تفسير سورة الأنعام - 4 - من قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ..)، الآية 7

تفسير من قوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ...}7سورة الأنعام
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى: 

﷽

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • حقيقة التوحيد وعلاقة المسبب بالأسباب.
  • خطورة الانحراف في فهم النصوص والتحذير من أتباع الهوى.
  • تنزيه الله تعالى ونفي الشريك والحلول والمكان.
  • طبيعة الخلق الإنساني والروابط الممتدة بين الأصول والفروع.
  • الإيمان بالقدر والأجل والبعث:
  • عناد أهل الأهواء واقتراح المعجزات التعنتية.
  • حكمة بعثة الرسل من البشر.
  • تسليَةُ النبيِّ ﷺ والاعتبارُ بسُنَنِ التاريخ .
  • الاعتبار والاتعاظ بالسير في الأرض.

نص الدرس:

الحمدُ للهِ مُكْرِمِنا بآياتهِ المنزلة، ومختارهِ الذي ختم بهِ رُسله، وبالبيان المفضي إلى تحقيقِ الحقِّ بالعيان، وبالهدي النبوي المثبّت أتباعهُ على المنهجِ السوي. نسألهُ أن يثبت لنا الأقدام، وأن يتولانا في كلِّ إقدام وإحجام، وأن يصلي ويسلّم أفضل الصلاة والسلام على عبدهِ المصطفى خير الأنام، سيدنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ وأهل قربه وجميعِ حزبه، وعلينا معهم وفيهم، إنهُ أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

أمَّا بعدُ،،،

فقد انتهينا في تأملِ معاني كلامِ ربنا وخطابهِ إيانا إلى قوله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)).

بيّن الحقُّ جلَّ جلاله أنَّ أرباب النفوس التي غلبت عليها أهواؤها، وانقادت لشهواتها، فأضحت لا تقابلُ النداء الجميل، وتوضيح السبيل، وقوة الدليل؛ إلا بالعناد، وإلا بالتكذيب، وإلا بتشهي النفس ما تتخيلهُ، وما ينازلها من الأوهام؛ في اختراعِ الآيات، واقتراح الدلالات، ثم لا تُفضي بذلك لو حصل إلى تصديقٍ، ولا إلى تحقيق. 

وهكذا؛ نفقه فقهًا في شؤونِ تسيير هذه النفوس، بإرادة الملك القدوس سبحانه، الذي يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء، فتقوم الحجةُ على عُبَّادِ الأهواء، وأتباعِ الشهوات، ولا يلوم أحدٌ منهم إلا نفسه: "يا عبادي إنَّما هيَ أعمالُكم أحصيها لَكم ثمَّ أوفِّيكم إيَّاها، فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللَّهَ، ومن وجدَ غيرَ ذلِكَ فلا يلومنَّ إلَّا نفسَهُ".

أَبَعدَ تنزيلِ ربِّ العالمين وما *** أقامَ من حُجَجٍ كالشمسِ والقمرِ
يبقى لديَّ مرضٌ أو مِريةٌ شُبَهٌ *** أو مشكِلٌ؟! لا وربِّ البيتِ والحَجَرِ!
لكن شقاوةُ أقوامٍ وحظُّهمُ *** المنحوسُ أوقعَهم في الشرِّ والشررِ

اللهم اهدنا فيمن هديت، وهو القائلُ في حديثه القدسي: "يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُه، فاستهدوني أهدِكُم"، فاستهدوني: اطلبوا مني الهداية؛ أهدكم. 

اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاءُ إلى صراط مستقيم.

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))

يقولُ: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ) لم يقتصرُوا على المعاينة، ولكن لمسوه باليد؛ فإن غاية ما يكون ضربًا من السحر ما تُسحر به الأعين: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) [الأعراف:116]، ولكن ما يُلمَس ويُحَسّ يكون أبعد عن التخييل فيه، قال: (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ). 

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ) من السماء. وذلك أنَّ بعض أولئك أرباب النفوس، أرباب العناد، كمثلِ: النضر بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية، ونوفل بن خويلد، قالوا لرسول الله ﷺ: لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله، ويشهدُ لك  معهُ أربعةُ من الملائكة يشهدون أنه من عند الله وأنك رسوله! قال الله: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) -مثل هؤلاء الذين اقترحوا عليك هذا الاقتراح- (إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))، كما قالوا في الآيات السابقة؛ كمثل انشقاق القمر، وغيرها من الآيات البينة الواضحة.

 

تفسير قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8))

وفي ذلك أنّ الله سبحانهُ وتعالى يجعلُ للناس من العلاماتِ والدلالات والآيات ما يكفيهم، ثم ما جاءهم من غير اقتراح منهم، ولا معاندةٍ، ولا تعنّتٍ، وتشفٍّ، فيما يريدون من الآيات، فيكون المجال لهم فيهِ فسيح أن يتأملوا أويُمهَلوا، ولكن إذا اقترحوا معاندين وجاءت الآيات بما طلبوا فإمَّا إيمان، وإمَّا هلاكُ سريع، لا يُمهَلون بعدها ولا يُنظَرون.

 كما قال في الآية: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)؛ وذلك أن جماعة أيضًا منهم، نفسه النضر بن الحارث ومعه غيرهً مثل: زمعة بن الأسود، وعبده بن عبد يغوث، والعاص بن وائل، قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: لو جُعل معك مَلَك يُحدّث عنك، ويُرى معك؛ حتى نوقن أنك جئتَ من عند الله! 

قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)، ولو بعد هذا العناد، ومعه من الآيات مثل الوضوح في نزول الملك وزيادة، لن يكفيهم أنهُ الصادق، وأنهُ الناطق بالحقّ، وفي كلِّ شيءٍ لهُ آية جلَّ جلاله! ولكن هكذا تشهيّات النفوس، وهكذا التعللات التي تمنع الإنسان من الوصول إلى الخير وتكتب عليه الفشل.

فإذا غلبت النفس هكذا ولو في أبسط الأشياء، لم تَقُمْ للإنسان قائمة، و لفشل، يقولُ في هذا الأمر: وكيف؟ ولستُ أثق بأنه كذا، مالذي تقول لنا أنه كذا؟ وربما يحصل كذا، ويفشل في أمره ولا ينجز شيئًا! ولو اتصل بطبيب وأخذ يتعنت ويقول: ولماذا اعطيتني؟ ولماذا أخذت مني؟ ولماذا جئتُ إليك؟ وربما هذا ضرّني! لفشل في مقابلته معه، وفي محاولة معالجته إياه. ولكن من بَرِئ من هذا المرض النفسي القلبي، وأخذ ما يكفيه دلالةً، وما يكفيهِ برهانًا وبيانًا، سَهُل عليه الأمر، ووصل إلى الخير.

كذلك من كان يجلس مع أهلِ العلمِ، ثم يقدّم في نفسه هذه الشؤون، حالتْ بينه وبين إدراكِ حقيقة العلم، وبين أخذِ العلم، وربما حُرِم الاستفادةَ من خيارِ علماءِ زمانه وأكابرهم، فضلًا عمَّن سواهم، حتى يموت وهو محروم؛ لأنه لا يقنعهُ شيء، ويظل يقترحُ، ويريد أن تمشي الأمور على مراده! كما حكى الله عنهم: 

  • (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ)، فلان وفلان، (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) [الزخرف:31-32]؟! (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124]. 
  • ما لكم تريدون الخالق الرحمن متعاملًا معكم كمعاملةِ خادمٍ أو مملوكٍ لكم؟! ما لكم؟! ما لكم لا تفقهون، وأنتم تعلمون أنكم كنتم عدمًا محضًا، وأنَّ الآيات من حواليكم تدلُ على عظمةِ خالقكم. 

فكيف تريدون أن يكون تحت عقولكم وتصرفاتكم واقتراحاتكم وأموركم؟! وهذهِ آياتُه الكافية، الواضحة، البينة!

(وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ)، قال تعالى: 

  • (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا)؛ باقتراحهم هذا، بعد عنادهم وإبائهم، لما أنبأت صدورهم إلا عمَّا دُفن فيها من العناد والإباء والتطاول، ولكذّبوا، فحينئذٍ يُقضى الأمر، أي لا يُمهَلون ولا ساعة. 
  • (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ)، إمَّا إيمان واتباع -وهذا الذي هو بعيد عنهم- كما قال تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) [الحجر:14-15]. 

وبعدُ؛ أي آية تريدون؟ أي علامة تريدون؟ أي دليل تريدون؟

وفي هذا المجال، انظر الناس -مع ما يعيشون فيه من الأزمنة- من القرن الأول إلى أيامنا هذه: 

  • أهلُ حسن الظّن بعباد الله كم أُمِدّوا من إمدادات، وكم ارتقوا من مقامات! 
  • وأهل سوء الظن، لو أكبر أولياء زمانه أمامه يقول: كيف ذا؟ وكيف ذا؟ ما دليل كلامك؟ ما العلامة أنه كذا؟ وقضى عمره وهو في العناد، هو والقوم لمرضٍِ في نفسه، فيعيشُ محرومًا والعياذ بالله تبارك وتعالى.

يقولُ: (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ)؛ أي في سُنتنا إذا أجرينا أمرًا، بتطاولِ أحدٍ وجراءته، مدعيًا أنه يؤمن ثم لم يؤمن، ينتهي الإمهال بالنسبة له، فلا يُمهَلُ ولا ساعة، بل يُعجَّلُ الانتقام منه: (لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8))، لا يُمهَلون ولو لحظة.

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9))

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا)؛ يقول الله: لو أردنا أن نجعل ملَك يبلغهم ويعلمهم، فإن خلقهم وتكوينهم، لا يستطيع مقابلة الملَك بهيئته التي خلقناهُ عليها، فكيف يكلمه؟ لا بد أن نشكّل الملَك، ونصورهُ بصورةِ إنسان؛ حتى يخاطبهم ويتحدث معهم. 

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا)؛ حتى يمكن أن يروه، وأن يشاهدوه، وأن يسمعوا كلامه، أي شكّلناه في صورة الرجل، كما تتشكّل الملائكة إذا أرادوا أن يظهروا على أحد من الناس، كما حكى لنا الله عن الملائكةِ الذين أقبلوا على سيدنا إبراهيم، وأقبلوا بعد ذلك على سيدنا لوط، فظنوهم من الناس حتى قرّب إليهم الطعام سيدنا إبراهيم، فتشكلوا بصور الرجال: (لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا).

وإذا شكّلناه بصورة رجل يقولون: هذا ليس مَلَك، هذا رجل! (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، ولرجعوا في الالتباس والوقوع في اللبس، وكلُّ من لبّس على نفسه أمرًا، فلا يزال يُلبَّس عليهِ الأمر: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ)، (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)).

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10))

يقولُ الله: وسواءً قالوا هذا الكلام: 

  • عن توهّمٍ منهم في تجرئهم وتطاولهم، أنهم لو حدثت تلك الآيات لربما آمنوا. 
  • أو كان عن استهزاءٍ منهم كما رأيت أصنافًا من استهزائهم. 

(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ)، وقد مرّ ﷺ على طائفة من كبار مشركي مكة، فأخذوا يغمزون ويلمزون ويستهزئون به، فشقّ عليه ما يؤول إليه أمرهم، وما يتعرضون لهُ من غضب الجبار، وعذابٍ لا يُطاق؛ فسلّاه الله يقول: والرسُل قبلك أيضًا كان يُستهزأ بهم. 

وبهذا تعلم أن أي إنسان لا يريد أن يكون لهُ في عيشته وحياته مستهزئٌ به، أنهُ تعدى طور إنسانيته وظن كأنهُ إله! إنمَّا أنت عبد، وخيار العبادِ وأكابرهم، اقتضت حكمةً الحكيم أن يُستهزأ بهم، على ظهر هذه الأرض، وفي هذه الحياة؛ فلا نصيب لك من التواضع وأنت تكره أن يُستهزأ بك، أو أن يُتكلم عليك، فمن أنت ومن تكون؟! كيف وأنت محلُ النقص ومحلُ الضعف، فالكُمَّل المعصومون استُهزئ بهم: 

  • (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ). 
  • وقال الله عن سيدنا نوح: (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) [هود:38].

 (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ) أي: أحاط وحلّ ونزل؛ (بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10))، أي نتيجة استهزائهم من العذاب وقع عليهم، أو العذاب الذي كانوا يستهزئون بهِ إذا حُدّثوا عنه صار حالًّا بهم واقعًا عليهم، كما قال سُبحانه وتعالى؛ عن تعذيبهم في النار: (ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ) [السجدة:20]، خذوا هذا الذي كنتم تكذبون به، كنتم تستهزئون.

 وهكذا، إنَّ هذا ما كنتم به تكذبون، إنَّ هذا ما كنتم به تستهزئون. يقولُ سبحانه وتعالى: (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) [الطور:15]، لمَّا يواقعون العذاب ويواقعونه مواقعة؛ يقولُ سبحانهُ وتعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَٰذَا)، أهو هذا السحر الذي كنتم تقولون عليه، وتسمون حبيبنا ساحرًا؟! (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:13-16].

فما أحرى العاقل بأن يُحسنَ التدبر والتأمل، ويستفيد من سنةِ الله في الكون، ويُعلمِ نفسهُ في عبوديته، فيخضع ويخشع، ويهتدي ويطيع ويتبع، حتى يحوزَ بالفوزِ الأعظم: (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)). 

ولقد يشاهد الناس في أعمارهم القصيرة، أمثلة لذلك كثيرة: 

  • فيجدون كثيرًا ممَّن استهزأ بصالح، أو بولي، أو بعارف، أو بمقرب، أو بعالم. 
  • مرَّت عليهم الأيام فصاروا عِبَرًا، ونازلهم ما نازلهم، وعاينوا فيهم ما عاينوا. 

فيأتي من بعدهم ويكرر نفس التجربة ونفس المآسي! سبحان الله!

 

تفسير قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)) 

 (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) بعقولكم، بأفكاركم، بأسماعكم وأبصاركم سيروا في الأرض، ( ثُمَّ انظُرُوا)، يساعدكم على هذا السير الفكري العقلي، السيرُ القَدَمي بطي المسافات والرحلات في الأرض بقصد الاعتبار والادّكار، لكن المقصود من هذا السير هو حسن النظر والفكر أولًا: 

  • (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف:185]. 
  • (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ). 

هل أنتم أول من استهزأ برسلنا؟ هل أنتم أول من استهزأ بالصالحين من عبادنا؟ وقد استهزأ قبلكم قوم مثل استهزائكم وأكثر وأقل، فأين ذهبوا؟ وما كانت عواقبهم؟ وكيف كانت خواتمهم؟ وما كان المآل لهم، وما جرى عليهم في الحياة؟ 

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)):

  • كيف كان عاقبة المكذبين! ممَّن كذّب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟ 
  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) فانظروا كيف كان عاقبة المؤذين للصالحين؟ 
  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) فانظروا كيف كان عاقبة المؤثرين للمعاصي والسيئات؟ 
  • (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) فانظروا كيف كان عاقبة التاركين للشريعة، المستبدلين بها أنظمة أخرى في قرنكم، وقبل قرنكم، والقرن الذي قبله؟ 

كيف كانت عواقبهم؟ كيف كانت نهاية أمرهم؟ 

  • (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا) [الطلاق:8].
  • (وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102]. 
  • (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)).

فأولى الناس بالسياحةِ الفكرية، والسياحة في الأرض المقرونة بالتأمل والنظر؛ هم المؤمنون، وهم خير من يفيد الناس بسياحاتهم تلك، ويهدونهم إلى الحقيقة، ويدلونهم على الواقع بلا زيغ ولا تلبيس ولا اغترار: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)). 

يقول: فيا أيها المكذبون بنبينا، ترقبوا عاقبةً مثل عاقبة من قبلكم، ذكر الله عواقب الماضين ثم قال: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ)، أنتم الكفار في زمانكم خير من أولئكم؟ (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر:43-45].

كانوا يقرأون هذهِ الآيات بمكة، حتى سيدنا عمر يقول: فقلتُ لما قرئت الآية مرة: أي جمْعٍ هذا؟! (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) فلما كان يوم بدر بعد الهجرة، وجاءت سنة أولى، سنة ثانية، خرج صلى عليه الصلاة والسلام من العريش وهو يقرأ: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) ففهمت تفسير الآية؛ وإذا الحقّ تعالى يذكر أشياء ستكون في المستقبل وستأتي بعد سنوات: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر:45].

وهذا الذي يجري في هذا العالم، مع ما فيه من العبرة يسير جدًا بالنسبة للمُقبِل: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ)، العواقب الكُبرى والنهايات العظُمى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ) -أمثالكم ونظراءكم- (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ) [القمر:46-53].

ختامًا للسورة بالنهاية العظمى للأعاظم، للأخيار، للأتقياء: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر:54-55]، جلَّ جلاله وتعالى وعُلاه.

فهكذا يقودنا القرآن لإدراك حقائق العظمةِ لمكوّن الأكوان، لنكون من خيرِ بني الإنسان، في الوعي عن الرحمن. 

اللهم املأ قلوبنا بالإيمان، واجعلنا من أهل الإيقان، وارفعنا أعلى مراتب القرب منك، والدنو إليك والفهم عنك. اللهم افتح لقلوبنا أبوابًا في فهم كتابك، ووعي خطابك، وثبّت أقدامنا على اتباع سيد أحبابك، وأعذنا به من شرور الدنيا والآخرة، واجعلنا من أهل الوجوه الناضرة التي إليك ناظرة، برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

13 ربيع الثاني 1433

تاريخ النشر الميلادي

06 مارس 2012

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام