تفسير سورة الأنعام - 5 - من قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ..) الآية 10

تفسير من قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ...}10سورة الأنعام
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى: 

﷽

(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • سُنّة الله في المستهزئين والمكذبين والتكذيب مناط العذاب.
  • الأمر بالسير في الأرض: أنواعه، ومقاصده، ونظر البصائر.
  • أحكام السفر والاعتبار بالآثار وخدمة التوثيق التاريخي .
  • بين نظر الأبصار ونظر البصائر ومصارع المكذبين.
  • عِبَر الخواتيم ونقل الأجساد في البرزخ.
  • تقرير التوحيد، وسعة رحمة الله، وحتمية البعث والخسران الأكبر.

نص الدرس:

الحمدُ للهِ الذي أكرمنا بإشراقِ أنوارِ مصطفاه، فهدانا بهداه، ودلنا عليهِ تعالى في عُلاه، نسألهُ أن يديم منهُ أزكى السلامِ وأشرف الصلاة على عبدهِ المجتبى المصطفى سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آلهِ وصحبهِ ومن سار في دربهِ من أهلِ قُربهِ وحبه، وعلينا معهم وفيهم، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وبعدُ؛ 

فإنَّ خير ما جالت فيهِ الأفكار، وتأمَّلت فيهِ البصائرُ والأنظار، خطابُ الملكِ الغفار، الواحدِ الأحدِ العظيمِ القهار، مكوّر النهار في الليلِ، والليلِ في النهار، فيما أنزلهُ على عبدهِ ونبيهِ المصطفى المختار، صلى الله عليهِ وعلى آلهِ وصحبه وسلم، ومن في منهجهِ سار.

ولقد؛ وصلنا في تأمُلاتِ معاني خطاباتِ ربنا وكلامهِ، لأوائلِ سورةِ الأنعام، إلى قولِ الرحمنِ جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11))، ولقد قصّ علينا في السورةِ الكريمة، أخبار: 

  • خلْقهِ السماوات والأرض، وجعلهِ الظُلمات والنور. 
  • وخلْقه لنا من الطين، والآجال التي قضاها، ومُلكُهُ السماوات والأرض. 
  • وأحوالُ المكذبين والمستهزئين. 

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10))

وكان آخِرُها ما قال جلَّ جلاله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)).

فكانت سُنّةٌ من سننِ ربكم في هذا الوجود؛ أنَّ الله تبارك وتعالى، يبتلي أرباب سوابقِ الشقاء، بالاستهزاءِ بأنبيائهِ ورسلهِ، والحقِّ الصريح، والمعنى الصحيح، فلا يزالون في تكذيبهم يتجاوزون التكذيب إلى الاستخفافِ والاستهزاء، ثم يحيقُ بهم ما استهزأوا بهِ؛ نتيجةُ ما قابلوا بهِ أمر اللهِ وأمر رسله من العنادِ والتكذيب والتعالي والتكبر: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)) أفرادًا وأممًا وجماعات، على ممرِ الأعصار، في مختلفِ الأحقابِ والأقطار، أمةً بعد أمة، وهكذا (مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ) [فصلت:43].

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11))

ويقولُ جلَّ جلاله: خاطِب أيُّها المأمون على بلاغنا، وإيصالِ خطابنا إلى خلقنا، خاطب من حواليك، من المؤمنين ومن المكذبين المستهزئين:

  • (قُلْ) لهم وناداهم: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ). 
  • (قُلْ) لهم: لا تتعاموا عن الآياتِ الواضحة، والدلائل البينة. 
  • (قُلْ) لهم: ارفقوا بأنفسكم في حسنِ التأمُل والتفكر، والتدبر والتبصر. 
  • (قُلْ) لهم: قد ملأنا الأرض التي تعيشون عليها بالآيات، وجعلناها مساكن لِنُظرائِكم وأمثالِكم؛ أعدادًا كثيرات، قد مضوا في القرون السالفات، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ).

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) سيرًا على الأقدامِ، وبما آتيناكم من وسائلِ السير: 

  • من الدوابِ والأنعام. 
  • وما خلقَ بعد ذلك، من هذهِ الآلات التي يمشي الناس عليها من الدراجاتِ، والسياراتِ، والطائرات إلى غير ذلك. 

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ)، (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بهذا السير:

  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بهذا السير مصحوبًا بالنظر، مصحوبًا بالتفَّكر، مصحوبًا بالتَّبْصُر. 
  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بعقولكم. 
  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بتأمّلكم.
  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بتدبُرِكم. 
  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) في حقائقِ ما جرى عليها، وما كان فيها، ومن حلّها من قبلكم. 

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11))..

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) وتأملوا، وانظروا بأبصاركم؛ أطلالًا وآثارًا كانت لمن كان قبلكم، وفي الأرض منها كثير، ولا يزالُ منتشرًا هُنا وهُناك في كثيرِ من بقاعِ الأرض؛ هذهِ ديارُ آلِ فُلان، وهذهِ أهرامُ آلِ فُلان، وهذهِ بيوتُ آلِ فُلان أو جبالهم، وهذهِ آبارهم، وهذهِ آثارهم. 

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، وقد جاءت آيات متعددة بقوله: (فَانظُرُوا) [العنكبوت:20]، وجاء هنا بـ(ثُمَّ)، والفاء و(ثُمَّ) مع تناوبِهما أيضًا..

ومع محاولةِ بعضِ المفسرين أن يذكر فرقًا بين هذهِ الآيةِ وغيرها: 

  • ولكنهُ عند التحقيقِ يرجع إلى أنَّ الأمر واحدٌ.
  • وإنمَّا السيرُ في الأرضِ الحسي، والسيرُ بالفكرِ أيضًا والتأمل؛ ممتدٌ. 

ومع الامتدادِ يحصل بعد ذلك العطفُ بالفاءِ أو بالواوِ؛ للنتائجِ والمُستنتَجاتِ والمستثمَراتِ من التَّّبْصُر، وقال هنا: (ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).

والسيرُ في الأرضِ مع إباحتهِ في الأصلِ، هو أيضًا مع الإباحةِ مفيدٌ ونافعٌ، يرتقي إلى رتبةِ السُنّةِ وإلى رتبةِ الواجبِ، ومن هنا ذكروا أحكام السفر، والسير على أرضِ اللهِ تبارك وتعالى. 

وقال سُبحانهُ وتعالى فيما تقدم معنا؛ مخاطبًا للذين حبسوا أنفسهم في بعضِ بقاعِ الأرض، ثم أُهينوا فيها، وأُهين دينهم؛ فتركوا بعض دينهم، تركوا بعض واجباتهم في الشريعة؛ للضغطِ الذي ينالونهُ في تلك البُقعة: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) [النساء:97]؛ ما دامت عندكم القدرة.

فبيّن بذلك أنَّ التحرك على ظهرِ الأرضِ: 

  • لهُ شؤون، ولهُ مقاصد، ولهُ بعد ذلك وجهات، ولهُ فوائد. 
  • كلٌّ منها يستفيد: 
    • على قدرِ انتباهه. 
    • وعلى قدرِ وعْيه. 
    • وعلى قدرِ حُسنِ تأمُلهِ ودِقةِ نظره. 

فكم في تلك الأسفارِ وفي التردداتِ على أماكن الأرض من فوائد، تحدَّث عنها الحكماءُ والشعراء، وتحدّث عنها الفقهاء من حيثُ أحكامِ الشريعة فيما يكون السفر: 

  • واجبًا، أو مندوبًا مسنونًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا معصيةً محذورًا. 
  • لاختلافِ الأحوال، ولاختلافِ المقاصد، ولاختلافِ الأعمال.

وبذلك كلُّه تعلمُ أنَّ لشأنِ التنقل في الأرضِ والتأملِ فيها: 

  • مكانةٌ عند أولي الألباب. 
  • ومكانةٌ في الكتابِ العزيز والسنَّةِ الغراء. 

توجّه فيها الناس لأن يستفيدوا، وأنْ يأخذوا عِبَرهم، ويأخذوا منافعهم، من تأمُّل ما على ظهرِ الأرض. 

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، والكلام قبلها على المستهزئين -آية 10- وهُنا قال: (الْمُكَذِّبِينَ)؛ ليُفيد أن مَنَاطَ نزولِ العذاب عليهم، وحلولِ النقمةَ بهم؛ هو التكذيب، ولا تظنوا أنكم تنجون من شدةِ العذابِ، وسوءِ العاقبة؛ بامتناعكم عن الاستهزاءِ مع تكذيبكم بعد إقامةِ الحجةِ عليكم، فلن يكون ذلك؛ فإن مَنَاطَ هلاكهم تكذيبهم، وإن تجاوزوا التكذيب بالاستهزاء، واستحقوا بذلك أشد العذاب، ولكن كلُّ من كذّب وقد أقيمت لهُ الحجة، ووضحت لهُ المَحَجّة فهو عُرضة للانتقامِ وللسخطِ، ولحلولِ العذابِ به. 

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11))، الذين كذبوا الرسل وخالفوهم كيف كان مصيرهم، وكيف كانت غاياتهم.

وفي مثل هذهِ الدلالات والخطاباتِ من اللهِ تبارك وتعالى: 

  • تكليفٌ للمؤمنين أن يعتنوا بالآثار؛ لتكون محل الاعتبار، ليدّكِّر من يدكِّر، ولأن يقيموها عبرةً للمعتبرين، وتبصرةً للمستبصرين، فكم فيها من الفوائدِ والمنافع! 
  • وفي هذا أيضًا إلزامٌ لأهلِ المِلّة بحسنِ رعايةِ الأخبار، وخدمةِ التاريخ على الوجهِ الصحيح:
    •  فإنه عند الغشِ والكذبِ فيهِ، تفُوتُ على الناسِ منافعُ وفوائد؛ تنقلبُ حقائق على وجهها. 

وبذلك عمِلت فئاتُ الكفرِ والضلالِ والزيغِ ممَّن أرادوا إضلال الغير، وتعميةِ الحقِّ عليهِ، على تقليبِ حقائقِ الوقائع في التاريخِ، وترجمةِ ما يكونُ من الأحداث، وسَوقِها على غيرِ وجهها. 

وبذلك وجّبّ أنَّ يُعطى هذا الأمرُ حقّهُ من أهلِ هذهِ الملة: 

  • فيعتنون بشؤونِ التوثيق. 
  • والرجوع إلى المصادرِ، وصحة النقلِ. 
  • وينزّهون ما يروونه عن افتراءِ المفترين، وزيادةِ من يزيدُ، ونقصِ من ينقص. 

فالأمرُ أمانة، وفي حفظِ هذهِ الأمانة، منافع كثيرة، لأفكارِ الخلقِ ولعقلياتهم، ولوجهاتهم، ولنياتهم، ولأنواعٍ من استفاداتهم.

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11))؛ الذين كذبوا الرُسلَ صلواتُ الله وسلامه عليهم. فعرفنا: 

  • أنَّ السير يكونُ بالأقدامِ والأجسام، ويكونُ بالعقولِ والأفكارِ والأفهام. 
  • كذلك النظر يكونُ بالعيونِ الباصرة، ويكونُ بالبصائرِ والقلوبِ والفِكَرِ المتأملةِ الثاقبة. 

(سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا) الأمرين معًا، (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بأجسامكم وعقولكم وأفكاركم، وانظروا بأبصاركم، وانظروا ببصائركم وعقولكم وتأملاتكم: 

  • (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، إمَّا كيف صارت وحصلت؛ فتكون (كَانَ) هنا تامة. 
  • (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، وإلا كان (كَيْفَ) هو خبرُها المقدم، (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).

وكم في الأرض في ذلك من عِبرٍ كثيرة، ينبغي الاعتناءُ بإبرازها وبإظهارها، ولا تزالُ تتكرر على مدى القرون، وإن كان يقصرُ التوثيقُ عند كثيرِ من الناسِ، بل الذِّكرُ الحسن، فيما بين الناسِ لهذهِ الاعتبارات.. 

  • لقد مرّ أبو جهل مرةً ورسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- جالسٌ مع بعض المستضعفين من سادتنا الصحابة؛ سيدنا بلال، سيدنا عمار، سيدنا صهيب وغيرهم في المسجد، فلمّا مرّ رآهم مع النبي ﷺ، قال: إنَّ محمدًا يزعُم أن هؤلاء ملوكُ الجنة! وكان مستهزئًا بهم وهكذا.
  •  وكان واحدًا من أؤلئك المستهزئين، ونعرفُ كًلُّنا كيف كانت عاقبتهُ؛ ذلك الذي جاء آخرُ لحظاتهِ في الحياةِ وَهُوَ في غطرستهِ، وَهُوَ في عنجهيتهِ، يقولُ: لنفعلنّ ولنفعلنّ؛ فكان الصريع في يومِ بَدْرٍ، وكان الذي انتقل إلى سوءِ المصيرِ؛ والعياذ بالله!

(كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)؟ يقولُ سيدنا قتادة: "دمرهم وأهلكهم ثم نقلهم إلى العذاب الشديد"، هذهِ العاقبة! فأيُّ عاقلٍ لا يبالي بسوءِ هذهِ العاقبة؟! أو يعرّضُ نفسهُ لها؟! هلاكٌ في الدنيا ثم عذابٌ يشتد في الآخرة، وتلك عاقبةُ جميعِ المكذبين. فقم بحقيقةِ التصديق؛ لتستقيم على ما يَليق، بمُصدّقِ بأمرِ الحقِّ على لسان رسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربهِ. 

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ):

  • والأمرُ متكرر حتى في عصرِنا وفي زمانِنا، وكم أفراد وجماعات من المكذبين، يظهرون هُنا وهُناك ويتطاولون على أمرِ اللهِ ورسوله، ثم تحلُّ بهم النقمة، ويحلُّ عليهم الوباء والعذاب، وينقلون إلى العذابِ الأكبر. 
  • ولكن أكثر الدائر فيما يُنشر من وسائلِ الإعلام وغيرها، إهمالُ مثلِ ذلك، وإغفالهُ كأن لم يكن، وإلا لا يكاد أن يمر بنا على ظهرِ الأرض يومٌ واحدٌ إلا وفيه من هذهِ الاعتبار معانٍ؛ في أفرادٍ أو في جماعات هُنا وهُناك. 
  • لكن أكثر ما يُنشر هو ما يستخدمهُ أهلُ الأغراضِ، وأهلُ الأهواءِ لقضاءِ مآربهم وشهواتهم.

ولقد مضى مسلكُ الصُلحاء أن ينتشر بينهم أخبارُ العبرةِ والإدِّكار؛ في الصغار وفي الكبار، كم يموت في اليومِ والليلة على ظهرِ الأرض؟ 

ولو تأملت الحال الظاهر عند الخاتمة لرأيت عِبَرًا: 

  • فصُلحاؤهم وأخيارهم ومن مضى على قدمِ في تقوى الحقِّ، في الإخلاصِ لوجهه، في العملِ بطاعته، يظهر عليهِ عند موته؛ من مثلِ ذكرِ الله، والنطق بتوحيده، وتهللِ وجهه، آثارًا. 
  • أو تكون الخاتمة مصبوغة بصبغةِ العمل الصالحِ القريب؛ هذا في مسجدهِ، وهذا في قيامهِ في الليل، وهذا عند فراغهِ من العملِ الذي يقول عنه ﷺ: "إذا أراد الله بعبد خيرًا عسَله، قيل: وما عَسَلُهُ يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعملٍ صالحٍ يقبضه عليه، قال: يفتحُ له عملًا صالحًا قبل موته ثم يقبضُه عليه".

ولو تأملتَ مظاهر وخواتيم أهلِ الفسقِ، لرأيت فيها ما يُنذر بالخطرِ، والهولِ الأكبر! في الذين يموتون في اليومِ والليلة على ظهرِ الأرض، وكم وكم من عجائب! يتعامى الناس عنها، ويتغافلون ويتصاممون! (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)).

يذكرُ الإمام السخاوي عليهِ رحمةُ الله تبارك وتعالى: أنَّ رجلًا كان بالمدينةِ المنورة، وكان يذكرُ سلف الأمةِ بما لا يليق، ويتكلم على الصحبِ الأكرمين، يقولُ فيما يرويه: أنَّ ابن هيلان بالمدينة كان على ذلك الوصف، وكان يهدم يومًا حائطا، فانهدّ عليه الحائطُ فقتله؛ فقُبر بالبقيعِ، فأصبح القبر مكشوفًا وهو غير موجود فيه، ولا أثر للتراب الذي دفنوه به أيضًا ، حتى يُقال أنه نُبش، ولكن بدا اللّبِنُ وما تحتهُ والأرض فاضيةً، حتى أن القاضي جمال الدين كان ممَّن وقف عليه، ووقف الناس أرسالًا ينظرون الى القبر، وإذا بالقبر خاليًا قد نُقل بجسده من المدينةِ المنورة، فلم يَبقَ حيثُ النورُ ولا حيثُ البركة!

وأورد الإمام السيوطي حديث: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ سَارَ بِهِ قَبْرُهُ إليهم -أو قال: نُقل إليهم- حتى يُحْشَرُ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"؛ ففيه أنّ الله ينقل بعض الأجسادِ عندما تُقبرُ في الدنيا إلى حيثُ يكون حالها اللائق بها، مع من يتصلون بهِ بتلك الروابط المعنوية والصِّلَات الغيبية. 

 

تفسير قوله تعالى: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12))

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11))، واصلْ خطابك؛ منبهًا للعقولِ، باعثًا للضمائر، لتدرك الحقيقة واضحة: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ 

إسَألهم سؤالًا جاليًا واضحًا قويًا يوقفهم على سرِ خلقهم وإيجادهم، وعلى عظمةِ الإله الذي أوجدهم: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟ 

يا أيُّها المغترون بأنفسهم، يا أيُّها المغترون بأهوائهم، ياأيُّها المغترون بأصنامهم؛ أيُّ شيءً من أنفسكم وأهوائكم وأصنامكم خلق شيئًا من السماء، أو شيئًا من الأرض؟ 

(أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ) [الاحقاف:4]؟! إذا كان هذا حالكم، ثم يأتيكم الخطابُ من قِبلِ إلهكم على ألسُنِ رُسلٍ، يصطفيهم بحججٍ واضحةٍ ومعجزاتٍ بينة، تتعامون وتتصاممون اتباعًا لشهواتكم وغفلاتكم، وتحكّمون شيئًا من أوهامكم، أو عقولكم على مالِكِكم ومالكِ كلِّ شيء، ثم تتبعون من لا يملك، ومن لم يخلُق، ومن لم يرزق، ومن لم يُنشئ، ومن لم يُوجد؟! (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). 

خاطبهم بالصراحة: (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟

(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)! 

  • أيُّها المغترون بأهلِ الأفكار؛ من الذي يخلقُ منهم الذباب؟ 
  • أيُّها المغترون بأهلِ الصناعة، من الذي يصنع منهم الذباب؟ 
  • أيُّها المغترون بأهلِ أسلحةِ الدمار الشامل، من الذي يخلُق منهم الذباب؟ 

(لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج:73]! 

ولا تزالُ زلزلاتُ الأرضِ تقلقهم، ولا تزالُ رياحُ الأرضِ تزعجهم، ولا تزالُ فيضاناتُ البحارِ تغرقهم، وتغرق ومدنهم وقراهم، وتعطل مصالحهم وأجهزتهم! فالقوةُ لمن؟ والقدرةُ لمن؟ ما هذا الاغترار؟! ما هذا التكذيبُ بعظمةِ البديع، وأنّ يتحول أحدكم تَبَِيعًا لمن لم يَخلُق، ومن ليس بيده شيء؟!

(قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، أَجِب بالجوابِ الواضح الذي لا يستطيعُ عاقلٌ أن ينكرهُ ولا أن يتردد فيه: (قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)! وما هذا الاستعطافُ والاستلطافُ أمام المكذبين والمعاندين؟ يقول: كتبتُ على نفسي الرحمة، و(قُل) لهم مع ذلك: إن تابوا إليّ قبلتهم، وإن رجعوا إليّ عفوتُ عنهم، (كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

وقد جاءنا في الصحيحين عن رسولِ الله -صلى الله عليه وصحبهِ وسلمَ- أنهُ قال: "إنَّ اللَّهَ كتبَ كتابًا قبلَ خلقِ السمواتِ والارض، فَهوَ عندَهُ فوقَ العرشِ؛ كان فيما كتب: إنَّ رحمتي سبَقت غضَبي"، وفي لفظٍ: "إنَّ رَحْمَتِي عَلَتْ غَضَبِي"، إذا جاء "سبَقت غضَبي"، فلا يُوهَمُ إذا أُضيفت الرحمةُ، والغضبُ لله على أنهما وصفان من صفاته،  أنَّ أحدهما يتقدم من حيثُ الوجود على الآخرِ، ولكن يتقدمُ أحدهما على الآخرِ من حيثُ الكَثْرة، ومن حيثُ الحكم به، ومن حيثُ متعلقاتهِ في الوجود:

  • فالرحمةُ والغضبُ وْصفهُ -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه- لا يتقدم فيهِ شيءٌ على شيء من حيث الوجود، فكلها في الأزل قديمة.
  • ومعنى "سبَقت غضَبي": أن رحمتي هي التي أحكم بها فتغلُبُ الغضب، فهي أكثرُ، وهي أقوى، وهي التي أتجلّى بها في الأصل، "رحمتي عَلَت غضبي" كما جاء تفسير ذلك في الرواياتِ الأُخَر.

(كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ)، وهو لام للقسم، أي: والله وعزته (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛ 

  • إمَّا (إِلَىٰ) بمعنى الصلة، أي: ليجمعنكم يوم القيامة. 
  • أو (إِلَىٰ) بمعنى (في): ليجمعنكم في يوم القيامة. 
  • أو ليجمعنكم -من أولكم إلى آخركم في البرزخ- إلى يوم القيامة، فيلفّكم لفّا، وينشركم ويحشركم.

(لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، وفي هذا أيضًا إشارةٌ إلى أن مظهر رحمتهِ -وإن برزت في العالمِ- فإن يوم القيامةِ لا يَنفَكّ عن ظهور هذهِ الرحمة، وإلا لم يَنجُ أحد؛ بل تتضاعف الرحمةُ في ذلك اليوم.

وقد جاءتنا الأحاديث أنَّ تَجلّي الحقَّ بالرحمة فيما أجراهُ من أفعالهِ على الخلقِ جزّأه مئة جزءٍ، فلم يُنزل إلى العالم هذا إلا جزءًا واحدًا، فجميع التراحُمِ بين الإنسِ والجنِ والحيوانات ناتجٌ عن هذا؛ حتى به ترفع الدابةُ حافرها عن ولدِها، وبها تحنُّ الطيورُ لأولادها وترعاها، وأنواعُ الحيوانات، فإذا كان يوم القيامة رَدّ الجزء إلى التسعةِ والتسعين فرحم بها عباده، إنهُ أرحم الراحمين، جلَّ جلاله. 

(كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ)، واللهِ (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ)، لا شك، لا شك ولا تردد ولا مِرية، (لَا رَيْبَ فِيهِ). (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) [النبإ:17]، مُوقَّتًا بساعةٍ ستأتي لا مرية ولا ريب: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ) [هود:103-104]، (كَانَ مِيقَاتًا): موقّتٌ بساعةٍ ستأتي (لَا رَيْبَ فِيهِ).

إذًا، (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام:20]، (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) يا معشر من خسر نفسه بعدم الإيمان، ويجمعُ الأولين والآخرين؛ (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ). الخسران والغَبْنُ على من لم يؤمن، فأعلى نعمِ المنان علينا الإيمان؛ اللهم زدنا إيمانًا، وهي النعمةِ التي يحاولُ عدو اللهِ، ومعه جنده من الجن والإنس، أن ينزعوها من بواطن المؤمنين -اللهم ثبت شباب المسلمين وناشئتهم على الإيمان واليقين- في كلِّ عصرٍ، بأنواعٍ من التشكيكاتِ يُحدثونها بالحُججِ الداحضة الباطلة، وكم عرّضوا شبابنا في عصرنا: 

  • استغلوا من أوضاعنا في إهمالنا، وفي انفصالنا عن أنوارِ إلهنا، وحقائق رُشِدنا، وصِلاتِنا بأهلِ الحقِّ والهُداة فينا؛ صِلاتنا بمعرفة تراثنا على وجههِ، وتاريخنا على وجههِ. 
  • قد جَهِلنا أنفُسنا؛ في ديننا وفي تاريخنا وماضينا، واستُغل ذلك جسرًا للتشكيكِ، عند كثيرٍ من شبابنا وناشئتنا في أصل دينهم. 

اللهم احفظ على الأمةِ دينها، واحفظ عليها إسلامها وإيمانها ويقينها برحمتك يا أرحم الراحمين.

(الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12))، فالخسرانُ الأكبرُ؛ فواتُ الإيمان، والفوزُ كلُّهُ في الإيمان.

 اللهم زدنا إيمانًا في كلِ آن؛ اللهم كما أنعمت علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعمت علينا بالإيمان فزدنا منه في كلِّ نفس وكلِّ لمحة، وكما أنعمت علينا بالعافيةِ فزدنا منها، وكما أنعمت علينا بالعمرِ فبارك لنا فيه، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

ثم ساق لنا الرحمن من أوصافهِ العُلا، وأسمائهِ الحسنى ما تنشرحُ بهِ الصدور، وتزداد بهِ القلوب نورًا على نور؛ اللهم افتح لنا أبواب الفهم في خطابك، وارزقنا حسن التأدب بآدابِ سيدِ أحبابك، وثبتنا على القدم الذي تحبها منّا في متابعته ظاهرًا وباطنًا يا أرحم الراحمين.

فيأتي ذلك التأملُ معنا إن شاء الله في جلساتنا القادمة في شهرِ رجبِ الأصبّ، حيثُ تُصبّ الرحمة صبًا، ويرقى من يرقى رُتبًا، ويلقى من يلقى من فَيْضِ بِرِّ اللهِ وجُودِهِ عَجَبًا؛ اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان، وأعنا على الصيامِ والقيام، واحفظنا من الآثام، وثبتنا على ما تحبُ منا في الإقدامِ والإحجام، والنيةِ والفعلِ والكلام، وارضِنا باليسيرِ من المنام، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

24 جمادى الآخر 1433

تاريخ النشر الميلادي

15 مايو 2012

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام