواء سأستخدمه بعد ذلك!. أما العاقل يقول: أعندك دواء؟ انت مجنون! ولماذا توسخ الثوب أصلا، وبعد ذلك بتغسله، دعه على نظافته وعلى صقالته، ولماذا تُعرض نفسك للهلاك وبعد ذلك تأتي بالدواء؟! يمكن الدواء فاسد ما ينفع، يمكن يتأخر، يمكن يدخل السم فيك، يقع لك موتة، فالأحسن أبعد بعيد، واذهب و كُل لك أكل ثانية، اترك هذا الذي فيه السم مهما كان يعجبك، هكذا العُقال وهكذا المؤمنون أمام الذنوب، لا يُحدثون أنفسهم بالوقوع فيها ثم توبة، لا  من الأصل. 

وإن كان هذا من قولهم: يريدون أن يكونوا (صَالِحِينَ)، يعني لا يفعلون السوء بعده‘ فمن جملة تسويلات وتلبيسات إبليس عليهم وإن أرادوا كما هو سياق الآيات والأظهر في المعنى أنه يعني: يَصلُح حالهم مع أبيهم وفي شؤون معيشتهم وجلوسهم معه وإقباله عليهم، (وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)، لما كانوا، أنهم أصلهم أصل خير ومن بيئات تربية. 

 

تفسير قوله تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10))  

(قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ)، انتبهوا واحذروا من هذا الفِكر الذي فكرتم فيه! خطير وخطأ ما يصلح أبدا، مهما أردنا أن نحصل على منزلة عند والدنا ونتخلص من يوسف، لكن ما هو بالصورة هذه، ما يمكن قتل (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ)، في عندهم بئر لها غيابات، حتى جاء في قراءة بالجمع (غَيَابَاتِ) (فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) إن فيها عدة محلات: تحت، مُظْلمة لا يصل النظر إليها، مغيَّبة، (غَيَابَتِ الْجُبِّ) و(الْجُبِّ) هذه البئر معروفة عندهم، قيل انها في بيت المقدس ، وقيل أنها في الأردن. 

(يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ)، (ٱلسَّيَّارَةِ): المُشاه الذين يمشون في السفر، يمشون على أرجلهم سيارة، يسيرون .. يمشون في السفر، ليست السيارات الحديثة الموجودة، في تلك الأيام (ٱلسَّيَّارَةِ): القوم الذين يسيرون على أرجلهم ويمشون في السفر، (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) وإن كان ستفعلون ولابد، اعملوا كذا ، لكن لا تتجاوزوا هذا الحد؛ لأن فيهم خير، فيهم صلاح، ينزلون ينزلون. 

 (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)، (إن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) وإن ستتراجعوا، تراجعوا وإن كان لابد، قال: لا تتجاوزوا هذا الحد، ضعوه في وسط هذه البئر سيحصل لكم القصد الذي عملتم، وهو سيتعرَّض لأن يمر عليه ناس، لا تتركوه في محل لوحده هكذا، إما تأكله السباع وإلا يموت من الجوع، اتركوه في محل يمر الناس فيه، من أجل يمر غيركم سيارة في الطريق، هم سيأخذونه إلى أرض بعيدة، هذا المقصود حصل  من دون أن تتعرضوا أنتم له، وقيل إنه أيضا من عمق تفكير هذا القائل، فيه شيء من اللين في انتباهه لحالته فيما بعد، كيف يسير؟ أين يذهب؟ مِن ناحية، ومن ناحية أخرى؛  أنه لو نحن سنذهب به إلى المكان البعيد لن يُمكِّننا أبونا، هكذا يأتي غيرنا ويأخذوه و المقصود سيحصل وسيبعدونه إلى بلدانهم، وهو بعيد منا وأبونا يَخلو لنا. 

(قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) -المشاة المسافرين- (إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ)، إرتسمت عندهم الخطة، كيف يقولون؟ فعزموا على التنفيذ، وهكذا الخيرات بدايتها خطْرة صالحة، وكل المصائب والشرور والمعاصي و الآفات والبلايا مبدأها خطرة خبيثة يتابعها الإنسان وتصل بعد ذلك إلى المعاصي؛ ولهذا يقولون: أول المعصية خَطْرة، إن مشيت وراءها وقعْتَ في المعصية، وإن اجتنبتها سَلِمتْ. 

 

تفسير قوله تعالى: ((قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11))  

يقول: (قَالُوا يَا أَبَانَا)، جاءوا يخاطبون أباهم: يَٰٓأَبَانَا، إستعطاف، وذِكر الأبوة، ونحن أسرة واحدة ونحن أولادك كلنا، (يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ)، لماذا لا تَستأمن علينا مِن شأن يوسف؟ ( مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ) تخاف عليه من ماذا؟ (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ)، نحن نحبه؛ وفي هذا ايضًا (آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7))، كم من الناس يُظهر ما لا يُبطن مِن أجل غرض في نفسه -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، وأن ذا الوجهين وذا اللسانين يأتي يوم القيامة له وجهان مِن نار ولسانان من نار، يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، والذي يُظهر خِلاف ما يُبطن فيه نفاق، قالوا: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12))

(يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ (10)) ، لماذا تَخاف عليه مِنا؟ ونحن نحبه -اخوانه- وسنحافظ عليه وسننصره وسنحميه، (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)) ارسله (مَعَنَا غَدًا)، غدًا عندما نذهب للرعي-كانوا يرعون-، (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12))، الأول قالوا: (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ)، نحن على نُصح منه ونحب له كل خير، ونحافظ عليه ولا نتمنى له أي سوء ولا شر ولا نترك شيء يلمسه من السوء. 

 

تفسير قوله تعالى: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12))

 (وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ (12)؛ 

  • في قراءة: (نرْتَعْ وَيَلْعَبْ)، يعني نحن نرعى المواشي وهو يَلعب يفرح. 
  • والقراءة الأخرى عند قراءة ابو عمر وابن عامر: (نَرْتَعْ وَنلْعَبْ)، (نَرْتَعْ) يعني نتوسع في أرض خصبة وطيبة ونتوسع في المشي فيها وفي الأكل مِن ثمارها وفواكهها  (نَرْتَعْ)
  • (وَيَلْعَبْ)، ما تتطيَّب به النفوس والخواطر وتَنشط، وأخونا هذا مازال في سن اللعب يحتاج إلى لعب. 
  • (وَنلْعَبْ)، بشيء مِن الإستباق،  من الرماية نتهيأ به لأداء الواجبات والجهاد في سبيل الله جلَّ جلاله، فهي مباحات يتهيأون بها للخير وينوون فيها النية الصالحة.

 هذا اللعب، وما كان منتشر بينهم من الألعاب التي يتعلق بها كبار وصغار في ذاك الوقت، وكلهم لُعبة في لُعبة مِن دون قصد صحيح، من دون إعداد لأمر حسن، ومِن دون أخذ تطييب النفس لتنشط في الخيرات (نرْتَعْ وَنلْعَبْ)، وفي قراءة: (يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12))، ونحن مجموعة سنحافظ عليه ولن نترك شيئًا يمسه أبدا.

 

تفسير قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)) 

قال لهم سيدنا يعقوب: (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ)، يعني أنا أحزن على فِراقه، في أي ساعة، في أي وقت تذهبون به،  أنا سأكون في حزن، (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ)، وبعد ذلك جاء بعذرين؛ هذا العذر الأول، والثاني: (وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ)، 

(وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) في رعْيكم، إما رعي الأغنام وإما في رَتْعكم أو في لعبكم، والذئب يأتي يأكل يوسف، فكأن ايضًا هذه الكلمة لقَّنتهم أن يكملوا خطتهم بادعاء أكل الذئب ليوسف، ولما سمعوه يقول كذا، قالوا: لا، كيف يأكله الذئب؟ 

 

تفسير قوله تعالى: (قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14)) 

(لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)، عشرة أمامك أقوياء رجال عُقَّال بالغين وسيأكله الذئب! (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، سيأكل أغنامنا كلها! وسيأكل مواشينا كلها! لن نتركه يأكل الأغنام، و لن نتركه يأكل أخانا، كيف يأكل أخانا؟ ونحن لن نتركه يأكل الأغنام؛ (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، سيأكل علينا كل شيء فسنكون خاسرين. 

 (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، أي نستحق الخسار والهلاك أو يُدعى علينا بالخسار والهلاك، (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، نحن نرعى ونقوم بخدمتك؛ مِن أجل أن نحصل على دعواتك ونحصل على نظرك، وإذا تركنا يوسف وما قمنا معه، حتى أكله الذئب؛ سنخسر هذا كله ولن تُحبَّنا، (إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، و رغَّبوا يوسف، قالوا ليوسف؛ ستمرح وتلعب، ولو قعدتَ عند أبوك  في البيت قعدة ، لكن هناك سترتاح. 

(قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14))، ويَذكُر بعض أهل  السيرة أنه قد رأى سيدنا يعقوب: أن يوسف -عليه السلام- كان في بقعة واحْتوشتْهُ عشرة ذئاب، ومع ذلك لما  أن الأمر مَقضي ومُقدَّر استأمنهم عليه، وقالوا: خذوه، و رقَّ للولد يريده يلعب، وذهبوا بيوسف وكان ما قص الله علينا من هذا النبأ العظيم؛ (آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ)، لمن يسأل، لمن يريد العِلم، لمن يريد الفهم، لمن يريد إدراك الحقائق، ومن ذلك أيضًا أن النبي ﷺ ذَكَر لهم هذه الأخبار، ولا أحد له معلِّم من بني اسرائيل ومن غيرهم، وهي موافقة لما في كتبهم، لما في التوراة والإنجيل، وما تُنوقِل عنهم من قصة يوسف نفس الكلام؛ فكانت آية أيضًا من الآيات للسائلين؛ تثبت صِدق محمد فيما جاء به عن الله، - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلك- حتى يُذْكرُ أن بعض يهود في المدينة لما سمعوه يقرأ، رجعوا عند قومهم، قالوا: محمد يَقَصُّ قصة يوسف كما عندنا في التوراة بالضبط ، وجاءوا يسمعون، وجدوا النبي لما يأتي بالقصة يأتي بها نفسها، قالوا: من عَلمك هذا؟ قال علمني الله،   قال: الله أنزل عليَّ ذلك ﷺ، فكانت آية من الآيات: أن ذَكَر لهم القصص المذكورة عندهم في كتبهم ما يعرفها العرب ولا يعرفها من حواليهم، وجاء بها محمد ﷺ كما هي، صلوات ربي وسلامه عليه.

رزقنا الله محبته والتصديق به، وحَفَظَنَا من شرِّ الحسد ومن شرِّ سوء التفكير، وجعل هوانا تبعًا لِمَا جاء به البشير النذير حتى لا نندم ولا نخسر ولا نتعرض لسوء العاقبة والمَصير، اللهم ثَبِّتنَا على ما تُحِب واجعلنا فيمن تُحِب وقَرِّبنَا فيمن لهم تُقَرِّب، وفَرِِّج كُرُوبنا والأمة أجمعين، وارزُقنا الإدِّكَار والاعتبار، وَنُوِّرنَا بأعلى الأنوار، وعَامِلنَا بالفضل في السر والإجهار، وأصلح شؤون أمة نبيك محمد وادفع البلايا والرزايا عنهم في الغيب والمشهد يا حي يا قيوم يا واحد ياأحد.

بسر الفاتحة 

الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

27 جمادى الآخر 1442

تاريخ النشر الميلادي

09 فبراير 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام