تفسير سورة الأنعام - 3 - من قوله تعالى: (وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ..)، الآية 3

تفسير من قوله تعالى: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ...}3سورة الأنعام
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى: 

﷽

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • التنزيه المطلق والإحاطة الإلهية الشاملة:
    • تنزيه الحق سبحانه عن الزمان والمكان والكيف.
    • فهم نصوص القرب ونبذ التشبيه والتجسيم.
    • مراقبة علام الغيوب واستواء السر والعلانية.
    • حقيقة الكسب والاختيار والخضوع لله.
  • طغيان الإنسان وفتنة التمكين المادي:
    • الاعتبار بمصارع القرون السابقة وحضاراتهم المادية.
    • وهم الاستغناء بالقوة والمظاهر المادية.
    • عتو الإنسان وعناده وحقيقة الرقي بالوحي.
  • مكابرة المعاندين والجمود أمام الدلائل:
    • عناد المعرضين وموقفهم الجاحد من آيات الله.
    • تكذيب الرسول الكريم ﷺ وعاقبة الاستهزاء.
  • ثبات الداعية والقدوة بالنبي المصطفى ﷺ:
    • النبي ﷺ أصفى مرآة للحق والهدى.
    • التفويض لله في هداية الخلق وعدم الحسرة عليهم.

نص الدرس:

الحمدُ للهِ باسطِ الفضل ومجزلِ العطاء، وغافرِ الزلاتِ والذنوبِ والخطأ، وصلى الله وسلم على عبدهِ المصطفى، أكرم داعٍ إليه ودالٍّ عليه، محبوبهِ الذي اصطفاهُ من براياه، وصفوتهِ الذي انتقاهُ من خلقهِ تعالى في عُلاه. أدِم يا ربَّنا صلواتك على عبدك المحبوبِ سيدنا محمد، وعلى آلهِ الأطهار، وأصحابهِ الأخيار، ومن مشى في منهجهِ؛ منهج الهدى والرشد، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا واحدُ يا أحد.

 أمَّا بعد،،،

فإنا في تأمُلِنا لمعاني الخطاب من ربِ الأرباب جلَّ جلاله، مررنا على أوائلِ سورةِ الأنعام متأملين قولهُ جلَّ جلاله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2))، فعجبًا لكم! 

  • ما سببُ الشكِ وما مجالهُ؟ 
  • وكيف يَرِدُ إلى بالكم وهذهِ الآياتُ والدلائلُ واضحةً جلية، يفهمها كلُّ من يعقل؟! 

 

تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))

يقولُ سبحانه وتعالى: إنَّ هذا الذي له الملكُ وله الحمدُ، الخالقُ المنشئ: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)).

(وَهُوَ اللَّهُ)، بعضهم جعل في معنى الآيةِ تقديمًا وتأخيرًا: 

  • (وَهُوَ اللَّهُ) يعلم سرَّكم في السماواتِ والأرض ويعلم ما تكسبون، وهو اللهُ في السماواتِ والأرض إله، (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ) [الزخرف:84].
  • (وَهُوَ اللَّهُ) في السماواتِ والأرض؛ محيطٌ وقادرٌ ومدبرٌ وآمرٌ.
  • (وَهُوَ اللَّهُ) تعالى في عُلاه.
  • (وَهُوَ اللَّهُ) في السماواتِ والأرض يحيطُ بالسماواتِ والأرض ولا تحيطُ بهِ سماءٌ ولا أرض.

(وَهُوَ اللَّهُ) إذا علمنا تنزُّههُ عن مشابهةِ الكائنات، وعن الزمان، وعن المكان، وعن الكيفيات، فإنَّ جميع الزمانِ والمكانِ والكيفيات؛ 

  • محاطةٌ بعلمه.
  • مقهورةٌ لأمره.
  • مخلوقةٌ بحكمته.

فيها أسرارُ قدرته، وأسرارُ تصريفه وتدبيره، وفيها أسرارُ سمعهِ وبصره، بعد خلقهِ وإنشائهِ وإيجاده، وفيها أسرارُ إمداده، وفيها أسرارُ إمهالهِ لمن يُمهل، وإفضالهِ على من يتفضّل، فلا يخلُ حالٌ من الأحوال، ولا زمنٌ من الأزمان، ولا كيفيةٌ من الكيفيات، ولا صورةٌ من الصور عن هذه المعاني لله الذي فطر، وقدّر ودبّر -جلِّ جلاله..

  • وبهذا المعنى نقرأ مثل قولهِ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة:115]. 
  • وبهذا المعنى نقرأُ مثل قولهِ سبحانهُ وتعالى: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [المجادلة:7]، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

وبذلك وبهذا المعنى، نقرأُ كثيرًا من الآيات والأحاديث: 

  • نقرأُ آية: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة:40] وهو في الغار.
  • وقولُ سيدنا يونس بن متّى وهو في قعرِ البحرِ: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87].
  • وقولهُ: "أنتَ كما أثنَيتَ على نَفسِك"، رسولُ اللهِ: 
    • فوق السماواتِ العُلى: أنت . 
    • وفي أعماق البحر: أنت . 
    • ومعهما وسط الغار: 
    • "أنتَ كما أثنَيتَ على نَفسِك" فوق سدرةِ المنتهى عند العرش: أنت. 

إذًا فلا يحيطُ بهِ عرشٌ ولا أرضٌ ولا سماء، ولكن لا يمكن لعرشٍ ولا أرضٍ ولا بطنُ حوت أن تخلو عن آياتهِ ودلالاتهِ، وقدرتهِ وتدبيرهِ، وإنشائهِ وتصريفهِ، وملكهِ وقهرهِ، وعظمتهِ وعلوهِ وعلمهِ، جلَّ جلاله.

لا بد من معرفة ذلك حتى نؤمن بالآياتِ كاملة، سالمين من التشبيهِ، ومن التصويرِ، ومن التقديرِ للحقِّ الذي لا يمكن أن يحيط بهِ شيء، وبذلك نقرأُ أيضًا قوله جلّّ جلاله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]. 

فأمَّا الذين عند تفسيرِ المعنى بالوجه المتلقى عن صاحب العلمِ الأسنى، والدلالةِ العظمى؛ على الذاتِ والصفاتِ والأسماء -صلى الله عليه وصحبه وسلم- الذين عند سماعهم لذلك المعنى الصحيح والوجه المليح، يقولون: لا، لا مجاز، بل الكُلُّ حقيقة! على غير بصيرةٍ بمعنى: الكلمة، نقول له: فأين تذهبُ حقيقتك عند صريح هذهِ الآيات؟ وأنت الذي تريدُ أن تحصُرَ ربَّك في مكانٍ، أو تبحث له عن موطنٍ يتوطنهُ، أو مسكنٍ يسكنهُ؟! تعالى الله علوًا كبيرًا! أين الحقيقةُ عند قولهِ: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)؟ أتفسِّرهُ بما تخيل بالُك من مجازٍ أو من حقيقة؟! إنَّ وضع كُلِّ معنى في موطنهِ الذي بيَّنه صاحبُ البيانِ الأسنى، هو النورُ والسَّنا، وهو الخروجُ من كُلِّ الأتعابِ والعناء، وهو الصوابُ الذي يُعامَل بهِ مولانا في الحسِ والمعنى، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

إذًا فلا بد من فقهِ المعنى؛ فهو لِقوةِ إحاطتهِ بهذا الإنسان، وتسييرهِ لكلِّ شأن، واطلاعهِ على شؤونهِ -سواءً بسواءٍ- في السر والإعلان، قال: 

  • (وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16]؛ فهذا قربٌ لا مسافة فيه، ولا جسمية فيه، ولا صورة فيه؛ فنحن نفقهُ ذلك. 
  • ولهذا السموِ والعلوِ والبعدِ عن كُلِّ ما يخطرُ بالبال، نقرأُ معنى قولهِ: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4]، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى:11] جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؛ محيطٌ بكلِّ شيء، عالمٌ بكلِّ شيء، قادرٌ على كلِّ شيء، يغفلُ من يغفلُ عنه، وهو المنزَّهُ عن الغفلة، 

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؛ خالقٌ لها، فعجبًا لك كيف تشتغل بشيءٍ في السماواتِ والأرض وتنساه؟! 

  • (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؛ لا ينبغي لمن آمن به -في سماء ولا في أرض- أن يشغلهُ شيءٌ ممَّا في السماءِ والأرض، عن التفكيرِ في عُلوه، والحضورِ معه، والعملِ بمرضاته، والتطبيقِ لأمرهِ وإنفاذه جلَّ جلاله، وطلبِ القربِ منهُ والدنوِ إليه، وشهودِ عظمته؛ فكُلُّ ما يحصُل من الغفلات سببها انحرافٌ؛ في الوعي، والفهمِ، والمعنى، والتربية.
  • (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)، (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد:4]، (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [البقرة:115]، (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ) -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه- (لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى) [الأنعام:59-60]. 

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ):

  • فأصلحوا الجهر؛ هيبةً لعالمِ الجهرِ، وأصلِحوا السرّ؛ هيبةً لعالم السر؛ فإنَّ فرَّقتم بين الجهرِ والسرّ فقد خرجتم عن شهودهِ إلى شهودِ غيره، وعن معاملتهِ إلى معاملةِ سواه. 
  • وكيف يطيبُ لكمُ الحال وقد آمنتم به، أن تتناسوهُ وتغفلوا المعاملة معهُ لتتعاملوا مع سواه، وسواه داخلٌ في دائرةِ قيوميتهِ، وقدرتهِ، وقهرهِ، وسلطانهِ، وتسييرهِ، وتدبيره، جلَّ جلاله وتعالى في علاه؟!

في تقرير هذا المعنى جاء مثلُ قوله: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) [الإسراء:57]، فكيف تخاف من شيءٍ سواه، وهو المخوُف على الحقيقة؟! خَفْ من الله حتى لا يكون شيء أخوف عليك منهُ، وارجُه أعظم من خوفك منه.

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، فجديرٌ بكم:

  • أن تُصلحوا السرَّ والجهر.
  • وأن تراقِبوهُ في السرِّ والجهر.
  • وأن تتقوهُ في السرِّ والجهر.
  • وأن تحضروا معه في السرِّ والجهر.
  • وأن تُنفّذوا أمره في السرِّ والجهر.

ولذا قالوا: أول قدمٍ في طريق المعرفةِ الخاصةِ بالله؛ استواء السريرةِ والعلانية، هذهِ أول قدم، هذهِ أول خُطوة، هذهِ أول درجة، هذهِ أول رتبة في طريقِ معرفتك بالله: أن تستوي سريرتك وعلانيتك. 

وفي ذلك قالوا: لا يكون الصوفي صوفيًا حتى يكون بحيث لو طِيف بما في باطنه على طبقٍ ظاهرٍ في السوق، لم يستحِ من ظهور شيء منه. 

صفِّ اللهم سرائرنا، نقِّ اللهم بواطننا، يا عالم السرِّ والجهر أصلح لنا السرَّ والجهر، وأصلح لنا كل أمر في السرِّ والجهر، وأصلح لنا حالنا في السرِّ وفي الجهر.

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))؛ فراقبوه، وأيقنوا معاني الكسبِ المنسوبةِ لكم بتقديرهِ وبخلقهِ جلَّ جلاله؛ فإنكم تفرّقون تفريقًا واضحًا جليًا، بين ارتعاش المرتعش مضطرًا لمرض فيه، وبين الحركةِ الاختيارية: 

  • ففرّقوا بين الكسب وما لا كسب لكم فيه، وما تختارون وما لا اختيار لكم فيه. 
  • فرّقوا بين ما أوتيتم القدرة والاستطاعة فيه، وما نُزع عنكم فيهِ القدرةُ والاستطاعة. 

فكُلُّه من وضعه، وإليه أمره جلَّ جلاله، وشأنُ العبيدِ أن يخضعوا للسيد. 

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))..

فكيف تتأخرون عن إجابةِ الأمين المأمون؟! وكيف تنصرفون إلى ما تُمليهِ عليكم أنفسكم، وتتّبعون من الخلقِ من لا حجة لهُ على صلتهِ بنا، ولا سلطان لهُ منَّا، يوُصلُ الدلالة التي نحبها لكم على يده؟! يقولُ اللهُ: إنَّ فوق ذلك كُلِّه، وفي حقيقة ذلك كُلَِّه، أنَّ نهدي من نشاء ونُضلُّ من نشاء، (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر:8].

 

تفسير قوله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4))

وأعجب من حال قومٍ آتيناهم من القدرةِ والقوةِ والاختيار، ومن الآياتِ -معها الدلائل الواضحات- ثم يعاندون ويصرون ويستكبرون! وهذا حال الإنسانِ إذا تبصّر وإذا تدبّر وإذا تأمّل أمره: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ)؛ مُنزلة في القرآن، أو واضحة للعَيان، مقروءة في الأكوان؛ كانشقاق القمر، ونبعِ الماءِ من بين الأصابع. 

(وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4))؛ يتولّون، يتعامَون، يتصاممون، فحُّق أن يُسمّوا (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) [البقرة:18]، فهم لا يعقلون. يقولُ: انظروا إلى هذه الخسة في حال المعرضين عني، وهل ترضون لأنفسكم بعد ذلك هذهِ الحالة؟! 

(وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) واضحة بينة جلية، (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4))!

  • وكم تجد في نفسِ هذا الإنسان، عندما تتشبث بشيء، كلما رأت من الحجج والدلائل الواضحة تذهب يُمنةً ويَسرة ولا ترضى أن تخضع! 
  • ما أجهل الإنْسان! ما أغفل الإنْسان! ما أجحد الإنْسان! (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس:17]! 
  • لم يتجمَّل إلا من كُسِي بجمالِ الأدبِ مع العلّي الأجل، ومن لا، فلا جمال له، وقد حرَم نفسهُ بنفسهِ، جمال الإنسانية وكمالها، وشرف الرفعةِ والرقي بأخذ أمرِ الرب جلَّ جلاله.

 

تفسير قوله تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)) 

يقولُ: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ)، قل لا تستغرب إذا أعرضوا عن الآيات، الحقُّ بنفسه جاءهم فكذبوا به! 

(كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ): 

  • (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ)، قال الله: الحقّ كُلَّه جاءهم، وكذَّبوا! ومن ينظر محمدًا، ويراهُ، ويرى سيرتهُ كيف لا يهتدي؟! كيف لا يرْعوي عن غيِّه؟! كيف لا تتبين لهُ الحقيقة؟! أفي الوجود مرآةٌ أصفى يتجلَّى فيها جمال الحقِّ كمرآةِ محمد؟! (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ). 
  • (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) [التوبة:128]، (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ)، ومن هذا الحقِّ؛ القرآن الذي ينزلُ عليه، فالقرآن حقّ، ومحمدٌ حقّ، صلوات ربي وسلامه عليه.

(فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ)، يقول: بعدما يسمعون كلامنا من هذا اللسان، ويرون هذا الإنسان، فلا يؤمنون ولا يخضعون، فلا تعجب إذا أعرضوا عن بقيةِ الآيات؛ فهذهِ أجلاها وأعلاها، كذبوا بها: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ). 

يقولُ الحقُّ بعد أن نقيم الحجج ونُظهر الآيات؛ قُلْ لمن أبى إلا الغي والضلال والمشي وراء الأهواء: (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)): 

  • (قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) [التوبة:64]. 
  • (هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) [الذاريات:14]. 
  • (أَفَسِحْرٌ هَٰذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:15-16]. 

(فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)):

  • حقائقُ الآيات، وحقائقُ وجودِ محمدٍ في البريات وبلاغهِ عن الله؛ سيأتيهم هذا النبأ. 
  • ويندمون حين تفوت الفرصة، وتتحول عليهم غُصة؛ (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)).

 

 تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6))

 (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ) طائفةٍ بعد طائفة، وأهل زمانٍ بعد أهل زمان، قيل: ستين، وقيل: ثمانين، وقيل: المئة -القرن-. وقد جاء في التاريخ الصغير للإمام البخاري أن رسول الله ﷺ قال لسيدنا عبد الله بن بُسْر: "إنك تعيش قرنًا"، فعاش مائة سنة، فهذا هو القرن.

قال: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ)؛ مئة بعد مئة بعد مئة بعد مئة بعد مئة. أُمة بعد أمة بعد أمة بعد أمة. طائفة بعد طائفة بعد طائفة، (مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ) من طولِ الأعمار، وتيسير كثير من الأسباب، بل يكتشفون الآن تحت أنقاض الأرض آثارًا: 

  • تدل على أنَّ الإنسان قد استخدم وسائل الطيران فيما سبق. 
  • تدل على أن الإنسان استخدم وسائل الاتصال فيما سبق، ثم انحط! 

(مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ): في مظاهر كثيرة (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) [الفجر:8] كما قال الله.

ومن ذلك أن يصير النحت للجبال لا مُلكًا لدولهم وسلاطينهم ولا للأثرياء فيهم؛ المجتمع كُلَّه ينحتون من الجبال بيوتًا! أيّ تقدُّم هذا في القوةِ المادية! كُلُّ أفراد المجتمع بيوتهم منحوتة من الجبال، (يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ) [الحجر:82] -فقيرهم وغنيهم، صغيرهم وكبيرهم- أيّ مستوىً مادي في القوة جعلتهم بهذهِ المثابة؟! وفي مظاهرهم ما تفتخر به كُلُّ الحضارات المادية.

يقولُ لهم سيدنا النبي هود: 

  • (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ)؛ بناء وعمارات، مصانع وأنواع من الصناعات، بطش وقوة عسكرية قاهرة قوية. 
  • (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) [الشعراء:128-130]؛ (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) [الشعراء:184]، لستم فالتين عن قيُّوميةِ القيوم، وعن قهرِ القهار السميعِ العليم الذي بيده الأمر، وإليه يرجع جلَّ جلاله.

يقولُ: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا): متتابعة، أي كُلَّ وقتِ الحاجة، وكُلَّ وقتِ المنفعة؛ لا تتأخر عليهم الأمطار:

  • وليس المراد (مِّدْرَارًا) على طول الوقت، فتتحول إلى ضرر. 
  • ولكن (مِّدْرَارًا)؛ كلُّ وقتِ الحاجة، وكلُّ وقت المنفعة هطّالة عليهم، لا تتأخر ولا تنفد.

(وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ)، فهذا الذي يستهوي عقولكم قد أعطيناهُ أمثالكم فأفنيناهُ وأفنيناهم، ما لكم لا تعقلون؟!

(وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ): فاحذروا الذنوب، واقلعوا عن الذنوب، وابعدوا منها؛ (فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)).

 

تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ) من السماء (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ)، أيّ لمسًا حقيقيًا ذاتيًا غير مَجازي، (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) لايشكُّون فيه؟! (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))، وكذلك يفعلُ هذا الإنسان المعاند؛ شُقَّ لنا القمر نصفين نؤمن بك! فانشقَّ، حتى رأوا نصفه من وراء هذا الجبل، ونصفه من وراء الجبل الثاني، وكأنَّ جبل أبي قبيس بينهما، (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر:2]؛ ثم لم يؤمنوا.

فهكذا الحقُّ يعرض لنا هذهِ الحقيقة عن الإنسان؛ ليرتقي الإنسان حقيقة الارتقاء، ليبلُغ الإنسان ذروةً في تجمّلهِ، وتكمّلهِ، ورفعتهِ وسموِّه، وبغير وحي الله لن يسموَ الإنسان، وإنَّ سمّى ما سمّى ممَّا قد مُكّن فيهِ قبلهُ القرون الكثيرة، بمثلهِ وأضعافٍ مضاعفة، ثم صاروا عِبرًا لكُلِّ معتبر، وصاروا حُممًا في نارِ جهنم، يبكون غدوًا وعشيًا عندما تُعرض عليهم؛ فإنهُ لن يدرك حقيقة الرقي حتى يدخل دائرة هذا التقيّ؛ صلوات ربي وسلامه عليه.

فحمدًا لربٍّ أكرمنا بهذا النبي، ملأ الله قلوبنا إيمانًا ويقينًا، ووقانا وإياكم الأسواء والشرور، ورزقنا الاعتبار والادّكار والتذكر والتبصرة، وسار بنا في مسار الاقتداء، وجعلنا في شهودٍ أسمى لخالق الأرضِ والسماء، لا يلهينا عنهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، ولا يقطعنا عنهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، ولا يحجبنا عنهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، ولا يفتننا بشيءٍ ممَّا في الأرضِ ولا ممَّا في السماء، حتى لا يكون لنا مقصد إلا ربّ الأرضِ والسماء، ونوجّه وجهتنا إلى ربِّ الأرضِ والسماء، ومعنا الإمام الأسمى قدوتنا في كُلِّ وجهة، عبده المصطفى محمد، ثبّتنا على دربه، واسقنا من شربه، واجعلنا في حزبه، وأحيِنا على ذلك، وتوفّنا عليه برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

06 ربيع الثاني 1433

تاريخ النشر الميلادي

28 فبراير 2012

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام