تفسير سورة الرعد - 13 - من قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا..)، الآية: 37

تفسير سورة الرعد، من قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَٰهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا..}، الآية: 36
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى: 

﷽

(وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • خطورة اتباع الأهواء ووجوب الاعتزاز بالشريعة:
    • إنزال القرآن حُكمًا عربيًا والتحذير من اتباع الأهواء.
  •  بشرية الرسل وحسن الظن بالمصطَفَين:
    • بشرية الرسل وخصوصياتهم العلية.
    • الحذر من سوء الظن بالأخيار.
  • نفوذ القدر والآيات بإذن الله:
  • إذن الله في المعجزات، توقيت المقادير.
  • حقيقة المحو والإثبات ومهمة البلاغ
    • أمّ الكتاب: المحو والإثبات.
    • البلاغ والحساب.

نص الدرس:

الحمد لله مُكْرِمنا بالقرآن وبيانه، مُنْزله على قلب عبده وحبيبه محمد ومُبيّنه ومُيسّره بلسانه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكرِّم على عبدك المجتبى المصطفى سيدنا محمد حِصْن كل مؤمن وأمانه،وعلى آله وأصحابه وأهل وَلائه والاقْتداء به، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات المجد وأربابه، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكة المقرّبين، وجميع عبادك الصالحين وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 أما بعد،،،

 تفسير قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37))

فإنّنا في نعمة تأمّلنا لكلام ربنا وتدبّرنا لما أنزله على نبيّنا وادّكارنا به، وصلنا في أواخر سورة الرعد إلى قول ربنا، جلّ جلاله: (وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا)، كما أرسلنا الرسل من قبلك وأنزلنا الكتب، جعلناك الخاتم وأنزلنا الكتاب إليك بلسان عربيّ مبين، وكذلك جعلناه (حُكْمًا): حِكمة وبيانا؛ (حُكْمًا)، منهجًا، ومسلكًا (عربيًا) من حيث النطق؛ كما قال في أول السورة التي تأتينا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) [ابراهيم:4].

(وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37))؛ هذا الخطاب من ربّ الأرباب، لِتَعي أمة محمد وجه الهدى والصواب، وتتشبّث بما جاءها عن ربّ الأرباب، وسنة سيد الأحباب، ولا تَعْدِلُ بذلك؛ كلاما ولا فكرا ولا نظاما ولا ادّعاء لغربيّ ولا شرقيّ ولا إنسيّ ولا جنّيّ ولا صغير ولا كبير، فإنّ الحقّ ما جاء عن الحقّ، وما خالفه فَبَاطل بلا ريب ولا شكّ.

 (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ): 

  • وهم الذين تحملهم الأهواء على فعل ما يفعلون وترك ما يتركون. 
  • وَبِالأهواء يقرّرون في دائرة الاخْتيار، والاخْتبار لهم ما يُديرون وما يُقرّرون؛ بالأهواء. 

يقول: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) ما تُمْليه عليه نفوسهم الأمّارة؛ في فلسفة عن خلق الإنسان أو عن حال المرأة أو عن الاقْتصاد أو عن المجتمع أو عن السياسة أو أي شيء في الحياة، إذا اتّبعت أهواءهم في أيّ شيء خالف أوامر الحق ونواهيه، وهو المحيط علمًا بكل شيء: 

  • (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ)، لا أحد يُواليك فينجّيك من غضب الله ولا من عذاب الله ولا من الوقوع في سوء ما ارْتضيته من أهواء القوم،. 
  • (وَلَا وَاقٍ (37)) يقيك عذابه وغضبه وسخطه. 

والخِطاب موجّه لسيّد الأحباب المعصوم الذي أُمِرنا باتّباعه لِتَفْقَه الأمّة خطر الميل يَمنة أو يسرة إلى هوى أيّ فرد أو جماعة أو حكومة أو شعب، في كل ما خالف أمر الله، فنحن على بصيرة وعلى هدى وعلى بيّنة من ربّنا -جلّ جلاله وتعالى في علاه- لا يمكن أن نطيع فردا ولا جماعة ولا صغارًا ولا كِبارا ولا دولًا ولا شعوبا في مخالفة أمر الذي خلق، وبيده الأمر، وإليه المرجع والمصير؛ الله خالقنا ونُنفّذ أمره في الحياة، وسعادتنا في ذلك وشرفنا في ذلك وكرامتنا في ذلك وكل ما خالفنا مردود مرفوض تحت أرجلنا لا قيمة له، صادرًا من أيّ جهة من عند أيّ أحد.

(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)، واضح الوحي والتنزيل، (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37))، يقول الله: إن صدَّقتم أحدا من أعدائي واتّبعتموهم وخالفتم سُنن نَبِيِّي وما أرسلتُ به إليكم، فمَن يعصمكم مني؟ كيف وأولئك الأعداء تحت قهري وإرادتي؟ وقد مَنَعتهم لذّة الطمأنينة القلبية وهم في الدنيا، فلا طمأنينة لهم؛ ويفشلون في عامّة مسارهم في الحياة ثم تتّبعونهم، تُخالفون أمري!!! فمَن يقيكم مني إذًا؟ ومَن يتولّاكم ليحفظكم من تقديري وممّا جعلتُ لِمَن خالفني؟ مَن يصونكم؟ مَن يحميكم؟ مَن يحرسكم؟

 قال الله تعالى عن الذين تحملهم الحميّة والهوى أن يجادلوا عن قوم عرفوهم في الدنيا: (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) [النساء:109]، الأمر خطير. 

إذًا ثبّت قدمك على اتّباع الله ورسوله، ولا تلتفت يمنة ولا يسرة ولا تبالي بزُعاقٍ ولا صعيد نباح ولا زَمْجَرة، لا من قريب ولا من بعيد:

  • (قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي) [الأنعام:57].
  • (وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ) [الأحقاف:23].
  • قال: (عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف:108].
  • (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [آل عمران:20].

إذًا وجب الاستمساك بحُكم الله، وحُكم رسوله في أنفسنا وأهلينا وديارنا ومَآكِلنا ومشاربنا ومطاعمنا وملابسنا وتجاراتنا وزراعاتنا وصناعاتنا وحيث ما كنّا وأين ما كنّا؛ فالحكم لله العلي الكبير ولنا الشرف أن نستضيء بنور الله؛ ولذا كان: "من يُرِد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين"، يَعلم حكم الله ويَعمل به؛ وجاء في رواية: "يُفقِّهه في الدين ويُلهمه رشده"، العمل بما جاء عن الله ورسوله.

 (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ)، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية:18-19]، اللّهمّ اجْعلنا من المتقين، يجب أن نتشرّف ونعتزّ بشريعة الله، ونحسن القيامَ بحقّها وتطبيقها في أنفسنا وأهلينا ومَن حوالينا، ونَبشر أنّ الله معنا وهو ناصرنا جلّ جلاله -وتعالى في علاه- وإليه مرجعنا والحكم له.

 

  تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38))

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ)؛ فشرّفَ الله الأرض وشرّف بني الإنسان: 

  • بمئة ألف وأربع عشرين ألف نبيّ بعثهم على ظهر الأرض أو يزيد.
  • وفيهم ثلاثمائة وخمسة عشر من الرّسل أو يزيدون؛ (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) [غافر:78].

شرّف الله الأرض بهم، وشرّف البشرية بهم، عليهم صلوات الله، وما يمكن نيل حقائق السعادة في الدارين إلا عبر هؤلاء الأنبياء، لا عبر المفكّرين ولا المخترعين ولا الصانعين ولا المُغْترّين بأسلحة الدّمار الشامل ولا أهل الطائرات بدون طيّار، ما يمكن عَبْرَهم تُكتسب السعادة، ما يمكن. 

إن الله لم يخلق السعادة هناك ولم يجعل بابها ذاك، باب السعادة أنبياؤه ورسله، بهم تنالُ حقائق السعادة وباتّباعهم، فإذا بُعثوا بعد مرقد النفخة الأولى -النفخة الأولى بها صعقة، يصعق من في السماوات والأرض يسمون هذه الصعقة مرقد- فإذا قاموا فإذا هم من الأجداث من القبر؛ (فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ)، من القبر، (إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) -فَتُناديهم الملائكة- (هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:51-52]، الصّادق هم الرسل؛ لا أيّ منظمة، ولا أيّ مؤسسة، ولا أيّ هيئة، ولا أيّ حكومة ولا أيّ وزارة، (صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ). 

الرّسل الصدق عندهم، الرسل جاءوا بالصدق؛ (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ۚ ذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) -بلى- (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ)،  كل ساعة يخوّفونك بِحرب، ساعة يخوّفونك بكورونا، وساعة يأتون بِجيل رابع، وساعة يخوّفونك بالفقر، وساعة يخوّفونك بالمرض، (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الزمر:33-36].

(وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) [الشعراء:79-81] -مَن عنده الإماتة والحياة، والمرض والصحة؛ من عنده وحده، العافية والمرض من عنده- (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) جلّ جلاله؛ فهذه ملة إبراهيم وهذا دين محمد ﷺ، ثبّتنا الله عليه. 

يقول: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)؛ فلا يأتي أحد من هؤلاء المتقوّلين يقول: هذا نبيكم عنده نساء وتزوّج نساء كثير، مشغول بالنساء، قل: لا، جميع المباحات في عالم الدنيا يأخذ الأنبياء منها، ثم أتباعهم، على حسب مراتبهم في الاتّباع، وما يقصدون به إلا وجه الله، ويستخدمونه استخدام مَن يتقرب إلى الله -تبارك وتعالى- وليس اسْتخدام الناس للمباحات بدرجة واحدة.. 

  • وفي الأولياء فضلًا عن الأنبياء، مَن لا يتحرك حركة ولا سكونًا إلا كُتِبَت في ميزان حسناته حتى أكله وشربه ونومه، قال نبينا: "أَوَفِي بِضْع أحدكم صدقة، أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ أرأيتم لو وضعها في الحرام ألا يكون عليه وِزٔر؟ قالوا: بلى، قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
  • في الأولياء مَن لا يصدر منه حركة إلا وهو مثاب عليها، ولا سكون إلا هو مثاب عليه، ولا كلمة إلا وهو مثاب عليها، ولا سكوت إلا هو مثاب عليه، فكيف بالأنبياء؟ 

ويأتي كثير من أهل الباطل ويريدون أن يَصِمُوا أحدًا من أهل الحقّ بشيء من المباحات ويقيسونه على غيره من أهل الضلالات في الإرادة أو في النية أو في المقصد وشتّان ما بين الفريقين.

 (وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)؛ ما أنزلنا ملائكة، ولا جعلناهم إلا من جنس البشر، ولا جعلناهم مترهّبين لا أزواج لهم ولا أولاد، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) وهكذا في إعطاء الله الخصوصيات أعلاها للأنبياء؛ النّبوة والرسالة، كذلك بقية الخصوصيات في الوِلاية والقُرب منه والمعرفة به والتمكّن في الحق، تعْطى هذه الخصوصيات لمن شاء الله -جلّ جلاله- مع جريان الأعراض البشرية عليهم؛ فلا تُخدع، ويكون مجرى هذه الشؤون الحسّيّة الماديّة على أحد من أهل الخصوصية حائلة بينك وبين رؤية الخصوصية؛ فلا تستفيد منها ولا تنتفع أقلّ الدرجات، وربّما تصاب بانْتقاد أو اعْتراض تخسر بسببه، ويفسد عليك شأنك بينك وبين الله: 

  • فيكون من أرباب هذه الخصوصيات غنيّ وفقير. 
  • ويكون من أرباب هذه الخصوصيات نحيل الجسد وسمين الجسد. 
  • ويكون من أهل هذه الخصوصيات صحيح كثير الصحة، ومريض يكثر مرضه. 

فلا يمكن أن يشغلك شيء من هذه العوارض البشرية عن شهود الخصوصية؛ فإنّ الكفار، من أعظم ما حجبهم عن معرفة الحقّ ووصولهم إلى الله، أن شهدوا البشرية في أنبيائهم و(قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا) [يس:15]، قال الله: وهل نحن أنزلنا من السماء ملائكة ــ-أنبياء للناس- وإلا أرسلت أنبياء من عهد آدم وأنا أرسل أنبياء بشر، كلهم بشر، والآن لما جاء خاتمهم ستقولون: لماذا هو بشر؟! (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا * قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا) [الإسراء:94-95]، لكن أنتم بشر، نرسل إليكم بشر. 

وهكذا فتجدُ فيهم مَن لا يستطيع أن يتجاوز تقدير الماضين من الأنبياء والرسل، لكن النبي الذي في وقته وزمانه يقول بشر، نقول له والذين قبله أليسوا بشر؟ الذي في وقته وزمانه عنده زوجة، والذي قبله ماعندهم زوجة؟ الذي في وقته وزمانه عندهم أولاد، والذين من قبلهم ماعندهم أولاد؟ كلهم أمثال هذه الأشياء: 

  • فيهم مَن نازلته أمراض شديدة كسيدنا أيوب. 
  • فيهم مَن كان ملكًا ونبي كسيدنا سليمان عليه السلام، ملك وهو نبيّ من الأنبياء. 

فما ينبغي أن تقول كيف؟ هذا ملك ونبي؟ لا، هو نبي مستحيل ان يكون ملك!! 

لا تمنعك البشريات عن شهود الخصوصيات: 

  • فإن الخصوصيات يعطيها ربك؛ يعطيها جمادات، يعطيها نباتات، يعطيها حيوانات، يعطيها بشر. 
  • ولكن خصوصيات البشر أكبر من خصوصيات الجماد في علاجه لمرض في إذهابٍ لتشويه لون مثلا. 

في العلاج الجراحي من ذلك الموجود، تقول: 

  • هذه شجرة من الشجر، شجرة من الشجر، وبعد ذلك! فيها خصوصية تعالج. 
  • وهذا بشر من البشر فيه خصوصية: ينّور، يطهّر، يقرّب، يهدي إلى سواء السبيل، ينّور بنور الله -تبارك وتعالى-. 

تستجيب إلى شيء من شؤون البشرية وتحجبك عن خصوصيات، أهل الخصائص كلّهم لهم العوارض البشرية التي لا تقدح في مراتبهم العلية. 

واعْلم.. 

  • أنّ أهل الشر مولّعون بسوء الظن، واحْذر أن يسحبوك معهم إلى هذا الميدان، وتسيء الظّن بالأخيار. 
  • ومَن جالس الأشرار خُذِلَ إلى سوء الظن بالأخيار، وأيّ أحد يعلمك سوء الظن في أحد؛ هذه علامة الشر فيه موجودة -هذا واحد من الأشرار- لأن مجالسة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار. 

وكنا عرفنا أخيارًا، والتاريخ متوفر فيه عدد منهم، يعلّمونك حسن الظن حتى في الأشرار، لا يعلّمونك سوء الظن في أحد -سبحان الله- وأدب مع الرب واسع كبير، وهكذا رأيناهم، وهكذا قرأنا سيرة محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

لكن الأشرار مولّعين بسوء الظن، يقول: لا تصدق، هذا أمامك كذا يبسبس، هذا خبيث، هذا قصده كذا. وكأنه مطّلع على القلوب وحاكم على خلق الله، اذْهب صلِّح قلبك أنت، وقصدك أنت وإذا لم تحسن الظن فلا تسيء، اسْلَم مما تخاطب عليه يوم القيامة، فكم بسبب سوء الظنون فاتت مواهب بل وقعت مصائب، وكم بحسن الظنون دُفِعت بلايا ونِيلت مزايا. 

فكم بحسن الظنِ من إمْدادِ *** قد ناله َمن كان ذا اعتقادي 

في خاملٍ إمام حقٍّ هادي ***  يرونه النّاس من الجهّالِ 

يظن الناس أنه من الجهال وهو إمام حق هادي بإذن الله تعالى وهذا بحسن الظن ارْتقى به، والآخرين فات عليهم؛ "إنَّ اللهَ حرَّم من المسلمِ دمَه ومالَه وأن يُظنَّ به ظنُّ السَّوْءِ"، لا تظن ظن سوء بالمسلمين. 

وهكذا كم تحوَّل من مترقّين إلى مُبعدين كانوا يحسنون الظن فترقّوا، فجالسوا أشرارًا فأساءوا ظنونهم فهبطوا وسقطوا. 

يقول: (وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)؛ الأعراض البشرية تلحق أرباب الخصائص فلا تنقص من خصائصهم شيء، يرضى ويغضب، ويفرح ويحزن، ويمرض ويصحّ، ويجوع ويشبع ويأكل الطعام ويدخل الخلاء؛ وهو صدّيق وهو مقرّب وهو محبوب -مُمكن- أبوه شقيّ كافر -ممكن- ليس لها دخل الأعراض البشرية هذه. 

فانْظر إلى الخصوصيات وأحسن الظن بالرب والبريّات، واسْتفد من ذلك خير الاستفادات:

  • فإنّ صاحب حسن الظن مصيب ولو أخطأ.
  • وإنّ صاحب سوء الظن مخطئ ولو أصاب. 
  • فإن صاحب حسن الظن لو أخطأ أمدَّهُ الله وأثابهُ وأعطاهُ مواهب بسبب حسن ظنه، وإن كان فيمن لا يستحقّ حسن الظن. 
  • وإنّ صاحب سوء الظن يفوته الخير والمدد، ويحرم كثيرًا من الخير، وقد يعاقب ويحاسب على سوء ظنه، ولو كان في محلّه، فما فاته كثير، (قَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) [الفرقان:7].

(وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً)، ثم يقولون كل ساعة؛ هات لنا آية كذا! أَهِيَ لعبة آيات الله تعالى؟ 

ويكفي دلالات وعلامات للصّالح والتّقيّ وللنّبيّ، آية واحدة وعلامة يظهرها الله؛ إمّا معجزة لنبيّ أو كرامة لِوَلِيّ وأعظم الكرامة الاستقامة، كفى؛ يقولون: لا، هات لنا كذا وآية كذا، كأنّ الوليّ الفلاني كذا، كأن النبي الفلاني كذا، لابد تأتي بكذا، لابد تعمل لنا كذا. 

قال الله: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)؛ معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء بإذن الله: 

  • كما أنّ اسْتدراج الكفار والأشرار أو إهانتهم بإذن الله، قال الله في السّحرة: (وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة:102]. 
  • وكذلك نظرات الصالحين والأولياء، والآيات التي يبرزها الله، الأمر له وهو ملك الملوك ليس بالتّشهّي ولا بإرادة الوَلِيّ ولا أتباع الوَلِيّ ولا أعداء الوَلِيّ ولا بإرادة النبي مستقلّة، ولا بأتباع النبي ولا بأعداء النبي، بل من عنده تعالى. 

ويقول: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)؛ ما أَذِنتُ لهم، ورأيت في حكمتي أن أُبرزه، أبرزته على أيديهم، فما الكون مخلوق عَبث والمكوّن فوق كونه، ولا تقوم آياته تحت تشهِّي جماعة أو أفراد، ولقد آتى الناس من الآيات ما يكفيهم؛ (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165]. 

(وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38))؛ تقدير وحُكْم، لأجَلَ كل شيء، لوقت كل شيء، بداية ونهاية، (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) لا اجْتماع ولا افْتراق، ولا كلام ولا سكوت، ولا ظمأ ولا ريّ، ولا شبع ولا جوع، ولا حركة ولا سكون؛ إلا مقدّرة بوقتها وكيفيتها كما سبق في الأزل، كل شيء في وقته يظهر، كنا نسمع العوامّ لمجالستهم للعلماء والصالحين كل شيء؛ مرهون بوقته، يقولون: "كل شيء مرهون بحلّهِ"، كل شيء له وقته، سيأتي فيه، وسلِّم للمقدِّر الأقدار -جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 

 تفسير قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39))

(لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)، في قراءة (وَيُثَبِّتُ). (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)؛ يُقرِّب يُبعِّد، يسعد يشقي، يعطي يمنع، يرفع يخفض، يحي يميت، يُمرض يَشفي. 

(يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) -الله أكبر- (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)؛ من جملة ذلك أن يكون فيما يُوحِيه إلى الملائكة أو يُكتب في صحفهم عن حال فلان كذا وكذا، وفي عِلْم الله أن هذا منوطٌ بسبب -إذا وجد يتغير إلى كذا كذا- فهو أصلا موجود عنده، فيكون المحو بالنسبة لما في صحف الملائكة و لعلمهم؛ لأنه لا يحيط بالعلم من كل جانب بكل وجوهه إلا الله؛ (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) [البقرة:255] جلَّ جلاله وتعالى في علاه.

 فلذلك قد يأتي في صحف الملائكة أنّ فلان عمره خمسين سنة، قد علِم الله أنه سيصل من أرحامه وَسَيتصدّق على الفقراء ما يجعل به -سبحانه وتعالى- عمره تسعين سنة، فهم يرون في الصحف قبل أن تصل الصّدقات، يصدر ما قد علِمه الله وقد رتّبه في أم الكتاب، فإذا به يتحوّل من خمسين ويصبح تسعين، هذا بالنسبة لما في صحف الملائكة، وفي مختلف الأحوال: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)، جلّ جلالة؛ يظهر أحد بمظهر السعادة وهو عند الله شقيّ، فيظنّه الناس أنه سعيد، وقال له: قد يكون بعض الملائكة يظنّونه سعيد، ثم يصير الأمر وقد سبق في علم الله أنه شقيّ.

(يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39))، أصل الكتاب الذي يَصدُر عنه جميع ما يُكتب عنده، 

  • قيل له اللوح المحفوظ، وقيل كتاب مخصوص. 
  • والراجح أنه أصل الكتاب عِلْم الله. 

فعِلمه الأزلي هو عنده، و(قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12] -جلّ جلاله- لا يتبدّل ولا يتغيّر: 

  • لكن بالنسبة لمعلومات الملائكة، بالنسبة لما في الصحف، بالنسبة لأحوال الخلق يتوقّعون كذا و يحصل كذا. 
  • لكن بالنسبة لعلم الله قد رتّبه وقدّره بذرّاته وكيفيّاته لا يتجاوز منها شيء، ولا يزيد شيء ولا ينقص شيء؛
    • ولمّا يُحدّثنا ﷺ عما سبق في علم الله، يقول: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف:34]. 
    • ولمّا يُحدثنا عما يظهر في علم الخلائق يقول: (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ) [فاطر:11]، عجيب! فينقُص من العمر ويزيد. 

(لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف:34]؛ وهذا بالنسبة لما في علم الله، تلك الساعة هي هي، لكن بالنسبة لمقتضيات علم البشر وواقع الحال، قد يكون فيها أمر يتغيّر إلى أمر ثاني؛ (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)؛ فهو الحَكَم الذي يقضي بالحقّ ما يشاء (فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) [البروج:16].

(يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39))، علمه الأزلي الذي أحاط بكل شيء، قال: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء:11]، وما مقدار علوم الخلائق؟

  • قال سيدنا الخِضر لسيدنا موسى -وقد وقف على حَرْف السفينة طائر فَنَقَرَ ذاك الطائر أو العصفور بمنقاره في البحر-: "يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا بمقدار ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر" يعني ما نقص شيء، عسى ما ذهب نصف البحر! ماذا حصل؟ ليس له أثر. 
  • فكذلك علوم الخلائق بالنسبة لله لا شيء؛ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]، فيا ربّ علِّمنا ما ينفعنا وخُصّنا من العلم اللّدني ما أنت أهله.

 يقول: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39))، (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) [يونس:46]؛ نُظْهِر الآيات، لإن الآيات لها أوقات، وقت النّصر محدّد بأجل، وهزيمة الكفار بأصْنافهم في أيّ وقت كان في أيّ مكان، محدّد بوقت محصور مخصوص معيّن، وبحال مخصوص لابد أن  يأتي، نصر الأنبياء والرّسل، نصر المؤمنين محدّد معيّن بوقت مخصوص في علم الله ولابد أن يأتي؛ ولكن الغاية والنهاية هذه لا تتغيّر. 

ويقول: سواء أظهرنا هذه الآيات وأنت على ظهر الدنيا وأرَيْناك بعض الذين نَعِدهم من النّقمة بهم وهزيمتهم، أو أخّرنا ذلك أو بعضه حتى تتوفّى، فالأمر ما يختلف؛ (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) -أنت عليك تبلّغ- (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد:40]، ومرجعكم إلينا، والحكم بعد ذلك كلٌّ يأخذ نصيبه كما أرسلناك وكما أخْبرناك: 

  • لاشئ يتقدّم ولا يتأخّر، ولا هناك عَجَلة أن يظهر شئ ولا أن يتأخّر شئ. 
  • بل كل شيء مرهون بوقته كما أراد الحق تبارك وتعالى.

جلس بعض الأصفياء من ذريّته ﷺ مع بعض الأولياء، فقال أحد الأولياء: أني أحبّ أن لا يطول عمري. لماذا؟ قال: حتى لا تكثر سيئاتي وذنوبي. قال الثاني: وأنا أحب أن يطول عمري. قال: لم؟  قال: لتكثر حسناتي. فقال للثالث: وأنت؟. قال: لا أحب طول ولا قصر، الذي يحبه لي أنا أحبه. قالوا: هذا أعظم، هذا أعظم وأعرف بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم أن الحق يُحاط علمه بكل شيء، وهو ليس له اختيار، اختيار الله له هو الخير. قال أنا قد فوّضت أمري إليه والّذي يختاره هو أنا أختاره، الذي يحبّه لي أنا أحبه، سواء قِصَر أو طُول، كله سواء؛ القصد رضاه -جلَّ جلاله وتعالى في علاه، الله لا إله إلا الله- وهكذا. 

(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) [الرعد:40]؛ وهكذا مهمّة النبيين وأْتباعهم، بلاغ عن الله والحساب على الله، منهُ في عالم الدنيا ما يكفي موعظة لكل عاقل، وكماله في عالم العُقْبى:

  • (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]. 
  • (يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ) [القيامة:10-15]، الكل يعتذر يوم القيامة. 

انْظر الى الموجودين في عصرنا من الملحدين، من الذين لا دين لهم، من أصحاب الأديان الباطلة، كلّهم سيعتذرون عند الموت. اليوم سيعتذرون، ما ينفع؛ (يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [غافر:52]، وكلهم سيؤمنون بهذا القرآن وبما جاء به محمد، كلهم سَيؤمنون لكن بعد إنتهاء الفرصة، ما يقبل منهم الإيمان، كما قال في الأمم السابقة: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) [غافر:84-85].

فالحمد لله على نعمة الإسلام، يا ربّ زدنا من الإسلام، الحمد لله على نعمة الإيمان يا رب زدنا من الإيمان، الحمد لله على نعمة العافية يا ربّ زدنا من العافية، الحمد لله على نعمة العمر، اللهم بارك لنا في أعمارنا، واجْعل مُرادك فينا خيرًا، اسْلك بنا سبيلًا تحبها وترضاها، سرا وجهرًا، وارْبطنا بنبيك محمد ربطا لا ينحلّ باطنا وظاهرا، اللّهمّ فرِّج كروب المسلمين وادْفع البلاء عن المؤمنين، واجْمع شمل المسلمين وألِّف ذات بينهم، واجْعلنا في خَيْرهم لهم، وأَنْفَعِهم لهم، وأبْرَكِهم عليهم في لطفٍ وعافية.

بسر الفاتحة 

الى حضرة النبي محمد، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله

الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

03 جمادى الأول 1443

تاريخ النشر الميلادي

07 ديسمبر 2021

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام