(32)
(637)
(484)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة يوسف، من قوله تعالى:
﷽
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5) وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6))
الحمدُلله مُكرمنا بالوحي والتَنزيل، على لِسان عبده أكرم هادٍ وخير دليل، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عَبدك الهادي إلى سواء السبيل، سيدنا محمد وعلى آله المطهرين وأصحابه الميامينِ ومن تَبِعهم بإحسانٍ في النية والقصد والفعل والقيل، وعلى آبائه وإخوانهِ من الأنبياء والمرسلين أهل التكريم والتمجيد والتفضيل، وعلى آلهم وصحبهم ومن تبعهم وملائكتك المُقربين وعبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
وبعد ،،
فإننا في تأملنا لكلام ربنا وخطابه إيانا وتنزُّله بهدايتنا وإرشادنا وتعليمنا والتبيين والتوضيح لنا، انتهينا إلى أوائل سورة يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وقد ابتدأها الحق جلَّ جلاله:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2))
سَمَّى الحق تَبارك وتَعالى السورة باسم نَبِيه يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وضَمَّنها عجائب وغرائب من المعاني والدلالات والبيانات والأَحكام.
تفسير قوله تعالى: (الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ (1))
سورة يوسف شَمِلَت عِبَراً ومعانيَ ودلالاتٍ وبياناتٍ عَظيمات. ابتدأها الحق بِحُروفٍ مُقَطَّعةٍ، فيها أَسرار واسعةٌ منوعة (الر)، والله أعلم بِمُراده من ذلك، ويُعَلِّمُ مَن شاء مَا شاء من فَيضِ تلك المعاني الرفيعة.
يقول جلَّ جلاله: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1))، إن ما في هذه السورة وما أوحَينا إليكَ في هذا القرآن:
وقد جاءنا في الحَديثِ: أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لمَّا سمع بعض الكلام الطَيِّب من بَعض يَهود فقال: هل تَكتُب لي ما عندك؟ فأملى عليه فَكَتب في جِلدٍ، فَجاء به إلى النبي ﷺ، فقال له عليه الصلاة والسلام: "ألم آتِكُم بها بَيضاء سَمِحَة نَقية؟! لو كان موسى حيَّاً ما وَسِعَهُ إلا اتباعي، لقد أَوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ اخْتِصَارًا"، قال: وأمر المُنادي يُنادي فَأَقبَل الناس وصَعدَ المِنبر وحَذَر الأنصار، وقالوا: غضِب نَبيكُم، فَجاءوا بالسلاح فأحدَقوا بالنبي ﷺ فَأخبر الناس بما جَاء به عن الله تعالى وما فيه من الغُنية والكِفاية، وقال: "فلا تَتَهَوَّكوا، ولا تَتَبِعوا المُتَهَوِّكين، إن جاءوكم بِشيءٍ صَدَقتُموه وهو كَذِب، أو كَذَبتُموه وهو صِدق"، فقام سيدنا عمر فقال: "رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبِكَ رَسولا"؛ فَسُرَّﷺ.
ثم جاء عن سيدنا عمر أنه تَعَلّمَ من رسول الله ﷺ عَظَمَة هذا الكتاب وحاجة الأُمة إليه وتَرَفُّعها، وسُموَّها أن تَحتاجَ إلى شيء في الدِين من قِبَلِ من اتصلوا بالكُتب السابقة التي قد بُدِلَت وغُيرَت وحُرِفَت ولَعِبَ عليها أهلُها، مع يقين الذين آمنوا بسيدنا مُحمد أَن كَلام الله حَق، جميع الذي أُنزل على الأنبياء من التَوراة والإنجيل والزَبور ومن الصُحف والكُتب التي أُنزِلَت على المُرسلين أنها حَق وصَدقٌ، إيمان حَتم على كل مُتَبِع للنَبي محمد ﷺ ولكِنها تَعَرَّضت للتَبديل والتَحريف والتَغيير؛ فَلِذا آمنا بما أنزل الله على الرُسل صَلوات الله عليهم.
وكُلُ الخَيرِ والعِلمِ والمَعرِفَة والدلالات والبَياناتِ في الكتب موجودٌ في هذا القرآن الكريم، فَلسنا بِمحتاجين إلى أن نتعلم ديننا من عند غير محمد، والكتاب الذي أُنزِلَ عليه والهَدي الذي بُعثَ به، كذلك حقائق خَيْرِنا في الحياة الدُنيا، لا نستطيعُ أن نُحَصِّلُ منها شيئًا إلا بموافقة ما جاء به محمد -صلوات ربي وسلامه عليه-.
فنحن في غِنى عن أن يَشطحَ مُفَكِرٌ ومخترعٌ أو صغيرٌ أو كبير أو شعوبٌ أو دول لتقول لنا: افعلوا ولا تفعلوا، بعد وَحي من الله بَيَّنَ لنا فيه المسار والسبيل والطريق؛ كذلك يجب أن يُدركَ ؤالمؤمنون هذه الحَقائق. فلما سَمِع سيدنا عمر عن رجل أنه كَتَبَ بعض كُتُب سيدنا دانيال -عليه السلام-، وأنه جَمَعَ منها شيئًا وأُرسل إليه وجيء به، فقال: أنت فلان ابن فلان. قال: نعم، وأنت ساكن في مكان كذا؟ قال: نعم. قال: اجلس، جَلَس. فقرأ عليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
(الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3))
وَضَرَبه قال: على ما ياأمير المؤمنين؟! لم تَضربني؟ فَرَدَّ الآية وضَرَبَه، ورد الآيات وضربه، قال: لم يَبلُغني أنك كَتَبتَ من كِتاب دانيال؟ قال: قد كان ذلك فَمُرني بِأَمرٍ، أمتَثِل. قال: اذهب فامحُه وامسَحه. قال: اجلس، جَلَس. قال: إني كَتَبتُ كتابًا من التوراة فجئتُ إلى النبي فقال لي: كذا وكذا، فذهب الرجل ومحاه.
وهكذا جاء إليه بعضُ أهل الشام وكانوا قد كَتَبوا عن بعض أهل الكتابِ هُناكَ كلامًا، وقالوا نَعْرِضُهُ على عُمَر فإن قَبِلَهُ إزددنا به علمًا وإلا رَفَضناهُ، فَجاءوا إليه، وقالوا: إن عندنا من أهلِ الكِتابِ من يأتونَ بِكَلام حَسَن. قال: كتبتم شيئا منه؟ قالوا: لم نكتب شيء يا أمير المؤمنين، فذَكرَ لهم قصته مع النبي ﷺ، فأخذوا ما كان عندهم وحفروا له فَعَمَّقوا له في الأرض فَدفَنوه؛ وفي هذا مَسلك أَن كل ما يُشَوِّش الأذهان والوعيَ والفهمَ في الصراط المستقيم والدّين القويم يجب أن يُغيَّب، يَجِبُ أن يُبْعَد، يَجِبُ أن يُترَك، يَجِبُ أن لا يُفسَح لَهُ بَينَ الناس؛ لِيَضُر ولا لِيفسِد، ولا لِيُعَكِّرَ صَفوَ إقبالٍ، ولا صفو إيمانٍ، ولا صفو أدبٍ مع الله تعالى ورسوله ﷺ.
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1))؛ فَلنَعرف قَدْرَ ما أعطانا الله، وما أنعمَ به علينا، ولنَرجِع إلى تَعظيمِ هذا الكِتاب، فـ"إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ"، ومن رَفَعهُ الله فلا موضِعَ ولا مُهينَ له، ومن أهانهُ اللهُ ووَضَعهُ فلا رافعَ له، "إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ"، من جَعَلهُ أمامَهُ قادهُ إلى الجَّنةَ ومن جَعَلهُ خَلفَ ظَهرِه ساقهُ إلى النار.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ (2))
(تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ)، يقول الله: بِعَظَمَتي بِأُلوهِيَتي ورُبوبِيَتي، بعلمي المُحيط بكُل شيء، أنا أنزلت هذا القرآن؛ (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا)؛ مجموعاً ومَقروءًا عربيًا باللسانِ العربي الذي بعثنا به محمدًا ﷺ. (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2))، تَفهَمونَ وتدركونَ خِطاب الرَب -جَلَّ جَلاله-؛ فَتُدركونَ الحَقيقةَ وتَخرجونَ من الأوهام والخيالات وأنواع الضلالات.
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)، فأعلى استعمالٍ لما آتانا الله من قوة الإدراك المُسماه بالعقل؛ أن نَعقِل عن الله خِطابه، أن نعقل عن ربنا الذي خَلَقَنا وخَلَق كل شيء وَحْيَهُ وتَنزيله؛ فهذا أعلى ما يُستفاد بالعقل، بواسطةِ وسبب العقل، ويُعقَلُ ويَفهمُ لهذا النوع من المخلوقات المكلَّفونَ من الإنس والجن.
(لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2))، فأعْقلُ البشر من عَقلَ عن الله -تبارك وتعالى- خِطابه وتنزيله ووَحيَهُ؛ وذاك هو أهداهم إلى الحقيقة وأحسنهم استمساكاً بالعروة الوثيقة، فكيف عَقلُ من أُنزل عليه القرآن؟! فهو أعقَلُ الخلق على الإطلاق صلوات ربي وسلامه عليه. ولقد جاءنا في الأخبار أن الله لما خلق هذا النور وهذا السرَّ المسمَّى بالعقل وبالروح، جزأهُ مئة جزءٍ، فقسّم جزءً على العُقلاء من الإنس والجن والملائكة وجعل تسعة وتسعين جزءً لمحمد ﷺ؛ فهو أعقلُ خَلق الله.
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2))، فَتُحْسنون استعمال السرّ الذي آتيناكم، فبِهِ تَعوُن وتدركون، وتَقعون به على أحق الحَقائق وعين الحقيقة فتدركون بها الأمر على وَجههِ. (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2))، اللهم فهِّمنا كتابكَ ووحيكَ وتنزيلكَ وعَلِّمنا منه ما جَهلنا، وفَهِّمنا منه ما غفلنا واجعلنا من العاملين به يا أرحم الراحمين.
تفسير قوله تعالى: (نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ (3))
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)).
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، يعني نُتابعُ الخبر فيما نُورِدُه عليك من القصة خيرَا، موالاةٍ ومتابعةٍ بأفضل الكلام، فخيرُ الكلام كلام الله، وأحسن القصص التي ينتفع بها الناسُ في إدراك الحقائق وتوجيه المسلك إلى ما هو أطيب وخيرٌ وأحسن؛ قَصَص القرآن التي جاءت في كلام الله تبارك وتعالى.
(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ)، وذلك أن بعض أهل الكتاب قالوا لبعض أهل الصُّفة اسألوا محمدًا: لِمَ انتقلَ أولادُ يعقوب من الشام ؟ ولِم رجعوا بعد ذلك إلى الشام؟ فأنزل الله القصة لسيدنا يوسف عليه السلام، وجاءت متوالية إلى آخرِها واستغرقت عامة السورة الكريمة؛ (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ) -من قبل نزوله عليك- (لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)):
تفسير قوله تعالى: (إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ (4))
(إِذْ قَالَ يُوسُفُ ..(4))؛ يعني اُذكر: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ) -عليه السلام- (لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4))، وكان هذا في بدايةِ نشأةِ سيدنا يوسف عليه السلام، إذ كان في عمر الثانيةَ عشر. فكان في الثانية عشر من عمره وله مع والده مجالسات ومحادثات، وأخذٌ وتَلَقِّ، وخَوضٌ في المعارف واللَّطائف، فكان يَخُصُّهُ بمزيدٍ من المحبة والتكريم والتقديم. وجاءت الرؤيا بعد مَراءٍ سَبقت: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)).
(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا) -من الكواكب السماوية- (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4))، متذللين خاضعين معظِّمين مُجِلِّين، فلما قصّ الرؤيا على أبيه، عَلِمَ أباهُ ما تَحمِلُهُ من دَلالةٍ على تفضيله وتخصيصه وتكريمه وتمجيده، وأنه سَيَئولُ الأمرُ إلى أن يُعَظِّمَهُ؛ أبوه وأُمَه أو خالته هذه التي تزوجها أبوه بعد أن توفيت أمه، والإخوة الأحد عشر.
تفسير قوله تعالى: (قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ (5))
فكان إخوته أحد عشر والأب والأم، آيلين إلى إجلالِ يوسف وتعظيمه، عَلِمَ أبوهما في الرُؤيا من دلالات وإشارات، وخاف من النُفوس وشرورها وما يحدث فيها فـ(قَالَ يَا بُنَيَّ)، وخاطبه بهذا الخِطاب وتصغير الإبن: (يَا بُنَيَّ)، وفي قراءة: (يا بُنَيِّ)؛ لكونه صغير السِن.
(يَا بُنَيَّ)، ولزيادة الرحمة والرأفة والشفقة في تعبيره. (يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ)، فيحملُهم الحَسد أن يكيدوا لك، (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًاۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5))، يقصد الصالحين والأُسر الطيبة بإثارة الحسد فيما بينهم؛ لأنه الكيد الخفي الذي بواسطة النَفِس يستطيع أن يضحك به إبليسُ على العباد ويَلْتَبِس فيه الأمر عليهم، فلا يَستطيعُ دعوتهم إلى الشرور الواضحة ولكن يستغِل مسألة استثقال النفس للآخر؛ (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)، ويعملوا على إيذائك أو إبعادك مني أو إلى شيء من مثل هذا.
(إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5))، وإنما يجدُ فرصته في تحريك عقرب الحسد والتَسْويلِ والتزيين للكيد ولضرِّ الآخر، فليتنبَّه من سلك مسلك الخير أنه إذا يئس منه الشيطان من أبواب كثيرة، فسيأتيه من هذا الباب وهو استثقال إخوانه أو أقرانه، واستثقال أن يَظهَرَ عليه أحد أو أن يَفوقه أو أن يكون منافساً له في شيء يُحبه.
تفسير قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (6))
قال: (لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5) وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ)، يَصطفيكَ ويختارك وينتَخِبُك ويرفع درجاتك ويؤهلكُ للمراتب العُلا.
فإن للرؤيا شأن له حدوده، وله أُسسه التي جاءت في الكتاب والسنة الغراء، وله أثر كثير على نفسيات الناس، وعلى انكشاف بعض الأشياء لهم في صورة من الصور، فمنها ما يحصل من الرؤيا الصالحة من المؤمن الصادق، فإن:
وقد يحصل أثر بهذه الرؤيا تنبهاتٌ؛ لصالح وطالح، ولمؤمن ولكافر، ولله حِكَم فيما يُري عِباده، لهذا عُدَّ الكذِب بالرؤيا؛ كَذِب على الله وجُعل إثمه؛ "أن من كَلَّف عينيه بما لم تَرياه، وقال: إني رأيت كذا في النوم ولم يَر، أن يؤتى له بشعيرتين من نار يوم القيامة فيُكلَّف أنْ يعقِدَ بيْنَ شعيرتَيْنِ"، وكيف يَعقِد بين الشعيرتين لو لم تكن من نار؟ فكيف وهي من نار؟ فلا يستطيع؛ فَيُعَذَّب، بمعنى أن عذابه يستمر إن مات على الكفر-والعياذ بالله- إلى الأبد، وإن كان قد تاب فيستمر العذاب له مدة يُبَكَّتُ. إعقد بين شعيرتين كما ألَّفْتَ من رأسك رؤيا لم ترها!! وقلت أني رأيتُ. فما أخطر الكذب على الله وعلى رسوله. ومن الكَذِب على الله أن تقول: أنك رأيت في منامك كذا ولم ترَ، فلا تَزِد فيما تَذكُر من رؤيا كلمة ولا تنقص كلمة، واحذر من الكذب فيها؛ فإنها كذب على الله جلَّ جلاله، ثم إن كذبا على رسوله ليس كَكَذِبٍ على أحد؟! و "مَنْ كَذَبَ على رسول الله مُتعمِّدًا، فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النَّارِ".
قال: (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عليك)، فكان في شأن هذه الرؤيا -وهي على وجه العموم- مهما كانت صالحة ومن صالح:
وقد جاءنا في البخاري وغيره قوله عليه -الصلاة والسلام: "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، وما المبشرات يا رسول الله؟ قال :الرُّؤيا الصالحةُ، يَراها الرَّجلُ، أو تُرى له"، "يَراها الرَّجلُ، أو تُرى له"، ونقرأ هذه الرؤيا، ثم نقرأ رؤيا الملك التي أقام عليها سيدنا يوسف -عليه السلام-؛ تخطيطَ وترتيب التغذية لعمومِ الناس في مِصر والبادية وما حواليها من الشام. يقول: أقامها على تلك الرؤيا، ثم قال في آخر القصة عن هذه الرؤيا لمَّا: (خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا (100))، (يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ..(100)) جلَّ جلاله؛ فَعَلِمنا مَنزِلَة الرؤيا، علمنا أنه لا يمكن أن تُقام أحكام الحق والشريعة الغرَّاء وإنما يُستأنَسُ بها ويُستَبشَر فَتَسُرُّ ولا تغُر.
ثم بعد ذلك، كله يجب أن تكون همة المؤمن في الاستقامة وفي الاقتداء بالنبي محمد ﷺ، ثم قد تكون من الرؤيا ما هو:
فينبغي أن لا يلتفت إليها الإنسان، ومن رأى رؤيا تُحزن، ومن رأى رؤيا سيئة وخبيثة فينبغي أن:
فإنها لا تضره.
(وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ)، أي أهل يعقوب إخوتُك وأزواج سيدنا يعقوب أولاده وأحفاده (كَمَا أَتَمَّهَا) -النعمة- (عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ)، فأتم النعمة:
(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ..(6))؛ فإن في الرؤيا دليل على أن آل يعقوب لهم منزلة ومكانة، فرُؤوا في رؤيا يوسف بصورة الكواكب، وإنما هي المضيئة المنيرة، فلابد أن يكون لهم شأنٌ وشأوٌ في النفع والهداية والدلالة، فاستدل بها قال: (وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ).
(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ..(6))؛ وفيه تعلُّق الأنبياء بالصالحين من قَبلِهم من آبائهم خاصة ومن الأنبياء والصالحين عامة؛ وهذا مُقتضى الإيمان، تعلُّق القلوب بأهل الخير والصلاح؛
وإلى هذا أشار لنا ﷺ عن قومٍ يَفتَرونَ، وقال "يَخرُجُ آخر الزمان قوم دجالونَ كذابون، يأتونكم من الحديث بما لَمْ تَسْمَعُوا أنتُمْ ولا آباؤُكُمْ، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ، لا يُضلونَكُم ولا يَفتِنونَكُم"، فقوله: "أنتُمْ ولا آباؤُكُمْ"؛ إشارة إلى رابطة الأبناء بالآباء، وأن الخير مهما كان من وحي الله وبلاغ رسوله؛ فلا بد أن يَمُرَ عبر الآباء إلى الأبناء، وإلا كيف يَعلَم الأبناء ما لم يمر على الآباء من قَبلِهم؛ فالخير والحق سيصل إليهم عبر آبائهم، ولهذا قال: "بما لم تَعلَموا أنتُمْ ولا آباؤُكُمْ، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ".
يقول: (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ) محيط علمه بكل شيء، (حَكِيمٌ (6))، في تَفضيلِ من يَشاء وإمداد من يَشاء بما شاء من أنواع الخيرات والمنن والمواهب. (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ)، أي يصطفيك ربك؛ يوالي لك ويضاعف، يعني اصطفائه واجتبائه.
(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)، (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ). (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)؛ وكلها بلفظ المُضارع المُفيد للاستمرار، أي أنه يزيدك من كل ذلك ويواصلك ويوالي عليك من الاجتباء وتعليم تأويل الأحاديث وإتمام النعمة فإن ذلك يتوالى عليك ويترادف ويتضاعف.
وَ(يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6))، (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، سبحانك إنك أنت العليم الحكيم، ولا علم لنا إلا ما علمتنا، فعلِّمْنا وارزقنا الفهم والحكمة، وآتنا الحكمة، (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة:269].
اللهم فهمنا وعلمنا واربطنا بالكتاب المبين وآياته، وارزقنا الإدِّكار بأحسن القَصَص، وارفعْ عنا غش تعلُّق قلوب وعقول أبناء وبنات المسلمين بقصص الغافلين والفاجرين والمجرمين والفاسقين والضالين والمؤذين لعباد الله -تبارك وتعالى-، والموقعين الضرر بخلق الله من أهل الفساد. اللهم حرِّر قلوب المسلمين من الالتفات إلى ذلك وارزقهم التوفيق منك؛ للنظر فيما قصدتَ وأوحيتَ وعَلَمتَ وبلَّغت على لسان رسولك المختار محمد سيد الأطهار صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأخيار، وعلى من على منهاجهم سار، واجعلنا ممن سار في ذلك المسار ياكريم يا غفار يا أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين.
بسر الفاتحة
الى حضرة النبي محمد اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله
الفاتحة
20 جمادى الآخر 1442