(639)
(489)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى:
﷽
(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) ۞ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16))
الحمدُ للهِ الذي أكرمنا بإشراقِ نورِ حبيبهِ المصطفى، وهيّأ للاستضاءةِ بهِ قلوب من سبقت لهم منهُ السوابق، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، بالتكريمِ والاصطفاء، فبرزَ في الأمةِ وعلى مدى القرون أهلُ الصدق وأهلُ الوفاء. فصلّى الله وسلم على النورِ المبين الذي بهِ تعرّف اللهُ إلى عبادهِ، وأذاقهم لذةَ مناجاتهِ وحلاوةَ ودادهِ، وعلى آلهِ وأصحابهِ وأهلِ حضرةِ اقترابهِ من أحبابه، ومن سار على دربهِ إلى يومِ الدين.
وبعدُ،،،
تفسير قوله تعالى: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12))
فإننا في تأملِ معاني كلامِ ربنا جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، وصلنا إلى قولهِ سبحانه: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، خاطِب أيُّها المبلِّغُ عنا، والمؤدي الأمانةَ إلى خلقنا، كُلُّ من يسمع خاطبهم ونادهم و(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟
فإن هذهِ القضايا الكُبرى، لا يستطيعُ عاقلٌ منصف، أن يلويَ فيها وعيهُ، ولا عقلهُ، ولا لسانهُ، ولا جوابه، فيصرفهُ لغيرِ الحقيقة؛ لقوةِ إشراق نورِ الحقيقة.
ومع ذلك، فإنَّ ما يَصْدُرُ منهم يطرأُ عليهم فيهِ أحوالٌ تخرجهم عن مرادهم؛ هُنا قوانين، وهُنا آفات نوازل، وهُنا غَلَبة وتسلُط من عصابةٍ، أو جماعةٍ، أو من فردٍ، يجعلُ تصدرُ منك ما لا تحبُ أن يصّدُرَ منك، إذًا فمن أنت؟ وأيُّ شيء لك؟
إذًا فربُّك الذي خَلَقَ أُولَى أن تعرفَ عظمته، (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فلا تجد جوابًا من أيّ منصفٍ إلا أن يقولَ:
(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ)؛ "رَحْمَتِي عَلَتْ غَضَبِي"، (كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، فلهُ رحمةٌ لا توصفُ، أي وصفَ إحصاء؛ ولا وصفَ إحاطة، ولا وصفَ حصر، ولا وصفَ تقدير، بل هي أكبر وأجل وأعظم.
ولهُ رحمةٌ خلقها لعبادهِ بين عباده، فهي المشارُ إليها بالحديثِ:
لكن هذهِ الرحمة بين الخَلَق، فذكر لنا ﷺ مظاهر تأثيرها في الوجود، حتّى على الدوابِ، حتّى على الأنعامِ:
ما أعجب هذهِ الرحمة! وكم في عالمِ الخلقِ من رحمة، تظهرُ بمظاهر بديعة؛ يقول: هذا جزءٌ من مئةِ جزء، فإذا كان يوم القيامة جاء بهذهِ الرحمة فوضعها لأهلِ الجنة وبين أهلِ الجنة، فلا تسل كيف يتراحمون، ولا تسل كيف يتحابون! (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ) [الحجر:47] -اللهم اجعلنا منهم- فجعلها لهم، وجعلها فيهم؛ أهلُ الجنةِ -سبحانه وتعالى- وحدهم.
أمَّا القوم الآخرون فقد خسروا أنفسهم: (كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12))..
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ) [الحشر:19] فعاشوا لغيرِ أنفسهم، يخدمون من الأهواءِ والشرورمايضرهم، ما يضرُّ أنفسهم ويهلك أنفسهم، من حيثُ لا يشعرون، ومن حيثُ يشعرون؛ والعياذ بالله تعالى، (فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ).
لكنَّ الذين ذكروا الله ذكَّرهم بأنفسهم فزكاهم لها، وهيأها لمعرفتهِ ولقربهِ، ولأن تتنعم بالنعيمِ الأعظم، فما أعجب حالهم في الحياتين معًا!
قال تعالى: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ) [النساء:87]؛ ليدركوا أن هذهِ الرحمة متصلةٌ بيومِ القيامة، ولولا رحمتهُ ما نجا أحدٌ من النار.
تفسير قوله تعالى: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13))
(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ)؛ هذا الإله الذي خلق السماوات والأرض:
وبهذا نعلمُ: أنَّ المكان والزمان مخلوقاتٌ من خلقَ اللهَ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، تتعلقُ بها المحدثات المخلوقةُ أيضًا.
أمَّا خالقُ الزمان وخالقُ المكان، فلا دخل للزمانِ فيه، ولا دخل للمكانِ فيه إلا من حيثُ أنهُ خَلْقَهُ وخاضعٌ لجلالهِ كبقية المخلوقات في مملكته.
وربُّ الزمانِ والمكان:
(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ (لَهُ):
(وَلَهُ مَا سَكَنَ):
(وَلَهُ مَا سَكَنَ): أيّ وما تحرك، و(سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل:81]؛ أيّ: والبرد، لم يُذكره.
لكن الوجه الثاني هو الأعمق والأولى بالآية:
(وَلَهُ مَا سَكَنَ):
(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) كُلُّ شيءٍ استقر في الليلِ والنهار، متحرك وساكن، وصغير وكبير، وبأي معنى لهُ.
(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ) جلَّ جلاله:
(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) جلَّ جلاله. ومن أكرمِ ما يكرمُ بهِ عبادهُ لِيسمعهُ منهم؛
فهذا من أعلى ما يعلمُ من خلقهِ، ويسمع من عبادهِ جلَّ جلاله.
(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لما في السماوات والأرض، والليل والنهار، ولمن حررهُ عن أن تسترقُّهُ الكائنات:
متحرِرًا عن الزمانياتِ والمكانيات غير مأسورٍ لشيءٍ منها، ويحنُّ لربِّ الزمان والمكان: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13)).
فإذا كان الذي (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [طه:6]، (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ هو الله جلَّ جلاله، فما معنى هذا الجدال؟ وهذا التطاول؟ وهذا الاتجاه عندكم؟
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)، إلى ما تدعونني؟
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) ولم يقل: "قُلْ أَتَّخِذُ وَلِيًّا غَيْرَ اللَّه"؛ لأنَّ اتخاذَ الولي، أمرٌ يُجمعُ عليهِ أهلُ الفطرة، وأهلُ العقل، لا بد للإنسانِ من ولي، يتولاه..
فصار يقولُ شاعرهم:
الناسُ للناسِ من بَدْوٍ وحاضرةٍ *** بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدَمُ
فما هناك إنكار للولاية، لأن تتولى وتتخذ ولي، لكن الإنكار أن يكون هذا الولي؛ غير موفٍ لك بما تحتاجه، بما تستطيعه؛ أن تتخذ ولي عاجزًا، أن تتخذ ولي فقيرًا، أن تتخذ ولي يموت، أن تتخذ ولي ينقطع، أن تتخذ ولي يتغير؛ هذا الإشكال!
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)؛ فإنَّ الإنسان قد يرتب لنفسهِ وليًا؛ من فردٍ، من جماعةٍ، حزبٍ، شركةٍ، هيئةٍ، مؤسسةٍ، حكومةٍ، ثم لا تمر بهِ الأيام، إلا وإذا قد نزل بهِ ظرفٌ، أوحلّت بهِ حادثةٌ، يجد ذلك الولي غيّر نظامًا، أو غيّر قانونًا، أو غيّر نظرهُ إليه، أو مرض، أو انقطع، أو هُزم، ما هؤلاء الأولياء! ما هذهِ الولاية! ولذا نقرأ في الآيةِ الأخرى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت:41].
اعلم قدْر ما آتاك الله من شرفِ الإيمان بهِ جلَّ جلاله، على يدِ رسولهِ الصادق، وهذهِ الرتبةُ التي علوتها بفضلِ الله عليك، حتى صرتَ تستنِدُ إلى القهارِ القادر الذي بيدهِ الأمر، الذي (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) [طه:6]، (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)؛ الحيِّ الذي لا يموت (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) [الفرقان:58]؛
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)؟
كمْ يتكرر هذا ويكثر خصوصًا في زماننا، وهذا الزمانِ الأخير، وإن كان لهُ نظائر فيما مضى، وذلك لانقطاعهم:
لكن سيدنا يوسف عليه السلام قال:
فما كان في مقابلتهِ الأسباب إلا عبوديةٌ، اقتضت أن يُرتِبها بأمرِ الله جلَّ جلاله، ولهذا كان في أيامِ وفرة الطعام عندهُ وتوفيره إلى الخزائن للأرزاق، يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ مراعاةً لحقِ الولي الذي تولاه، سألوه؛ مالك؟ قال: "أخاف أن أشبع فأنسى الجائع"، فهو قائم بالأمرِ على التمامِ والكمال:
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا)؟
أَبْعِدْ هذا من ذهنك وبالك، ديني؛ تتولى فيه الله فيتولاك الله جلَّ جلاله، ويعدُّ لك ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلبِ بشر.
تفسير قوله تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14))
(وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ منشئها، موجدها من غيرِ مثالٍ سبق.
(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يقول ابن عباس: "اتضح لي في اللغة معنى (فَاطِرِ) لمَّا وقف بين يدّيا أعرابيان يتنازعان في بئر، ويقول هذا: إنه ينازعني عليها وأنا فطرتها"! يعني: توحدتُ ببحثها وحفرها وإيجادها من البداية ما أحد معي، ما كان موجودًا، فالآن جاء ينازعني فيها!.
(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): خلقها سبحانه وتعالى مبتدئًا، ولذا لمَّا رأيت الأنبياء عندما تحدثُ لهم المعجزات، يبعدون عن مظاهرِ الابتداء ولو بالوهمِ والصورة، كيف ذلك؟
ولذا كم سقى الرسول ﷺ من عطش بماء ينبعُ من بين أصابعه، لم يعمله مرة واحدة من دون أن يسبق ماء قط، وهو صاحبُ الأدب مع الرب: "قال هاتوا ماء"، ماء ربي ما تدخلتْ فيه معجزة لمخلوق، إذا جاءوا بالماء وضع يدهُ فَفار الماء..
قال: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ):
يقول: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): بدل من لفظ الجلالة، (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ): لم يشركهُ فيهما أحد، خلقهما من العدم، فكيف أتولى غيره، وهو لم يخلُق؟!
(فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ):
جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه، (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ).
(قُلْ) يا محمد؛ ياصاحب البلاغِ عنا: (إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)؛ أتحققُ بحقائقِ الإسلام، بأعلى المعاني قبل أيِّ أحد، وكانت الأوّليةُ بمعنييها:
لكن بالنسبةِ لسيدنا رسول الله، فأوَّلِيتهُ شملت هذا المعنى والمعنى الآخر -صلَى الله عليه وعلى آله و صحبه وسلم:
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)).
تفسير قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15))
(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)):
وذلك تعليمٌ للأمةِ:
(قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، قال الله عن ملائكةِ السماوات العبّاد لهُ: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء:28] جلَّ جلاله، فكُلُّ ما أبعدك عن الخشية فهو الضُّر عليك، وهو السقُوط من المرتبة، وهو الذي يُخاف عليك بسببه، قول: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15))؛ وهو يوم القيامة، نسبهُ إليه لأنهُ ظرْفهُ الذي يجيء.
تفسير قوله تعالى: (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16))
(مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ)، لا يُصرف عنهُ اليوم، لكن يُصرف عنهُ عذاب ذلك اليوم.
(مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ): أي يُصرف عنهُ العذاب يومئذِ، عذاب يومئذٍ: عذاب يوم القيامة:
فإنهُ:
(مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ) من يصرف عنهُ العذابُ يوم القيامة (فَقَدْ رَحِمَهُ)؛ اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة:
فإنهُ إذا رحمهُ أكرمهُ بما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) [الأنسان:20]، (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)).
اللهم اجعلنا من أهلِ (الْفَوْزُ الْمُبِينُ)، ثبّت قدامنا على متابعة نبيك الأمين، وارزقنا خوفك، وخشيتك، ومحبتك، ورجاءك، واقذف في قلوبنا رجاءك، واقطع رجاءنا عمَّن سواك، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين .
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ بهِ بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلِغُنا بهِ جنتك، ومن اليقين ما تهون بهِ علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، وحولنا وقوتنا في سبيلك ما أبقيتنا، واجعلهُ الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وأرنا في العدو ثأرنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ عِلمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، يا أرحم الراحمين، أصلح أحوال الأمةِ أجمعين، واجعلنا في خيارهم، وخواص الهداةِ المهتدين الموفقين، والحمد لله رب العالمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 رَجب 1433