تفسير سورة الرعد - 11 - من قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ..)، الآية: 31
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الرعد، من قوله تعالى:
﷽
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34))
من أبرز ما جاء في الدرس:
- سنن الله في الكون وتقسيم خوارق العادات:
- سبب نزول الآية: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) وتفسير معانيها.
- نقد النظرة المادية والافتخار بالحضارة الحديثة.
- شرف كنز الإيمان وعظم قدره.
- السنن الإلهية في الأمم (الإملاء والاستدراج):
- الفرق بين ابتلاء المؤمن وابتلاء الكافر.
- الشواهد التاريخية: قصة فتح مكة ونقض قريش للعهد.
- بركة الوقت وتيسيره لأولياء الله (قصة داود عليه السلام).
- المكر الإلهي وحتمية العاقبة:
- بطلان الشرك وانعكاس المكر الإلهي.
- حتمية عذاب الآخرة وشدته.
- فتنة الدجال وثبات أهل الإيمان.
نص الدرس:
الحمد لله، مُكرِمنا بأنوار تَنزيله، على قلب رسوله، خاتم أنبيائه، خير مُعربٍ عن أحكامِه وأنبائه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وكَرِّم على من يَسَّرتَ بِلسانه القُرآن، وأكرمتنا على يده بالتوضيحِ والبيان، وعلى آله المُطَهرين عن الأدران، وأصحابه الغُرِّ الأعيان، وعلى من والاهم فيك واتبعهم بإحسان، وعلى آبائِه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من رَفَعتَ لهم القدرَ والمنزِلةَ والشأن، وعلى آلهم وصَحبِهم وأتباعهم والمَلائِكة المُقَرَّبين، وجَميعِ عِبادِك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
أما بعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31))
فإنَّنا في نِعمَة تَأمُّلنا لِكَلام ربنا -جلّ جلاله- وتَدبُّرنا لتعاليمه وإرشاداته وخِطاباته وتَوجيهاته وبَياناته وأوامرِه ونواهيه، مررنا على قوله جلّ جلاله وتعالى في علاه: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ۗ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)).
يُبيِّن الحق- تبارك وتعالى- لنا:
- عَظَمَةَ هذا القُرآن، وأن حُدوثَ الآيات والمُعجزات وخَوارقُ العادات إنما هو مربوطٌ بِحِكمَتهِ سبحانه وتعالى، وليسَ أمراً يمشي على التمنِّي وعلى التشهِّي وعلى إرادات الخَلق.
- فإن الخالقَ المُكَوِّن رَتَّبَ نَواميس ورَتَّبَ أسبابٍ ومُسَبباتٍ في هذا الوجود، يَجري كل شَيءٍ بِحسب ذلك التقديرِ والتدبيرِ والتسخيرِ والتيسيرِ والتسليطِ من قِبَله -جلّ جلاله- كما يشاء.
- ويَجعلُ -سبحانه وتعالى- أموراً خارجةً عن المُعتادِ وعن شُؤون الأسبابِ؛ إعلاماً بأنه ليست الأسبابُ هي التي تَحكُم الكون ولا هذه النواميس والمُقَدَّرات، ولكن مُقَدِّرٌ مُسَيّرٌ مُسَخِرٌ مُسَلِّطٌ مُقَدِمٌ مُؤخِرٌ يَحكُم فيها، وهو الله جلَّ جلاله.
وبذلك إنّما يأتي مُخالفةُ أمر العادةِ الكونيةِ بأمر المُكوِّن جلّ جلاله:
- إما على سبيل المُعجزة لرسول، لا كما يَتشهَّى ويَتمنَّى أُمَّته وأصحابه، ولكن ما يختارُ الله لهم على يَدِ ذلك الرسول مما تقوم به الحُجَّة وتَتضح به المَحجَّة.
- أو ما يجعلُ على أيدي أوليائه سبحانه وتعالى -أتباع الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- كراماتٍ لَهم
- أو ما يَجعلهُ إرهاصاً لنبيٍ قبل نُزول الوحي عليه وبعثتهِ من خوارقَ للعادات تَظهر لهم.
- أو ما يَجعلهُ -سبحانه وتعالى- مَعونةً لِعموم المُؤمنين.
- أو ما يكونُ بسبب سِحرٍ وشَعوذة.
- أو ما يكون إهانةً وهو ما يحصلُ من خَوارقِ العاداتِ للكفارِ والفُجارِ على ضِد مُرادهم، أو يكون استدراجاً، ما يَحصل لهم على وِفق مُرادِهم من تلك العادات.
فَخوارق العادات لاتتجاوز هذه الأنواع:
- الإرهاص.
- والمُعجزة.
- والكرامة.
- والمَعونة.
- والسِحر.
- والشعوذة.
- والإهانة.
- والاستدراج.
لا شيء غير ذلك في هذه الخوارق. وخَوارقُ العادات أعظمها ما كان للأنبياء إثباتاً لِنبوتِهم وصِدقهم واصطفاء الحقِ لَهم، بإرسالهم ليؤمنَ قَومهم أو لِتَقومَ الحُجةُ على أقوامِهم وأُمَمِهم، فيجعلُ الله لهم معجزاتٍ تَدل على صِدقهم.
ومن جُملَةِ ذلك ما حَصَلَ لِبعضِ الأنبياء من:
- تَسخير الجبالِ للنبي داود: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) [سبأ:10].
- ومما سُخرت الريح لسيدنا سُليمان -عليه السلام- وما طُويت به الأرض بسبب تلكَ الريح.
- وما كان من إحياء الموتى على يد سيدنا عيسى ابن مريم -عليه السلام-:
- وليس المعنى أن يُحيي كل مَيت، ولا كل من أَراد هو أو قومه، ولكن من أذِنَ الله له بإحيائه لتكون حُجَّةً في الوقت المُعَيَّن والمَكان المُعَيَّن؛ أحياهم.
- وبذلك قيلَ أنه لم يحصل منه إحياء الموتى إلا إثنين وقيل واحد وقيل ثلاثة، ولكن قامت حُجَّة بذلك، وكان الدلائل الأخرى من إبراء الأكمه والأبرص أكثر.
عَلِمنا ذلك، يَقولُ الحق -تبارك وتعالى- لو جَعلنا في سُنَتِنا أن ما نُنزِلُ من القُرآن أي الكُتُب المُنزَلة من عِندنا والوحي على الأنبياء تَنخَرِق به العادات بهذا الشكل، لكان القرآن الذي نَزل على خاتَمِهم وسَيدِهم أولى بذلك:
- (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ)، مالت عن مَكانِها أو انحسرت في مَحَلِها أو أُبعِدَت من أصلها.
- (سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ) فَطُويت وانقطعت به المسافات الطويلة.
- (أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ..(31)) أو أُحيُوا، لكان هذا القرآن أولى من جميع تلك الكتب.
ولكن كان بُروزُ أمثالِ هذه المُعجزات على أيدي الأنبياء بأمر الله لا بِسُنَته، في أن الوحي الذي نَزَلَ عليهم يفعل هذه الأشياء، ويَحملُ أيضاً معنى آخر؛ لأن الجوابَ أُبهِمَ في الآية: (وَلَوْ أَنَّ) ما الذي يَحصل؟ وأين الجواب؟
- لكان القرآن أولى بذلك.
- ويكون الجوابُ أيضاً بالمعنى الثاني لو أن الوحي الذي أوحي إليك أو الوحي الذي أوحي على الأنبياء، كان مُسيِّراً للجبال ومُقطِّعاً للأرض وطاوياً لها ومُحيياً للموتى، لما آمن هؤلاء؛ (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الأنعام:111].
إذاً فالإيمانُ مِنَّةٌ ونِعمةٌ ومِنحةٌ ورَحمةٌ وفَضلٌ وإحسانٌ من الله يَمنُّ به على من يَشاء -اللهم اهدنا للإيمان وزِدنا من الإيمان يا أرحم الراحمين-، مع أنه فيما آتى الله خَلقَهُ المُكَلَّفين من سَمعٍ وبَصرٍ، وجَعَل الآيات في الأكوان والمُعجزات على أيدي المُرسَلين؛ كافٍ لأن يَهدي الجميع به، لأن يَهتدي به الجميع، وأن يُرسل للجَميع ولكن لا يُؤمنُ الجَميع ولا يَهتَدي الجميع، و(يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]؛ فأعلى النِعم نِعمة الإيمان.
اللهم حَقِقنا بها وزِدنا منها، اللهم كما أنعمتَ علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعَمتَ علينا بالإيمان فَزِدنا منه، و كما أنعمتَ علينا بالعافية فزدنا منها ،وكما أنعمتَ علينا بالعمرِ فبارك لنا فيه يا الله.
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا..(31)) وكان أيضاً من أسبابِ نُزولِ الآية؛ ما جاءَ أن بعضَ مُشركي قريش دَعوا النبي ﷺ وجاء إليهم وهم في الحِجر، وقالوا إن كنت تُريدنا أن نؤمن بك:
- فَسيِّر لنا هذه الجبال التي في مكة كما سُيِّرت الجِبال لداود.
- افسح لنا حتى تَتَّسع لنا البُقعة ونزرع فيها وتكون لنا فيها أنهار ومزارع، أبعِد الجبال المُحيطة بنا من هنا ومن هناك.
- أو سَخِّرْ لنا الريح نَمشي إلى الشام يوما واحدا بدل الشهر، كما سُخِّرت الريح لسُليمان.
- أو أحيي لنا جَدَّك قُصي أو أحد من الموتى عندنا يُخبِرنا ونَسألهُ عنك وأن ما جئت به حق أو لا .
فأنزل الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ)؛ لكان هذا القُرآنُ أولى بذلك، ولكن ليس هذا مُقتَضى حِكمة الله تعالى في إنزالِ المعجزاتِ وأعطيناكَ من المُعجزاتِ ما يَكفي، ولو كان مثل ذلك لم يُؤمن هؤلاء الذين سَبَقت عليهم الشقاوة -والعياذ بالله تعالى-، فالآياتُ بارزةٌ وواضحةٌ وظاهرةٌ في الوجودِ، لأن يُؤمن كل عاقل على ظَهر الأرض، ويَكفيه ما يُقيمه مَقامَ التصديق الجازم بصدقِ الأنبياء والمُرسَلين وخاتمهم محمد ﷺ، وأن لا إلٰه إلا الله.
ولكن انظر إلى أحوال الناس:
- المشغول بنفسه.
- المشغول بشهواته.
- والذي لا يُبالي بالديانة والإيمان.
- والذي يُحاول أن يُغالط وأن يُخفي الشمس الشارقة وأن يُناقِض الحُجج.
- والذي يدعو إلى كذا وكذا.
الأرض ملآنة بأمثال هؤلاء، ومع ذلك كلها وما بينها وبين السماء حُجَجٌ على صِدق مُحمد ﷺ وما جاء به عن الله -جلّ جلاله- ولكن (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35]، "ومن يَهدِ الله فلا مُضلَ له ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ".
الحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان. اللهم زدنا منهما وثبتنا عليهما يا ارحم الراحمين، وارفعنا إلى مراتب الإحسان وارزقنا المعرفة الخاصة والمحبة الخالِصة، يا واسع الامتنان يا قديم الإحسان، يا كريم يا منان يا رحيم يا رحمٰن، يا الله.
والكُتبُ المُنَزَّلة أيضاً قد تُسمَّى قُرآناً وإن كان انطَلقَ في الاصطلاح على الوحي المُنزل على سيدنا محمد، وكلُ كتابٍ أُنزِلَ على الأنبياء السابقين يُسمَّى قُرآناً..
- كما جاءنا في مسند الإمام أحمد بن حنبل في صحيح الإمام البخاري، أن النبي ﷺ قال: "إن الله يَسّرَ القِراءةَ لداؤود -عليه السلام- إنه كان يأمُرُ بِدابته أن تُسرَج فلا يُكمُل السرج إلا وقد أكمل القُرآن":
- قرأ القرآن كله يعني الزبور المُنزَل عليه وكان الزبور كِتاب كبير، ولكن يقرأهُ مُدَّة ما يؤمر بالدابة أن تُسرج، يَمر عليه كُله.
- وهذا ما يُذكَرُ عن الصالحين والأولياء من القراءة الكثيرة في الوقت اليسير، بِقدرة العلي الكبير.
- يقول ﷺ كما جاء في مسند الإمام محمد وصحيح الإمام البخاري: "أن الله يَسّر القراءة على لِسان داوود فكان يأمر بدابته أن تُسرج فيقرأ القرآن مُدة أن تُسرج الدابة":
- وفي لفظٍ "فلا تُسرَج الدابة حتى يكون قد قرأ القرآن كله"؛ أي ختم الزبور من أوله إلى آخره، مُدَّة ما تُشَدُّ دابته، عليه صلوات الله وعلى نبينا وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ ۗ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ..(31)) يَهدي من يَشاء ويُضل من يشاء:
- ويُحدثُ المعجزة للنبي متى شاء.
- والكرامة للولي متى شاء.
- والاستدراج للخبيث الكافر متى شاء.
فَيُحدث غَرائب على أيدي الكافرين، كما يُحدِث على يَد الدجال:
- أن يَنزِل المَطر مع يَده، ينبت الشجر مع رفع يده، وخوارق للعادات:
- استدراجاً له، لا ينفعهُ شيء.
- استدراجاً له ثم يَنتَهي كل شيء؛ ولا مطر ولا الشجر ولا ينفعه شيء.
- ومآله النار وكل من اتبعه إلى النار -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وهكذا.
وحتى ما يُبهِرُ بعض العقول عندنا من غَرائِب المصنوعات في عُصورنا وأزمِنتنا:
- هو من عُموم ما هُدي إليه الناس لا يصل إلى خَرق العادة.
- ولكنه من جُملة ما قد يكون إستدراجاً، فيكون الاستدراج خَرق العادة.
ويكون من الاستدراج أيضاً:
- حُصول المَطالب والأغراض للإنسان القَصيرة المُؤقَّتة.
- تسخير الأسباب له وتَسيير بَعض الأشياء قد يكون من باب الاستدراج.
وهذا الذي يَحصل على أيدي كذلك بعض الكُفار، قد يكون استدراجًا لمن بَطَرَ منهم بذلك، ولمن تمادى في كُفره بسبب ذلك.
ولكن من أنصفَ منهم أو من غيرهم عَلِم بحدوثِ هذه الأشياء عَظَمة المُلهم والمُعَلِّم والمُرشد الذي أَخرَجَنا من بطون أُمهاتِنا لا نعلم شيئاً وجَعَل لنا السمع والأبصار، سَخَّرَ لنا هذا الكَونَ وما فيه، تَسخيرا -جلَّ جلاله-، فَحَدَثَت هذه الأشياء بإلهامٍ مِنهُ، وبما خَلَقَ لنا من قُدرة وما خَلَقَ لنا من مادة، ولَيسَ أحدٌ صغير ولا كبير يُحدِثُ شَيئاً، يخلق شيئاً من دون القُدرة التي أمَده الله، ومن دون المادة التي خَلقها الله؛ هذا مستحيل، كيف يكون؟!.
ولو فَرضنا جَدلًا وقُلنا سنكتفي بما أعطانا من سَمع وبَصر وقُدرة وحَرَكَة وفِكِر، وهو كُلَّه مَخلوق لله، لكن سننسب هذا لك وسننسى نسبته الى الله، وسنقول لك بهذا الذي عندك: اصنع شيئاً من دون أن تَمَس المَواد التي خَلَقها هو- الثانية الأخرى- هيا! .. هيا اصنع! ماذا يعمل؟ ماذا يعمل؟ سيبحث عن خلق ربه ويضع هذا عند هذا، والكُل من واحد، الكل من فوق، من واحد، فماذا عملوا؟! وماذا صنعوا؟! -لا إلٰه إلا الله-..
ما هي إلا استعمالٌ لما خَلَقَ الله؛ من عَقلٍ ومن فِكرٍ ومن بَصَرٍ ومن مادةٍ، بخصائص الله رتَّبها في تلك المواد وأبرزها وأوجدها على يد هذا وعلى يد هذا -فسبحان الله العلي العظيم، جلّ جلاله-..
- (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات:95-96]؛ ليس شَرط صَنم أو أي شيء ثاني، لأنه بعض الناس وَصَل إلى حَد العبادة لهذه الأشياء والمُخترعات، وقال: العلم تَقَدم، وبعد ذلك؟! نَسيت الرب وإلّا كيف؟! ما هذا العلم في نَظَرَك؟! وما مُنتَهاه؟ وما مُبتدأه؟.
- (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، عملكم هذا مَخلوق له هو، يَدُلكم عليه، لا يَقطَعكُم عنه، يا آدَمِيين يا جِن يا عُقلاء يا سامعين يا مُبصرين، يجب أن يَدُلكم عليه، لا أن يَقطَعكُم عنه -جلّ جلاله-، ولكن سوء استخدام العقول، يوقعهم في هذا التنكر وهذا الجُحود.
قال سبحانه وتعالى: (بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ۗ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا) -يَعلموا ويوقِنوا- (أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) من غير شَك؛ (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [يونس:100]؛ إذاً فاشكُرهُ أن هَداكَ للإيمان؛ (قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات:17].
أيها المؤمن؛ عندك كَنزٌ يَفوقُ صِناعَةَ الصانِعين واختراع المُخترعين وطلوعَ الطالِعينَ إلى قمرٍ أو مَريخ، وهو إيمانٌ بِخالق القَمر والمَريخ وخالقِ السماوات والأرض، يَنفَعك في البَرزخ ويوم العَرض وإلى الأبد، فَوَعِزَّةَ الذي خَلَقَ عِندكَ أعز مما عِندَهُم وأَشرَف وأَكبَر.
أيها المؤمن؛ عَظِّم كَنزَ الإيمان، فإنه لا نَظيرَ له؛ سواء في طائرات ولا في زِراعات ولا في طَبقات الأرض ولا في طَبقات الجو، لا نَظيرَ له، وإنه (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) [التكوير:1-12]، ينفع هذا الإيمان دون بَقية الأشياء هذه كلها. فعندك الأعظم وعندك الأكبر من كل ما عند أهل الحضارات فحافِظ عليه وزِد إيمانا، فهذا أغلى مَوهوبات الله لك في الحياة.
أغلى ما تَكسِبهُ في حياتك:
- أن يزداد إيمانك ويقينك.
- أن تقرب من إلٰهك وخالِقِك.
- أن تعرف الله.
هذا أسنى ما تَكسبهُ في الحياة وأجَل وأجمل وأفضل وأغلى وأدوم وأبقى ما تتحصَّل عليه في الحياة الدنيا هذه؛ الإيمان والمعرفة والمحبة والقُرب من الحق -جلّ جلاله- اللهم أكرمنا بالحظ الوافر والنصيب الكامِل من هذه الخيرات وزدنا منها.
(لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا)، ولكن يَهدي من يَشاء ويُضلُّ من يَشاء، وأحوالُ الناسِ على ظَهر الأرض، كيف يَحيون وكيف يَعيشون؟ (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)):
- (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا) من الكُفرِ والعنادِ والتكذيبِ والبَطَرِ والأَشرِ؛ (قَارِعَةٌ) شؤون تَقرَعُهم؛ تقرع قلوبهم، تُخَوِّفهم وتُحزِنهم وتُرعِبهم:
- أحياناً رياح وأحياناً فيضانات، وأحياناً زلازل.
- وأحياناً مشاكل مع الدولة الفلانية والدولة الفلانية، وأحياناً مشاكل داخلية.
- وأحياناً أمراض وعِلل وكورونا وغير ذلك.
- (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ)، فهات لي تاريخاً لهم يَخلُو عن القَوارع، هات أول .. ثاني، متى؟ الدول القائمة اليوم بِكل أسمائها، هات لي خُلُوَّها عن القَوارع في تاريخها.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) ساعة تأتي لهم القَوارع على أيدي قواتهم ومُخابراتهم، مشكلة مع الدولة الفلانية والدولة الفلانية؛ سيعملون كذا وكذا، يَصِل على يد أتباعهم قارعة تأتي لرأسه هذا قائدهم الكبير، ماذا تقولون؟ حصل هكذا؟! مرحبا سأفكر، قارعة، كل ساعة قارعة..
- (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ) لا إلٰه إلا الله-!..(أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ)، تأتي بِجانبهم هَبَّات تَقرُب مِنهم أو تُفاجِئهم- سبحان الله-.
- (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ) ولماذا الذين كفروا؟ وأمثال بَعض مَظاهر هذه القوارع ألا تُصيب المُؤمنين أيضاً؟
- إذا صابت المُؤمنين لم تورِثهُم جَزعاً ولا هَلعاً ولا قَلقاً، بل (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران :173]، ما يَزدادون بها إلا أجراً، قُرباً، مَعرفةً، إيماناً، مَحَبةً.
- الأشياء الغالية، الأغلى شَيء في الكَسب في الدنيا يأتيهم من خلال هذا، فهذا بالنسبة لهم ليست مصائب؛ ولهذا قالوا: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة:51]، قال: (لَنَا) لم يُعَبِّر بـ"علينا" قال: (لَنَا)؛ لأن كُل ما كَتَبه لنا، وَسَطهُ فوائد، وَسَطهُ مَكاسِب لنا، (إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
لكن الكُفار ماذا يستفيدون من هذا؟ لا يستفيدون إلا خيبة وقَلَقَ في الدنيا وتَنغيص لِعَيشِهم قبل العذاب الأشد المُقبِل عليهم.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ)، في عالَم الدنيا بِنَصرِأهلِ الحق والهُدى، ووَعدُ الله بموتِ أحدِهم أو بمجيء الساعة لجميعهم أو نُزول عذاب عامٍ عليهم، (حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ) وهكذا.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ)؛ أخرجوا النبي ﷺ من مكة المكرمة، فمن حين ما أخرجوه ﷺ، كم تَوالت عَليهم قَوارع:
- ومنها ما نازَلَهم من القَحط والإسنات.
- ومنها ما مَنعَ عليهم الميرة ثُمامة بن أُثال.
- ومنها ما أصابهم يوم بَدر.
- ومنها ما كان بعد ذلك من تخوفهم ومجيئه ﷺ في الحُدَيبية.
وبعد ذلك جاءَ فَتح مكة؛ واحد من مواعيد الله تعالى -جلّ جلاله- وانتهوا؛ (حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ).
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ…(31))، كان من أوآخر القَوارع؛ لما خانوا العَهد وقاموا مع بَني بَكر على خُزاعة، في عَهدِ النبي ﷺ، خُزاعة وهؤلاء بنوبكرٍ في حِلف قُريش وساعدوهم سِرّاً في الليل، وقَتَّلوا جماعة من خُزاعة المؤمنين، ثم فَزعوا أن يَصل الخبر للنبي محمد، صارت قارِعة عليهم، فأرسلوا أباسفيان، يقول له: يا محمد، إننا نُحِب أن نَزيدَ في المُدة ونُجَدد العَهد، حتى إذا بَلغهُ الخَبر، وقد جَدد بَعده ماتَمَكن عليهم، وما قدر منهم أَن يُفاجأهم بشيء ولا أن يُقاتلهم؛ لأنه جاء تَجديد بعد وقوع الحادثة، فَمهما عَلِم بها بَعد، لا يقدر، ويَعلمون أنه لا يَخونهم، لايخون العهد ولا يَنقُض، إن هم إلا ناقِضين العُهود.
بعد ذلك، قال هل من حَدَث؟ قال:لا لا لا، فقط نُحب تَجديِد العُهود، قال إننا على عَهدنا ومُدتنا، نَحنُ على العَهد والمُدة هذه لا نُحب نُزَيّد مُدة، ولا نُجَدد عَهد ولا شيء..
- وذهب إلى عند سيدنا أبوبكر قال له: أنه لا يُراجع رَسول الله في أمره.
- ذهب إلى عند سيدنا عمر، قال: أنا أُكلم لَكُم رسول الله؟! أنا لو لم أجد إلا الشجر والحَجَر لقاتَلتُكم به، اذهبوا.
- وجاء عند سيدنا علي بن أبي طالب قال له: إن رسول الله ﷺ لا يُراجَع في أَمر.
- يا ابنة محمد قولي لابنك هذا -سيدنا الحسن- يُجير بين الناس، قالت ما بَلَغ ابني هذا أن يُجير بالناس -يعني في سِنّهِ هذا- ولا يُجير على رَسول الله أَحد؛ كَبير ولا صَغير.
قال له: أنت سيد قُريش إذهب أَجِر بين الناس، قُل: إني أَجرتُ بين الناس، قال تَراه يُغني عَني؟!، قال: ما أَراه يُغني عَنك ولكن ما معك غير هذا،لا أجد لك غير هذا، قال: أيها الناس إني أَجرتُ بين الناس.
ورَجع إلى مكة وهؤلاء في قارعة، قريش في قارعة، هاه ما الخبر وَراءك ؟ هل جَددت العهد معهم؟ قال كَلمته قال لي: كذا، ورَجَعت إلى أبو بكر قال :كذا، وإلى عمر قال لي: كذا، وجِئتُ إلى أشد القوم علينا، وجِئت إلى علي، بعد ما أَجَرت هذا، قالوا: هل أجازَ محمد إجارتك هذه؟ قال: لا، قالوا: ما زاد ابن أبي طالب على أن لعب بك، ماذا تنفعنا إجارَتُك هذه؟! أنت أَجرت الناس، هل محمد قَبِل هذا منك؟ قال: لا، قالوا: انتهى ماعاد إلا لعب عليك -سيدنا علي-.
قالوا: لعب عليك، ما جِئتَ لنا بفائدة. فصاروا في قارعة، إلى أن وَصَلَ النبي بالجَيش، ورَأوا نيران؛ عَشرةَ ألف نار موقدة، ويَنظُرون!ما هذا؟! إنه جَيشٌ كالليل يَسيلُ كالسيل، ما هذه إلا نيران عَرَفة، أنه موسم حج، هذا الناس اجتمعوا يعني من كَثرَتِهم، قال: ودَخَل سيدنا محمد ﷺ إلى مكة في اليوم الثاني ﷺ.
(وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)):
- فآمِن واصدق واتَبِع واقتَدِ واهتَدِ بِهَدي محمد، ولك الرفعة ولك الشرف ولك الكرامة لا مَحالة، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
- أما مَسارات الإستِخفاف والإستِهزاء والضحك على العقول، واصلة وحاصلة بين الناس، لكن لا يَنبَغي أن يُقلِقَك، ولا أن يَصُدَك عن صِدقِ إقبالِك وقِيامِك بِمُقتَضى الإيمان.
تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32))
قال الله لسيدنا: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ) ونَنتَظِر، والحَقُ الذي لا نَشُكُ فيه مَعَنا، وعلى بَينَةٍ من رَبِنا فيما خَلَّفَ لنا رَسوله!، هل يَضُرُنا أن أُناسًا يَستَخِفون أويَستَهزِئون أويُكذِبون أويُعاندون؟!، هل نَنتَظِر أن لا يكون ذلك، وقد استُهزئ بالرُسل من قَبل؟! لما قيل لبعض الأولياء والصالحين، يقولون عنك أنك ساحر،سَجَدت شُكر لله، قال له: ماذا بك؟! قال: إنه يُشَبهني بأحد أنبياءه، أنا أسجد شُكر لله، وكان الناس يَقولون للأنبياء كذلك، وأنا الآن قالوا لي مِثلما قالوا للأنبياء -الحمد لله-هذا مَسلَك الأنبياء؛ سَجَد شُكراً لله تعالى.
من نَنتَظر؟! ونحن عَلِمنا أن: (لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ..(31))، وَلكنها سَوابق يَهدي هذا ويُضل هذا، هذا مُرادهُ في الوجود ولا يكون غير ما أراد، فَنَحمَده على ما هدانا من الإسلام والإيمان، و نَسأله الثبات على ذلك، وأن نَلقاه عليه وأن يَجعَل مآلنا الجنة، وهو الذي يُسَيِّرنا ويُسَيِّر هؤلاء كلهم، وما في مُلك غيره، على الحقيقة -جلّ جلاله وتعالى في علاه-
قال: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ..(32))، (فَأَمْلَيْتُ)، أعطيتهم فُسحة ومدة، كم استَهزأوا بنوح؟ وتَرَكتهم ليلة، لَيلَتين، ثَلاثةَ، أربعةَ، خَمس، مِئة ليلة، مِئتين ليلة، سنة، سنتين، ثَلاثةَ، أربعةَ، خَمسة، عَشرَ سِنين، عِشرين سنة، ثلاثين، مِئةَ سَنة، مِئَتين سَنة؛ (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا)، وهل يَنفَعهُم هذا الإملاء؟ جَلسوا سِنين يَستَهزِئون بالنبي نوح ويَضرِبونه ويَتَكلمون عليه، وهل نفَعهُم؟.
والمُستَهزِئين الآن بالدين أو بالصالحين في زَمانِنا، هل يَنفَعهُم هذا الإستِهزاء؟ يُملى لهم سنة ،سنتين، ثلاثة، أربعة، قال: أكثر، ثم ماذا؟ والله لن تَكون العاقِبة إلا عِزةُ المُؤمنين والصادِقين، وذِلَة الكافرين والفاسِقين، وتسعمائة وخَمسين سَنة سيدنا نوح صابرا على قومه ويَستَهزئون به، ثم ماذا بعد ذلك؟ (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26]؛ وانتهوا، (ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ).
يقول الله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32))، كيفَ كانَ عِقابي لهم، ومُجازاتي إياهم؟ أُنظر ماذا فعلنا بمن قَبلكم؟ انظروا!! وهذه سُنَتنا، والذين في زَمانكم كذلك، هل هناك شيء آخر؟! هل هناك سُنة أخرى ستأتي؟ هذه سُنة واحدة لله الواحد الخالِق.
تفسير قوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))
(فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ۖ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، خَلَق كُل نَفس وهو أعلم بها ومُحيط بها، أهذا يُشرَك به؟! أيُكفَر به؟ يُتَخَذ آلهة من دونه؟
- (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) أحاطَ بها عِلماً وكَوّنها بِتَكوينه، وخلقها -سبحانه وتعالى- بقدرته؛ كُلُ نَفس؛ إنسان، حيوان، جان.
- (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، تكفرون به! تَعبُدون غَيره! تَتَخِذون آلهة من دونه!هو القائم على كُل نَفس بما كَسَبت، احضروا غيره قائم على كُل نَفس بما كَسَبَت، من؟ لا أحد غيره.
- (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)؛ ما أحد غيره، لا دول، لا مخابرات، لا شعوب، لا أجهزة قائمة على كُلِ نَفس، سبحانه وحده!.
- (مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [هود:56].
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) يُجحَد به؟! يُكَذَّب؟ يُتَخَذ إلٰه دونه؟! -أعوذ بالله-.
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۗ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ)، كيف يكون له شَريك؟! لم يَخلُق ولم يَرزُق ولم يُحط علماً بالأشياء! كيف؟! (لَا شَرِيكَ لَهُ) [الأنعام:163]:
(قُلْ سَمُّوهُمْ) ما يُسمونه؟! ما هو هذا؟ تَدَّعون له الألوهية! ما هو هذا؟ اختراعاتكم يُناقِض بَعضها بعضًا من وقت إلى وقت، هل هذه آلهة هذه؟! هي خالقة شيء هذه؟ هل هي مالِكة نَواصي الدواب هذه؟ من مالك نَواصي الدواب؟ من الذي خَلق كُل نَفس وأحاط بها؟ لا أحد غَيره هذا الإله.
(قُلْ سَمُّوهُمْ)، يعني لا يستحقون أن يُذكَروا، ليس لهم أسماء، وإن سَميت ما سَميت ماذا يَنفَع؟ سمِّه؛ ولو كان هذا الأبيض سمّيته أصفر سمّيتهُ أسود سميتهُ أزرق سَمه، هو أبيض أبيض إسمك لا ينفع. قولوا: آلهة؛ ما غَيرتُم شيء، مَخلوقات وكائِنات، فوقها مُقَدر مُدَبر خالق كل شيء، لا شيء يَتَغير في الوجود؛ فالحق- لا إلٰه إلا الله-، هذا هو الحقُ الصريح الصِّرف الواضح -لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله-.
(قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ…(33))، أو أنتم ستخبرونه عن آلهه هو ما عَلِمها، سُبحانه الخالق الذي خَلق مُحيط بكل شيء، هو لا يدري؟!! أنتم ستعلمونه، ستقولون له: اذهب ابحث هل في إلٰه غَيرَك؟! أيُعقَل هذا؟
- (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ)، وهو خالقُ الأرض وخالقكم على الأرض، ومُسَخر لكم الأرض ومُمَهد لكم الأرض- جلّ جلاله-:
- أنتم ستنبئونه بشيء في الأرض هو لا يعلمه؟! لأن آلهتهم في الأرض هم.
- (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ)، يعلم ما في الأرض وفي السماء وفي كل شيء، (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) [الأنعام:3].
- (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ)، يعني كلام مستحيل لا يدخل في العقل أصلاً.
(أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ) مُجَرد كَلام فقط، ما له حقيقة، ما له واقع، ماذا يفيد؟ ماذا يفيد؟
- واحد صحيح وقوي الصحة؛ تقول عنه: مريض مريض مريض مريض، حتى ألف مرة قلت عنه: مريض وهو صحيح.
- واحد مريض قلت عنه: صحيح صحيح صحيح صحيح صحيح، قُل الى أن تشبع، هو مريض مريض.
القول: (بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ)، ما ينفع شيء، كأكثر ما يَدور بينهم الآن: (بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ)، لا يُغَيِّر من الحقيقة شيء. الحقيقة هي الحقيقة، الحقيقة: لا إلٰه إلا الله محمد رسول الله؛ هذه الحقيقة يَنطِق بها كُل كائِن بِمعناه وإن جَحد بظاهره الإنس والجن، غير الإنس والجن، لا أحد جاحد غير الكفار من الإنس والجن، لا أحد جاحد، الشجر الحجر السماء الأرض؛ كلها ناطقة بتوحيد ربها وشاهِدة بِعَظمته جلّ جلاله:
- (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) [ الحج:18].
- (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [الإسراء:44].
يقول: (قُلْ سَمُّوهُمْ ۚ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ ۗ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ)، مَكرُهم بأنفُسهم ومَكرُهم على من سِواهم، فهم يَمكُرون، (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ) [الأنعام:123]:
- وَزُيّن لهم ذلك، خَذَلهم الحق جلّ جلاله لما:
- انصَرَفوا عنه وعن آياته.
- وارتضوا لأنفسهم الجحود والمُغالبة.
- زَيّن لهم القَبيح والخَبيث والمَكر: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ).
فقامت سياساتُهم على المَكر، (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ)؛ ولذا تَقوم كَثير من أنظِمَتهُم وسِياساتهم على المَكر، ويَفرَحون ويَظنون أنَفسهم أنهم نَجَحوا أو رَبِحوا؛ وما نَجَحوا ولا رَبِحوا:
- (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30].
- (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام:123].
يقول الله لنبيه صلى الله وسلم عليه وعلى آله؛ فيما يُحاول المُشرِكون من حوله أن يُنزِلوه به، أو أن يُوصِلوه إليه، يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ) -لا إلٰه إلا الله-، هم يَضُرون أنفسهم يقول-جل جلاله وتعالى في علاه- (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء:113]، ونحن أتباعه هذا، أتباعه فتسري لنا عِنايةُ الله بالمَتبوع. فثبِّتنا اللهم على اتباعهِ وعلى دربه واجعلنا من أنصاره حَقيقة.
ومن كان كذلك:
- لن يضرونه شيء.
- ويأتيه الفَيضُ والخيرُ مما أنزله الله من الكتاب و الحِكمة ومما عَلَّمَهُ ما لم يكن يَعلم.
- ويَصِلهُ نَسيمٌ من الفَضلِ العَظيم (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء:113] ﷺ.
ارزقنا حُسنَ اتِّباعه يا رب.
(وَصَدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)، في قِرآءة وفي قِرآءة: (وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)، (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ)، (وَصُدُّوا)؛ والكُل واقع بهم، هُم صُدوا عن السبيل -والعياذ بالله تعالى- بِتَغليبِهم أهواءهُم وشَهواتهم على الحق الصريح، وَصَدَّوا غيرهم بِكَذبهم وافترائهم ودعوتهم إلى الفساد.
(وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))، رب إِنَّ الهُدى هُدَاكُ وَآيَاتُكَ نُورٌ تَهَدِي بِهَا مَن تَشَاءُ. اللَّهُمَّ اهدِنا فِي مَنَ هَدَيْتٍ. يقول ربنا في الحديث القدسي "يا عبادي؛ كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم"، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة:6-7].
تفسير قوله تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34))
(وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33))؛ الخُلاصة لأحوال وشؤون الكُفار على ظهر الأرض في أي زمن كانوا؛ زَمننا وقبل زمننا وبعد زمننا:
- (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (34))؛ لا أحد يحميهم ويقيهم من الله ويَحجزهم عن الله تعالى وعن قدرته؛ لا صناعة ولا زراعة ولا أسلحة ولا طائرات ولا عُقول ولا إنس ولا جن.
- (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ) وأشد وآلم وأوجع وأكثر إهانة، والعذاب الذي أشق: أشق من جِهة حَجمه، من جِهة تَنوعه، من جِهة دَوامه واستمراره، من جهة عدم وجود أي تَرَوُّحٍ معه، ليس مثل عذاب الدنيا، عذاب الدنيا تَجِد تَرَوُّح من هنا وتَنَفُّس من هنا ومن هناك، لا يدوم عذاب الدنيا وذلك يدوم فهو أشق.
(لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (34))؛ لا أحد يَقيهم ولا يَحرُسهم من الله تعالى، (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ ) [الأنبياء:42] من؟
- (وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)؛ لا أحد يَقيهم غَضَبَ الله وسَطوته وعَذابه إذا أنزلهُ بهم.
- (وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ) لا أفراد ولا جماعات ولا أحزاب ولا دول ولا شعوب ولا إنس ولا جن.
- (وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ)؛ لا أحد يَمنَعهم من الله، (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا)؟ [الأنبياء:43].
يقول الحق- جلّ جلاله- هل لهم آلهة تَمنَعهم من دون الله؟! الله أكبر! لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، جل جلاله وتعالى في علاه.
يقول سبحانه وتعالى: (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم) -يَحميكُم ويَحرُسكم- (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ ۗ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ۚ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ) ، (وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ)، ما نَصحَبهُم بِلُطف ولا بِتَأييد ولا بِحِفظ ولا بِوِقاية؛ (بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الأنبياء:42-44]؛ (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة:21]، (وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة:56].
فيجب على أهل الصدق في شَرقِ الأرض وغربها أن:
- يَثِقوا بالله.
- وأن يَزدادوا إيماناً بالله.
- وأن يَتَيَقنوا أن العاقبةَ لهم وأن الغايةَ لهم.
- وأن لا يَكتَرِثوا بِكُلِ الترَّهاتِ والبَطالاتِ والإرعابِ والتخويفِ والتحدي والتصدي من قِبَل أهل الشرق ولا من قِبَل أهل الغَرب.
- وأن يُعرِضوا عن الجاهلين ويُعرِضوا عما يَقولون وعما يخططون.
- ويستقيمون على ما أحب الله منهم وليُبشِروا.
- وليَحذَروا أن:
- يَطلبوا نَصراً من غير الله.
- يَطلبوا تَمكيناً من غير الله!
- يَطلبوا أمناً من غير الله!
- يَطلبوا صلاحاً من غير الله!
وإذا طَلبوه من الله:
- فما لهم في تَحصيله إلا الأسباب التي شَرَعَها وأَحَبها فقط.
- وربُ السماواتِ والأرضِ يُسَيِّرها كما يَشاء لن تَتَخَلفَ سُنَته، وهكذا.
ويقول آخر من يَقتُلهم الدجال -الفِتنة الكبيرة- أكبر الفِتن بين بِعثة نَبينا إلى أن تقومَ الساعة، فِتنة الدجال ومع ذلك تَتَلاشى فِتنَتهُ، وآخر من يقتلهم الدجال، هو من أكبر الشُهداء عند الله تبارك وتعالى، ويقول قبل أن يَقتله: "أثبتوا فإنه لن يُسَلَّط على أحدٍ بَعدي"، ويَشقه نِصفين ويَمشي بنصفيه ويَرُده ويُحييه الله تعالى استدراجاً له، عَلمت أني أَمَتَّك؟! وعلمت أني رَبُك؟! أنت الأعور الخَبيث الدجال الذي حَدَثنا عنك رسول الله، والله ما ازددتُ فيك إلا بَصيرة -إيماني زاد- الله أكبر!.
أرأيت هذا الثابت؟! فَيُريد أن يَقتُله فلا يُسَلَّط عليه -لا يقدر- الأمر لواحد، وهذا اشارة وعلامة له أن أيامه انتهت، أيام لعبك انتهت.
- فيهرب من نواحي المدينة -من تحت المدينة- يَحصُل هذا القتل الأخير الذي يقتله الخبيث.
- ويذهب نحو بيت المقدس، وفي باب لُدّ يَلقاه سيدنا عيسى بن مريم؛ يتذاوب يتذاوب، في ذلك.
ويقول: أنا ربكم، يُنَزِل مطر وينبت شجر، ويقول لأهل القبور: قوموا؛ يقوم جن؛ جن من أتباعه يظهرون للناس على صور الموتى، حتى يظن أن هذا خاله، هذا عمه، هذا جده وهو لا خاله ولا عمه ولا جده، ويقولون لهم: نعم هذا هو ربكم هذا إلهكم، وكل هذا انتهى و يتضاءل كما يذوب الملح في الماء ويقتله، وانتهى الدجال.
أيها المؤمنون لا غاية لمن لم يَصدُق مع الله، لا تَغُرُّكم آلاته، لا تَغُركم قُواته، لا تغركم قُدراته، لا يغرُّكم إملاء الحق له سنين، لا تغتروا بشيء من هذا؛ القوي واحد هو الله، إلتجئوا إليه واصدقوا معه، وستنكشف الحقيقة لجميع:
- (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا)، هؤلاء الذين يتبرأون من أتباعِهم، إبعد عنهم من الآن! انتبه! ابحث عن مَتبوعين يشفعون لأتباعهم اذهب وراءهم؛ أنبياء وأولياء واذهب وراءهم، هؤلاء يشفعون لأتباعهم.
- أما هؤلاء: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) [البقرة:165-166]؛ لا تَتَبِعهم: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية:18-19].
(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67]، (لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ ۖ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (34))؛ لا أحد يَقيهم.
ثم ذَكَر لنا مَثَلُ الجنة -جَعلنا الله من أهلها- وَرَزَقَنا حُسنَ المُتابعة لأول من يَدخُلها، وأدخَلنا في زُمرته مع أوائل الداخِلين، اللهم آمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
خوَّفوهم بمن دونك ويخوفونهم بأشياء وأنت المُرتجى والمَلجأ إليك والثقة بك والإعتماد عليك، نسألك أن تَكفينا البلايا والرزايا في الظواهر والخفايا وأن تُحَول أحوالنا والمسلمين إلى أحسن الأحوال، يا محول الأحوال، وأن تكفينا شر أهل الضلال وفعل الجهال وترزقنا الاقتداء بنبيك محمد في النيات والمقاصد والأقوال والأفعال يا أرحم الراحمين.
بسرِ الفاتحة
وإلى حضرةِ النَّبي، اللَّهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه
الفاتحة
06 ربيع الثاني 1443