(489)
(639)
تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى:
﷽
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))
الحمدُ للهِ باسطِ الفضل ومجزلِ العطاء، وغافرِ الزلاتِ والذنوبِ والخطأ، وصلى الله وسلم على عبدهِ المصطفى، أكرم داعٍ إليه ودالٍّ عليه، محبوبهِ الذي اصطفاهُ من براياه، وصفوتهِ الذي انتقاهُ من خلقهِ تعالى في عُلاه. أدِم يا ربَّنا صلواتك على عبدك المحبوبِ سيدنا محمد، وعلى آلهِ الأطهار، وأصحابهِ الأخيار، ومن مشى في منهجهِ؛ منهج الهدى والرشد، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا واحدُ يا أحد.
أمَّا بعد،،،
فإنا في تأمُلِنا لمعاني الخطاب من ربِ الأرباب جلَّ جلاله، مررنا على أوائلِ سورةِ الأنعام متأملين قولهُ جلَّ جلاله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2))، فعجبًا لكم!
تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))
يقولُ سبحانه وتعالى: إنَّ هذا الذي له الملكُ وله الحمدُ، الخالقُ المنشئ: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)).
(وَهُوَ اللَّهُ)، بعضهم جعل في معنى الآيةِ تقديمًا وتأخيرًا:
(وَهُوَ اللَّهُ) إذا علمنا تنزُّههُ عن مشابهةِ الكائنات، وعن الزمان، وعن المكان، وعن الكيفيات، فإنَّ جميع الزمانِ والمكانِ والكيفيات؛
فيها أسرارُ قدرته، وأسرارُ تصريفه وتدبيره، وفيها أسرارُ سمعهِ وبصره، بعد خلقهِ وإنشائهِ وإيجاده، وفيها أسرارُ إمداده، وفيها أسرارُ إمهالهِ لمن يُمهل، وإفضالهِ على من يتفضّل، فلا يخلُ حالٌ من الأحوال، ولا زمنٌ من الأزمان، ولا كيفيةٌ من الكيفيات، ولا صورةٌ من الصور عن هذه المعاني لله الذي فطر، وقدّر ودبّر -جلِّ جلاله..
وبذلك وبهذا المعنى، نقرأُ كثيرًا من الآيات والأحاديث:
إذًا فلا يحيطُ بهِ عرشٌ ولا أرضٌ ولا سماء، ولكن لا يمكن لعرشٍ ولا أرضٍ ولا بطنُ حوت أن تخلو عن آياتهِ ودلالاتهِ، وقدرتهِ وتدبيرهِ، وإنشائهِ وتصريفهِ، وملكهِ وقهرهِ، وعظمتهِ وعلوهِ وعلمهِ، جلَّ جلاله.
لا بد من معرفة ذلك حتى نؤمن بالآياتِ كاملة، سالمين من التشبيهِ، ومن التصويرِ، ومن التقديرِ للحقِّ الذي لا يمكن أن يحيط بهِ شيء، وبذلك نقرأُ أيضًا قوله جلّّ جلاله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق:16].
فأمَّا الذين عند تفسيرِ المعنى بالوجه المتلقى عن صاحب العلمِ الأسنى، والدلالةِ العظمى؛ على الذاتِ والصفاتِ والأسماء -صلى الله عليه وصحبه وسلم- الذين عند سماعهم لذلك المعنى الصحيح والوجه المليح، يقولون: لا، لا مجاز، بل الكُلُّ حقيقة! على غير بصيرةٍ بمعنى: الكلمة، نقول له: فأين تذهبُ حقيقتك عند صريح هذهِ الآيات؟ وأنت الذي تريدُ أن تحصُرَ ربَّك في مكانٍ، أو تبحث له عن موطنٍ يتوطنهُ، أو مسكنٍ يسكنهُ؟! تعالى الله علوًا كبيرًا! أين الحقيقةُ عند قولهِ: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)؟ أتفسِّرهُ بما تخيل بالُك من مجازٍ أو من حقيقة؟! إنَّ وضع كُلِّ معنى في موطنهِ الذي بيَّنه صاحبُ البيانِ الأسنى، هو النورُ والسَّنا، وهو الخروجُ من كُلِّ الأتعابِ والعناء، وهو الصوابُ الذي يُعامَل بهِ مولانا في الحسِ والمعنى، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه.
إذًا فلا بد من فقهِ المعنى؛ فهو لِقوةِ إحاطتهِ بهذا الإنسان، وتسييرهِ لكلِّ شأن، واطلاعهِ على شؤونهِ -سواءً بسواءٍ- في السر والإعلان، قال:
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؛ محيطٌ بكلِّ شيء، عالمٌ بكلِّ شيء، قادرٌ على كلِّ شيء، يغفلُ من يغفلُ عنه، وهو المنزَّهُ عن الغفلة،
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)؛ خالقٌ لها، فعجبًا لك كيف تشتغل بشيءٍ في السماواتِ والأرض وتنساه؟!
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ):
في تقرير هذا المعنى جاء مثلُ قوله: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) [الإسراء:57]، فكيف تخاف من شيءٍ سواه، وهو المخوُف على الحقيقة؟! خَفْ من الله حتى لا يكون شيء أخوف عليك منهُ، وارجُه أعظم من خوفك منه.
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، فجديرٌ بكم:
ولذا قالوا: أول قدمٍ في طريق المعرفةِ الخاصةِ بالله؛ استواء السريرةِ والعلانية، هذهِ أول قدم، هذهِ أول خُطوة، هذهِ أول درجة، هذهِ أول رتبة في طريقِ معرفتك بالله: أن تستوي سريرتك وعلانيتك.
وفي ذلك قالوا: لا يكون الصوفي صوفيًا حتى يكون بحيث لو طِيف بما في باطنه على طبقٍ ظاهرٍ في السوق، لم يستحِ من ظهور شيء منه.
صفِّ اللهم سرائرنا، نقِّ اللهم بواطننا، يا عالم السرِّ والجهر أصلح لنا السرَّ والجهر، وأصلح لنا كل أمر في السرِّ والجهر، وأصلح لنا حالنا في السرِّ وفي الجهر.
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))؛ فراقبوه، وأيقنوا معاني الكسبِ المنسوبةِ لكم بتقديرهِ وبخلقهِ جلَّ جلاله؛ فإنكم تفرّقون تفريقًا واضحًا جليًا، بين ارتعاش المرتعش مضطرًا لمرض فيه، وبين الحركةِ الاختيارية:
فكُلُّه من وضعه، وإليه أمره جلَّ جلاله، وشأنُ العبيدِ أن يخضعوا للسيد.
(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))..
فكيف تتأخرون عن إجابةِ الأمين المأمون؟! وكيف تنصرفون إلى ما تُمليهِ عليكم أنفسكم، وتتّبعون من الخلقِ من لا حجة لهُ على صلتهِ بنا، ولا سلطان لهُ منَّا، يوُصلُ الدلالة التي نحبها لكم على يده؟! يقولُ اللهُ: إنَّ فوق ذلك كُلِّه، وفي حقيقة ذلك كُلَِّه، أنَّ نهدي من نشاء ونُضلُّ من نشاء، (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) [فاطر:8].
تفسير قوله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4))
وأعجب من حال قومٍ آتيناهم من القدرةِ والقوةِ والاختيار، ومن الآياتِ -معها الدلائل الواضحات- ثم يعاندون ويصرون ويستكبرون! وهذا حال الإنسانِ إذا تبصّر وإذا تدبّر وإذا تأمّل أمره: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ)؛ مُنزلة في القرآن، أو واضحة للعَيان، مقروءة في الأكوان؛ كانشقاق القمر، ونبعِ الماءِ من بين الأصابع.
(وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4))؛ يتولّون، يتعامَون، يتصاممون، فحُّق أن يُسمّوا (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) [البقرة:18]، فهم لا يعقلون. يقولُ: انظروا إلى هذه الخسة في حال المعرضين عني، وهل ترضون لأنفسكم بعد ذلك هذهِ الحالة؟!
(وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ) واضحة بينة جلية، (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4))!
تفسير قوله تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5))
يقولُ: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ)، قل لا تستغرب إذا أعرضوا عن الآيات، الحقُّ بنفسه جاءهم فكذبوا به!
(كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ):
(فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ)، يقول: بعدما يسمعون كلامنا من هذا اللسان، ويرون هذا الإنسان، فلا يؤمنون ولا يخضعون، فلا تعجب إذا أعرضوا عن بقيةِ الآيات؛ فهذهِ أجلاها وأعلاها، كذبوا بها: (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ).
يقولُ الحقُّ بعد أن نقيم الحجج ونُظهر الآيات؛ قُلْ لمن أبى إلا الغي والضلال والمشي وراء الأهواء: (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)):
(فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)):
تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6))
(أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ) طائفةٍ بعد طائفة، وأهل زمانٍ بعد أهل زمان، قيل: ستين، وقيل: ثمانين، وقيل: المئة -القرن-. وقد جاء في التاريخ الصغير للإمام البخاري أن رسول الله ﷺ قال لسيدنا عبد الله بن بُسْر: "إنك تعيش قرنًا"، فعاش مائة سنة، فهذا هو القرن.
قال: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ)؛ مئة بعد مئة بعد مئة بعد مئة بعد مئة. أُمة بعد أمة بعد أمة بعد أمة. طائفة بعد طائفة بعد طائفة، (مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ) من طولِ الأعمار، وتيسير كثير من الأسباب، بل يكتشفون الآن تحت أنقاض الأرض آثارًا:
(مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ): في مظاهر كثيرة (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) [الفجر:8] كما قال الله.
ومن ذلك أن يصير النحت للجبال لا مُلكًا لدولهم وسلاطينهم ولا للأثرياء فيهم؛ المجتمع كُلَّه ينحتون من الجبال بيوتًا! أيّ تقدُّم هذا في القوةِ المادية! كُلُّ أفراد المجتمع بيوتهم منحوتة من الجبال، (يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ) [الحجر:82] -فقيرهم وغنيهم، صغيرهم وكبيرهم- أيّ مستوىً مادي في القوة جعلتهم بهذهِ المثابة؟! وفي مظاهرهم ما تفتخر به كُلُّ الحضارات المادية.
يقولُ لهم سيدنا النبي هود:
يقولُ: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا): متتابعة، أي كُلَّ وقتِ الحاجة، وكُلَّ وقتِ المنفعة؛ لا تتأخر عليهم الأمطار:
(وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ)، فهذا الذي يستهوي عقولكم قد أعطيناهُ أمثالكم فأفنيناهُ وأفنيناهم، ما لكم لا تعقلون؟!
(وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ): فاحذروا الذنوب، واقلعوا عن الذنوب، وابعدوا منها؛ (فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)).
تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))
(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ) من السماء (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ)، أيّ لمسًا حقيقيًا ذاتيًا غير مَجازي، (فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ) لايشكُّون فيه؟! (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (7))، وكذلك يفعلُ هذا الإنسان المعاند؛ شُقَّ لنا القمر نصفين نؤمن بك! فانشقَّ، حتى رأوا نصفه من وراء هذا الجبل، ونصفه من وراء الجبل الثاني، وكأنَّ جبل أبي قبيس بينهما، (وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ) [القمر:2]؛ ثم لم يؤمنوا.
فهكذا الحقُّ يعرض لنا هذهِ الحقيقة عن الإنسان؛ ليرتقي الإنسان حقيقة الارتقاء، ليبلُغ الإنسان ذروةً في تجمّلهِ، وتكمّلهِ، ورفعتهِ وسموِّه، وبغير وحي الله لن يسموَ الإنسان، وإنَّ سمّى ما سمّى ممَّا قد مُكّن فيهِ قبلهُ القرون الكثيرة، بمثلهِ وأضعافٍ مضاعفة، ثم صاروا عِبرًا لكُلِّ معتبر، وصاروا حُممًا في نارِ جهنم، يبكون غدوًا وعشيًا عندما تُعرض عليهم؛ فإنهُ لن يدرك حقيقة الرقي حتى يدخل دائرة هذا التقيّ؛ صلوات ربي وسلامه عليه.
فحمدًا لربٍّ أكرمنا بهذا النبي، ملأ الله قلوبنا إيمانًا ويقينًا، ووقانا وإياكم الأسواء والشرور، ورزقنا الاعتبار والادّكار والتذكر والتبصرة، وسار بنا في مسار الاقتداء، وجعلنا في شهودٍ أسمى لخالق الأرضِ والسماء، لا يلهينا عنهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، ولا يقطعنا عنهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، ولا يحجبنا عنهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، ولا يفتننا بشيءٍ ممَّا في الأرضِ ولا ممَّا في السماء، حتى لا يكون لنا مقصد إلا ربّ الأرضِ والسماء، ونوجّه وجهتنا إلى ربِّ الأرضِ والسماء، ومعنا الإمام الأسمى قدوتنا في كُلِّ وجهة، عبده المصطفى محمد، ثبّتنا على دربه، واسقنا من شربه، واجعلنا في حزبه، وأحيِنا على ذلك، وتوفّنا عليه برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
06 ربيع الثاني 1433