تفسير سورة إبراهيم - 12- من قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا..)، الآية: 35
تفسير فضيلة العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ للآيات الكريمة من سورة إبراهيم، من قوله تعالى:
(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41))
ضمن جلسات الإثنين الأسبوعية بدار المصطفى بتريم للدراسات الإسلامية
من أبرز ما جاء في الدرس:
- حرمة البيت الحرام ودعوة الأمن:
- حرمة البيت وأمن البلد الحرام.
- همّ التوحيد وعصمة الذرية من الشرك.
- قصة إسكان الذرية في الوادي القاحل وثقة هاجر عليها السلام:
- اختيار مواطن القرب من الله.
- ملحمة التسليم والتوكل.
- فجر زمزم واستجابة الدعاء.
- رحمة الأنبياء بأممهم وشفقة المصطفى ﷺ:
- إسناد الأفعال ومسألة المجاز السببي.
- شفقته ﷺ على أمته.
- بركة الدعاء وثمراته:
- ميل الأفئدة وجباية الثمرات.
- شكر النعمة والبشارة بالولد على الكِبَر.
- دعاء الخليل لوالديه وتنزيه أنساب الأنبياء.
نص الدرس مكتوب:
الحمدُ لله مكرمنا بتنزيل الكتاب وتيسيرهِ وتبيِينه على لسان سيد الأحباب، المصطفى المجتبى محمد المخصوص بأعلى خطاب، صلى الله وسلم وبارك وكرّم في كل لمحة ونفَس عليه وعلى آله وأصحابه خير آلٍ وأصحاب، وعلى مَن تَبِعهم بإحسان إلى يوم المآب، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل الإقتراب، وعلى آلهم وأصحابهم وتابعيهم والملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
أما بعد،،،
فإننا في نعمة تأمُّلنا لكلام ربّنا وخِطابه وتعليمه وتوجيهه ونَبَأه، مررْنا على أكثرِ سورةِ سيدنا إبراهيم وانْتهينا في أواخرها والحقّ يقصُّ علينا دعاء الخليل إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وقد ذكر جلّ جلاله وتعالى في عُلاه، دعوة عبادهِ لإقام الصلاة والإنفاق ممّا رزقهم والاستعداد ليوم الحساب، يومًا لا بيع فيه ولا خِلال، وذَكَرَ الآيات العظيمة في:
- خلق السماوات والأرض.
- وإنزال الماء من السماء.
- وإخراج الثمرات.
- وتسخير الشمس والقمر والبحر والأنهار، والليل والنهار.
- وإعطائنا مما سألناه.
وقال بعد ذلك كله:
- (إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ): كثير الظلم لنفسه.
- و(كَفَّارٌ (34)): يكفُر بالنِّعم ويجحدها ويكفُر بالمنعِم -سبحانه وتعالى- إلّا مَن اصطفى الله وارتضى.
تفسير قوله تعالى: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35))
يقول الحقّ لنبيِّه محمّد: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ)، أي واذْكر لهم يا نبيّي وعبدي، قومك هؤلاء الذين يكذّبونك ويؤْذونك ويخالفونك، وقد عَلِموا صدقك وتربَّيْتَ بينهم على أطهر الأوصاف وخير الخِلال والصفات في الظاهر والخاف، قُل لهم وأنتم تحتجّون بتبعيّة آبائكم في عبادة الأصنام:
- إنّ لكم قبلهم آباء كِرام أحقّ أن يُتّبعوا وأَوْلى أن يُقْتدى بهم: إبراهيم عليه السلام.
- وأنّ البيت أُقيم لعبادة الله وحده ولأجل هذا المبدأ العظيم الذي خُلق الناس من أجله.
فكيف تحتجّون بآباءٍ خالفوا مَن قبلَهم وعَبدوا الأصنام؟
- وأوّل مَن أتى بها إلى تلك الجهات: عمرو بن لُحيّ الذي رآه ﷺ يَجُرُّ أمعاءه في النار -والعياذ بالله تعالى-، وزُيِِّن لهم عبادة الأصنام، وعبادة غير الله جلّ جلاله.
يقول الله: الأصل في هذا البيت وفي هذا التّكوين وفي هذا الخلق إنما هو:
- العبادة لله وحده والإيمان به.
- والاستقامة على مَنهجه.
قُلْ، اذكر لهم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا)؛
- تقدّم معنا في سورة البقرة يقول: (اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا)، وكأنّ ذاك كان أوّل ما أوْصلَ سيدتنا هاجر وابنها -ولده سيدنا إسماعيل عليهما السلام- إلى عند البيت قبل بنائه وقبل أن يسكن معهم أَحد، فقال: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا) [البقرة:126].
- ولكن مرة ثانية لما جاء وقد بنى البيت وقد سكنَ عندهم مَنْ سكنْ من الناس قال: (اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ).
(رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، محلّ أمنٍ وطمأنينة، والمراد،: يأمنُ أهله ومَن يسكن فيه؛ فشَرَعَ الحقّ تعالى تأمين الوحوش فيه فلا يُصاد صَيده، ولا يُعْضدُ شوْكه، ولا يُقطع شجره.
يقول صلى الله عليه وصحبه وسلّم في ذكْرِ حُرمة هذا البيت: "لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتَهُ إلَّا لِمُعَرِّفْ ولا يُعْضَدُ شجره ولا يقطع، ولا يقتل صيده"؛ تعظيمًا لهذا المكان المشرَّف، خير مكانٍ على ظهر الأرض، محلّ بيت اللهسبحانه وتعالى:
- (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران:96].
- (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ) [المائدة:97]، يقومُ أمرُهُمْ ويًصْلُح شأنهم عليه.
- (قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ) [المائدة:97].
يقول سيدنا الخليل: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، وحينئذٍ يكون التخويف فيه ولو لحيوانٍ أعظم إثما من التخويف والإيذاء في أيّ مكانٍ، فهو محلُّ الأمن، فكيف بتخويف المؤمنين والمسلمين؟! فهو مكان الأمن والطمأنينة ويجب أن يُؤمَّنَ كما قال سبحانه: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) [آل عمران:97].
يقول: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا)، وخصَّ الله البلدَ بخصوصياتٍ، ومزايا وأمَّنهم من كثيرٍ مِمَّا يحْصُل في بقاعٍ أخرى.
يقول: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35))، يدور الأمر على الإيمان والتوحيد واليقين والمبدأ الذي خُلقنا من أجله، فهو الشُّغل الشاغل لعقول الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، وكذلك يجب أن تُشْغَلْ عقول أتباعهم من المؤمنين بالله ورُسله؛ أن يكون شغلهم الأكبر إقامة العبادة لله -جلّ جلاله- والبعد عن عبادة غير الله كائنا من كان.
(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)):
- فَعَصم الله أبناءه لصُلْبه، فهم أنبياء؛ سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق.
- وعصم الله بعد ذلك من ذريته مَنْ عصم على ممرّ القرون:
- وفيهم الذين أشركوا وكفروا وعبدوا الأصنام.
- ولكن بَقِي في ذريته على التوحيد ممن لا يعبد الأصنام قوما بعد قوم حتى بُعث خير الأنام صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
- وكان على ذلك القدم من ذرية سيدنا الخليل إبراهيم، بل ومن ذرية إسماعيل مَن لا يعبد الأصنام.
(وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35))، فكان هذا التّضرّع والدّعاء الذي يُنْبِئُ عن ما يحمله من همٍّ سيدنا الخليل، وينبئُ عن وضع الحِمْل على باب المَلِك القويّ الجليل -جلّ جلاله-، وكذلك يجب أن يضع المؤمنون أحمالهم وأثقالهم على باب ربّهم، وأن يُقوِّموا الاعتماد عليه، والاستناد إليه والتّفويض إليه، جلّ جلاله وتعالى في علاه.
(رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا..(35))، إنْ أرادوا شيئا يتعلق بالبلدان أو يتعلق بالذرية والأولاد فَلْيُنزلوا ذلك بربّ العباد، ويسألونه من البرِّ الجواد جلّ جلاله، ويقوموا بعد ذلك بالأسباب من قِبَلِهِمْ بما أمكنهم؛ لكن مَطْمح نظرهم واعْتمادهم على إلاهِهمْ وخالقهم جلّ جلاله؛ فهذه الأدعية فيما يتعلّق بسيّدنا الخليل إبراهيم وما يتعلّق بذرّيته وما يتعلّق بالبلد والموطن الذي أقاموا فيه؛ طَلَبَ الصّلاح واسْتقرار الأمر للكلّ من الله، لأنّه هو الذي يُصلح، وهو الذي يَهْدي، وهو الذي يُجمِّل، وهو الذي يُنْعِمْ، وهو الذي يأخذ باليد، وهو الذي يُرشد، وهو الذي يَهْدي، وهو الذي يَرزق جلّ جلاله وتعالى في علاه.
تفسير قوله تعالى: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36))
قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ)، نَسَب الإضلال إلى الأصنام، والأصنام كغيرها من الكائنات لا تستقلُّ بهداية ولا بإضْلال، الله يهدي مَن يشاء ويُضلُّ من يشاء.
- "اللّهمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت".
- (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ) [النور:35].
- "يا عِبادي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فاسْتَهْدُوني أهدِكُم"، اللّهم اهْدِنا.
- قال سبحانه وتعالى: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة:213].
اللّهمّ اهْدنا لما اختُلف فيه من الحقّ بإذنك واهدنا إلى صراطٍ مستقيم يا ربّ العالمين.
يقول: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ):
- نَسَبََ الإضلال إليهنّ من حيث السّببيّة، لمّا كنّ سببا في نشر هذا الضّلال واعْتقاد أنّ مع الله إلهًا آخر، وعُبِدْنَ من دون الله، نسب الإضْلال إليهنّ وهُنّ لا يَهْدين ولا يَضْلِلْنَ، ولكن لأجل السّببِيّة.
- وهذا هو المسلك الّذي مضى عليه الأنبياء وأتباعهم؛ يقولون بما يُسمّى بالمجازِ، ويَنْسبون أحيانا الفعل إلى سَبَبَه مع أنّ الفعّال هو الله -جلّ جلاله-؛ وبذلك جاءنا القرآن أيضا، فلا مجال لتشدّد ذي فكرٍ ضيِّقٍ، يقول إن قُلت إنّ فلانا أضلّ أو هدى فقد أشركتَ، إلى غير ذلك من مثل هذا الكلام.
وهذا سيّدنا الخليل إبراهيم يقول: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ)، أي الأصنام؛ فنسب الإضلال إليهنّ، فلا شيء في ذلك، ومعناه واضح لكل مؤمن، لا إشكال فيه ولا شكّ ولا شيء مِمَّا يُدَّعَى من تشريك عبادِ الله وتكفيرهم بغير بيِّنة وبغير حق.
(رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ)، وَلِذَا قال ﷺ: "فيَضِلُّونَ ويُضِلُّونَ"، نَسَبَ الإضلال إلى علماء السّوء، وإلى الذين يُسألون فيَفْتون بغير علم، ونسب الإضلال إليهم لأنهم سببهُ، والحقّ أضلّهم وأضلّ مَن أضلَّ على أيديهم، والعياذ بالله تبارك وتعالى، ثم نجده مع قوله لنبيّه:
- (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص:56] يُثْبِت له في الآية الأخرى أنه الهادي، فما هناك في الهداية سبب أقوى من محمّد، فهو السبب الأقوى للهداية صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك نسب الهداية إليه؛ مع أنها من الله وحده جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
- وقال له في الآية الأخرى: (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) [البقرة:272].
- فيُثْبِتُها له في الآية الأخرى بمعناها المجازيّ والسببيّ، فيقول: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [ الشورى:53]:
- فالمتقوِّل بمثل القول الذي قلناه، كأنه يؤمن ببعض الكتاب وينكر بعضه، والعياذ بالله تعالى.
- ولكن من علِم وعرف مدْلولاتَ الكتابِ، علم السَّعة في مثل هذه الألفاظ وأنّه لا ضُرَّ فيها ولا شرَّ فيها، ولا مخالفة للدّين ولا للتّوْحيد في مثلها.
- و يقول الحقّ تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ ۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24].
- بل قال جلّ جلاله: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٌ) [ الرعد:7]، يَهْدِيهِمْ، يتسبّب في هدايتهم والهادي هو الله جلّ جلاله وتعالى في علاه.
وهكذا تواترت الآيات، وتكرّرت وتعدّدت الآيات بهذا المعنى؛ بل قال عنِ القوْم الضّالين أنّهم يهْدون إلى النّار: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ إِلَى النَّارِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) [القصص:41]، بل قال عن فرْعون أنّه يورد قومه النار، ولا يُدْخِل أحد النار ولا الجنة إلا الله، ولكن يكون المخلوق سببًا لدخول غيره الجنّة أو لدخول غيره النار؛ يقول تعالى عن فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) [هود:98]. وكذلك ما جاء في أمثال ذلك؛ فالمسائل واضحة، يحاول أن يعكِّر وُضوحها بعض أهل التّشدّد بتشدّدهم، مع قلّة عِلمهم وضَعف إدراكهم وبُعدهم عن حُسن التّأمّل للنّصوص الواضحةِ الجليَّةِ.
- (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ): فَعَبدوا غير الله جلّ جلاله وتعالى في علاه.
- (فَمَن تَبِعَنِي)، على الإيمان بك وتوحيدك والعمل بطاعتك.
- (فَإِنَّهُ مِنِّي):
- له منزلةٌ لديّ، وولاءٌ منّي، ومحبّةٌ عندي.
- وهو على ديني وعلى مِلّتي التي ارتَضَيْتَها لي وهَدَيْتَني إليها.
- (فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي)، وخرج عن الأمر الذي بلَّغتُهم إيّاه، وأمرتُهم به بأمْرِكَ لي.
- (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36)):
- لمَن تاب منهم.
- ولمَن سبق منك العفو عنهم.
وذلك في غير الشّرك بالله جلّ جلاله، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء:48]، أي هذا وصفكَ والأمرُ إليكَ:
- تغفر لمن شئت، تتوب على المشرك، تعفو عن المذنب العاصي.
- أو تُعاقب، أو يستمرّ صاحب الشِّرك في ذلك حتى يموت، فالأمر لك.
ولكن أنا أذكرُ من وصفك كثرة المغفرة وَسِعة الرّحمة، فأقول: (فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36))، لِأَسْتَجْديكَ أن تتوب على المشرك وأن تغفر لِلْعاصي والمذنب ولا تُعرضهم لعذابك، فتَحْمِل قلوب الأنبياء الرحمة للعباد، والحساب ليس عليهم والعقاب ليس عليهم، أمره لله -جلّ جلاله وتعالى في علاه-، وهم عبيد أوْجَبَ الرّبّ عليهم أن يرحموا عباده، ويتوسَّطوا لنزول الرحمة عليهم ولِإنقاذهم ولِإرشادهم.
فلهذا عبَّر بهذا التّعبير، كما عبّر سيدنا عيسى عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى يحكي عن عيسى يقول: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 117-118].
وهكذا وقد جاء فيما روى ابن جرير، وأوْرده الإمام بن كثير في تفسير عنه ﷺ، أنّه لمّا مرّ بالآية هذه: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36))، وذكر قول عيسى بن مريم (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ) [المائدة:118]، فكَّر في أمّته، وما يكون حالهم من بعده، وما يكون حالهم في القيامة فبكى ﷺ، وأكثر البكاء، فأرسل الله إليه جبريل يقول اذهب إلى محمّد وقل له: ما يبكيك؟ -والله أعلم-، فجاء إليه فقال: إني مررت على الآية، وذكرتُ الآية الأخرى لعيسى، فذكرت أمّتي وفكّرتُ فيهم، وما يكون حالهم من بعدي، (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) [المائدة:117]، وما يكون حالهم في القيامة، (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، قال: فأخبر جبريل ما قال النّبيّ -والله أعلم به وبِجبريل وبما قال-، فقال: ارجع إلى محمّد، وقل له: إنّا لن نسُوءَك في أمّتك وسَنُرْضيك فيهِم، إنّا سنُرضيك في أمّتك ولا نسوءك؛ فما أعظمه من قلب رحيم بكى لأجلنا في لياليه، يدعو باريه ﷺ، فمَنْ أرْحمُ في الخلق بالخلق من محمّد سيّد الخلق وحبيب الحقّ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم.
ثم أكّد الحقّ هذا المعنى، وقال لنبيّه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم، وتولّى عنه هذا البلاغ على نحو ما قال ساداتُنا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لأمَمِهم؛ فتولّى الحقّ بنفسه هذا الأمر مع هذه الأمّة:
- فيقول له سبحانه وتعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ)، هذا سيّدنا إبراهيم يقول: (وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
- يقول الحقّ لحبيبه: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، قلْ لهُم، قُلْ لهم هذا الكلام: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) -الله أكبر- يعني:
- اطمئن أنَّ كلَّ من تاب منهم وأنابَ إلي فإنَّني سأَتَوَلَّاهُ وسَأَغْفِرُ له، ويُطَمْئِن حبيبه برحمته الواسعة، ومع ذلك (وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام: 147]؛ فاحذروا من التّمادي في الزّيْغ والضَّلالِ.
تفسير قوله تعالى: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37))
يقول: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، لمّا ذكر أمر المبدأ والمِلّة والدّين والأمر المهمّ، ذكر أمر المعاش، (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي)، أسكنت من ذرّيتي أي بعض ذريتي من التبعيضية، يقول لا، وهو ولده سيدنا إسماعيل؛ (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ)، مكّة المكرّمة، (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ)، لم يكن يُزرع فيه شيء ولا يَنْبُتُ به الزّرع، (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ).
لكن اختيار الأماكن والسُّكنى في الحياة؛ ما الذي ينبغي أن يجعل المؤمن في ذهنه لِيَختار هذا المكان، وهذا المكان، وهذا المكان؟
- لِيَنْظُرْ المكان الذي يتسنّى له فيه القرب من الله أكثر، وإقامة العبادة أكثر فَلْيَخْتَرْه.
- أمّا الذي ما يعرف من اختيار الأماكن والمواطن والسّكنى إلّا قصور، أو إسفلت، أو أشجار، هو والكافر سواء، هذا هَوَى طبْعيّ،.
أنت مؤمن، تختار أيّ مكان!
قال سيّدنا الخليل لمّا كان (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ): (إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي)، (عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ):
- أنا سكنت هنا من شأن هذا المكان العظيم عندك، وله قَدْرٌ وبيتك في هذا المكان.
- فأنا قرَّبتهم هنا من أجل هذه المقاصد، (عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ):
- من أجل أن يتسنَّى لهم أداءَ الصّلاةِ على التَّمام والكمالِ في بقعةٍ تتضاعفُ فيها الأعمال وثوابها، ويتضاعف فيها الخير: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ).
إذًا فهذه مجالات اخْتيار الخليل إبراهيم لهذا، أو اخْتيار الحقّ للخليل إبراهيم أن يضعهم في هذا المكان؛ فذكر الخليل إبراهيم عن الحكمة في أنّ الله اخْتار لهم هذا المكان، فإنّه -عليه السلام- لمّا كَبُر ولم يكن له ولدٌ..
- فبشَّره الله تعالى، دعا ربّه: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) [الصافات: 100-101]؛ سيّدنا إسماعيل -عليه السلام- ثم وراءهُ إسحاق.
- لمّا بلغ تسعًا وتسعينَ سنة، بُشِّر على أيدي الملائكة الذين أهلك الله على أيديهم قُرى المُؤْتَفِكاتِ -قوم لوط- (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) [هود:71]، قَالت: (أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) [هود:72].
وهكذا حملتْ سيدتنا هاجر، وكانت مملوكة ـ أمةـ لسيّدتنا سارة زوجة الخليل إبراهيم، ولمّا كانت سيدتنا سارة زوجة سيدنا إبراهيم، مُعينة له قائمة معه في شأن الدَّعوة إلى الله، وتسافر معه من مكان إلى مكان، تعرَّضت في الطريق لبعض الجبابرة، كان يسطو على النّساء ويُجمَع له الجميلات منهنّ، ويفجُر بهنّ. ولمّا مرَّ سيّدنا الخليل في تلك البلدة، وأخبروه عن امرأة مع هذا الإنسان الذي يدَّعي أنّه نبيّ، ويدعو إلى عبادة الله، وأنّه معه إمرأة حسَنة جميلة، قال: ائتوا بها، جاؤوا بها، حتّى قال لها سيدنا الخليل إبراهيم: إذا سألكِ قولي إنِّي أختُه، فإنّكِ أختي في الإسلام.
فلمّا دخل عليها دعتِ الله فسقط، أُغشي عليه؛ فقالت: ربّي؛ يقولون أنِّي قتلته؛ فقام، فدنا منها ثاني مرة فدعتْ الله فسقط، ثم قام فدنا إليها ثالثَ مرّة فدعتْ الله فسقط. قال: ما جِئْتُم لي بإنسان!! هذا شيطان هذا ليس إنسان، أَبعدوها عنّي، أُعْطوها هاجر، معه هذه الأمَة من إمائهِ الكثير، قال أُعطوها إيّاها وأَخرِجوها من عندي، فحماها الله وحرَسها؛ وهكذا الصّادقونَ المُخْلصونَ.
فصارت عندها أمة. كَبُر سنّ سيدنا إبراهيم ولم يأتِ له ولد، فأعطته هاجر، سيدتنا سارة أعطته هاجر، ملَّكته إياها، فحملت، بعد أن بشَّره الله وهو ابن تسع وتسعين سنة، حملت بإسماعيل؛ فغارت سيدتنا سارة، وبدأ إسماعيل يمشي معها، فلمّا كثُرتْ عندها الغَيرة بالطّبيعة وتَعِب سيدنا إبراهيم، أمره الله أن يأخذ إسماعيل وأمّه ويضعهم عند البيت الحرام. البيت مكسّر ما له مبنى قائم، إنّما رُكْمة مرتفعة في الأرض محلّ البيت، بَوَّأَها الله لإبراهيم وحدّدَ له مكانه؛ فبناها بعد أن كبُرَ إسماعيل. قال: ضَعْهم هناك. لم يكن أحد سكّان بمكّة في ذاك الوقت، وكان خارج مكّة من بعيد يسكنون العمالقة ويسكنون -قبيلة- جُرْهم؛ فجاء سيّدنا الخليل الى وادي قَاحِلْ، مَاحِلْ، لا فيه زرع ولا فيه شيء، وماذا معه؟ أَمَرَهُ، قال: ضَع لهم جرابٌ من تمرٍ وقِرْبةٌ من ماءٍ، اتْرُكها عندهم. وكم سيبقى الجراب؟! كم ستبقى القربة؟! لكن هذا خليل الله.
فجاء بهم وأَنْزَلَهُم بجوار محلّ البيت وترك القِربة وجِراب التمر ومشى، لمّا مشى قامت تتبعه سيدتنا هاجر تقول: "يا إبراهيم خليل الله، تتركنا لمن هنا؟ في هذا الوادي! في هذه الصحراء القاحلة! تتركنا لمن؟" فسكتَ وهو يمشي، فقالت: "يا إبراهيم كيف تتركنا؟!" فسكت، قالت: "آلله أمرك؟ الله قال لك أن تتركنا هنا في هذا المكان؟" قال: "نعم"، قالت: "إذًا فاذْهب فوالله لن يضيِّعنا"، إذن إذْهَبْ ما دام الله هو الذي قال لك؛ فرجعتْ ومشى سيدنا إبراهيم. جلست أيّام وحدها في هذا المكان، تأكل من هذا التّمر، تشرب من القربة وتسقي ولدها، تُرضعه. نفذ التّمر، كمَّل الماء، وعطشتْ، واللّبن منها تقلّص، وتَلَمَّض الصّبيّ، أيضا اشْتدّ عليه العطش؛ وأخذت تنظر إليه ما تفعل، وشقّ عليها تنظر إليه وهو في هذا الحال، وقامت تبحث إلى أن جاءت إلى أقرب جبل إليها -جبل الصفا- طلعت إلى جبل الصّفا تَنظرُ؛ هل من أثر؟ هل من ماء؟ هل مَن يغيث بشيء؟ فالْتفتت لم ترَ شيئا ولم ترَ أحدا، نزلتْ.
ولمّا كانت في وسط الوادي، تَحْت؛ في المحلّ المُنْخَفضِ، سعتْ سَعْيَ الجهيد، أسرَعتْ في الخُطى، وعندما ارتفعت مشتْ حتّى طلعتْ على جبل المروة، والْتفتت تريد أحد في الأثر فلم تجد، فرجعت ثاني مرة حتّى أكْمَلَت سابعَ شَوْطٍ، سبعةُ أشواط وهي في هذا الحال، فأبقاها الله -سُبحانه وتعالى- في الشّريعة دينًا لنا نسعى بين الصّفا والمروة كما سعتْ، وسَنَّ لنا رسول الله ﷺ في بطن الوادي حيثُ جرتْ أن نَجْرِي أيضا، أيْ نستعمل طريقة الرَّمَلْ في السّعي ما بين المِيلَيْنِ الأخْضَرَيْنِ الذي هو كان بطن الوادي حيث رَمَلَتْ سيدتنا هاجر -عليها رضوان الله-.
فلمّا كانت في الشَّوْطِ السَّابِعِ على الجبلِ، أحسَّت وسَمِعَت صوت قالت: "نعم أسْمَعْتَ، فهل عندك من غياث أو منقذ؟ الصَّبيُّ يموت من العطش". فإذا به سيدنا جبريل -وهي ما تعرف- في صورة شخص ضرب برجله الأرض، نبع الماء فأقبلت تحمد الله -تبارك وتعالى-، تغْرِف من الماء وتضعه في مَزَادَتَها، وتلمُّ الماءَ وتقول: "زُمْ .. زُمْ .. زُمْ .. زُمْ .. زُمْ" تخشى أن ينتهي؛ فكان ﷺ يقول: "رحم الله هاجر لو لم تغرف من الماء وترَكتْهُ لكان عينا نابعةً بمكّة"، وفي لفظ، نهرٌ يجري، ولكن لمّا زَمَّتْه زَمَّتْهُ، سُمِّيَ زَمْزَمْ. تقول: "زُمْ زُمْ زُمْ زُمْ زُمْ" أيْ لا تذهب عليّ تسيح؛ فكان بئرًا بعد ذلك وهو بئر زمزم، أبقاها الله إلى الآن بِخَصائِصها ومزاياها -الله أكبر-؛ فسيّدتنا هاجر بَقِيَتْ في ذاك المكان، وكان يتردّد إليها سيّدنا الخليل إبراهيم.
نزلَ قومٌ من جُرّهم مارِّين قريب، فإذا بالطُّيُور، قالوا هذه طُّيور ما تقع إلّا على ماء، ما عهدنا في الوادي هذا بقطرة ماء؛ فأرسلوا من ينظر، قالوا: نعم هناك ماء كثير، غريب، فجاؤوا، حبَّبَ الله إليهم السُّكْنى في ذاك المكان؛ واستجاب لدعوة الخليل إبراهيم كما نقرأها الآن، (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ..(37))؛ فقالوا: نمكث عندكِ؟، قالت: مرحبا، ولكنَّ ماؤهُ لي، أنا الأَوْلَى منكم به وأنا المقدمة به. قالوا: وهو كذلك أنت أحقُّ به، فإذا به يكفيها ويكفيهم ويشربون منه ويطبخون منه ويغتسلون منه وهو يتبارك.
فيتردّد سيّدنا الخليل إبراهيم إلى عندِ هاجر حتّى بلغ معه السّعْي وكبُرَ سيّدنا الخليل إبراهيم؛ فأمره الله أن يبني البيت: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) [البقرة:127]، وحدَّد له مكان البيت، فبناه ورفع القواعد، ثم أمره الله أنْ يَذْبَحَ هذا الولدَ وكان الإختبار الكبير، (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [الصافات: 103-105].
سيّدنا الخليل إبراهيم بعد أن ذكر في الدّعاء شؤون العبادة والبعدِ عن الأصنام والقيام بالطاعة، وأن يقيموا الصّلاة؛ قال: (بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ..(37))، (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)، كان سيّدنا بن عبّاس يقول لو قال: "فاجْعل أفئدة النّاس تهوي إليهم" لامْتَلأت مكّة بالرُّوم والتُّرك والفُرس من كلّ مكان، لكن قال: (أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ)؛ فخصّ ذلك بالمؤمنين؛ فلا تجد مؤمنا إلّا وقلبه يَهْوَى الكعبة ويحبّها ويحبّ القُربِ منها، ويحبّ حجَّها، على قدر إيمانه.
(فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ..(37))؛ تميلُ وتنصرفُ إليهم وتشتاقُ لهم. (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ) [البقرة: 125]؛ يثوبون إليه ويرجعون مرة بعد أخرى، كلّما زاروه زادوا شوقا إليه.
ويا مَكَّةَ الغَرَّاءِ يَا بَهْجَةَ الدُّنَا *** وَيَا مَفْخَرًا مُسْتَوْعِبًا لِلْمَفَاخِرِ
تَحِنُّ إليْكِ المُؤْمِنُونَ قُلُوبُهُـــــمْ *** وَأَرْوَاحُهُمْ منْ وَارِدٍ مِثْلَ صَاِدرِِ
وللْحَرَميْن الأكْرَمَيْنِ سُؤَالُنَا *** مِنَ اللهِ أَمْنًا شَامِــــــــــــــلاً
الله يحفظ الحرميْن الشريفين، وبيت المقدس، ومساجدنا ومعابِدَنا ومَعاهدِنا ومنازل الخير والأخيار فينا، ويردّ عنها كيْد الكفّار والفُجّار والأشْرارِ في السرّ والإجْهارِ يا قويّ يا كريم ياغفّار.
قال سيدنا الخليل: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ..(37)) يَسِّر لهم حصول الثّمرةِ:
- فصار المكان يُجْبَى إليه ثمرات كل شيء، من مختلف أنحاء العالم.
- وجعل الله للطَّائِفِ طبيعة تُشْبِهُ طبيعةَ الشّام وفيها الثمرات، وتُجْبَى إلى مكّة المُكرّمة.
تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38))
قال: (وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون (37))، والغايةُ والقصدُ أنْ يقوموا بشكرِكَ على الوجْهِ اللّائِقِ بالعبدِ مع ربِّهِ، (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ)، أنت اللهُ العالم بكلّ شيءٍ، (وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)، منْ شيء؛ لا خَطْرَةٍ ولا ذَرَّةٍ ولا حركةٍ ولا سكونٍ، ولا ما كان ولا ما يكون ولا ما هو كائنٍ ولا ما سَيَكون وما لا يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون،
- (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق:12].
- (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران:5].
- (وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38)).
فيا من أحاط علمًا بكلِّ شيءٍ اغْفِرْ لنا ما علِمْتَهُ، واعْفُ عنّا في جميع ما كان منَّا،أ مِمَّا عَلِمْتَهُ من تقْصيرٍ، يا بَرُّ يا عظيمُ يا غَفورُ يا رحمنُ يا شكورُ.
قال: (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون (37))، يقوموا بحقّ الشُّكر، أيْ يُحْسنوا أداء هذه الصّلوات، فالصّلواتُ لها شأنٌ عظيمٌ وإقامتُها ومحبَّةِ القلبِ لها:
- لذا يقول سبحانه وتعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: 73].
- ويقول في أوْلادِ وذُرِّية سّيدنا إبراهيم -عليه السلام- لمّا ذكرَ قِصَّته وأنّه وَهَبَ له بعدَ ذلكَ الأَوْلَادَ؛ إسماعيل وإسحاقَ -عليهم السّلام- قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء: 73].
تفسير قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39))
قال : (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ) وهو مِنْ أكْبرِ الشَّاكرينَ؛ سيّدنا الخليل إبراهيم، بعد النَّبيّ محمّد ﷺ، أعظم الشاكرين لله، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ)، مع كِبَرِ سِنِّي بعد ثَلَاثَ عشرة سنة من حَمْلِ هاجرَ بإسماعيل، حمَلَتْ سيّدتنا سارّة بإسحاق وبُشِّرَتْ بإسحاق: وجاءَها إسحاق وسِنُّ سيّدنا الخليل إبراهيم اثْنَتَا عشرةَ ومائة سنة، كان سِنُّهُ اثْنَتَيْ عشرةَ ومائة سنة:
- وُلِدَ إسماعيل وسِنُّ الخليل تِسْعٌ وتسعون سنة.
- وُلِدَ إسحاق وسِنُّ الخليل اثْنَتَا عشرةَ ومائة سنة سنة، جاء له سيّدنا إسحاق -عليهما السّلام-.
قال -سبحانه وتعالى- بعد أن ذكرَ قصَّتهُ مع إسماعيل في الذَّبحِ ورفْعِ البيْتِ، قال سبحانه وتعالى: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)، بعد ما قال: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ) [الصافت:107-112]، جاء إسحاق بعد ثَلاثَ عشرة سنة من وِلادَةِ سيّدنا إسماعيل عليهم السلام.
قال: (وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ) وأعطاني أشياء على غَيْرِ ما يعتادِ الناس وخصَّني بها، (وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39))، يُجِيبُ دُعاءَ من دَعَاهُ ولا يُخَيِّبُ مَن رَجاه.
تفسير قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40))
(رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ)، وقت الصّلاة أوّل وآخِر (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40))، وفي القراءات المشهورة: (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءْ) على الوقف بالسكون.
تفسير قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41))
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41))، يُقَوَّمُ ويَبْرُزُ ويَظْهَرُ على النَّقِير والقِطْمير، وعلى مثقال الذَّرَّةِ، ولا يُظْلمونَ فتيلًا، (وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء:47]، (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ)، وفي الآية الأخرى؛ يومَ الدين، (الَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء:82] هو يومُ الحساب، يومُ الجزاء.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)) فذَكَرَ والديْه وهذا بعد إقامة البيْت:
فهو دليل واضح إلى أنّ آزر ليس أبوه الذي خرج هو من صُلبِه ولكن عمّه؛ عمّه الذي كان يُسمَّى محلّ الأبِ.
كما قال -سبحانه وتعالى- عن أبناء يعقوب لَمّا قال: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ) [البقرة:133]، اسمعْ مَن آباؤه؟ (إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) [البقرة:133]:
- إبراهيم جدّه أب أبوه.
- إسحاق أبوه.
- وإسماعيل ما دَخْلُهُ في آبائك؟!
- آبائك إبراهيم، وإسْماعيل عمّه.
- فالعمّ يسمّى أب.
وهذا آزر عمّ سيدنا الخليل إبراهيم، ودعاه إلى الإيمان فأبى، ومات كافرا. فلما تبيّن له أنه عدوّ اللهِ تبرَّأَ منه، لكن الآن يقول بعد هذه السنين كلّها: (اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) كيف والديه؟
- أبوه الذي نزلَ من صُلْبِهِ مؤمنٌ، أمّه مؤمنةٌ، فدعا لِوالديْه، (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ).
- أمّا الذي تَبَيَّنَ له أنّه عدوُّ اللهِ فقد تبرَّأَ منه.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41))؛ فعمَّمَ المؤمنين بعد ذكْرِ الوالديْنِ؛ مِمَّا يَدُلُّ أنّهم من جِنْسِ المؤمنين (الوالدان):
- والده الذي خرج من صُلْبِهِ وكذلك أمّه، فهما من المؤمنين.
- فإنّ الله يَتَخيَّر لأنبيائه الآباء والأمّهات، كما قال تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].
صلوات الله وسلامه عليهم، ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب برحمتك أرحم الرّاحمين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
19 شوّال 1443