منهج الرحمن ومكانة اللسان وعظيم أثره

للاستماع إلى الخطبة

خطبة الجمعة للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في مسجد الشريفة فاطمة بنت ناصر، في العاصمة الأردنية عمّان، 12 جمادى الأولى 1448هـ بعنوان: 

منهج الرحمن ومكانة اللسان وعظيم أثره

تضمنت الخطبة:

  • بيان أثر التقوى في حفظ الجوارح، وخصوصًا اللسان.
  •  التذكير بأن اللسان نعمة وأمانة، وكلمة واحدة قد تكون سببًا للرضوان أو السخط.
  •  التحذير من الغيبة والنميمة والكذب والسخرية وإيذاء الناس باللسان.
  •  تقوى الله وحسن الخلق من أعظم أسباب دخول الجنة.
  •  خطر توظيف الغيبة والنميمة والكذب لتحقيق الأغراض والمصالح.
  •  الحث على ضبط اللسان، وقول الخير أو الصمت.
  •  اغتنام اللسان في ذكر الله، وتلاوة القرآن، والصلاة على النبي ﷺ، ونشر الخير.

 

نص الخطبة:

بداية الخطبة الأولى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله، رب السماوات والأرضين، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، ومدَّ له بُسُط التمكين. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عظيم المراقبة لقلوب المُكلَّفين، والباسط لهم بُسُط التقوى، فمُرقِّيهم بها إلى ذُرى القرب والمعرفة واليقين.

وأشهدُ أن سيِّدنا ونبيَّنا وقُرَّة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، جعل الله لسانه أقوَم لسان، جاء بخير بيان، وأثنى عليه الرحمن في القرآن، وقال عن سيِّده المجتبى المختار: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ).

اللهم أدِم صلواتك على السراج المنير، البشير النذير، عبدك المجتبى المختار سيِّدنا محمد، الهادي إليك والدالِّ عليك، وعلى آله وصحبه ومن والاه وسار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد، عباد الله، فإني أوصيكم وإيَّاي بتقوى الله. فاتقوا الله عباد الله، وأحسِنوا يرحمكم الله؛ (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ).

واعلموا أن من اتقى الله عاش قويًّا، وسار في بلاد الله آمنًا. 

ومن ضيَّع التقوى وأهمل أمرها ** تغشَّتهُ في العُقبى فنون الندامةِ

الجوارح والأعضاء لإقامة أمر الله أو الانحراف عنه

وإن كان محلُّ التقوى القلب، فإنها بارزة بحقائقها على كل جارحة من جوارح الإنسان، وكلّ عضو من أعضائه.

وإن الأعضاء لَمحلُّ نورانية إقامة أمر الله تعالى، وتنفيذ شرعه، وتطبيق منهاجه. وهي محلُّ الاختلال والانحراف والتغيير والمخالفة لأمر الله، والخروج عن منهاجه الذي رسمهُ لعباده وأحبَّهُ منهم سبحانه وتعالى، وجعله السبب لنيل محبته ووداده جلَّ جلاله.

فتخرج هذه الأعضاء عن منهاج العليِّ الأعلى جلَّ جلاله، فتخسر ويخسر أصحابها، ويُهَيَّؤون لعذابٍ لكل عضو من الأعضاء بقدر ما عصى الخالق الذي خلقه.

التفكر في نعمة الله بالسمع والبصر واللسان

وهي نِعَمٌ يجب أن تُصرَف في مرضاة الله وفيما يقرِّب إليه، فهو واهبها، وهو صانعها وخالقها، وهو الذي ائتمننا عليها جلَّ جلاله وتعالى في علاه، وقال عن تركيبه للإنسان: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).

إنك لم تملك هذا اللسان الذي بين شفتيك بمال، ولا مِن قِبَل طائفة، ولا جماعة، ولا هيئة، ولا شعب، ولا دولة.

إنه الله الذي كوَّنك من نطفة إلى علقة إلى مضغة، وقوَّم أعضاءك، ودبَّرها، وسيَّرها، وأحكمها، وبثَّ فيها عجائب حكمته بقدرته البليغة جلَّ جلاله وتعالى في علاه، ثم قال عنك: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

قُل لي: ما موضع الكلام في النطفة؟ وأين موضع اللسان في النطفة؟ وما موضع البصر في النطفة؟ وأين مكان البصر في النطفة؟ نطفة تحوَّلت إلى سمع وبصر ولسان ينطق، وإلى أجهزة بديعة؛ (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

أبعد ما يُمِدُّك بهذا كله، ويقوِّمك في أحسن تقويم، ويخلقك على هذه الهيئة، تنطلق بلسانك فتعصيه؟ تنطلق بلسانك فتقول ما حرَّم عليك؟ تنطلق بلسانك فتهذي بما نهاك عنه؟ أهكذا معاملتك للمحسن؟ أهكذا معاملتك للمكوِّن؟ أهكذا معاملتك للوهَّاب الذي وهبك هذه المواهب؟

اللسان ميزان التقوى وأثره على بقية الجوارح

اضبط لسانك، احرس لسانك، فإنه ميزان تقواك، إنما يظهر أثر التقوى من القلب على الجوارح، وأظهر ما تظهر عليه من الجوارح اللسان.

ولذا جاءنا في حديث نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيما روى الإمام أحمد في مسنده، أنه ﷺ أخبرنا أنه ما من يوم يصبح ابن آدم فيه، إلا والأعضاء كلها تُكفِّر اللسان، يعني: تناشده، وتترجَّاه، وتضع عليه الحُجة، وتقول: اتقِ الله فينا، فإنما نحن بك، إن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا.

فله سلطان على بقية الأعضاء، تعصي الأعضاء إذا عصى اللسان؛ تعصي الأعضاء إذا كذب اللسان، إذا اغتاب اللسان، إذا نمَّ اللسان، إذا سبَّ اللسان. وحسبُكَ ما صحَّ في الحديث: "سِباب المسلم فسوق، وقتاله كفر".

يا أيها المصنوع بصناعة بديعة من قِبَل الصانع الحكيم، ويا من وُهِبتَ العقل والسمع والبصر، وأُرسل إليك خاتم الرسل العظيم، ذو الخلق العظيم، الرؤوف الرحيم؛ قل لي بربك: كيف تتصرَّف في هذا اللسان؟ فإنه ميزان التقوى أو العصيان، ميزان القرب أو البعد.

أثر الكلمة الواحدة

"وإن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها له رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، ولا يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه".

بكلمة تُسخط الجبار الأعلى، ثم لا يفيدك شيء، ولا ينقذك أحد، ولا ينفعك مال، ولا أهل، ولا أصدقاء، ولا أصحاب، ولا حزب، ولا هيئة، ولا صغير، ولا كبير.

بكلمة تُغضب الجبار الأعلى؛ من كذب، أو غيبة، أو نميمة، أو استهزاء بمسلم، أو سبٍّ لحيٍّ أو لميت، وذلك أشد، فإنه لا يمكنك استحلال الميت ولا طلب العفو منه، وعند اللقاء وانكشاف الحقائق، أيعفو أم لا يعفو؟ أي: يسامح أم لا يسامح؟ فيُؤخذ مقابلَ ما قلت.. وكم من كلمة تُسخط الجبار عليك! فاتقِ الله فيما يخرج من بين شفتيك.

أكثر ما يُدخل الناس الجنة وما يُدخلهم النار

ولقد سُئل نبيُّك ﷺ، كما صحَّ في الحديث، عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال: "تقوى الله وحسن الخلق"، وسُئل عن أكثر ما يُدخل الناس النار، قال: "الأجوفان: الفم والفرج".

الأجوفان: الفم والفرج، هو أكثر ما يُدخِل الناس النار؛ تساهلهم باللسان بقولها وبطعمها، ما تطعمه وما تأكله.

وتساهلهم بالفروج حتى يجاوزون إلى النظر الحرام، ومن النظر الحرام إلى الفكر الحرام، ومن الفكر الحرام إلى لواط أو زنا والعياذ بالله تبارك وتعالى، فتكون أقوى الأسباب للوصول إلى جهنم، بما كسبت أيديهم، بما انحطُّوا وراء شهواتهم.

وهم الذين بُوِّئت لهم المنازل العلى، وهُيِّئت لهم بقليل المجاهدة لأنفسهم: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ).

صوامة قوامة ولكنها في النار.. لماذا؟

أيها المؤمنون بالله جلَّ جلاله، ولقد نبَّأتنا الأحاديث الكريمة عن أنه ظواهر العبادات مع إطلاق اللسان فيما حرَّم الله وإيذاء الجيران بها، لا تنفعه تلك الظواهر من العبادات.

وقد جاء في الحديث أنه سُئل ﷺ عن امرأة كانت صوَّامة قوَّامة، كثيرة الصيام والقيام، وربما لها صدقات، وكانت تؤذي جيرانها بلسانها، إلا أنها تؤذي جيرانها بلسانها! فكان جواب النبوة: "لا خير فيها، هي في النار".

وسُئل ﷺ عن امرأة تؤدِّي الفرائض من الصلاة والصوم، وتتصدَّق باليسير مما تيسَّر لها، ولا تؤذي أحدًا بلسانها، قال: "هي في الجنة". هي في الجنة!

أيها المؤمن بالله تبارك وتعالى، آذت جيرانها بلسانها، فكيف بمن آذى جيرانه في أعراضهم؟ فكيف بمن آذى جيرانه بيده؟ فكيف بمن آذى جيرانه بفعله؟

تحذير من السخرية والغيبة

أيها المؤمن بالله، قُمُ بحق اللسان، وقَوِّم الميزان، وتهيَّأ لمقابلة الرحمن، وانطق بما يُرضيه تعالى في علاه.

واحذر غيبة المسلمين، فإن الله شبَّه المغتاب بآكل لحم أخيه ميتًا، قال جلَّ جلاله وتعالى في علاه: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ).. تأمَّل!

قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ).

قال: أنتم معشر المؤمنين بي، بعدَ مُجرد الفطرة والعقل، يحجزكم عن أن يسخر بعضكم من بعض، وتنتهجوا نهج هذا الاستهزاء والاستسخار، أنني غيَّبتُ الأمر عنكم فجعلتُ الأفضل هو من كان خيرًا لديَّ وأفضل عندي، وذلك غيب عنكم، فاتقوني.

(لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ)، لعله أجلُّ وأشرف وأعلى منزلة منك! أتحتقره لأجل صورته؟ أم لأجل ثيابه؟ أم لأجل شيء من مظاهر الحياة الدنيا؟

قال سيدنا نوح لقومه: (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، لعلهم أصحاب أعمال صالحة، أرذلون بميزانكم! وهل ميزانكم هو الحق؟ وهل ميزانكم يمشي عند الخالق؟ وهل ميزانكم يُحكَم به في القيامة؟ (وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ) إنهم ملاقو ربهم.

(لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ)، ولو تأمَّل المؤمنون هذه الحقيقة لارتقوا مُرتقًى عاليًا فيما بينهم وبين الرحمن من تقى، ولكانوا في عيش طيِّب من حسن الصلات والمعاملات.

(وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ).

يا توَّاب يا رحيم، تُب علينا، وانظر إلينا، وقوِّم قلوبنا وألسنتنا وجميع أعضائنا على ما تحبه منا وترضى به عنا، يا أرحم الراحمين.

آيات من القرآن الكريم

والله يقول، وقوله الحق المبين: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وقال تبارك وتعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وثبَّتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا من خزيه وعذابه الأليم. 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.

بداية الخطبة الثانية

الحمد لله، مَن أوحى خير منهاج، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يفوز أعظم الفوز مَن أطاعه وسخَّر أعضاءه للاستقامة على منهجه بغير اعوجاج، وأشهدُ أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله النور والسراج.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وكرِّم على عبدك المختار سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك، وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقرَّبين، وعلى جميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أيها المؤمن بالله، بِمَ تخرج من جمعتك هذه؟ يستنير قلبك بنور من أنوار التقوى، فتضبُط لسانك فيما تكلِّم به أصحابك، فيما تكلِّم به أهلك، فيما تتكلم به على الجوال والهاتف، فيما تتكلم به بيدك التي تكتب بها ما تكتب. 

فلا تكتب بخَطِّك غير شيءٍ ** يسرُّك في القيامة أن تراهُ

أيها المؤمن، إن كنت من أهل الانتفاع بما شرع الله وفرض الله، ففي كل جمعة لك رُقِيٌّ، وفي كل جمعة لك سُموٌّ، وفي كل جمعة لك تنوير، وفي كل جمعة لك تطهير، وفي كل جمعة لك قوة صِلَة بالسميع البصير، والعليِّ القدير جلَّ جلاله.

الفارق بين خيار الخلائق وشرارهم؟

أيها المؤمنون بالله، لقد روى الإمام أحمد في مسنده عن سيدنا ﷺ أنه أقام الفارق بين خيار الخلائق وشرار الخلائق، وميزان محمد هو ميزان الله، وقوله الحق الصدق.

يقول ﷺ: "خيار عباد الله الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله".

الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله: قوم غلب الذكر على قلوبهم وأحوالهم، وصدقوا مع المولى، وتحقَّقوا بالسجود، فلا ترى أحدًا منهم إلا وتشعر بذكر الله في قلبك؛ (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ).

"خيار عباد الله الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله، وشرار عباد الله المشَّاؤون بالنميمة"، المشَّاؤون بالنميمة، "المفرِّقون بين الأحبة، الملتمسون للبرآء العيب" أو في رواية: "العَنَت"، يلتمسون للبرآء العنت، هؤلاء شرار خلق الله بميزان الله ورسوله.

حال من يستخدم النميمة والغيبة للوصول إلى أغراضه

أهل النميمة، ينقل كلام هذا إلى هذا من أجل أن يفتن بينهم، من أجل أن يُباعد بينهم. ومن أغرب الغرائب أنّ بعض الناس يَعُدُّ ذلك أنه خدمةً للدين! أو وهو خدمة لشيء من أغراضه، من أجل أن يصل إلى غرضه الخاص، يجعل النميمة وسيلةً يظن أنه بها ينصر الله! ووالله ما نُصِر الله بمعصيته، ولا نُصِرت شريعته بمعصيته.

فكم من قوم التبس الأمر عليهم، وتحزَّبوا تحزُّب الغافلين والفاسقين، مُدَّعين الإيمان والإسلام؛ يستحلُّون الغيبة من أجل أغراضهم، ويستحلُّون النميمة من أجل أغراضهم، ويستحلُّون الكذب من أجل أغراضهم! ويلٌ لهم، ثم ويلٌ لهم.

"إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين"، قال: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ).

أيها المؤمنون بالله، لا مجال لانتهاك حرمات الكذب ولا الغيبة ولا النميمة، ومن كان -لضعف علمه ووعيه لأسرار السنة- يخرج مما أُبيح الكذب فيه للصلح بين الزوجين، أو بين المتخاصمَين، أو في حالة الحرب، ويمُدُّ ذلك إلى أغراضه، فهو هاوٍ هُوِيًّا بعيدًا عن مراد الله ورسوله.

ومن ظنَّ أنّ الغيبة تجوز بما أباحها الشرع وقتَ الاستفتاء، أو وقتَ التحاكم لرفع الظلم عن المظلوم، والمواطن التي أُبيحت فيها، فأراد أن يمُدَّها إلى أغراضه، فقد هوى واتَّبع الهوى، وخرج عن سبيل السواء.

أيها المؤمنون، احفظوا أعينكم وأسماعكم وألسنتكم؛ (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). وانظروا ما قال الرحمن فيما يتعلق بأقوالنا: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).

شرار خلق الله، شرار عباد الله، يبتغون، أي: يطلبون للبرآء العَنَت، يطلبون المشقة لأبرياء أتقياء ما بهم شيء، ولكنهم يبحثون لهم عمَّا يُعنِتهم لأجل أغراض في أنفسهم، بئس الذين اتخذوا الأغراض أصنامًا يعبدونها من دون الله!

إن ربك الله، فلا تعبد إلا إياه، واخضع لأمره: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

كيف ترتقي بلسانك في مجالات الخير؟

أيها المؤمنون، وبإطلاق اللسان في مجالات النور والخير والهدى ترتقي وتعتلي، وتحظى بخيرات الدارين.

تتلو بها كتاب الله، وتقرأ بها حديث رسول الله ﷺ، وتذكر الله بها كثيرًا، فيذكرك رب السماوات والأرض الذي كان بك بصيرًا، فينوِّرك تنويرًا: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)، يقول جلَّ جلاله وتعالى في علاه، تقضي بها حاجتك وحاجة المسلمين.

إن أكثر ما ينتشر من الشرور والفساد والفتن سببه اللسان، وإن أكثر ما ينتشر بين الناس من الهدى والخير سببه اللسان، فانظر ماذا تقول بلسانك، وكيف تتحدث به.

من هدي السلف في حفظ اللسان

ولقد وضع الصدِّيق، وهو المُربَّى على يد رسول الله ﷺ، حجرًا في فمه، يتأمَّل ماذا يقول قبل أن يقول، عليه رضوان الله تبارك وتعالى.

وهكذا سُئل الشافعي عن مسألة فسكت، فقيل له: ما لك لا تجيب؟ قال: أصبر حتى نظر؛ الخيرُ لنا عند الله في الجواب فنجيب، أم في السكوت فنسكت.

ولقد صحَّ عنه ﷺ، كما جاءنا في صحيح البخاري، يقول ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".

وهكذا روى لنا الإمام مسلم عليه رضوان الله تبارك وتعالى أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في شأن هذا اللسان، وما يُنتجه للإنسان من خير أو شر، يقول في وجوب ضبط اللسان عمَّا حرَّم الله جلَّ جلاله: "فلا تحاسدوا ولا تباغضوا".

ويقول صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله في تمثيل المؤمنين: "كمثل الجسد الواحد".. "المؤمن أخو المؤمن"، كما روى مسلم في صحيحه: "لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره"، "إن الله حرَّم من المؤمن دمه وماله وعرضه".

وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم؟

وهكذا يروي لنا ابن ماجه عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال له رسول الله ﷺ، بعد أن دلَّه على أبواب الخير: "ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟" قلت: بلى يا رسول الله، قال: "كُفَّ عليك هذا"، وأخذ بلسان نفسه ﷺ، وقال: "كُفَّ عليك هذا".

قال: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟".

ألا اغنم اللسان، وصلِّ به على نبيك يُصلِّ عليك الرحمن جلَّ جلاله. واقرأ به سورة الملك كل ليلة تؤنسك في قبرك. 

وقل: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ينجيك من الأسواء. 

وقل: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) ينجيك من كل غمٍّ، كما نجَّى ذا النون سيدنا يونس عليه السلام.

أيها المؤمنون، اخرجوا من الجمعة بفوائد ضبط اللسان، وتجنَّبوا آفاتها وعِلَلها ومضرَّاتها التي تضرُّ في الدنيا والآخرة، اللهم ثبِّتنا على الحق فيما نقول، وثبِّتنا على الحق فيما نفعل، وثبِّتنا على الحق فيما نعتقد.

الصلاة على النبي ﷺ

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم صلِّ وسلِّم على النور المبين سيدنا محمد، وعلى الخليفة من بعده، صاحبه وأنيسه في الغار، مؤازره في حالي السعة والضيق، خليفة رسول الله سيدنا أبي بكر الصديق.

وعلى الناطق بالصواب، حليف المحراب، أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب. 

وعلى الناصح لله في السر والإعلان، من استحيت منه ملائكة الرحمن، أمير المؤمنين ذي النورين سيدنا عثمان بن عفان.

وعلى أخي النبي المصطفى وابن عمه، ووليِّه وباب مدينة علمه، إمام أهل المشارق والمغارب، أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب.

وعلى الحسن والحسين سيِّدَي شباب أهل الجنة في الجنة، وريحانتي نبيك بنصِّ السنة. وعلى أمهما الحوراء فاطمة البتول الزهراء. 

وعلى خديجة الكبرى وعائشة الرضا، وعلى حمزة والعباس، وأهل بيت نبيك الذين طهَّرتهم من الدنس والأرجاس. 

وأهل بدر وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان، وعلى سائر الصحابة الأكرمين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الدعاء للأمة الإسلامية

اللهم اغفر لنا وللمؤمنين، وادفع السوء عنا وعن المسلمين، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، وأعلِ كلمة المؤمنين، ودمِّر أعداء الدين.

اللهم لا تصرفنا من جمعتنا إلا متمسِّكين بعُرى الإسلام الوثقى، مستمسكين بحبل التقى. اللهم تولَّنا بما أنت أهله، ورقِّنا في الإيمان بك والأدب معك خير مرقى. 

اللهم اسقنا كأس محبتك، وأثبِتنا في ديوان أهل مودتك، وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

اللهم تدارك المسلمين في غزة والضفة الغربية، وأنحاء بيت المقدس، وفي الشام واليمن، والشرق والغرب. اللهم اكشف الكرب عن المؤمنين، اللهم ادفع البلاء عن المؤمنين، اللهم اجمع شمل المسلمين، اللهم حقِّقنا بحقائق الإيمان واليقين.

اللهم خذ بيد ملك هذه البلاد، الملك عبد الله الثاني، إلى ما تحبه وترضاه، وإلى ما هو أحبُّ وأطيَب وأنفع للخلق ظاهرًا وباطنًا، وأرضى لك ولرسولك. اللهم خُذ بيده ومن يعاونه على الخير، وادفع الشر عنا وعنهم، وعن أهل هذا البلد، وعن المؤمنين في المشارق والمغارب.

يا محوِّل الأحوال، حَوِّل حالنا والمسلمين إلى أحسن حال، ولا تصرِفنا من جمعتنا إلا والقلوب عليك مجموعة، والدعوات عندك مسموعة، والأعمال الصالحة مقبولة مرفوعة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا)، أنت مولانا، أنت مولانا، (فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).

عباد الله، إن الله أمر بثلاث ونهى عن ثلاث: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم؛ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ).

 

تاريخ النشر الهجري

12 جمادى الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

23 أكتوبر 2026

اضافة إلى المفضلة