تفسير سورة الرعد - 9 - من قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ..)، الآية: 27

تفسير سورة الرعد، من قوله تعالى: { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ..}، الآية: 27
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى: 

﷽

(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  •  الهداية والإضلال وحقيقة طلب المعجزات:
    • معجزات الأنبياء ومعجزة القرآن الخالدة.
    • حقيقة الإنابة وعلامة المنيبين.
  • بطلان الطمأنينة الزائفة وثبات المؤمنين أمام الأراجيف:
    • زيف الركون إلى الدنيا وشهواتها.
    • ثبات المؤمنين في مواجهة الأزمات والمخاوف.
  • التوفيق بين الخوف المحمود (الوجل) والطمأنينة:
    • الخوف المحمود والجمع بين الوجل والطمأنينة.
    • الخوف المذموم: الخوف من غير الله تعالى.
  • مظاهر الإنابة وثمرات الطمأنينة في الدارين.
  • الأسباب ومحدوديتها والاعتماد على مسبّب الأسباب.
  • بشارة المؤمنين بكرم الله وبطلان جحود المشركين:
    • بشارة (طُوبَىٰ لَهُمْ) ونور المولد النبوي الشريف.
    • كفر المشركين بالرحمن والتوكل المطلق عليه سبحانه.

نص الدرس:

الحمدلله مُكْرِمِنَا بخير الدلالة، على لسان خاتم الرسالة، وبما أوحى إليه وأَنزل عليه، وبما بلَّغنا عنه تعالى في علاه، ونسأله أن يصليَ ويسلمَ على المصطفى خاتم أنبيائه وأصفى أصفيائه، وعلى آله وأصحابه وأهل محبته وولائه ومتابعته واقتِفائه، وعلى آبائه وإخوانه من رُسلِ الله وأنبيائه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.     

أما بعد،،

تفسير قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27))

فإننا في تأمُّل كلام ربنا -جلّ جلاله- وتعالى في علاه، ونعمته علينا بتدبر آياته، وما أوحاه إلى خير بريَّاته، مررنا في سورة الرعد على قوله -جلَّ جلاله وتعالى في علاه-: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)). 

يبين لنا سبحانه وتعالى: 

  • أن الأمر مرتكزٌ على ما سبق في إرادته سبحانه من هداية وإضلال.
  • وأن الآيات والدلالات والعلامات والحُجج والبراهين: 
    • يكفي منها القليل لكل مُنصف غير متعسِّف. 
    • ولكل متأمِّل غير معاند ولا جاحد. 
    • وأنه مَن لم يُغْنه منها القليل لم ينفعه الكثير.
  • وأن الله قد أعطى كل نبيِ معجزات وآيات؛ علامات على صدقه فيما جاء به عن الله. 
  • وأن الناس في شؤون مسارهم في الحياة وطريقة تفكيرهم؛ 
    • إذا لم يَرِق لنفوسهم ولم تطاوعهم في أمر، طلبوا الحُجج عليه بالتشهي معاندةً.

والأمر أكبر من أن تكون آيات الله -تبارك وتعالى- تبعًا لتشهيات ولِأهواء ولتحجُّجات مِن ذا، أو من ذاك؛ فيكفي ما بيّن، ويكفي ما آتى رسوله من الحُجج والبراهين والعلامات، ومع ذلك يقولون: (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)، وهذا القرآن بين أيديهم من أعظم الآيات لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، فلماذا يقولون: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ) [الأنعام:37]؟ والقمر انشق لهم، فكيف يقولون: (لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ) [طه:133]؟!

(وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ)؟ 

قُل لهم: ما أعجب قولكم! كيف تقولون هذا؟! والآيات بين أظهركم وأمام أعيُنكم واضحة بيِّنة، ولكن المسألة:

  • مَن لم يُرد الله أن يُطهر قلبه فلا يطهُر. 
  • ومَن لم يُرد هدايته فلا يهتدي ويكابر ويعاند.

(قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)؛ فلا داعي لاقتراح الآيات ولا المعجزات:

  • وقد أوتي نبينا ﷺ من المعجزات ما لم يؤت أحد من الأنبياء من قبل. 
  • وجعل الله لكل نبي معجزة، ولم يجعلها في مظاهرها الجلية متكررة لكل نبي. 

ولكن: 

  • كل نبي جعل الله له المعجزة التي تناسب أهل عصره، وأهل زمانه، وأهل قومه الذين بُعث فيهم. 
  • ويجعل لكل نبي معجزة بيِّنة واضحة كبرى. 
  • ثم يجعل لهم عدد من المعجزات. 

وكانت معجزة نبينا الكبرى القرآن، وتحداهم أن يأتوا بمثلِ سورة منه فعجزوا، فلِم لم يؤمنوا؟! 

  • إذًا فهذا هو التلاعب والتحجُج بإرادة الحُجج، والحُجج قائمة. 
  • ولكن الإنسان: 
    • إذا لم يصدُقْ إلْتوى وطلب التعلل بأنواع الهوى؛ ولن يغنيه ذلك شيء.
    • كما أنه في حياته إذا صمم وأراد الأمر، إستسهل المشقات، وكابد كبير المكابدات، وسَهُل عليه الصعب حتى يصل إلى الغرض. 

كذلك مَن لم يصدُق في طلب الهداية، فإنه يتعلل ويتعذر ويقول: ما الآيات؟ 

  • (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)، فلقد قال: (۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) [الأنعام:111]. 
  • (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)، فالذين ينيبون إلى الله؛ أي يقصدونه ويرجعون إليه ويؤبون، معظِّمين لأمره؛ يدُلهم على الحق والهدى ويهديهم إليه. 

 

تفسير قوله تعالى: (تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))

(وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27)) وأعلى مظاهر الإنابة إلى الله؛ كثرة ذكره؛ ولذا أتْبعها بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))، اللهم اجعل قلوبنا مطمئنة بذكرك وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك يا أرحم الراحمين.

(وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ)، يعني هؤلاء المنيبون؛ أعلى مظاهرهم وأوضح صفاتهم: 

  • إيمان 
  • وطمأنينة بذكر الله 

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ)، فنسأل الله أن يوفر حظنا من الإيمان ويزيدنا إيمانا في كل آن. 

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ) جلَّ جلاله؛ وهنا نعلم معاني الطمأنينة:

  •  فإن الطمأنينة الصحيحة المليحة الفسيحة القوية القويمة؛ طمأنينة قلب المخلوق بعظَمة الخالق: 
    • طمعًا في رحمته، وخوفًا من سطوته ونقمته. 
    • واعتمادًا عليه واستنادًا إليه؛ إيقانًا بوعده ووعيده، وقوة إيمان به. 
  • هذه هي الطمأنينة، أعلى ما يكتسبه المكلفون على ظهر الأرض من معنى الطمأنينة:
    • بها ينالون من السكون وهدوء البال وصلاحه، واستقرار الحال. 
    • واستقامته والأُنس والسُرور ما لا يجده غيره.  

وهذا دائم لهم ومستمر إلى البرزخ، ثم إلى القيامة، ثم إلى الجنة، فما أعجب حال هذه الطمأنينة!. 

هذه الطمأنينة الحقيقية العظيمة الصحيحة المليحة يقابلها: طُمأنينات فاسدات وهمِيات خياليات وهو:

  • الركون إلى شيء غير الحق الخالق، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) [يونس:7]، الحياة الدنيا مخلوقة.
  • ومع ذلك من حين خلقها الله، فكل مَن رَكَن إليها من المكلَّفين واعتمد عليها تقلَّبت بهم، وأرجعتهم عبرة للمعتبرين، فكيف يطمئنون إليها؟!!

وقد كانوا يقولون على الإمارة: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك، يعني فتركنُ إلى ماذا؟ وتطمئن إلى ماذا؟ إلَّا لمَّا إنها تفوت وتزول وتضمحل وتتلاشى وصلت أنت إليها، وإلّا لو كانت تدوم وتستقر، أنت لن تصل أصلًا، الذين قبلك متشبثين بها، لكن ترى أمام عينك! فلِم الركون؟! لِمَ الركون إلى الإمارة؟! لِمَ الركون إلى الحُكم؟! لِمَ الركون إلى السُلطة؟! لِم الركون إلى الدنيا بأصنافها؟! 

لكن مرض الذين لم يدركوا الحقيقة فلم يؤمنوا بإلٰههم الذي خلق: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس:7-8] والعياذ بالله تبارك وتعالى؛ أو (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الواقعه:24]. 

إذًا.. 

  • الطمأنينة مطلوبٌ شريفٌ لكل عاقل من المكلفين؛ من الإنس والجن. 
  • ولكن الوصول إليها، وتحقيقها كيف يتم؟ وبغير معرفة الله الذي خلق لا تكمل الطمأنينة لكافر قط. 

وكلما أرادوا الطمأنينة؛ بالاعتماد على القوى المادية؛ اقتصادية، أوعسكرية، أوغيرها من الوسائل والأسباب، أو كما يجنح كثير من الناس، لا يعرف كيف يجد الطمأنينة، فيبحث عنها في أغاني ماجنة مثلًا، أحدٌ يبحث عنها في المسكرات والمخدرات، ما الذي يحصِّلونه هؤلاء من الطمأنينة؟! 

  • هم في غي، وهم في لي، وهم في عَمَه، وهم في ضلال: 
    • ولا أحد منهم ذاق من الطمأنينة ما ذاقه المؤمنون الصادقون العارفون بالله في ركعة من الركعات. 
    • لا بالمخدرات ولا بالمسْكرات، ولا بالسلطات ولا بالجنوح إلى الاعتماد على أسلحة الدمار وما إلى ذلك، لا يجدون هذه الطمأنينة. 
  • ويُنازلهم القلق وأنواع الخوف، والاهتزاز الباطني، حَتمِيةُ حُكم الحق: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) [طه:124]. 

إذًا الطمأنينة الحقيقية لا يظفر بها إلَّا المؤمنون الذين اطمأنت قلوبهم بذكر الله، اللهم اجعلنا منهم، وفي مظهرها يقول لنا الله عن وصف ساداتنا الصحابة -رعيلنا الأول-  لمَّا أراد معسكر الكفرِ أن يوقع القلق بينهم والإرجاف ويُبث الخوف، فأرسل مَن يقول: إن أبا سفيان أعدَّ لكم من الجيش كذا، وعدَّته كذا ومعه القبائل كلها وسيأتونكم بأمر لا تقدرون عليه (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ)، انتبهوا إلى أنفسكم! خوف مُقبل عليكم خطر؛ (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) -عجيب- ما أثَّر فيهم هذا الإرجاف ولا هذا القلق. 

واليوم أيضًا: 

  • الذي يُرجف، إبليس ومَن معه من شياطين الإنس والجن، من تخويفات الناس، فإن أرباب قوة الإيمان وقوة الصلة بالرحمن أهل ذكره؛ لا يؤثر فيهم هذا، بل يزيدهم إيمان. 
  • كلهم يقولون ما قالوا، ويُخوِّفون بأي شيء؛ عندكم قبل السنتين بدأوا يخوفون بالكورونا وعمِلوا ضجات وهجَّات ورجَّات، ومن يوم خوَّفوا إلى الساعة، قلوب مطمئنة بالله لم تُعرِّج على ذرة من الخوف بأراجيفهم، وفيهم وفي مجتمعاتهم كثُر اللطف، وكثُر من الله تعالى التخفيف، وكثُر من الله -سبحانه وتعالى- إبعاد الإصابات وقلَّتها، الله أكبر!.

وكل ما يرجفون به، فإن أصحاب الطمأنينة الحق الكبرى العالية ما تعمل بهم أراجيف المُرِجفين من الفجار والكافرين، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، معنا مصدر لِأمننا وطمأنينتنا، قادر قوي لا يكون إلَّا ما أراد؛ (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ) [آل عمران:173-175] يخوِّفون الناس من الفقر، يخوفون الناس من المرض، يخوفون الناس من أسلحتهم الفتّاكة، يخوفون الناس من سياساتهم. 

  • والمؤمن بطمأنينتهِ يخاف القوي القادر، مَن بيده الأمر؛ وهو الله الواحد -جلَّ جلاله- هذا الخوف مقابل الطمأنينة:
    • هو الخوف الشريف الكريم الجيد النافع المفيد الطيب الذي يكسب صاحبه حقائق الأمن في الدنيا والآخرة؛ الخوف من الله. عجيب!
  •  كما أن الخوف من غير الله؛ خوف قصور وخيال وضلال ونقصٍ وبُعد عن الحقيقة، به يُسلَّط الخلق على بعضهم البعض، بخوفهم من غير الله..
    • وهكذا جاء في الحديث: "إنَّه لا يُسلّطُ  علَى ابنِ آدمَ إلَّا ما خافَهُ ابنُ آدمَ، ولَو أنَّ ابنَ آدمَ لم يخَفْ  إلَّا اللهِ  ما سلَّطْ الله علَيهِ غيره".

 إذًا.. 

  • فالطمانيينة الحسنة الحقة العظيمة الشريفة الصحيحة؛ مرتبطة بالوجلِ الصحيح القوي المتين الذي ينفع صاحبه؛ فيجتمع الطمأنينة الشريفة والوجل الشريف. 
  • كما أن الطمأنينة المتضِّعة الوهمية الخيالية السيئة مرتبطة أيضًا بالخوف، والوجل القبيح السيئ الهابط؛ الذي لا يُنجي صاحبه من عذاب الله، ولا يزيد إلَّا تعبًا في الدنيا قبل الآخرة. 

إذًا.. 

  • فأمامنا في الحياة أخوافٌ مرضية حسنة. 
  • وأمامنا طمأنينة كريمة شريفة عالية.
  • وأمامنا أخوافٌ باطلة ساقطة قصيرة؛ علامة نقص في الخائف منها. 

وهنا يأتي الالتباس بين أمر ما كان من شأن الطبع؛ الطبع الإنساني مجبولٌ على الخوف من أشياء كثيرة، ولكن في أثناء الخوف منها: 

  • إما أن يكون منقطعًا عن الله، وهذا حال الكافر، وحال مَن لم يتمكن الإيمان من قلبه، والخوف هنا يكون فيه قصور، أي قصور في صاحبه ونقصٌ في صاحبهِ، قال تعالى: 
    • (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ)، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) [الزمر:36]. 
    • قال لنا في الآية الأخرى: (فَلَا تَخَافُوهُمْ)، (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ). 
  • خذوا الخوف الصحيح الشريف الذي يرفع أصحابه:
    • (وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [ال عمران:175]، فبخوفكم إيّايَ أُأمِّنكم وأحميكم وأحرسكم. 

إذًا فلا إشكال في الجمع بين الآيتين: 

  • (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال:2].
  • وبقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم)؛ 

لأن: 

  • الوجلَ هنا والطمأنينة هنا كلاهما حسنان شريفان صحيحان قويمان رفيعان نافعان لأصل الخلق. 
  • لكن الخوف الذي يضُر؛ أن تخاف مَن لا يستقل بالأمر وتنسى الآمر الناهي الذي بيده الأمر. 

فالخوف من غير الله:

  • مجْلبة للأمراض النفسية. 
  • ومجْلبة للمشاكل في الدنيا. 
  • ومجْلبة للعذاب في الآخرة.

لكن الخوف من الله: 

  • أمنٌ، أمنٌ من البلايا والمصائب والنوازل في الدنيا والآخرة. 
  • ومَن خاف الله -تبارك وتعالى- أَّمنهُ يوم يجمع عباده، وخوف الله فيه الأمان. 

وهذا الخوف مرتبط بإدراك الحقيقة: وهو واجبٌ على كل عاقل ومُنْصف؛ لأنَّ وصْف هذا الإله؛ هي القدرة المطلقة، وأنه لا يضره شيء أصلا، ولا ينفعه شيء أصلا؛ وهو الذي يضرّ وينفع، يقدِّم ويؤخِّر. 

مَن كان وصفه هذا، كيف لا يُخاف؟! فأي شيء يُخاف إن لم يُخاف هذا؟! ولا يصيب أحد شيء من كل ما يُخاف منه على وجه الحق، وعلى وجه الباطل إلَّا بأمر هذا وقدرة هذا وترتيب هذا؛ فمن أحقُّ أن يخاف إذًا؟! 

فالذين خافوا الله: 

  • هم أهل الحقيقة. 
  • وهم الذين أحسنوا استخدام العقول الموهوبة من الخلَّاق لهم. 
  • وهم الذين أدركوا الأمر على وجهه. 
  • وهم الذين ينالون الأمن والطمأنينة. 

وحتى النتائج في الدنيا تصيرالعواقب لهم، وإن قُتل منهم مَن قُتل، وأُوذي مَن أُوذي؛ 

  • فالمؤذىٰ له الدرجات 
  • والمقتول له الشهادة

ولكن نفس المسار الذي ساروا عليه؛ منصور في أولادهم، في أصحابهم، في جماعتهم، فيمن مشى في هذا الطريق والعاقبة لهم: 

  • (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)، أرادوا أن يخوِّفوهم من غيره (فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ)، الذي اطمأنوا بذكره وخافوه؛ (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ)، هذه الأرض التي يهددونكم بالخروج منها؛ أنتم ستسكنونها وهم سيموتون، هم سيُهْلكون، وأنتم الذين ستسكنونها.
  • (ذَٰلِكَ) أنا أُعطي هذه النتيجة دائما؛ (لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)، فأهل الخوف من مقامي وعظمتي وربوبيتي وأُلوهيتي وأهل الخوف من وعيدي؛ ما توعَّدتُ به العاصين والفاسقين في الآخرة، لهم هذه النتائج: (ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) [إبراهيم:13-14]. 

 إذًا هنا خوفٌ شريفٌ كريمٌ يجب أن نسعى لتحصيله؛ لأن فيه أمننا وهو حصننا، وفيه عزُنا وبه نُكفى البلايا والأخواف المختلفة؛ أن نخاف الله.. 

  • (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ)، (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ)، مَن والاه يوقعهُ في خوفٍ -واحد-، يخوِّف المؤمنين من أوليائه ويقول للمؤمنين: ياأَوْلِيَائي، هؤلاء عندهم تكتيك، عندهم خطط، عندهم قوة.
  •  القوي القادر ربنا وربهم، قال لنا: (فَلَا تَخَافُوهُمْ)، لا تصدقوا الكذاب؛ (فَلَا تَخَافُوهُمْ)؛ لكن امسكوا الطريق الصحيح وارتفعوا إلى الخوف الشريف (وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران:175].

 ثم يقول لسيد الخائفين منه، المطمئنين به: 

  • (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ۚ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا)، وإنما هذه المسارعة باغترارهم بأنفسهم ومعاندتهم لأمر ربهم، وطمأنينتهم بما عندهم. 
  • كل هذا مع جحودهم وإنكارهم، ليكون مآلهُم السوء في الآخرة؛ (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:167]. 

فوجب على كل مؤمن: أن يأخذ أمر الله القوي: (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ)  [آل عمران: 175]، يجب أن نخافه هو، وسيكفينا إياهم وغيرهم: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ)  [الزمر:36].

 إذًا، فلنسلُك سبيل الإنابة وعنوانها ذكر الله، ولذا تجد المؤمنين في مختلف الأوقات على العموم وفي المخصوص على وجه الخصوص؛ إذا جاء رمضان قال: ذكر الله والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل والصلوات، وإذا جاءت الأشهر الحُرم وإذا جاء موسم الحج وإذا جاء ذكر مولد النبي ﷺ قالوا ذكر وصلاة على النبي محمد ﷺ وتهليل وتسبيح وذكر السيرة وذكر الآخرة، فهم يشتغلون بالذكر؛ هذا عنوان الإنابة، المُنيبون إلى الله تطمئن قلوبهم؛ لا يفرحون إلَّا بهذا، يفرحون إذا ذكروه وسبحوه وحمدوه وكبروه وهللوه وصلَّوا على نبيه ودعَوه وصلُّوا له وصاموا وتصدقوا لوجهه الكريم يفرحون. 

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ): 

  • القرآن خاصة. 
  • وكل معنى من معاني ذكر الله عامة. 

تطمئن به القلوب تلك الطمأنينة الشريفة المتصلة بالوجَل الطيب الذي يصلُح للمؤمن. 

إن هذه الطمأنينة تجعل الإنسان في هذه الدنيا في مأمنٍ من أنواع ما يتَخطَّف الناس من المخاوف من دون الله، فيوصلْهم إلى تفكير سيء وإلى تعامل قبيح..

  • هم في مأمن من هذا! بهذه الطمأنينة.
  • وهو بهذه الطُمأنينة يزدادوا إيمانًا.
  • وهو بهذه الطُمأنينة يتعرض للطمأنينةِ عند الممات، وفي البرازخ، ويوم القيامة. 
  • ولإكمال الطمأنينة (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).

فهل يورِثُ هذا طمأنينة بسلطة، طمأنينة بمال، طمأنينة بجاه، طُمأنينة بشهرة، طمأنينة بأغاني؟ هل يورِث هذا؟ لا والله!  

  • لكن الطمأنينة بذكر الله تورِث أن (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ).
  • ولهم خطاب من القوي الفعال: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)؛ انظروا ما نعطيكم، (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ). 

فأين الذين مَنَّوا أتباعهم بالأماني الكاذبة؟ 

وانتهوا وانتهى، مَن منَّوهُ بذلك، وهم اليوم بين يديهِ تحت القهر وتحت الحكم. 

  • لكن أنتم يا مَن اطمأننتم الطمأنينة الصحيحة: (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ). 
  • إذًا فالمسلك القويم الصحيح في حياة الناجح المفلح، أصحابه (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ). 

هُوِية وعنوان ولا مُطلق للحق -جلَّ جلاله- ما تغوي عنه الأفكار المتقلبة المتخبطة المضللة المتزاحمة، ومع ذلك كله قائم على صدق مع الحق؛ مظهر الصدق والخُلُق الحسن (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، ومع ذلك تحصُّن حسن قوي منيع (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت:30-36] جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

يقول سبحانه وتعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28))، فالله يرزقنا هذه الطمأنينة الشريفة الرفيعة القوية. 

ناس كثير مثلاً حتى في جانب كسب الرزق، اطمأنوا إلى الشهادات، ومنهم مَن أخذ ما كان يصْبو إليه، ثم لم يتيسر له كسب المال بها؛ 

  • إما لم يدخل عليه المال أصلًا، وقال ذا ما وظفونا! وذا ما حصلنا عندهم شيء! وهذا تغيَّر، والوضع لا أدري ما حصل فيه! والسياسة والكورونا! 
  • وإما فُتح له باب رزق في مجال غير الذي حمل الشهادة فيه، وهذا كثير في العالم عندكم. 

ليدُلكم على أن: 

  • الطمأنينة في أي شيء بغير الله ضلال.
  • الطمأنينة بالله -جلَّ جلاله- وبذكر الله سبحانه وتعالى. 
  • والمؤمن يأخذ بالأسباب، لكن لا يركن عليها، ولا يطمئن إليها. 
  • والمنافق يجعلها كأنها الفعالة وكأنها كل شيء. 
  • والواقع يقول للناس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم) [النساء:1].

هذه الأسباب ومسبَّباتها بحكمه، ومع ذلك كم تتخلف؟ كم تتخلف؟ لا يُركن إليها، لا يُطمئن عليها..الله أكبر!. 

اللهم اقذف في قلوبنا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجو أحدًا غيرك، اللهم اقذف في قلوبنا خوفك واقطع خوفنا ممن سواك حتى لا نخاف أحدًا غيرك؛ هذا شرف الإنسانية وشرف المخلوق، ما يرجو إلَّا الخالق ما يخاف إلَّا الخالق؛ هذا رفيع، شريف القدر شريف المنزلة، فوق، يريدون يغونه لا يقدرون، يهددونه لا يقدرون، لا إبليس ولا جنده كلهم؛ يخاف من واحد، يرجو واحد..الله أكبر! 

 

 تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))

قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) -اللهم اجعلنا منهم- (طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29))، (طُوبَىٰ لَهُمْ): 

  • (طُوبَىٰ لَهُمْ)، يعني الحياة الطيبة، العِيشة الطيبة لهم. 
  • (طُوبَىٰ لَهُمْ)، الأنس والحبور والسرور لهم.
  • (طُوبَىٰ لَهُمْ)، لهم شجرة عظيمة في الجنة.
  • (طُوبَىٰ لَهُمْ)، (طُوبَىٰ لَهُمْ)؛ الجنة لهم -كما هي في لغة بعضهم-، الجنة لهم. 

(طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)، حسن ومرجع ومصير، أصحاب المستقبل الجميل هم، أصحاب المستقبل الطيب هم (طُوبَىٰ لَهُمْ).

 مَن؟ 

(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)) 

 

تفسير قوله تعالى: (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))

(كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ)، ليس هم أول مَن جاءوا (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، وقد تلا علينا نبينا. 

والله يُهيئ قلوبنا وأرواحنا للاستماع والإنصات، نادانا وعلَّمنا وارشدنا وهدانا، بل أصحابه الكرام رأوا أن نداءهُ الأول وتعليمه ووصول الخير على يده من ليلة مولده، قال له العباس، كما جاء في الحديث بالسند الحسن في آخر عُمر نبينا بعد رجوعه من غزوة تبوك، آخر غزوة له:

وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ ال *** أَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ ﷺ 

فمن من المؤمنين ما يستوحي في باطنه إشراق النور وانتشاره إليه، من ميلاد المصطفى، من مولدِ محمد: 

وَأَنتَ لَمّا وُلِدتَ أَشرَقَتِ ال *** أَرضُ وَضاءَت بِنورِكَ الأُفُقُ

فنحن في ذلك الضياء وفي ال *** نور وسبل الرشاد نخترق 

صلى الله على سيدنا محمد

 وقال الله عن أولي الألباب يقولون: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) [آل عمران:193]، فنعم المنادي محمد، قال: (أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، وقد تلا علينا ما أوحى إليه ربه: 

  • (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ)، بعد إرسالنا إيَّاه بالآيات المعجزات.
  • (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ) جلَّ جلاله وتعالى في علاه، فيجعلون له الشريك، أو ينكرون وجوده وقدرته -سبحانه وتعالى- ويستهزئون بآياته وبرُسله 

(وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ)، وإن كان لهم مشكلة مع وصف وإسم الرحمن، لكن المراد الرحمن، هو الله تعالى، وهم مع اسم الرحمن، ما كان هذا الاسم مشتهرًا بينهم، ولا مستعملًا في ألسنتهم.. 

  • حتى أن منهم، لما سمع النبي ﷺ من الكافرين يقول: يا الله يا رحمن، ذهب إلى قومه وجاء يقول: إن محمد يدعو إلهين؛ (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) [الإسراء:110]، (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ) جلَّ جلالة،
  • حتى أبوا أن يكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قالوا ما نعرف هذا! نكتب: "باسمك اللهم" قال: اكتبوا كما تريدون في صلح الحديبية. 

ولكن مع ذلك كله، ليس المراد هنا مجرد إنكارهم لوصف الرحمن، أنه يوصف به الله تعالى، المراد إنهم يكفرون بالله -جلَّ جلاله- يتخذون معه الشريك، أو ينكرون وجوده من الملاحدة، أو من الذين غيروا وحرفوا آياته وخالفوا الأنبياء من أهل الكتاب. 

قال: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، هو ربنا لا إله إلَّا هو، نعم الرحمن ربنا، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا) [الفرقان:60].

لكن.. 

  • (قُلْ هُوَ رَبِّي) هو ربنا الرحمن جلَّ جلاله. 
  • (هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)؛ لا خالق، ولا رازق، ولا منشيء ولا موجِد، ولا مكوِّن إلَّا هو، ولا يستحق العبادة إلَّا هو.
  • (لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، وهو حسبنا ونعم الوكيل. 
  • (وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30))، المرجع إليه، والأمر أمره تعالى في علاه.     

رزقنا الله كمال الإيمان واليقين، اللهم رد عنا كيد أعدائك أعداء الدين ولا تبلغهم مرادًا فينا، ولا في أحد من المسلمين، يا ربِّ سرى إلى قلوب المؤمنين خوف من غيرك فبدله بالخوف منك، حتى ينعموا بالأمن في الدنيا والآخرة، ورُدَّ كيد أعدائك ولا تبلِّغهم مرادًا في أحد من المسلمين وهيء قلوبًا كثيرة في المشارق والمغارب تؤمن بك وتطمئن بذكرك يا الله، واجعلنا من أسباب ذلك، وارزقنا السلوك في أشرف المسالك للفوز بارتقاء أعلى درجات، ذلك المطلب الشريف، يا ملِك الممالك يا حي ياقيوم،  أجرنا من جميع الزيغ والمهالك واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا. 

  بسر الفاتحة 

الى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

06 ربيع الأول 1443

تاريخ النشر الميلادي

12 أكتوبر 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام