تفسير سورة الأنعام - 2 - من قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ.)، الآية 1

متابعة تفسير قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ...}1سورة الأنعام
للاستماع إلى الدرس

تفسير فضيلة الحبيب العلامة عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة الأنعام، من قوله تعالى: 

﷽

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))

من أبرز ما جاء في الدرس:

  • الافتتاح بالحمد ومفهوم السببية.
  • شبهة إلغاء الوسائط والرد على الطاعنين في الصحابة.
  • تنزيه التوحيد ونفي الاستقلالية عن الأسباب.
  • معنى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ).
  • خلق الإنسان من طين والروابط بين الأصول والفروع.

نص الدرس:

الحمدُ للهِ على إفضاله وجزيل نواله، وعطائه الذي لا حدّ له ولا غاية، ومَنِّه الذي لا قِصر لهُ ولا نهاية. نشهدُ أنهُ الله المهابُ الكريم، الرحمنُ العظيم، المرسِل إلينا عبدهُ المصطفى المجتبى محمد ذي الخُلقِ العظيم، بالدينِ القويم والصراطِ المستقيم، المخاطَبِ من قِبلِ الإله العظيم: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشورى: 52-53]؛ ثبّتنا اللهُ على ذلك الصراط، ورزقنا فيهِ الورع والاحتياط، وحفظنا من جميعِ الاختلاط والاختباط، ورزقنا الاستقامة وأتحفنا بالكرامة.

 

تفسير قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))

وقد انتهينا في تأملِ معاني كلامِ ربنا سبحانه وتعالى إلى أوائلِ سورةِ الأنعام، التي افتتحها الحقُّ تعالى بالحمدِ، وهي من خمس سورٍ افُتتحت بالحمدِ لله جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) وما فيهما، وما بينهما، وما عليهما جلَّ جلاله، فهو المستحقُ للحمدِ أصلًا: 

  • مع أنهُ -سبحانه وتعالى- فضلًا منهُ؛ أجرى الإنعام على أيدي عباده، وهُو منه، فهو المنعِمُ وحدهُ حقيقة: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53].
  • ثم بعد ذلك؛ جعل الإحسان والإنعام جاريًا منهُ على أيدي من يشاءُ وما يشاءُ من عبادهِ إلى الآخرين
  • يقولُ الله تعالى: لأَوْلَى سببٍ بإجراءِ الإحسانِ الرباني على يديه، وهو عبدهُ محمد: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) [الأحزاب:37]: 
    • يعني زيد بن حارثة، يقول: (أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ) -وأنت- (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)، ما أعجب هذا الكلام! 

وما هناك سببٌ في الكائنات جديرٌ بأن يُضاف إليهِ إجراءُ هذا الإنعام أقوى من هذا السبب، صلوات ربي وسلامه عليه.

وبذلك جاء في الحديثِ القدسي: "عبدي، لَم تشكُرني إِذْا لَمْ تَشْكَرْ مَنْ أَجْرَيْتُ لك النعمةَ عَلَى يَدَيْهِ"؛ والمعنى أنَّ الله تعالى يقول: إذا أقمتُ سببًا، فتعاملوا بما يلزمكم من العبوديةِ مع إقامتي لهذا السبب، فلا تنقطعوا بهِ عني، ولا تعتقدوا فيهِ استقلالًا فتركنوا إليه وتنقطعوا معه أو عنده، ولا تنفوه وتلغوه وقد أثبتُّه وأقمتُه.

فلأجل ذلك، من ظنَّ أنهُ يصلُ إلى حقيقةِ التوحيدِ بإلغاء السببِ نقولُ: 

إنَّك ساء أدبُك مع الواحد جلَّ جلاله؛ فإنهُ ما أجرى شيئًا بشيءٍ إلا لحكمة، وما فتح أبواب السببية إلا لمعانٍ تليقُ بالربوبية وبالألوهية. 

وهذا واضحٌ جليّ؛ في أنهُ لو بعث رسولًا من الرسلِ إلى أيِّ قومٍ، فأراد أحدهم أن يقول: 

  • هات لي -يامحمد- ما تعلق بأوصاف ربي وأنا لا علاقة لي بك، ولا تبعية لي إليك، واذهب في حالك؛ لكان بالإجماعِ كافرًا مخلدًا في النار. 
  • ولو كان يُجرِي على لسانهِ تمجيد ربه، والثناء على ربه، وذكر أوصافه، وهو يكذّب بذلك الرسول؛ فهو كافرٌ عند الله تبارك وتعالى، لا يُقبل إيمانه به.

إذًا، فالحقُّ الذي أقام هذه الوسائط ما أذن بإلغائها، كما أنهُ لم يأذن لنا أن نفعل ما فعلت النصارى بسيدنا عيسى، ولا ما فعلت اليهودُ بعزير، و نَسْبِ البنوّة للمنزَّهِ عن الوالدِ والولد جلَّ جلاله: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص:4]، وادّعوا لهم ربوبيةً وألوهيةً مع الله، لم يأذن لنا بذلك. ثم لم يأذن لنا أن ننتقص القدر لعبدهِ عُزير ولا لعبدهِ عيسى بن مريم، وكُلُّ من انتقص واحدًا منهما فهو كافر: 

  • فالذي عبدهما من دون الله كافرٌ مخلد في النار. 
  • والذي انتقص من قدرهما كافرٌ مخلدُ في النار.

فالتوحيدُ أن تقول للواحدِ: لبيك فيما أقمتَ، على ما أقمتَ، بمّا أقمتَ، كمّا أحببتَ، كما أردتَ، وأنا عبدك؛ وإلا فستأتي فلسفةُ إبليس : 

  • الذي ظاهرُ أمرهِ: أَبَى السجود لآدم. 
  • وليس في الآياتِ والأخبار: أنهُ أَبَى السجود لله قَط. 

بل في الأخبارِ أنهُ: 

  • أكثرَ السجود لله، إلى حدِّ أنهُ لم يبقى مقدارُ شبرٍ في السماء الأولى -السماء الدنيا يعني القريبة إلى الأرض- إلا ولهُ فيها سجدة. 
  • ولكنَّ كُلَّ هذهِ السجدات لم تُغْنِ عنهُ شيئًا، وذهبت عنهُ حين أَبَى السجود لآدم -بالنص-. فلو كانت فلسفةُ إلغاء الوسائط والأسباب قائمةً لقالوا: هذا أحسن إذ أَبَى السجود لغير الله!

كما سمعتُ مرةً بعض الحمقى من الذين جَرَت الظلمات إلى قلوبهم وعقولهم، يتطاول على الرعيل الأول من سادتنا الصحابة، ويقول لبعض من عندهُ: أراكم أفضل من الصحابة! لماذا؟ قال: لأنهم سجدوا لغير الله وأنتم لم تسجدوا لغير الله، والذي لم يسجد لغير الله أفضل من الذي سجد لغير الله!!

فقلتُ: الآن أخشى عليك أن تكون ساجد الآن لهواك ولهذه الدنيا التي لعبت بعقلك، ومَن ينزعك من السجود عنها! وأنت تتطاول على قومٍ تولى الحقُّ الثناء عليهم، ثم رفع قدرهم ومنزلتهم، ثم جعل تولّيه لهم سبحانه وتعالى؛ ولايةً لم يأذن بأن يرفع سواهم إلى مراتبهم العُلا، وأمر مَن بعدهم أن يعرفوا معنى التبعية لهم، وجاءت فيهم النصوص! 

ولا أدري على ماذا تموت أنت؟ وعلى أيِّ حالٍ تكون وهؤلاء الذين معك؟ والله يحسن لنا الخواتيم.

ولكن هذا هو الميزان عند اختلالِ الوعي والمفاهيمِ في النصوصِ المباركة، تمامًا نفس ما سرى إلى عقلياتِ الذين قاتلوا الصحابة وكفَّروهم، وأخذوا آخر هذهِ الآية بذاتها، وتكلموا على سيدنا -علي- بابِ مدينةٍ العلم، وكيف قَبِل التحكيم، وقالوا: إنهم (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)! وأتى من أتى منهم، كما يروي ابن أبي حاتم، إلى سيدنا علي بن أبي طالب، ويقرأ الآية: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))، أليس كذلك ياسيدنا علي؟ قال: بلى، لم ينتبه له في البداية، فلما مشى قال: ردّوه ردّوه، ارجع فرجع، لما رجع قال له: "إنما أُنزلت في أهل الكتاب الذين رفضوا حكم الله وبدّلوه وغيّروه، أتعرف هذا؟"؛ فسكت الرجل ومضى، لأنهم يريدون أن يُنزلوها على الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وإنمَّا نزلت في أولئك الذين عدلوا بربهم: 

  • إمَّا ساووا معهُ غيره. 
  • وإمَّا عدلوا عنه بأن كفروا بهِ وكذّبوه. 

فالمعنى الذي أرادهُ الله، وفهمهُ الصحابة والتابعون وهو الصحيح، والمعنى الذي يتمسك بهِ هؤلاء فاسد وضلال مبين.

وكم عَمِلتِ الأهواء بالناسِ في مختلفِ الأزمنة، ويأتون إلى الآيات فيخرجون عن سواءِ السبيل! 

يروي عبد بن حُميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن أبي أَبْزى، أنه أتاه رجل من الخوارج، وقرأ عليه هذه الآية: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))، وقال: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال: بلى. فانصرف الرجل، فقال له بعض الجلساء؛ إنه يريد تفسيرًا غير ما تريد، إنه من الخوارج! قال: ردّوه عليّ فرجع، فلمَّا رجع قال له: "أتدري فيمَن أُنزلت؟ قال: لا، قال: في أهلِ الكتابِ ونظرائهم، فلا تضعها في غير موضعها"، فلا تضعها في غير موضعها.

ولم يزل هذا هو الإشكالُ القائم عند كُلِّ من أراد أن يقضي وطرًا أو غرضًا، أو يخدم هوىً أو نفسًا: 

  • أن يسترق من الآياتِ أو من الأحاديثِ ما يزيغ بهِ عن مسارِ فهمهِ على الهدى، ويحمّلها ما لا تحتمل.
  • ثَّم ينصِبُ نفسهُ مفتيًا للناس، ومبينًا بظلمةٍ على ظلمة؛ والعياذ بالله تبارك وتعالى.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؛ إذًا فحمدُنا للناسِ بأمرِ الله قائم ومندرج في حمدِ الله، بمعانٍ كثيرة: 

معناها الأول: 

  • أن الذي أسدى إليك معروفًا هو مخلوقٌ لله، ثم المعروف الذي كان على يدهِ ملكٌ لله، وملّكهُ الله إياه. 
  • ثم حَرّك دواعيه ودوافعه حتى يعطيك، ويسدي إليك المعروف. 
  • ثّم أقامك بهيئتك وحالتك حتى تستطيع أن تتناولَ ذلك، ثم تستطيعُ أن تنتفع بهِ؛ هو الله. 
  • فإذا مدحتَ هذا السبب فإنمَّا مدحتَ في الحقيقةِ المُسبّب الذي حركهُ أولًا.

فمن الوجوه المتعددة؛ ثانياً: 

  • أنت مدحتَهُ مادمت تعتقد أنهُ مستقلٍ بالعطاءِ والمنع تحت: 
    • عقيدةِ: "لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ". 
    • وعقيدةِ: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر:2]. 
  • هذا الاعتقادُ الصحيح الرفيع القدر، الحقيقة من حقائقِ الوجود، من شأن أن يرفع عن القلوب الحقد والحسد والتحامل. 
    • على حدِّ ما قال بعض العارفين: بَرَدَ جأشي على: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يك،. وربّانا رسول الله على ذلك. 

مع هذا الاعتدالِ العجيب؛ (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)..

 وقد سبق معنا أنّ (الظُّلُمَاتِ) لها معاني: 

  • ومن معناها الليل ويقابلها نورُ النهار.
  • ومن معناها الجهل ويقابلهُ نورُ العلم. 
  • ومن معناها الكفر ويقابلهُ نورُ الإسلام. 
  • ومن معناها النار ويقابلها نورُ الجنة. 

خلق (الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، وفي هذا أيضًا، كما كان يقولُ بعض سادتنا الصحابه: كمجاهد عليه رضوان الله وغيره.. 

يقول: فيها ردٌّ أيضًا على الزنادقة، الذين يدّعون أن الله ما خلق الظلمة، ولا الحشرات، ولا الأشياء التي في نظرهم قبيحة لا يعرفون لها معاني؛ قال: خلق (الظُّلُمَاتِ) كُلَّها، خلق (الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) كُلَّها خَلْقُه جلَّ جلاله، أتظنون أنَّ معهُ شريكًا في الوجود والإيجاد؟! (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)؟ [فاطر:3].

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) بل جاء عن سيدنا مجاهد أنهُ قال: 

  • ردٌّ على الدهرية في قوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ). 
  • وعلى هؤلاء المجوس في قوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). 

فإنهم يقولون: 

  • إنَّ الظلمة والنور هي الفاعلة المتصرفة في الكون والمكوّنة للأشياء. 
  • فرَدَّ عليهم: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). 
  • قال: ورَدَّ على المشركين فقال: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)). 

فرَدَّ على الأصناف كُلَّها من هؤلاء الكفرة.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) -الحمد لله- (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)؛ فإذا أيقنّا بهذهِ الحقيقة فما أعزّنا، وما أعلى مراتب الشرف التي نحن فيها، إذا خضعنا لأمرِ هذا الذي خلق السماوات والأرض، وتركنا سفسطات أهلِ التجاربِ المتناقضة، وأهلِ الادعاءات المتساقطة، من فئةٍ إلى فئة، ومن زمنِ إلى زمن، من أربابِ النظريات المختلفة، وقد أخذنا لنا حبلًا مع (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)! 

فأيُّ مستندٍ كمستندنا؟ وأي معتمدٍ إذًا كمعتمدنا؟! 

  • فلندرك هذهِ الحقيقة؛ والحمد لله على نعمة الإسلام.

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، وقد تأتي: (جَعَلَ) بمعنى (خَلَقَ)، (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))، بعد هذا التكوينِ والإبداع والآيات الآخذة في الاتساع، يأتي الذين كفروا فيعدلون بربهم: 

  • بمعنى من العدل والمساواة: يسوّون بهِ غيرهُ، فيدّعون الألوهية لسواه جل جلاله. 
  • أو عن (رَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)؛ يقول سبحانه وتعالى: (يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) [الإنسان: 5-6] يعني منها. 
  • (رَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي: عن (رَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، فينصرفون إلى سواه مثل؛ الدهرية، والملاحدة المنكرين لوجودِ هذا الخالق، الذي كُلُّ شيءٍ يدلُ عليهِ وعلى عظمته؛ (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1))، 

لا إله إلا هو؛ آمنا به وبما جاء عنه، والحمدُ للهِ على نعمةِ الإسلام، اللهم كما أنعمتَ علينا بالإسلام فزدنا منه، وكما أنعمتَ علينا بالإيمانِ فزدنا منه، وكما أنعمتَ علينا بالعافيةِ فزدنا منها، وكما أنعمتَ علينا بالعمرِ فبارك لنا فيه يا رب العالمين.

 

تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2))

(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)، 

  • (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم)؛ ولم يشرڤك أحدٌ في خلقكم وإيجادكم. 
  • (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم) جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)؛ ابتدأ الخلق من طين في تكوين أبينا آدم؛ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

 (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)؛ وفيه ربط الفرع بالأصل، ومخاطبة الفرع كذلك بشيء متعلق بالأصلِ، بامتدادِ روابط بينهم؛ فهو يقول لنا: (خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)، والذي يُشاهَد في التكوينِ القريبِ لأجسادنا أنَّ الطين بهيئتها هذهِ الحسية لم يدخل، إنمَّا السُلَالَة (مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) [السجدة:8]، من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ولكنَّ هذهِ السلالة من الماء المهين، راجعةٌ إلى أصلها، وفيها معنى الطين موجود منحدرٌ من ذاك الأصل.

وفي هذا روابط تكون بين السلف ومَن يأتِ بعدهم، وهي ولها مجالاتٌ تتسع؛ ولهذا نجد هذا المعنى في القرآن ثابتًا مكررًا؛ حتى خاطب القوم الذين في حياة نبينا من أهلِ الكتاب، وليس في عهدهم أنبياء ولم يدركوا أحدًا من الأنبياء أصلًا، ويقول الله لهم (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [البقرة:91]؛ فالجماعة ما أدركوا الأنبياء، ولا شاهدوا نبيًا واحدًا إلا هذا المصطفى ﷺ، ولكن قَتْلُ الأنبياء كان ذلك من آبائهم، فلمَّا امتدت الرابطة بينهم وبين آبائهم وارتضوا فعلهم خُوطبوا بذلك الخطابِ نفسه!

وفي هذا تقريرٌ من الله أنه يُمِدّ إمداداتٌ للفروع بما يتعلقُ بالأصول إذا قامت المناسبة بينها، حتى يأتِ التخلي؛ فإذا جاء الانقطاع والتخلي تغيّر الحُكم. فعبد الله بن سلام ما يمكن أن يُخاطَب ويقال له: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ) [البقرة:91]؟ فقد خرج عن هذا المسلك، وهو يرى أن ذلك الفعل الذي فعله أولئك من آبائه باطل وضلال وشر؛ فإذًا عندهُ علمُ الكتاب فهو شهيدٌ على ما يقول سيد الأحباب، مع اللهِ الوهاب: (قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) [الرعد:43] نزلت في عبد الله بن سلام.

انظر إلى أي درجة ارتفع! لكنهُ صاحبُ طهارةٍ في الرَّوْح عبّر عنها، قال: "أول ما وقعت عيني على وجه رسول الله أدركتُ أنهُ رسول الله، أدركتُ أنه ليس بوجه رجلٍ كذّاب" بأول نظرة، فالروح صافية عند الرجل، وعندهُ صدق مع ربه؛ أول ما وقع نظري عليه عرفتُ أنهُ ليس بوجه رجلٍ كذّاب، يقولُ: اول ما رأيته ثبتَ أنه ليس بوجه رجلٍ كذّابِ ولا بغمّازٍ ولا عيّاب. قال: وأول ما سمعتُه في المدينة خرجت، لمَّا جاء الخبر، خرج ومازال ﷺ ماشيًا ما بين قباء إلى المدينة المنورة، ولقيهُ في جماعة هناك من الأنصار، وسمع بينهم، فأول ما وقع نظري عليه، وهو يقول لهم: "يا أيُّها النَّاسُ أفشوا السَّلامَ وأطعِموا الطَّعامَ وصِلوا الرحام وصَلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام". عبد الله بن سلام ينظر ويسمع!، قال: وقلت هذا هو وجه رسول الله، هذا  وجهُ الموصوف في التوراة.

ثم كان يقول: "إني لأعرف رسول الله كمعرفتي بابني، ومعرفتي برسول الله أشد؛ فإن معرفتي برسول الله من قولِ ربي، وابني ما أدري ما فعلت أمه، ولكن معرفتي برسول الله أشد وأثبت"، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، قال: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [البقرة:146].

إذًا عرفنا هذا، وهذا يندرجُ فيهِ المعنى في الآيةِ الأخرى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)، وفي القراءة الأخرى: (وأتْبَعْناهُم ذُرّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الطور:21]، يقول الله: 

  • أنا لي إمدادات، ما بين الفروع والأصول، فلا تتدخلوا بعقولكم، ولا تمنعوني من شيءٍ أنا وليّه -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه. 
  • ولا تضربوا آياتي بعضها ببعض، يقول: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ) [النجم:39]. 

فأنت تريد تفسيرها أنه لا أحد يرحم أحد، ولا يتفضل على أحد، ولا يسامح أحد، ولا يعفو عن أحد، ولا يعطي أحداً من فضله؟! هذا تفسيرها عندك؟! تفسير باطل هذا ما له حق! 

ارجع إلى تفسيرها بما فهمهُ رسول الله، وبما تلقاه عنه أصحابه والتابعون، وصالحو الأمة، وأنت هنا لا مشكلة حينئذٍ، لكن العصبية عندما تدخل والأهواء، تلعب بعباد الله لعبًا؛ اللهم اجعل أهواءنا تبعًا لما جاء به نبيُّك محمد.

وهنا يُخاطبنا يقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)؛ فالتكوين الطيني في أجلى مظاهرهِ إنمَّا كان في أبينا آدم، لكن أنت أين ستذهب من أبوك آدم؟! أصلًا كيف ستنقطع؟! إذا ذكرنا أصل الخِلقة دخل فيها المسلم والكافر، ولا نعتبر الانتسابات الأخرى؛ الخلق والتكوين؛ أين سيذهبون؟ كلهم بنو آدم، أين سيذهبون؟ هم من آدم! 

لايوجد! بل في الأصل: "كلكم لآدم، وآدم من تراب". لكن هذا الإمداد، بأسرارٍ كانت في الأصل أو تجددات تَمُنّ من الحقّ بالفضل، كُلُّها وَصْلٌ: 

  • والعبرة بالوَصْلِ لا بمجردِ الأصل. 
  • فإنَّ الأصل تُربة، والوَصْل قُربة: 
    • الأصل: تُربة طين. 
    • لكن الوَصْل: قُربة ورتبة، وإحسان ومحبة. 

سبحان الله! خاطبنا بالطينية، والطينيةُ فينا: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ) [طه:55]، ولكن مظهرها الأجلى كان في ذاتِ أبينا آدم..

وجاءنا في ذلك الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ فيروي الإمام أبو يعلى عن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم من تراب، وجعله طينًا -يعني خلط به الماء- ثم تركه حتى كان حمًأ مسنونًا -تغيُّر التراب بالماء، فصار حمأً مسنوناً- ثم خلقهُ وصوّرهُ وتركه حتى كان صلصالًا كالفخار، ثم نفخ فيه من روحه"، جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه..

  • قال الله للملائكة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:29]؛ مشيرًا إلى أن مناط الشرف والكرامة، بسرّ سرايةِ الروح بالوصل، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) -حينئذٍ- (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). 
  • فتكوّن وبَرَز نور محمدٍ ﷺ، فسجد الملائكة إلا ذاك المتفلسف؛ (لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ) [الحجر:33]، وهو قال له: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر:28-29]. 

قال هذا من (صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)! فهذا أراد أن يُقحم معنى الوثنية في غير محلها، كما يريد أن يفعل بعض الناس، ولا يوجد فيها وثنية، هذا توحيد خالص، يا ويل الذي تأخر عنه! (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [إبراهيم:28]؛ قال لهم: عظّموا محمد وأحِبّوه، فكذّبوا، فتحولت نقمة عليهم والعياذ بالله، فهذا (لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ) [الأعراف:11]؛ فطُرد إلى الأبد.

قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ)، وبنفس الأمر إذًا خاطبنا، خاطبنا بقضية حَمْلِنا في السفينة؛ أنت حد حملك في السفينة؟ متى خلقت أنت، ومتى كانت سفينة نوح؟! 

قال سبحانه وتعالى: 

  • (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)، أنتم يا مَن في زمن محمد والذين بعدهم يأتون، ومَن يصلهم هذا الخطاب: (حَمَلْنَاكُمْ)! فأين؟ (فِي الْجَارِيَةِ)، في السفينة! 
  • وأنا كنتُ محمولًا (فِي الْجَارِيَةِ)؟! هذاك أصلك، كنتَ هناك في الأصلاب: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) [الحاقة:11].

فإذا سمع الناس كلام بعض أهل الصفاء الروحي أن أبرز الله لروحهم أيام ما كانوا في السفينة وغيرها، استعظموا الامر، وهذا الخطاب الرباني صريح: (حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)، لو أنكرتَهُ لكفرت؛ أنت كنتَ في السفينة؟ قلتَ: لا، كذّبتَ القرآن! (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) [الحاقة:11-12]:

  • وكان من أبرز تلك الآذان أُذُنُ سيدنا علي؛ قال ﷺ عند نزول الآية: "اللهم اجعلها أذن عليّ". 
  • فكانت من أوعى الآذان لهذهِ المعان، (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ). 

وكثير من الخطابات جاءت من الله في أشياء مضت يخاطب بها أهل الحاضر، لكن بموازين، وبوصلاتٍ معينة، في شؤونٍ معينة.

يقولُ: (ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا..(2)) خلقكم من طين، وبعد الطين هذهِ، جاءت الأطوار، كما قال سبحانه وتعالى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) [السجدة: 8] جلَّ جلاله.

يقول: 

  • (ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا)، وهذا الأجل له معاني: أجلٌ قضاهُ الله؛ فمن أكثر ما قال أهل التفسير أنهُ أجلُ حياة الإنسان إلى الموت. 
  • (ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا): مدة بقائه في الحياة إلى موته. 
  • (وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ): القيامة، ومدتها وساعتها، وقد أخفاها الله تبارك وتعالى؛ (وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ)؛ واحد.

وقال بعض أهلِ التفسير: 

  • (ثم قَضَىٰ أَجَلًا) مدة الستة الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض؛ أَجَل. 
  • (وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ): كُلًّ ما يكون بعد ذلك محدد، وإلا وله أجل: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) [الأعراف]. 

(ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ)؛ كل شيء بعد ذلك، محدد محدد محدد، والأجل الأول الستة الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض.

ويقول أيضًا سيدنا ابن عباس في بعضِ أقواله: 

  • (قَضَىٰ أَجَلًا): نوم؛  تنامون فيه وتستيقظون.
  • (وَأَجَلٌ مُّسَمًّى) عند موتك: 
    • (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى) [الزمر:42]. 
    •  (أَجَلٍ مُّسَمًّى) عندهُ هذا، (أَجَلٍ مُّسَمًّى) الثاني هذا الذي هو الموت؛ يالله بحسن الخاتمة؛ (ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ)

وبعد هذهِ الآيات كُلَّها والبدائع والعجائب: (ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2))! تشكّون؟! تترددون؟! في لكم مصرّف غيره؟! لكم مدبّر غيره؟! لكم مسيّر غيره؟! 

  • قل: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر:3]. 
  • (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ) [لقمان:11]. 
  • (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [يونس:22]. 
  • (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ).

أنت دليل عليه، وأمك، وأبوك، وأولادك، وزوجتك؛ تريد كم دليل أنت؟! ألا يكفيك دليل واحد؟! وجيرانك وأصدقاؤك، كلَّهم من طين، من نطف، من علقة، ومن مضغة، كلُّ دليل صدْقُه وصِدْقُ رسوله، والحجر والشجر والماء! وبعد ذلك، كم تريد أدلة أنت؟!، ألا يكفيك دليل واحد؟!

(ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2))؛ تشكّون ايضًا في البعث والرجوع؟! ما الذي أمام عيونكم الآن، أليس قدرة هائلة باهرة؟! لماذا تشكُّ في البعث؟! لماذا تشكُّ في البعث؟  

  • (ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) [الروم:27]؟! 
  • (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [مريم:9].

(قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ )؟ إلا القانط، أنا حدثتكم عن مستوى الوقوف مع الأسبابِ في استبيانٍ من الخليل لحكمةِ الرحمن في ترتيب الأمر: (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ) [الحجر:54] الآن تأتي وقت البشارة بالغلام؟! 

(قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ ..)؛ أنا لست من أهل هذه المسألة، أنا أُنزل السبب في محله وأعرف عظمة المُسبّب وحكمته، لا يغرّني السبب كما أني لا أنفيه؛ فأنا أثبتُّ أنهُ عند الكبرِ يضعفُ الإنسان ويندر أن يأتيه الولد، وإذا أراد الله جاء: (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) [الحجر:55-57]، ودخل معهم بعد ذلك في الخطاب عليه السلام سبحانه وتعالى.

 

تفسير قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))

 قال: (ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ): 

  • (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [فاطر:41]. 
  • (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ) [الزخرف:84]. 

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) بألوهيته، وربوبيته، وقدرته، وحكمته، وكلُّ المعاني التي تليق بجلاله.

بقي أن لا يدخل ذهنك ولا بالك شيءٌ من حلول الذات الكريمة في شيء: 

  • فلا يَحُلّ في شيء، ولا تحُلّ فيه شيء. 
  • و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]. 

مسألة المكان هذا، مسألةٌ تحتاجها الأجسام المكوَّنة بحكمة الله سبحانه وتعالى؛ لتأخذ حيّزًا من الفراغ.. 

  • المعاني ما جعلها الله محتاجة لذلك. 
  • والأجسام الماديات جعلها الله محتاجة لذلك. 

فإذا أردت أن تطرح مادة طينًا، أو حجرًا، أو ماءً -ولو كان الماء في رقّته- في مكان، ما يمكن أن تزيد إلا بأن توسّع ذلك المكان جِرمهُ ومساحتهُ.

وسنزيدك علمًا: اليوم نعلّمك، وبكرة نعلّمك، وبعد بكرة نعلّمك؛ ماذا نعمل في رأسك وفي قلبك؟ يعني نوسّع أوعية كذا؟ يمكن نوسّع: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: 114]، وهو هذا رأسك، يمكن تنحف وتقصر، لكن العلم يزيد؛ هذا ما يحتاج إلى مساحة حسية وهو معنى من المعاني.. 

  • وفي خَلْقِ اللهِ، ما يحتاج إلى مساحة وما لا يحتاج. 
  • أمَّا الحقُّ فلا يشابه ذا ولا يشابه ذا، وهو الأبعد عن أن يحتاج إلى شيء، والأرفع والأجلّ.

فكلُّ من أراد أن يتفلسف ويتكلم عن ذاتِ الله بمعنى من المكانية والزمنية والأَيْنيّة هذه الهابطة، فهو الهابط، وهو الجريء على الرحمن -جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه. 

وبذلك تعلم: 

  • أنَّ صرف الفكرِ إلى تشبيه الحقّ بأحدٍ من خلقه، فكأنّهُ يحتاج إلى مكان يسكن فيه، وينبني على ذلك تساؤلهم: أين الله؟، وما إلى ذلك؛ جراءةٌ خرجت عن أدب القرآن والسنة الكريمة.

ولذا بحكم الفطرة، بعض العوامِ لما سأله بعض الذين وقعوا في هذه الدوشة من التصور عن الجبار ما هو منزّه عنه، فجاء يسأل هذا الإنسان: أين الله؟! 

فقال له: وأنت ضيّعتَ ربك وجئتَ تبحث عنه عندي؟! أنت ما تدري أين ربك، ضيّعتَ ربك حتى تأتي تبحث عنه في هذا المكان وتأتي الى عندِي، وتسأل عن ربك جلَّ جلاله وتعالى في عُلاه؟! بالبديهة!

ولذا.. 

  • حديث الإمام مسلم: "أين الله؟" لا يثبتُ لفظه؛ لأن الأسانيد الصحيحة المتعددة دلت على أنه أراد اختبار الجارية أمؤمنة هي أم مسلمة، فأقرب الألفاظ إلى ذلك ما جاء بالأحاديث الصحيحة: "أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله؟ قال: أعتقها فإنها مؤمنة". 
  • و رواية "أين الله؟" جاءت بالمعنى؛ ولهذا ما أحسن جواب بعض العارفين لمَّا سأله بعض المتنطعين: أين الله؟ قال: بالمرصاد! أين الله؟ قال: بالمرصاد: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر:14]"! 

من أين؟ "أين الله" هذه؟! أو تريد مشابهته بشيء من الكون والخلق، أو تجعل لحضرة الربوبية مشاكل الأزمات السكنية التي عندكم يا بني آدم؟! أعوذ بالله من غضب الله، هذا كلام شنيع! (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر:41]؛ رزقنا الله كمال الإيمان واليقين والتوحيد.

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ): 

  • مالذي تفهم من هنا؟ ظرفية جسمية؟ لا! 
  • ظرفية مشابهة للكائنات؟ لا! 

(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) علمهُ، وإحاطتهُ، وحكمهُ، وقدرتهُ، وهو إله الكل، ماسك الكل بيده، أمر الكل جلَّ جلاله؛ بهذا المعنى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3))؛ ما تكتسبون وما تفعلون من خير ومن شر، تعالى في عُلاه.

نوّرنا بنوره، ووفّر حظنا من ذاك النور. وقد أشرنا إلى حديث ورد عنه ﷺ في الجلسة الماضية، والحديث عند الإمام أحمد عليه رحمة الله وعند الترمذي وحسّنه، وقد صححه ابن حبان والحاكم: "إن اللهَ خلقَ خلقَه في ظُلمةٍ، ثمَّ ألقَى عليهِم مِن نورِه، فمَن أصابَهُ ذلك النُّورُ اهتدَى، ومَن أخطأَ ضلَّ".

اللهم اهدنا لنورك، واجعلنا من أهل نورك، نوّرنا بنورك، اجعل في قلوبنا نورًا، وفي قبورنا نورًا، وفي أسماعنا نورًا، وفي أبصارنا نورًا، وفي لحومنا نورًا، وفي دمائنا نورًا، وفي عظامنا نورًا، وفي أعصابنا نورًا، وفي عروقنا نورًا، واجعل لنا نورًا من فوقنا، ونورًا من تحتنا، ونورًا عن أيماننا، ونورًا عن شمائلنا، ونوراً من بين أيدينا، ونورًا من خلفنا، واجعل لنا نورًا، واجعلنا نورًا، برحمتك يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

22 ربيع الأول 1433

تاريخ النشر الميلادي

14 فبراير 2012

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام