تفسير سورة إبراهيم - 14 - تتمة السورة.
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة إبراهيم، من قوله تعالى:
(وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ(50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52))
ضمن جلسات الإثنين الأسبوعية بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية
من أبرز ما جاء في الدرس:
- الإنذار بيوم العذاب وحسرة الظالمين:
- أمنية الرجوع لنيل الشرف الحقيقي.
- الاتعاظ بمساكن الظالمين ومصائرهم.
- مكر الكافرين وعظمة قدر الرسل:
- الرد على المتطاولين على الجناب النبوي الشريف.
- حتمية نصر الله لرسله وعزته سبحانه.
- أهوال يوم القيامة ومشاهد الحساب العظيم:
- بدل الأرض والسماوات وبروز الخلائق للواحد القهار.
- حال المجرمين في الأصفاد والقطران.
- خاتمة البلاغ والتذكر لأولي الألباب:
- القرآن بلاغ مبين للخلق أجمعين.
- توحيد الله الخالص ودعوة أولي الألباب للتذكر والاعتبار.
نص الدرس مكتوب:
الحمد لله مُكرِمُنا بآياته وبيانها على لسان خير برياته، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه أفضل صلواتهِ وتسليماتهِ وبركاته، وعلى آلهِ وأصحابه وأهل محبتهِ ومُتابعته وموالاته، وعلى آبائهِ وإخوانهِ من الأنبياء والمرسلين مجلى رعاية الحقِّ وفضلهِ وعناياته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المُقرَّبين، وجميعِ عبادِ الله الصالحين في أرضهِ وسماواته، وعلينا معهم وفيهم، إنَّهُ أكرمُ الأكرمين وأرحمُ الراحمين.
وبعد،،
تفسير قوله تعالى: (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44))
فإنَّنا في نِعمة تأمُّلنا لكلامِ ربَّنا وإلهنا وخالقنا -جلّ جلالُه- وتعليماته وإرشاداتِه وتنزيلهِ على خاتمِ أنبيائه، وسيدَّ أهل رسالاته، سيدنا المصطفى محمد ﷺ، وصلنا إلى أواخر سورة إبراهيم، ومررنا على قولهِ جلَّ جلالهُ وتعالى في عُلاه: (وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ۗ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44))، ولقد أنذرَ الناسَ، سيّدُ الناسِ بأمر ربِّ الناسِ يوم يأتيهم العذاب -أي يوم القيامة- أنذرهم أن يحلَّ بهم في ذلك اليوم:
- سخط اللهُ وغضبهُ ونِقمتهُ وعذابهُ وعِقابه، بكفرهم بالله، ورفضهم لدعوةِ الله، وتكذيبهم لرسلِ الله، وعملهم بمعصية اللهِ على ظهر الأرض.
- فذلك الذي يوجبُ العذاب في ذلك اليوم: (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ)؛ (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ)، أي وصف ذلك العذاب فوق كل تخيل وفوق كل وصف، وأن كل عذاب كان على مدى مرور الأوقات والزمان، لا يمكن أن يساوي شيئا من هذا العذاب المهول الشديد في القيامة؛ (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) [الفجر:25-26].
(وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ)، فينجِّي الله منه من أجاب، ولبَّى النداء واستجاب، واتبعَ طريق الهدى والصواب، وخالف النفس والهوى.
(فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ)، كل الذين ظلموا أنفسهم؛ من الكفار ومن لاكوا بألسنتهم قول السوء والزور والإفتراء، ومن حاربوا مناهج ربهم، ورسل إلهِهم -جلَّ جلاله- واتَّبعوا الأهواء، (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ)؛ أعطنا فرصة أخرى، أخِّرنا بالرجعة ثانيةً إلى الدنيا، (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ) وماذا تريدون أن تعملوا في هذه الدنيا؟
قالوا:
- (نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، ولا أحد من هؤلاء الذين ظُلِموا بأصنافهم في القيامة يتمنَّى الرجعة إلى الدنيا من أجل أن يحكم، أو من أجل أن يرأس، ولا من أجل أن يبني، ولا من أجل أن يصنع طائرة بلا طيار، ولا من أجل أن يحدث تكنولوجيا:
- إنما يريدون أن يقوموا على ظهر الأرض بأعز وأشرف ما يُقام عليها، وهو إجابة دعوة الحق وتلبية نداء الرسل.
- (نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، نقتدي بهم ونهتدي، فذاك هو الشرف الذي فاتنا، والعز الذي أضعناه
- (نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، فلا يمكن أن يُكسب على ظهر الأرض شيء أشرف ولا أعز من إجابة دعوة الله، واتِّباع رسله عليهم صلوات الله وخاتمهم سيدنا النبي محمد بن عبد الله، زادنا الله لهُ محبة، وزادنا لهُ تعظيمًا وأقتداءً واتِّباعًا، وكتب لنا بذلك ارتقاءً وعلواً وارتفاعًا.
قال: (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ) وقت يسير، أعطنا الفرصة؛ (نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ)، ويقال لهم: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ)، كنتم تُقسِمون وتحلفون أنكم لا تتحوَّلون أو تُنقَلون عن هذا العالم إلى عالم الآخرة والقيامة، والحساب والجنة والنار، (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44))، (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) [النحل:38]
(أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44))، وقلتم أنّكم الذين أدركتم الأشياء وحقائقها وأنه لا شيء غير ذلك مما أدركتم وأن الذي أدركتم وفهمتم دائم لا يتغير، وإليه الغاية (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44)).
تفسير قوله تعالى: (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45))
(وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)، وما من ظالِم اليوم يتقوَّل على الله، أو على سيدنا رسول الله، أو يُخالِف شرع الله، في أي بقعة من بقع أرض الله الا وقد سكن في تلك البقعة من أُهلِك قبله، ومن عُذِبَّ قبله، ومن انتهى قبله مِمن عَمِلَ بمعاصي الله جلّ جلاله، (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)، وقيل ايضاً المساكن المعنوية، أسكنوا أنفسهم في الكذب، في الافتراء، في الدجل، في الظلم، وأنتم سكنتم نفس المساكن (وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ)، بما أوضحنا على ألسن رسلنا، كيف فعلنا بهم؟ وما الذي نازلهم؟ وما الذي حلَّ بهم؟ وكيف انتهوا؟ (وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)) أنهم مثلُكم، وأشياعكم وأنكم من بعدهم ـإن سلكتم مسلكهم- كان لكم مصيرهم وجزاؤهم (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)).
تفسير قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46))
(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ) واستنفذوا ما عندهم من الحيل ومن المخادعة ومن إرادةِ التوصِّل إلى أغراضهم بكل قواهم، بكل مكرٍ، (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)، أحاط به وهو القادر على أن يجازيهم على ذلك (وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)، جزاؤهم على مكرهم، علمه بمكرهم إحاطته بمكرهم.
(وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46))، وقلنا:
- إن المعنى الأول؛ ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، لا يصلون في المكر إلى أن يزِيلوا الجبال على ظهر الأرض. فكيف يزيلون جبال وحْينا، وشرعنا، وما بعَثنا به رُسُولنا، ما كان (لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ):
- فمهما مكروا فلن يتخلّفَ وعدُ الله، ولن يُخذلَ أنبياء الله، ولا أولياؤه.
- مهما مكروا لا يستطيعون أن يقضوا على هذا الدين، دين الحق والهدى ولا أن يبدِّلوه ويغيروه، قال تعالى: (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).
- وفي المعنى الآخر؛ وإن كان مكرهم بالغٌ بالغاية أنهُ تزول منهُ الجبال، أي تكاد أن تزول منه الجبال، ومن مكرهم في ذلك:
- كفرهم وتكذيبهم بآيات الله واجترائهم على الله وعلى رسله كما قال جلَّ جلاله: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ) [مريم: 90-92].
- يعني يقولون ويفترون ويزعمون كلام شديد، عظيم، خطير، تكاد تنهدُّ منه الجبال (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).
كما سمعتم في كلام هؤلاء الكفار الذين ادَّعوا مع الله ولد، كما تسمعون من وقت لآخر، تسمعون في هذه الأيام، بعض الحكَّام من الكفار في الهند يتطاولون على زين الوجود محمد، وهذا المُتطاول لا يساوي أمام أحد من الأنبياء نعلاً، ولا تربةً تحت نعلِ واحدٍ منهم؛ وقد تجاوز حدّه، وأغضب ربه، وتصرَّف على ظهر الأرضِ بما يضرُّ العباد والبلاد، وما يضرُّ البشرية في عيشتها بأمن واحترام وطمأنينة بين الناس، في سِلمها، في أمنها، في طمأنينتها، فما هذه الأقوال؛
- إلاّ مصدر الإثارات والبغضاء والشحناء والعداوات والتطاول الشنيع إلى أكرم خلق الله، إلى أفضل خلق الله، إلى خاتم رسل الله، إلى أكرم الخلق على الله، وأحبِّ مخلوق للإله -جلّ جلاله-.
- وما يكون التظاهر بهذا إلاّ من سقطةٍ في حمِئة الحقد والبغضاء، وعمى العقل، وعمى الإدراك للإنسانية بذاتها وبحقيقتها وما هيَ عليه.
فيُنبئُ القول عن تلك السفاهة التي يتوصَّل الناس إليها حتى يتولَّى مسؤولون في الدول الخوض أو القول لمثل هذا القول الآثم الساقط، الهابِط، المؤذي، الضار، المُفتن وما إلى ذلك.
ولئن كان يحصل على ظهر الأرض وفي واقع العالم ما يحصل؛ من هبوطٍ وسقوطٍ للقيَم؛ ولكن التجرِّي على الحق ورُسُله أشدُ وأشنع ما يمكن أن يحصل من أي مخلوقٍ على ظهر الأرض:
- فإن الملك الأعلى -جلَّ جلاله- بعلمه اختار النبيين والمرسلين: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج:75].
- فأي مساس بأي نبي؛ مجال غضب الجبار الأعلى، وسبب حصول النقمة على أهل الأرض.
كل من لم يستنكر ذلك فلا يجد من عنده مُسكة عقلٍ على ظهر الأرض من جميع الناس إلا أن يُوقن أنّ فتح هذه الأبواب وخوض هذه المجالات يجب أن يُسدَّ؛ وإلا فهو أشد الأسباب الموصلة للبشرية إلى أنواع الشرور وكل محذور-والعياذ بالله تعالى-.
ومع ذلك كله فكلامهم عن الإله، وكلامهم عن رسله، أو عن أوليائه، مهما تجرَّأوا وافتروا:
- فلن يغير من عظمة الله ورُسُلِهِ شيئاً، ولن ينقص من قدر أصفياء الله وأنبيائه.
- بل ينفتح لهم بذلك أبواب من الرفعة والعلو، والشرف والكرامة.
وظهور فضلٖهم لكثير من خلق الله على ظهر الأرض، والكرامة وظهورها مُقبلة عليهم وعلى العالمين أجمعين؛ ليرغم كل أنفٍ لم يعرف قدر المرسلين في يوم الحُكم وجمع الأولين والآخرين قال تعالى: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) [يس:52]، صلوات الله وسلامه.
تفسير قوله تعالى: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47))
قال ربنا: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)؛
- إن الذكر بالتكريم والتعظيم لمحمد ﷺ وأخباره سيكون في وسط البيت الذي يتكلَّم هذا على المصطفى ويريد الإساءة إلى هذا الجانب، قرُب الزمان أو قصُر، على رغم أنفه وأنف كل من كابر.
- فإن الله لم يرفع ذكر مخلوق كما رفع ذكر محمد -صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وقد كفاه المستهزئين كما ذكر في آيات الذكر المُبين.
وبعد ذلك وقبل ذلك فحقيقة (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُۥٓ)، إلهٌ لا يُخلف الميعاد، أفيخلفُ وعد رُسُله؟! لا يخلف الميعاد لأحدٍ من خلقه، أيخلف ما وعد به رسله من نصرهم؟!
قال تعالى:
- (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر:51].
- (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة:21] جلّ جلاله.
قال تعالى: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)؛
- (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)، لا يبلغ أحد ضُرَّه فيضُرَّه ولا يبلغ أحد نفعه فينفعه؛ (عَزِيزٌ).
- (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)، لا يُحاط بوصفه، ولا يدرك أحدٌ الإحاطة بأسمائه ولا بذاته العلية
- (عَزِيزٌ)، يحتاج إليه كل من عداه وهو لا يحتاج إلى شيء، وكل من عداه مُحتاج مُضطرٌ إليه.
حتى المُلحد، حتى المُعاند، حتى الفاجر، هو ولسانه التي عصى الله بها، وذهنه الذي لطَّخه بالكفر، وجسده الذي يعص الله به؛ آيات من آيات الله وعلامات على صدق محمد بن عبدالله..
- إن هذا التكوين الذي هو واقعٌ عليه في الأرض، تحدَّث عنه محمد وكيف بلغ من النطفة إلى العلق إلى المُضغة قبل أن يعلم بذلك أحد، فهو ولسانه الذي يعصي بها وتركيبته؛ دلالة على صدق محمد وعظمته، وهو يُكابِر فليُكابِر.
- (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)، وسنرى ذكره مجلَّلاً معظماً في كل بيوت الأرض "حتى لا يبقى بيت حجرٍ ولا مدرٍ ولا وبر إلا دخله دين أبيك"، يقول لفاطمة بذلِّ ذليل أو عزِّ عزيز. اللهم أعزَّنا بدينك وبرسولك ونصرته.
(فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ)، جميع أهل الأفكار والمشاريع والأنظمة التي يريدون بها إطفاء نور الله، ويريدون بها هدم هذا الدين أو محْوه ومضادته، قل لهم: تُتعِبون أنفسكم ليكون مآل من أصرَّ منكم على ذلك ومات؛ العذاب الدائم الخالد، ولن تبلغوا في ذلك غاية ولو اجتمعتم بجميع من معكم من شرق الأرض إلى غربها.
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48))
(فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47))، والحُكم الأكبر؛
- (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ)، تُبدَّل الأرض غير الأرض؛ بتغيير كل صفاتها هذه، بما لا يمكن أن تحْدثه أسلحتكم ولا قنابلكم، بل تُحمل الأرض والجبال فتدك دكا، (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً) [الحاقة:14]، (تَمُورُ السَّمَاءُ) [الطور:9].
- (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ)، فتُنسف الجبال نسفا، وتخرج الأرض أثقالها، وتتزلزل وتضطرب بشدة وتسوَّى، وقد فُجِّرت بحارها، واستوت فكانت أرضا مستوية، ومُدَّت مداً؛
- لتتسع، ليحشر الله عليها جميع الحيوانات من بني آدم والجن والحيوانات كلها في البر والبحر: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الأنعام:38]، (ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)، ويحشر الجميع.
(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)، و(تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) [المعارج:8]، (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ) [القارعة:5]، (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)):
- برزوا: خرجوا من قبورهم.
- برزوا: ظهر ما في صدورهم وأسرارهم.
(إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) [العاديات:9-10]، جُمِع وأبرز ما في الصدور؛ (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة:18].
(وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) -جلّ جلاله وتعالى في علاه- (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ)، صاحب الوحدانية، لا شريك له في ذاته، ولا صفاته، ولا أسمائه، ولا أفعاله (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48))، الذي قهر عباده بالموت، والذي يخضع كل شيء لجلاله: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه:111].
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50))
(وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ) من كل من أصرَّ على الكفر والعِناد ومُخالفة الجبار وسبِّ أوليائه فضلا عن أنبيائه ورسله وملائكته.
يقول جلّ جلاله: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ)، مربَّطين في الاصفاد، السلاسل والأغلال. (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ) مربَّطين بهذه السلاسل، وكل منهم مع قرينه من الشياطين؛ (مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم)، لباسِهم، قمصانهم، (مِّن قَطِرَانٍ)، هذا الدهن الذي يُدْهن به جلود الإبل قوي الاشتعال، سريع الاشتعال بالنار.
- (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ)، من هذا القطران الذي يكون سريع الاشتعال، و شديد الاشتعال النار فيه.
- (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ)؛ ليشتد الأمر عليهم، وقد تُدهن به جلودهم فيصير لهم كالقميص.
- وقال بعض أهل التفسير؛ (من قَطِر آن): النحاس -القصدير-، قَطِرآن يعني حار (مِّن قَطِرَانٖ) من قطرٍ آنٍ.
(وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ (50))، -اللهم أجرنا من النار- خص الوجوه -أعز الأعضاء-، تغشاها وتلهب فيها النار.
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51))
(لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ)، خيراً أو شراً، (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب؛ (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النازعات:46]، وحسابهم كلهم كحساب نفس واحدة وبعثهم كبعث نفس واحدة في قدرة الله (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)).
هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52))
هذا القرآن والوحي والنبأ بلاغ للناس، من ربِّ الناس، على لسان سيد الناس، (هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ)، بهذا القرآن وبهذا بلاغ (وَلِيُنذَرُواْ بِهِ)، حقيقة الأمر المُقبِل عليهم، وليستعدِّوا لأنفسهم ويقوها الأسواء التي لا طاقة لهم بها، (وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا)؛ لكل قابل للعلم منهم، يعلم من خلال هذه الآيات والدلالات؛ (أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) لا إله غيره؛ يُقدِّم ويُؤخِّر، ويُقرِّب ويُبعد، ويُشقي ويُسعِد، ويرفع ويخفض، (أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ).
اللهم ذكِّرنا، ونوِّرنا، وبصرَّنا، وارفعنا ولا تضعنا، وأقبل بوجهك علينا، وأسعدنا ولا تُشقِنا، وزدنا من كل خير ولا تنقصنا يا إلهاً واحداً لا شريك له.
(أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ) يستجمع الذكر للحقيقة أولو الألباب -أصحاب العقول- فيدركون الأمر على ما هو عليه، (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52))؛ (هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ)، هذا بلاغ للناس، وقد وصل البلاغ على يد خير الناس.
يقول سبحانه وتعالى: (هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، لا إله غيره؛ (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52))، والعقول، فيدركون الحقيقة، ويتذكَّرون ما مرَّ عليهم في عالم الأرواح من عهد ربهم الكريم الفتاح (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)؟ [الأعراف:172]، جلّ جلاله وتعالى في علاه، (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [يس:60].
أجعلنا من أولو الألباب يا رب الأرباب، وارزقنا الاستعداد لدار المآب، وارزقنا نصرتك ونصرة رسولك سيد الأحباب، واملأ قلوبنا بمحبتك ومحبته وتعظيمك وتعظيمه، واجعلنا من خواص الذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهم المُفلحون برحمتك. يا من يقول للشئ كن فيكون، أعلِ كلمة المؤمنين ودمِّر أعداء الدين، واجعل أعداءك أعداء دينك كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ، واجعلنا في من تتولاهم بعين عنايتك و في جميع ما ننوي ونعتقد ونفعل ونقول، وأعذنا من كل سوء وموجبات سوء في الدنيا ويوم الهول المهول برحمتك يا أرحم الراحمين وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
08 ذو القِعدة 1443