تفسير سورة الأنعام - 6 - من قوله تعالى: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ...)، الآية 12

تفسير من قوله تعالى: {قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ...}12سورة الأنعام
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى: 

﷽

(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) ۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • دلالة ملكية السماوات والأرض وعجز المخلوق.
  • سعة رحمة الله تعالى وحسرة الخاسرين.
  • دلالة الزمان والمكان: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).
  • حقيقة الولاية والتوكل على الحي الذي لا يموت.
  • الولاية الحقة في سيرة الأنبياء عليهم السلام.
  • معنى "فاطر السماوات والأرض" وأدب النبوة في المعجزات.
  • معنى الأوّلية في الإسلام والعبودية.
  • مقام الخشية والخوف من الله تعالى و حقيقة الفوز برحمة الله تعالى.

نص الدرس:

الحمدُ للهِ الذي أكرمنا بإشراقِ نورِ حبيبهِ المصطفى، وهيّأ للاستضاءةِ بهِ قلوب من سبقت لهم منهُ السوابق، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، بالتكريمِ والاصطفاء، فبرزَ في الأمةِ وعلى مدى القرون أهلُ الصدق وأهلُ الوفاء. فصلّى الله وسلم على النورِ المبين الذي بهِ تعرّف اللهُ إلى عبادهِ، وأذاقهم لذةَ مناجاتهِ وحلاوةَ ودادهِ، وعلى آلهِ وأصحابهِ وأهلِ حضرةِ اقترابهِ من أحبابه، ومن سار على دربهِ إلى يومِ الدين.

وبعدُ،،،

تفسير قوله تعالى: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12))

 فإننا في تأملِ معاني كلامِ ربنا جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وصلنا إلى قولهِ سبحانه: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، خاطِب أيُّها المبلِّغُ عنا، والمؤدي الأمانةَ إلى خلقنا، كُلُّ من يسمع خاطبهم ونادهم و(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ 

فإن هذهِ القضايا الكُبرى، لا يستطيعُ عاقلٌ منصف، أن يلويَ فيها وعيهُ، ولا عقلهُ، ولا لسانهُ، ولا جوابه، فيصرفهُ لغيرِ الحقيقة؛ لقوةِ إشراق نورِ الحقيقة. 

  • فإنّهم يشعرون في أنفسهم أنَّ ليس فيهم من خَلَقِ السماوات، ولا من خَلَقَ الأرض. 
  • ويشعرون في أنفسهم، وإن عاندَ المعاند، وتكبرَ المتكبر، أنهُ تجري عليهم شؤون لا يحبون جريها، ولا يملكون أن يصرفوها عن أنفسهم. 
  • وأنّهم إذا واجهوا أشياء وحوادث تقعُ عليهم، أو تقعُ فيهم، وأشياء تكون منهم، وجدوا لهم بعضًا من الاختيارِ والقدرةِ في خصوصِ ما يقعُ منهم، أمَّا ما يقعُ عليهم ويجري فيهم، فلا اختيار لهم فيه أصلًا، كبيرهم كصغيرهم، ومثقفهم كجهولهم، وغنيهم كفقيرهم في هذا.

ومع ذلك، فإنَّ ما يَصْدُرُ منهم يطرأُ عليهم فيهِ أحوالٌ تخرجهم عن مرادهم؛ هُنا قوانين، وهُنا آفات نوازل، وهُنا غَلَبة وتسلُط من عصابةٍ، أو جماعةٍ، أو من فردٍ، يجعلُ تصدرُ منك ما لا تحبُ أن يصّدُرَ منك، إذًا فمن أنت؟ وأيُّ شيء لك؟ 

إذًا فربُّك الذي خَلَقَ أُولَى أن تعرفَ عظمته، (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فلا تجد جوابًا من أيّ منصفٍ إلا أن يقولَ: 

  • الإلهُ الذي لم يسبقهُ شيء، والذي هو موجودٌ بذاته. 
  • غيرُ ذلك لا ينطبقُ مع العقلِ، ولا مع الفطرةِ، ولا مع المنطقِ قط.

(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ)؛ "رَحْمَتِي عَلَتْ غَضَبِي"، (كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، فلهُ رحمةٌ لا توصفُ، أي وصفَ إحصاء؛ ولا وصفَ إحاطة، ولا وصفَ حصر، ولا وصفَ تقدير، بل هي أكبر وأجل وأعظم. 

ولهُ رحمةٌ خلقها لعبادهِ بين عباده، فهي المشارُ إليها بالحديثِ: 

  • أنهُ عندما خلق السماوات والأرض، خلق رحمةً فجزّأها مئة جزء، هذِه الرحمة التي يسريها بين عباده، فيتصفون بالرحمةِ ممَّا خلق تعالى من الرحمةِ، غير رحمته هو. 
  • أمَّا رحمته هو فلا تتجزأ، او تتقسم، وليست بمخلوقة، بل هي وصفٌ من أوصافِ ذاتهِ العليةِ الأزليةِ الدائمة؛ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

لكن هذهِ الرحمة بين الخَلَق، فذكر لنا ﷺ مظاهر تأثيرها في الوجود، حتّى على الدوابِ، حتّى على الأنعامِ: 

  • حتى ترفعُ الدابةُ حافرها عن الولد من الرحمة. 
  • حتّى ترى كيف ترضعُ أولادها، وكيف تربيهم، وكيف تؤثرهم. 
  • وكيف تسعى في مصالحهم، إنسًا، وجنًا، وحيوانات بمختلفِ أصنافها. 

ما أعجب هذهِ الرحمة! وكم في عالمِ الخلقِ من رحمة، تظهرُ بمظاهر بديعة؛ يقول: هذا جزءٌ من مئةِ جزء، فإذا كان يوم القيامة جاء بهذهِ الرحمة فوضعها لأهلِ الجنة وبين أهلِ الجنة، فلا تسل كيف يتراحمون، ولا تسل كيف يتحابون! (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47] -اللهم اجعلنا منهم- فجعلها لهم، وجعلها فيهم؛ أهلُ الجنةِ -سبحانه وتعالى- وحدهم.

أمَّا القوم الآخرون فقد خسروا أنفسهم: (كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12))..

  • لن يؤمنوا بهذا الإله الرحيم الذي خلق الرحمة، وكذبوا وكفروا، واستمروا على ذلك حتى ماتوا على الكفرِ والتكذيبِ لرسلهِ. 
  • فجاءوا في القيامة، ووجدوا الأمر له والحكم له:
    • فخسروا أنفسهم؛ فإنّهم لم يهيئوا لأنفسهم سبًبا من أسبابِ يرحمهم بها، ويدخلهم في رحمتهِ. 
    • خسروا أنفسهم، فلم يجدوا لأنفسهم مكانًا لإعدادٍ لخيرٍ، أو استعدادٍ لنعيمٍ، أو تهيؤٍ لرحمة، فما أغنى عنهم مختلفُ أفكارهم التي كانوا فكروا. 
  • وما أغنى عنهم مقدار ما ملكوا، وما نظموا، وما دبروا، وما أخذوا، وما تسلطوا، وما كان في الحياةِ الدنيا، حينئذٍ يُعْرف ما هي، وما قدرها، وما قيمتها؛ فخسروا أنفسهم!

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) [الحشر:19] فعاشوا لغيرِ أنفسهم، يخدمون من الأهواءِ والشرورمايضرهم، ما يضرُّ أنفسهم ويهلك أنفسهم، من حيثُ لا يشعرون، ومن حيثُ يشعرون؛ والعياذ بالله تعالى، (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ). 

لكنَّ الذين ذكروا الله ذكَّرهم بأنفسهم فزكاهم لها، وهيأها لمعرفتهِ ولقربهِ، ولأن تتنعم بالنعيمِ الأعظم، فما أعجب حالهم في الحياتين معًا!

قال تعالى: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) [النساء:87]؛ ليدركوا أن هذهِ الرحمة متصلةٌ بيومِ القيامة، ولولا رحمتهُ ما نجا أحدٌ من النار. 

 

 تفسير قوله تعالى: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13))

(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ)؛ هذا الإله الذي خلق السماوات والأرض: 

  • فأشار إلى المكان والمكانيات، كُلُّ ما يحتويه المكان؛ السماوات والأرض. 
  • ثم أشار إلى الزمان فقال: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) فاحتوى الزمان: الوقت والزمانيات.

 وبهذا نعلمُ: أنَّ المكان والزمان مخلوقاتٌ من خلقَ اللهَ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، تتعلقُ بها المحدثات المخلوقةُ أيضًا. 

أمَّا خالقُ الزمان وخالقُ المكان، فلا دخل للزمانِ فيه، ولا دخل للمكانِ فيه إلا من حيثُ أنهُ خَلْقَهُ وخاضعٌ لجلالهِ كبقية المخلوقات في مملكته.

  •  لا تقُل فيما يتعلق به: "متى؟"؛ فإنَّ هذا حادثٌ بحدوثِ الكون، وحادثٌ بحدوثِ الزمن، وربُّ الزمن الذي خلق الزمن أجلُّ من أن يحيط بهِ زمن. 
  • ولا تقول: "أين؟"؛ فإنَّ هذا حادثٌ بحدوثِ الأجسام، والمخلوقات التي تحتاجُ إلى المكان. 

وربُّ الزمانِ والمكان: 

  • يحتاجُ إليه الزمان، ويحتاجُ إليه المكان، وما استقر في الزمانِ، وما استقر في المكان يحتاجُ إليه. 
  • وَهُوَ لا يحتاجُ إلى زمانٍ، ولا إلى مكانٍ، ولا إلى ما استقر في زمانٍ أو في مكان.

(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ (لَهُ): 

  • (لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..(12)): المكان. 
  • (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ..(13)): الزمان.

 (وَلَهُ مَا سَكَنَ): 

  • (مَا سَكَنَ): ليس بمقابلِ الحركة، فهذا في وجهٍ من أوجهِ التفسير.
  • (مَا سَكَنَ): أي ما هدأ بعد حركة أو قبل حركة. 
  • (مَا سَكَنَ) فيكون المعنى فيه؛ أن ما طبيعتهُ يسكن ويتحرك فهو طبيعة الكائنات. 

(وَلَهُ مَا سَكَنَ): أيّ وما تحرك، و(سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل:81]؛ أيّ: والبرد، لم يُذكره. 

لكن الوجه الثاني هو الأعمق والأولى بالآية: 

(وَلَهُ مَا سَكَنَ): 

  • ليس بمقابل الحركة، (سَكَنَ): اي استقرَّ وحلَّ:
    • (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة:35]. 
    • (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) [ابراهيم:45]. 
  • ليس مقابل حركة، (سَكَنتُمْ): يعني حللتم ونزلتم. 

(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) كُلُّ شيءٍ استقر في الليلِ والنهار، متحرك وساكن، وصغير وكبير، وبأي معنى لهُ.

(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ) جلَّ جلاله: 

  • (السَّمِيعُ): الذي أحاط سمعهُ بكُلِّ شيء. 
  • (السَّمِيعُ): لكُلِّ ما يمكن أن تكون منهُ الحركة. 
  • (الْعَلِيمُ) بالحركةِ والسكون معًا وبكُلِّ شيء. 

(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) جلَّ جلاله. ومن أكرمِ ما يكرمُ بهِ عبادهُ لِيسمعهُ منهم؛ 

  • حنينُ أرواحهم إليه.
  • وعلمهُ بما في بواطنهم من الوجدِ والشوقِ إلى قربهِ.

فهذا من أعلى ما يعلمُ من خلقهِ، ويسمع من عبادهِ جلَّ جلاله. 

(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لما في السماوات والأرض، والليل والنهار، ولمن حررهُ عن أن تسترقُّهُ الكائنات: 

  • فيسمعُ منهُم؛ الأنينَ والحنين، إلى قربهِ ولقائهِ ووصوله إليه. 
  • ويعلمُ منهُ وجدهُ وشوقه. 

متحرِرًا عن الزمانياتِ والمكانيات غير مأسورٍ لشيءٍ منها، ويحنُّ لربِّ الزمان والمكان: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)).

فإذا كان الذي (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [طه:6]، (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ هو الله جلَّ جلاله، فما معنى هذا الجدال؟ وهذا التطاول؟ وهذا الاتجاه عندكم؟ 

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)، إلى ما تدعونني؟ 

  • أنا أدعوكم إلى أن تتولوا الله وتتخذوه وليًا، وهو الذي (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). 
  • (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، فكيف تدعوني لأتخذَ غير الله ولي؟!

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) ولم يقل: "قُلْ أَتَّخِذُ وَلِيًّا غَيْرَ اللَّه"؛ لأنَّ اتخاذَ الولي، أمرٌ يُجمعُ عليهِ أهلُ الفطرة، وأهلُ العقل، لا بد للإنسانِ من ولي، يتولاه.. 

  • وما من عاقلٍ في الوجود، يقول بأن الإنسان مستغنٍ، في ذاتهِ، أو في نفسهِ، عمّن حواليه وما حواليه أبدًا. 
  • لا بد هو محتاجٌ إلى شيء، هو مفتقرٌ إلى شيء، حتى رأوا في أجناس الوجود عَوْدُ بعضها على بعض بأنواعِ المنافع. 

فصار يقولُ شاعرهم:

الناسُ للناسِ من بَدْوٍ وحاضرةٍ *** بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ

فما هناك إنكار للولاية، لأن تتولى وتتخذ ولي، لكن الإنكار أن يكون هذا الولي؛ غير موفٍ لك بما تحتاجه، بما تستطيعه؛ أن تتخذ ولي عاجزًا، أن تتخذ ولي فقيرًا، أن تتخذ ولي يموت، أن تتخذ ولي ينقطع، أن تتخذ ولي يتغير؛ هذا الإشكال! 

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)؛ فإنَّ الإنسان قد يرتب لنفسهِ وليًا؛ من فردٍ، من جماعةٍ، حزبٍ، شركةٍ، هيئةٍ، مؤسسةٍ، حكومةٍ، ثم لا تمر بهِ الأيام، إلا وإذا قد نزل بهِ ظرفٌ، أوحلّت بهِ حادثةٌ، يجد ذلك الولي غيّر نظامًا، أو غيّر قانونًا، أو غيّر نظرهُ إليه، أو مرض، أو انقطع، أو هُزم، ما هؤلاء الأولياء! ما هذهِ الولاية! ولذا نقرأ في الآيةِ الأخرى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41].

اعلم قدْر ما آتاك الله من شرفِ الإيمان بهِ جلَّ جلاله، على يدِ رسولهِ الصادق، وهذهِ الرتبةُ التي علوتها بفضلِ الله عليك، حتى صرتَ تستنِدُ إلى القهارِ القادر الذي بيدهِ الأمر، الذي (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [طه:6]، (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ الحيِّ الذي لا يموت (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان:58]؛ 

  • فكُلُّ التوكلاتِ على ما يموت ذِلّة، وهوان، ومَزلّة، وجهالة، لكن إتخذ وليًا لا يموت!، إتخذ وليًا لا يعجز عن شيء! 
  • إتخذ وليًا أحاط بكُلِّ شيء علمًا، وأحصى كُلَّ شيءٍ عددًا، يعلمُ كيف يتصرفُ لك، كيف يوفرُ خيرك ومصلحتك، كيف يدفعُ الأسواء عنك، كيف يقدرُ لك الأمور والمقادير بما لا تنتهي إليهِ العقول؛ وليس هو إلا الله. 

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)؟ 

  • وكم يُدعى الناس اليوم لاتخاذ غير الله ولي؛ ممّن اغتر بحياتهِ، أو فكرهِ، أو قدراتهِ، أو ما عندهُ، وهُو لو أمعن النظر وجدهُ في الحياةِ مقابل الموت، وفي أنواع القدرةِ مقابلٌ للعجزِ، في أي لحظة، مقابلٌ لتعطلِ الأسباب، مقابلٌ متعرضٌ لتغيرِ الحوادثِ والحساباتِ عليه، وقد حصل لهُ ذلك في الحياةِ مرارًا، ومع ذلك يقول: عليّ الاعتماد، وإليّ الإستناد، وأنا الذي، وأنا الذي سأفعل وأفعل! 
  • وكم في عالمِ الحسِ والواقع من أشخاص، ومن جماعات يقولون للناس: وَلّونا على هذا الأمر، وَلّونا على هذهِ المصلحة، وَلّونا على هذهِ الدائرة، وسنعمل لكم، وسنوفر لكم، وسنجعل لكم!، ثم إذا وُلُّوها كان الحاصلُ عكس ما قالوا تمامًا! 

كمْ يتكرر هذا ويكثر خصوصًا في زماننا، وهذا الزمانِ الأخير، وإن كان لهُ نظائر فيما مضى، وذلك لانقطاعهم: 

  • ما عرفوا مَن الولي. 
  • واتخذوا غير الله ولي.

لكن سيدنا يوسف عليه السلام قال: 

  • (اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف:55]، ما كان معتمدًا على علمهِ، ولا فهمهِ، ولا قدرتهِ، ولا تدبيره، وكان متخذًا ربهُ وليًا جلَّ جلاله. 
  • (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [يوسف:101]؛ هو ثابت على أن يتخذ الله ولي. 

فما كان في مقابلتهِ الأسباب إلا عبوديةٌ، اقتضت أن يُرتِبها بأمرِ الله جلَّ جلاله، ولهذا كان في أيامِ وفرة الطعام عندهُ وتوفيره إلى الخزائن للأرزاق، يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ مراعاةً لحقِ الولي الذي تولاه، سألوه؛ مالك؟ قال: "أخاف أن أشبع فأنسى الجائع"، فهو قائم بالأمرِ على التمامِ والكمال: 

  • لأنه لم يتخذ الولي نفسهُ، ولاعقلهُ، ولا فكرهُ، ولا تدبيرهُ، ولا تولية الملِك لهُ على خزائنِ الأرض.
  • لكن اتخذ الله وليًا جلاله؛ (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ). 

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)؟

  • وانظر إلى زينِ الوجود ﷺ يقول لهُ أهلُ البيعةِ الأُُولى والثانية عند العقبة: ما لنا إن نحن وفينا بذلك يا رسول الله؟ "لكمُ الجنة":
    •  ولم يضع خطط؛ ستنصرون على الأعداء، وستسخر لكمُ الأرض، وستأتون إلى كسرى وقيصر وتأخذون منهم الكنوز، وستكون تحت أيديكم.
    •  ولا شيئًا من مثلِ هذهِ مجالاتُ المسابقات والمغالطات للناس بعضهم البعض، والاستهواءات التي تستهوي النفُوس. 
  • قال: مسلكي فوق هذا كله! مع أنه هو المؤيد: "كيف بك يا سراقة وأنت تلبس سوارَي كسرى وقيصر؟"، لكن ما حطَّ في باله عند الإسلام، أو عند الإيمان أي شيء مقابل هذا أبدًا.

 أَبْعِدْ هذا من ذهنك وبالك، ديني؛ تتولى فيه الله فيتولاك الله جلَّ جلاله، ويعدُّ لك ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14))

 (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ منشئها، موجدها من غيرِ مثالٍ سبق.

(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يقول ابن عباس: "اتضح لي في اللغة معنى (فَاطِرِ) لمَّا وقف بين يدّيا أعرابيان يتنازعان في بئر، ويقول هذا: إنه ينازعني عليها وأنا فطرتها"! يعني: توحدتُ ببحثها وحفرها وإيجادها من البداية ما أحد معي، ما كان موجودًا، فالآن جاء ينازعني فيها!.

(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): خلقها سبحانه وتعالى مبتدئًا، ولذا لمَّا رأيت الأنبياء عندما تحدثُ لهم المعجزات، يبعدون عن مظاهرِ الابتداء ولو بالوهمِ والصورة، كيف ذلك؟

  • (أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)، لماذا؟ يقول هكذا من دون هيئة ولا شيء؟، قم صلّح هيئة حتى يقول: في مثال سابق!، ما هو معناها؟ معناها إلا متبع أنا، ما أنا مبتدئ ولا مخترع. 
  • بديع السماوات والأرض الذي خَلْق الطيور هو الذي مكَّنا من هذا، فاصنع مثله، هناك مثال سابق قبلي، ليس أنا ابتدأته من عندي! صلّح مثل هيئة الطير، وينفخ (فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)  [آل عمران:49] جلَّ جلاله.

ولذا كم سقى الرسول ﷺ من عطش بماء ينبعُ من بين أصابعه، لم يعمله مرة واحدة من دون أن يسبق ماء قط، وهو صاحبُ الأدب مع الرب: "قال هاتوا ماء"، ماء ربي ما تدخلتْ فيه معجزة لمخلوق، إذا جاءوا بالماء وضع يدهُ فَفار الماء.. 

  • طعامٌ كذلك، وكان يمكن يقول كذا يجي طعام بأمر الله بإذن الله يضع يده، كذا في الهواء وينبع الماء، لكن انظر الى أدبه مع الله تعالى! 
  • قال: "هاتوا ماء" أولا، جاءوا بالماء، يضع يده فَفار، أمثالهُ مئات المرات، أضعاف الماء، هذه مئات المرات من بين لحم ودم، صلّى الله على الحبيب الأكرم.

قال: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): 

  • في قراءة: (فَاطِرُ): أي هو فاطرُ. 
  • وفي قراءة: (فَطَرَ). 
  • وفي قراءة: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

يقول: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): بدل من لفظ الجلالة، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): لم يشركهُ فيهما أحد، خلقهما من العدم، فكيف أتولى غيره، وهو لم يخلُق؟! 

  • إذًا فولايتي إياه توقعني بعد ذلك في المذلة والمهانة وتنتهي. 
  • لكن إذا توليتُ الذي فطر السماوات والأرض؛ أَمِنْتُ من ركونٍ إلى من يعجز، وإلى من تنقطعُ بهِ القدرات في شيءٍ من الأحوال. 

(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ): 

  • (وَهُوَ يُطْعِمُ): يرزق جلَّ جلاله. 
  • (وَلَا يُطْعَمُ)؛ (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ) [الذريات:57]. 

جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ).

(قُلْ) يا محمد؛ ياصاحب البلاغِ عنا: (إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)؛ أتحققُ بحقائقِ الإسلام، بأعلى المعاني قبل أيِّ أحد، وكانت الأوّليةُ بمعنييها: 

  • وكثيرًا ما تستعمل في اللغة بمعنى: المسابقة والتحقق. 
  • وإن لم تكن أولية بالتقدم والسبق، فيقول: 
    • إذا كان كذا فأنا أول من يفعل كذا أو من يقول كذا، يقصد: أنني متحقق بذلك منقاد تمامًا. 
    • كما قال سيدنا موسى عليه السلام: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف:143]. 

لكن بالنسبةِ لسيدنا رسول الله، فأوَّلِيتهُ شملت هذا المعنى والمعنى الآخر -صلَى الله عليه وعلى آله و صحبه وسلم: 

  • "إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ"، صلوات ربي وسلامه عليه؛ فهو الأول بالمعنَييَن. 
  • (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) [الزخرف:81]، قال: أنا أول من عبد الله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، فلا يمكن أن يتقدم غيري عندهُ سبحانهُ وتعالى، لا إله إلا هو.

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)).

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15))

(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)):

  • (قُلْ إِنِّي أَخَافُ) أنا المحبوب لهُ، المقربُ عنده، وإني أحملُ منهُ الخوف؛ لأني أعرف بهِ من غيري. 
  • (أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، وهو المعصومُ عن العصيان صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

وذلك تعليمٌ للأمةِ: 

  • أن يتمسكوا بحقائقِ الخوفِ من الله في أحوالهم وشؤونهم، ولو ارتقى  أي حالٍ وأي مقام. 
  • فكلما قصَر بك الخوف، فقد وقعت في المَخوف، يُخاف عليك؛ لأن أعظم الخلق مقامًا، وأوسعهم مكانةً لدى ربي يخاف. 

(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، قال الله عن ملائكةِ السماوات العبّاد لهُ: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:28] جلَّ جلاله، فكُلُّ ما أبعدك عن الخشية فهو الضُّر عليك، وهو السقُوط من المرتبة، وهو الذي يُخاف عليك بسببه، قول: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15))؛ وهو يوم القيامة، نسبهُ إليه لأنهُ ظرْفهُ الذي يجيء.

 

تفسير قوله تعالى: (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16))

 (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ)، لا يُصرف عنهُ اليوم، لكن يُصرف عنهُ عذاب ذلك اليوم. 

(مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ): أي يُصرف عنهُ العذاب يومئذِ، عذاب يومئذٍ: عذاب يوم القيامة: 

  • (فَقَدْ رَحِمَهُ) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وفي هذا أن كُلَّ الثوابِ والإثابةِ بالجنةِ، والنجاةِ من النار تفضلٌ من الله على عباده.

 فإنهُ: 

  • لا يقولون لمن عفا عمّن يستحق العفو، أو من لم يذنب ولم يُخطئ أنهُ رحمة، وإنما من استحق العقوبة ثم سامحهُ، يقالُ: (رَحِمَهُ). 
  • فكذلك لا يكونُ نجاةٌ من النار: "لن ينجي أحد منكم عمله"، "لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله"؛ إلا برحمةِ الله تبارك وتعالى.

(مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ) من يصرف عنهُ العذابُ يوم القيامة (فَقَدْ رَحِمَهُ)؛ اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة: 

  • (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ): أي العذاب. 
  • (يَوْمَئِذٍ): في اليوم العظيم. 
  • (فَقَدْ رَحِمَهُ) سبحانهُ وتعالى. 
  • (وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)). 

فإنهُ إذا رحمهُ أكرمهُ بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الأنسان:20]، (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)).

اللهم اجعلنا من أهلِ (الْفَوْزُ الْمُبِينُ)، ثبّت قدامنا على متابعة نبيك الأمين، وارزقنا خوفك، وخشيتك، ومحبتك، ورجاءك، واقذف في قلوبنا رجاءك، واقطع رجاءنا عمَّن سواك، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين .

اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ بهِ بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِغُنا بهِ جنتك، ومن اليقين ما تهون بهِ علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وحولنا وقوتنا في سبيلك ما أبقيتنا، واجعلهُ الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وأرنا في العدو ثأرنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ عِلمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين، أصلح أحوال الأمةِ أجمعين، واجعلنا في خيارهم، وخواص الهداةِ المهتدين الموفقين، والحمد لله رب العالمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

08 رَجب 1433

تاريخ النشر الميلادي

29 مايو 2012

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام